عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 4:13 مساءً - بتوقيت القدس

قوات الاحتلال تعيق وصول طلاب الإعدادية لامتحاناتهم بحواجز عسكرية في حوض اليرموك

أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الخميس، على نصب حاجز عسكري مؤقت في منطقة العارضة الواقعة بريف درعا الغربي. وتمركزت القوات على الطريق الحيوي الواصل بين قريتي عابدين ومعرية في حوض اليرموك، مما أدى إلى حالة من الإرباك المروري في المنطقة.

وتزامن هذا الإجراء العسكري مع توجه طلاب الشهادة الإعدادية إلى مراكزهم الامتحانية لتقديم اختباراتهم النهائية. وأفادت مصادر محلية بأن جنود الاحتلال أوقفوا الحافلات التي تقل الطلاب والمدنيين، وأخضعوهم لعمليات تفتيش دقيقة وتدقيق في الوثائق الشخصية.

ووثقت مقاطع مصورة تداولها ناشطون قيام جنود الاحتلال بعرقلة حركة السير بشكل متعمد، مما تسبب في تأخير وصول الطلاب والموظفين إلى وجهاتهم. وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسة التضييق التي تنتهجها القوات الإسرائيلية في المناطق الحدودية السورية مؤخراً.

وتشهد منطقة حوض اليرموك وقرى معرية وعابدين تصعيداً في التحركات العسكرية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية. حيث تكررت عمليات الاقتحام ونصب الحواجز المفاجئة، وهو ما يراه مراقبون محاولة لفرض واقع ميداني جديد في الجنوب السوري.

وتستمر الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية بوتيرة شبه يومية، حيث تتنوع بين القصف الجوي والتوغلات البرية المحدودة. وتشمل هذه الانتهاكات مداهمة منازل المدنيين واعتقال عدد من السكان، بمن فيهم رعاة الأغنام والأطفال في المناطق المتاخمة للشريط الحدودي.

وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق عن انهيار اتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، وذلك في أعقاب سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024. وبناءً على ذلك، قامت قوات الاحتلال بالسيطرة على المنطقة العازلة، رغم تأكيدات دمشق المستمرة على التزامها ببنود الاتفاقية الدولية.

وعلى الرغم من غياب أي تهديدات عسكرية من الجانب السوري، إلا أن الاحتلال يواصل شن غارات جوية وعمليات برية تستهدف مواقع مختلفة. وقد أسفرت هذه العمليات عن وقوع ضحايا بين المدنيين وتدمير واسع في البنية التحتية العسكرية والآليات في المنطقة الجنوبية.

عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 3:43 مساءً - بتوقيت القدس

الفيفا يضغط للإفراج عن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر قبيل المونديال

دخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بشكل رسمي على خط الأزمة المتعلقة بالصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحتجز في السجون الجزائرية، وذلك عبر خطوة رمزية وقانونية تمثلت في منحه اعتماداً صحافياً رسمياً لتغطية نهائيات كأس العالم 2026. وأكدت مصادر إعلامية أن هذا الاعتماد يتيح لغليز نظرياً ممارسة مهامه لصالح مجلة 'سو فوت' الفرنسية في الملاعب المستضيفة للبطولة بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وخلال مؤتمر صحافي عُقد عشية انطلاق العرس الكروي العالمي، تطرق جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، إلى وضعية الصحافي الفرنسي المعتقل، مشيراً إلى أن غيابه عن المنصة الصحافية لن يغير من حقيقة حجز مقعد له. وأعرب إنفانتينو عن تطلعه لصدور قرار عفو رئاسي من السلطات الجزائرية يسمح لغليز بمغادرة السجن واللحاق بالبعثات الإعلامية الدولية المشاركة في تغطية الحدث.

من جانبها، رحبت منظمة 'مراسلون بلا حدود' بهذه الخطوة، معتبرة أن منح الاعتماد لصحافي خلف القضبان يمثل رسالة دعم قوية وتسليطاً للضوء على قضيته أمام الرأي العام العالمي. وأوضحت المنظمة أن تزامن هذا التحرك مع انطلاق أكبر تظاهرة رياضية في العالم يضع الملف تحت مجهر الاهتمام الدولي بشكل غير مسبوق.

