شعب فلسطين سيعيش …صدقت يا درويش وعلى هذه الارض ما يستحق الحياة
ونحن نحيي ذكرى شاعر فلسطين الكبير ، الراحل محمود درويش التي صادفت يوم امس التاسع من اب حيث رحل في هذا التاريخ من العام ٢٠٠٨ ، فانه لا بد من العودة إلى كتاباته ونثرياته وأشعاره وقصائده التي جسد فيه الهم الفلسطيني العام، والتي تتسم بالحزن والثورية ومن بينها كتاب (يوميات الحزن العادي ) الذي وصف فيه محمود درويش نثراً ما آلت إليه حالة الشعب الفلسطيني، وما يعانيه من العدو الإسرائيلي الشرس في الوطن المحتل وفي المنافي حتى باتت أيامه ، أياما طويلاً من القهر والحزن.
صحيح عندما بدأ يكتب محمود درويش ، فانه كتب عن نفسه ومعاناته الشخصية، لكن ما يعانيه الشاعر يعانيه الملايين من أبناء شعبه ، وهذا الهم المشترك وهذه الايام الثقيلة لازالت تلقي بظلالها وظلامها على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، الذي يعاني من ويلات حرب همجية أتت على معالم حياته ، فحرقت الاخضر واليابس ، ولم يعد من غزة اي رجاء للعيش ، كرفح التي بقي منها عدد قليل من البيوت ، بعد ان سويت بالارض ، وخان يونس التي اجتاحها الاحتلال لثالث مرة ، ليعيش اهلها قصة النزوح ، فاتحة معها الجروح ولسان حال نازح يقول بالأمس ( وين نروح) ، فلم يعد هناك مكان إلا واستباحته آلة الإعدام ، حتى الخيام لم تعد تصلح للمنام ، وشمال غزة أصبح مقبرة بعد ان كان جنة الاحلام ، والصبر تحت الموت والدمار ، هو المستحيل بعينه ، فاصبح ممكنا في ظل اصرار شعبنا على العيش وتحدي الالام ..
عاشق فلسطين محمود درويش لخص حكاية الوطن ، وتصدى لها في بعض مختاراته الشعرية في حنينه إلى خبز أمه ، عندما يعيش الطفولة التي تكبر على صدر أمه ، فيخجل من دمع امه التي ترتقي اليوم في غزة مع ابنائها الصغار ، فمن سيتعمد من طهر كعبها ،ومن سيشد الوثاق ، بعد ان فقد ابناء غزة الوقوف بدون صلاة نهارها وبعد ان هرموا يجيب الشاعر : فردي نجوم الطفولة ..
هل حقا هرمت غزة وأطفالها كبروا قبل الاوان وهم يواجهون هذا العدوان ، هل هذا فعلا مصيرهم وقدرهم ان يستيقظوا من نومهم إذا جاءهم النوم أصلا ، كل صباح على صوت الرصاص ، وهدير الطائرات ، ليعيشوا في خوف ورعب وقلق عميق ، أي حياة تلك التي يعيشها أبناء غزة الذين يحملون الأواني ويذهبون في رحلة محفوفة المخاطر ، علهم يحصلون على لقمة عيش يسدون بها جوعهم القاتل فيعودون بخفي حنين ، وينامون بحسرة ولوعة وحزن كبير ..
عذرا درويش فأجمل عباراتك عن الوطن ، عن فلسطين والحنين إليها سنقتبسها لاننا نعيشها اليوم ، ونقول آه يا جرحي المكابر، وطني ليس حقيبةً وأنا لست مسافراً، إنّني العاشق والأرض حبيبة.
أنا من هناك ولي ذكريات.. وُلدت كما تُولد الناس.. لي والدة وبيت كثير النوافذ.. لي إخوة.. أصدقاء.. وسجن بنافذة باردة.. ولي موجة خطفتها النوارس.. لي مشهدي الخاص.. لي عشبة زائدة.. ولي قمر في أقاصي الكلام، ورزق الطيور، وزيتونة خالدة. ما هو الوطن؟ ليس سؤالا تجيب عليه وتمض.. إنّه حياتك وقضيتك معاً. ليس الوطن أرضاً، ولكنّه الأرض والحق معاً.
ما هو الوطن؟ هو الشوق إلى الموت من أجل أن تعيد الحق والأرض.. ليس الوطن أرضاً.. ولكنه الأرض والحق معاً.. الحق معك، والأرض معهم.
سجّل.. أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألفاً وأطفالي ثمانية وتاسعهم سيأتي بعد صيف.. فهل تغضب؟!
سجّل.. أنا عربي وأعمل مع رفاق الكدح في محجر وأطفالي ثمانية أسل لهم رغيف الخبز، والأثواب والدفتر من الصخر ولا أتوسّل الصدقات من بابك ولا أصغر أمام بلاط أعتابك فهل تغضب؟!
وأنت تعد فطورك، فكر بغيرك لا تنس قوت الحمام ، وأنت تخوض حروبك، فكر بغيرك لا تنس من يطلبون السلام، وأنت تسدد فاتورة الماء، فكر بغيرك من يرضعون الغمام وأنت تعود إلى البيت، بيتك، فكر بغيرك..
( لا تنس شعب الخيام) وأنت تنام وتحصي الكواكب، فكر بغيرك.. (ثمة من لم يجد حيزاً للمنام) وأنت تحرر نفسك بالاستعارات، فكر بغيرك من فقدوا حقهم.
صدقت يا درويش فشعب الخيام ، حقا لم يجدوا حيزا للمنام ، لم يجدوا قوت الصباح ، ورغم ذلك سنصر على تسجيل هويتنا الفلسطينية ، فنحن خمسون من الآلاف ، وسنصبح ملايين ، فنساء غزة لا زلن في مخاض الولادة الشريفة ، لينجبن أطفال الغد ، حتى يستعيدوا الارض والحق ، وترزقهم الطيور بالخير ، ويعيشون بجوار زيتونة خالدة ، يأكلون من ثمراتها ، ولن يتوسلوا لأحد وسيعيدون بناء الوطن لانه القضية والحياة ، ورغم الجرح المكابر ، إلا ان شعب فلسطين سيعيش … صدقت يا درويش ..لان على هذه الأرض ما يستحق الحياة وعلى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين
صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين..
سَيِّدَتى: استحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِى، استحِقُّ الحَيَاةْ..
أقلام وأراء
السّبت 10 أغسطس 2024 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
على هذه الارض ما يستحق الحياة