وتعود جذور القضية إلى شهر مايو من عام 2024، حينما أوقفت السلطات الجزائرية كريستوف غليز أثناء إعداده تقريراً صحافياً حول نادي شبيبة القبائل. ووجهت إليه تهم تتعلق بـ 'تمجيد الإرهاب' على خلفية تواصله مع أفراد يتبنون أطروحات انفصالية في منطقة القبائل، وهو ما أدى لاحقاً لصدور حكم بسجنه لمدة سبع سنوات.

وشهد المسار القضائي لغليز تحولاً حاسماً في الأسابيع الأخيرة بعد صدور قرار من المحكمة العليا الجزائرية، والذي قضى بإنهاء كافة إجراءات الطعن المرتبطة بالقضية. وجاء هذا التطور بعد تنازل الصحافي عن طعنه بالنقض، ورفض المحكمة للطعن المقدم من النائب العام، مما جعل الحكم الصادر بحقه نهائياً وغير قابل للمراجعة القضائية.

وأوضح فريق الدفاع عن الصحافي الفرنسي أن صيرورة الحكم نهائياً تعد شرطاً قانونياً أساسياً في التشريع الجزائري للنظر في إمكانية الاستفادة من تدابير العفو الرئاسي. وبناءً على ذلك، أصبح ملف غليز الآن مستوفياً للشروط التي تمنح رئيس الجمهورية الصلاحية الدستورية للتدخل وإصدار قرار بالإفراج عنه، وهو ما تترقبه الأوساط الدبلوماسية الفرنسية.

وفي سياق متصل، نقلت مصادر عن عائلة غليز في فرنسا استمرار مناشداتهم للسلطات الجزائرية للرأفة بحاله، خاصة مع شعوره بالعزلة الطويلة داخل محبسه. وأفادت والدة الصحافي عقب زيارة أخيرة له بأنه يتواجد في ظروف اعتقال عادية، إلا أن استمرار الحبس لفترة طويلة بدأ يلقي بظلاله على حالته النفسية رغم صموده.

وتأتي هذه الضغوط الدولية في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية حالة من الانفراج النسبي، حيث تزايدت الزيارات القنصلية والاتصالات الرسمية لمتابعة وضعية الرعايا الفرنسيين. وكان آخر ظهور علني لغليز عبر صورة نشرتها رئيسة جمعية 'الجزائر–فرنسا' سيغولان روايال، ظهر فيها مرتدياً سترة رياضية وبحالة جسدية جيدة وهو يحمل كتاباً عن تاريخ الأمير عبد القادر.

وعلى صعيد البطولة، تنطلق نسخة كأس العالم 2026 بتنظيم مشترك لأول مرة بين ثلاث دول، وبمشاركة قياسية تصل إلى 48 منتخباً. وتتجه الأنظار إلى المكسيك التي ستصبح أول دولة تستضيف المونديال ثلاث مرات، بينما تستعد كندا لتدشين حضورها كدولة مستضيفة لأول مرة في تاريخها، وسط توقعات بمنافسات محتدمة تضم 104 مباريات.

وبينما ينشغل العالم بالتحضيرات الكروية، تبرز أصوات منتقدة لازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الإنسانية، حيث أشار مراقبون إلى صمت الفيفا تجاه معاناة الرياضيين الفلسطينيين. وتؤكد تقارير حقوقية استشهاد أكثر من 1000 رياضي فلسطيني وتدمير البنية التحتية الرياضية في قطاع غزة بشكل كامل نتيجة الهجمات الإسرائيلية المستمرة.

وتشهد هذه النسخة من المونديال تعديلات قانونية وتنظيمية واسعة، تشمل توسيع صلاحيات تقنية الفيديو (VAR) واعتماد دور الـ32 لأول مرة في تاريخ المسابقة. كما تترقب الجماهير احتمالية المشاركة السادسة لكل من ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، في حين يقود ستة مدربين أرجنتينيين منتخبات مختلفة في ظاهرة تدريبية فريدة.

ويبقى ملف كريستوف غليز معلقاً بين أروقة السياسة والرياضة، حيث يأمل المدافعون عن حرية الصحافة أن تساهم 'دبلوماسية المونديال' في طي صفحة سجنه. ومع انطلاق صافرة البداية للمباراة الافتتاحية بين المكسيك وجنوب أفريقيا، سيظل المقعد المخصص لغليز في المنصة الإعلامية رمزاً للصراع بين القوانين المحلية والمطالبات الدولية.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 3:43 مساءً - بتوقيت القدس

نهاية عصر الغزو التقليدي: كيف أعادت التكنولوجيا رسم حدود القوة العظمى؟

أظهرت التحولات المتسارعة في الصراعات الدولية خلال السنوات الأخيرة أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد الضمانة الوحيدة لحسم النزاعات. ووفقاً لتقارير دولية، فإن القوى العظمى بدأت تدرك أن قدرتها على فرض السيطرة على الدول المستهدفة باتت تواجه عوائق تكنولوجية وميدانية غير مسبوقة.

يرى مراقبون أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت في المساواة بين الدول القوية والضعيفة، مما جعل حروب الغزو التقليدية أمراً بالغ الصعوبة. وقد كشفت هذه التطورات أن القوى الكبرى لا تملك النفوذ المطلق الذي كانت تظن أنها تتمتع به في العقود الماضية.

رغم تبني بعض القادة العالميين لمبدأ 'القوة هي الحق' لإعادة تشكيل النظام الدولي، إلا أن الواقع الميداني أثبت عكس ذلك. فالمقولات التاريخية التي كانت تنص على أن الأقوياء يفعلون ما يشاؤون لم تعد تنطبق على تعقيدات الحروب المعاصرة.

تشير مصادر إلى أن الجيش الأمريكي، رغم إنفاقه الهائل على الذخائر بعيدة المدى واستهدافه لقيادات إيرانية، لم يتمكن من تحقيق نصر استراتيجي حاسم. ولا تزال طهران تحتفظ بقدرتها على إغلاق الممرات المائية الحيوية وإطلاق الصواريخ، مما يعكس حدود القوة العسكرية الأمريكية.

في المشهد الأوكراني، لم تنهَر كييف رغم الضغوط الدبلوماسية الكبيرة وقطع المساعدات العسكرية في مراحل معينة. بل تمكنت القوات الأوكرانية من قلب موازين الحرب وتوجيه ضربات موجعة في العمق الروسي، مستفيدة من التفوق التكنولوجي النوعي.

ساهمت الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة منخفضة التكلفة في تقليص الفجوة بين الجيوش النظامية الضخمة والقوى الأصغر. وأكدت مصادر ديبلوماسية أن هذا التطور التكنولوجي حدَّ بشكل كبير مما يمكن أن تحققه القوة العسكرية المجردة في ساحات القتال.

تراقب الصين هذه التحولات باهتمام بالغ وهي تدرس خياراتها تجاه تايوان، حيث تدرك بكين أن الغزو العسكري لم يعد نزهة سهلة. ويبرز التساؤل حول ما إذا كانت القوة العسكرية وحدها قادرة على تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى في ظل المقاومة الشعبية.

أكد وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو أن نموذج حروب الغزو والاحتلال التقليدية بات من الماضي وغير قابل للتطبيق. وشدد على أن إرادة الشعوب في القتال تجعل من الصعب على أي قوة عظمى تحقيق انتصار سريع ودائم.

يبرز المثال الفلسطيني كدليل إضافي على هذه النظرية، حيث لم تحقق إسرائيل نجاحاً يذكر ضد فصائل المقاومة في قطاع غزة رغم الفارق الهائل في الإمكانيات. هذا الفشل الميداني يعزز القناعة بأن تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وحدها أصبح هدفاً بعيد المنال.

أقر قادة عسكريون في أوروبا بأن الهجمات الخاطفة التي تهدف لتغيير الأنظمة غالباً ما تنتهي إلى طريق مسدود يصعب اختراقه. ويرى خبراء أن الفشل في تحقيق حسم عسكري خلال الأسابيع الأولى من الصراع يعني الغرق في حرب استنزاف طويلة.

تاريخياً، واجهت واشنطن وموسكو هزائم في فيتنام وأفغانستان بسبب حركات التمرد الطويلة التي استنزفت الدعم الشعبي. لكن الفارق اليوم يكمن في عجز الجيوش عن تحقيق حتى الانتصارات العسكرية الأولية، كما حدث مع الدبابات الروسية قرب كييف.

أدت ثورة المسيرات والترسانات الصاروخية الدقيقة إلى تآكل الميزة الهائلة التي كانت تتمتع بها القوى العظمى في الاستطلاع والجو. وأصبح من المستحيل تصور هجمات مدرعة تقليدية تحقق أهدافها دون تكبد خسائر بشرية ومادية لا يمكن تحملها.

تسعى القوى المتوسطة، مثل كندا ودول أوروبية، إلى تعزيز تحالفاتها العسكرية والاقتصادية لتقليل الاعتماد على القطبين الأمريكي والصيني. ويرى محللون أن اتحاد هذه القوى يمنحها القدرة على مواجهة إملاءات القوى العظمى وفرض قرارات دولية مستقلة.

يبقى الدرس الأهم من صراعات العصر الحديث هو أن إرادة الشعوب والتكنولوجيا المبتكرة أعادت تعريف مفهوم القوة. فالعالم لم يعد ساحة مفتوحة للأقوياء فقط، بل أصبح مكاناً تملك فيه الدول الصغيرة أدوات فعالة للدفاع عن سيادتها.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 3:43 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد حاد بين أنقرة وتل أبيب: أردوغان يحذر من تهديد الأمن القومي وترمب يستبعد المواجهة

دخلت العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب نفقاً جديداً من التصعيد السياسي والإعلامي، إثر تبادل حاد للتصريحات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتأتي هذه التطورات في ظل اتساع رقعة الصراع الإقليمي وتزايد المخاوف من تداعيات الحروب الجارية على استقرار المنطقة.

وفي خطاب متلفز، شن الرئيس التركي هجوماً لاذعاً على نتنياهو، واصفاً إياه بـ 'جزار غزة' ومتهماً الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني. وشبه أردوغان الصمت الدولي تجاه ما يحدث في القطاع بالصمت الذي رافق الجرائم النازية إبان حقبة أدولف هتلر.

ولم يكتفِ أردوغان بانتقاد العمليات العسكرية في غزة، بل ربط التحركات الإسرائيلية بالأمن القومي التركي بشكل مباشر. وأشار إلى أن التداعيات العسكرية الممتدة إلى سوريا ولبنان تمثل تهديداً لا يمكن لتركيا التغاضي عنه أو تجاهل آثاره المستقبلية على حدودها.

وأوضح الرئيس التركي أن بلاده تراقب عن كثب الأهداف الإسرائيلية وما يُعرف بمشروع 'الأرض الموعودة'، معتبراً أن هذه الطموحات تمس السيادة التركية. وأكد في حديثه أن أنقرة ستتخذ كافة التدابير اللازمة لمنع تحقيق أي أهداف تقوض استقرار الدولة التركية أو أمنها الإقليمي.

من جانبه، رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هذه الاتهامات بوصف تصريحات أردوغان بأنها تنم عن 'معاداة السامية'. وشدد نتنياهو على أن تل أبيب لن تتراجع عن عملياتها العسكرية التي تستهدف ما وصفه بـ 'إيران ووكلائها' في المنطقة، معتبراً إياهم الخطر الحقيقي.

وفي خضم هذا التوتر المتصاعد، برز تعليق لافت للرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي استبعد تماماً إمكانية تحول هذا السجال إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وأشار ترمب خلال تصريحات من البيت الأبيض إلى أن القنوات الدبلوماسية والروابط الشخصية تلعب دوراً حاسماً في كبح جماح التصعيد.

ووصف ترمب الرئيس التركي بأنه 'صديق مقرب وقائد قوي'، مؤكداً أن علاقته الوثيقة بأردوغان تساهم في فهم الموقف التركي بشكل أفضل. واعتبر الرئيس الأمريكي أن وجود تواصل مباشر بين الأطراف الفاعلة يقلل من فرص الانزلاق نحو صراع مفتوح لا يرغب فيه أحد.

وتعكس هذه التجاذبات مستوى غير مسبوق من التوتر في الملفات الخلافية التي تبدأ من قطاع غزة وتصل إلى الملفين السوري واللبناني. ويرى مراقبون أن الخطاب التركي بات أكثر صرامة في ربط القضية الفلسطينية بالأمن الاستراتيجي للدولة التركية، مما يضع العلاقات مع تل أبيب في مهب الريح.

ختاماً، يبقى الموقف الدولي منقسماً تجاه هذا التصعيد، حيث تحاول واشنطن موازنة علاقاتها مع حليفيها في المنطقة. ومع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، تظل احتمالات التهدئة الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب ضئيلة في المدى المنظور، بانتظار تحولات ميدانية أو سياسية جديدة.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 3:28 مساءً - بتوقيت القدس

إسرائيل تقر ميزانية ضخمة بـ 338 مليون دولار لتوسيع الاستيطان بالضفة

تستعد الحكومة الإسرائيلية، اليوم الخميس، للمصادقة على ميزانية ضخمة تصل قيمتها إلى مليار شيقل، ما يعادل نحو 337.8 مليون دولار، مخصصة لتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة. وتهدف هذه الخطة إلى تشييد وحدات استيطانية جديدة وربطها بشبكة بنية تحتية متطورة تشمل الطرق والمياه والكهرباء، في سياق سياسة التصعيد التي تنتهجها الحكومة الحالية.

ويقود هذا التحرك وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يعد من أبرز المنادين بفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على أراضي الضفة الغربية. ويسعى سموتريتش من خلال هذه الموازنات إلى تثبيت وقائع جغرافية جديدة تهدف صراحة إلى إنهاء أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، عبر تكثيف الوجود السكاني اليهودي في العمق الفلسطيني.

ووفقاً لجدول أعمال المجلس الوزاري الأمني المصغر، فإن النقاشات ستتركز على توفير غطاء قانوني ومالي لمجموعة من المواقع الاستيطانية التي كانت تُصنف سابقاً على أنها عشوائية أو مؤقتة. وتشمل مسودة القرار تخصيص أموال لشق طرق التفافية وتجهيز الأراضي وإنشاء شبكات صرف صحي ومجمعات سكنية متكاملة لضمان ديمومة هذه المواقع وتحويلها إلى مستوطنات دائمة.

وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لقرارات سابقة اتخذت الأسبوع الماضي، حيث جرى تخصيص 51 مليون دولار إضافية لإعداد المخططات الهندسية لبناء 69 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة. وتعكس هذه الأرقام المتصاعدة حجم الدعم الحكومي غير المسبوق للمستوطنين، وتؤكد مضي الائتلاف الحاكم في تنفيذ أجندته اليمينية المتطرفة دون اعتبار للتحذيرات الدولية.

من جانبه، حذر رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، من خطورة المرحلة الحالية التي وصفها بمرحلة 'التنفيذ المكثف' لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية. وأوضح شعبان أن الحكومة الإسرائيلية أقرت منذ توليها السلطة في أواخر عام 2022 إقامة 103 مواقع استيطانية، مؤكداً أن التمويل الجديد يستهدف استكمال بناء 61 موقعاً منها عبر توفير كافة الخدمات الأساسية.

ونبهت مصادر فلسطينية إلى أن الخطورة تكمن في الآليات القانونية المتبعة، حيث تعتزم الحكومة استخدام أوامر عسكرية واستثناءات قانونية للالتفاف على إجراءات التخطيط والبناء التقليدية. وتسمح هذه الإجراءات بالشروع في عمليات البناء فوراً تحت مسميات 'مشروعات مؤقتة'، مما يسرع من عملية قضم الأراضي الفلسطينية وضمها فعلياً للمستوطنات القائمة.

وفي ظل وجود نحو 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية، تتزايد المخاوف من تعميق العزل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية. وبينما تعتبر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي هذه النشاطات غير قانونية ومخالفة صريحة للقانون الدولي، تواصل إسرائيل رفض هذه التوصيفات، متمسكة بسياسة التوسع التي تقوض فرص التنمية والاستقرار في المنطقة.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 2:54 مساءً - بتوقيت القدس

اتحاد نضال العمال الفلسطيني يوثق انتهاكات الاحتلال بحق العمال ويطالب بتحرك دولي عاجل

رام الله: أصدر المكتب التنفيذي لاتحاد نضال العمال الفلسطيني تقريراً توثيقياً شاملاً رصد فيه حجم الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة والممنهجة التي يتعرض لها العمال الفلسطينيون منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مؤكداً أن الاحتلال لم يكتف بشن حرب عدوانية واسعة، بل وسّع دائرة الاستهداف لتشمل البنية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، وفي مقدمتها الطبقة العاملة التي تشكل إحدى الركائز الأساسية للصمود الوطني والتنمية الاقتصادية.

وأوضح التقرير، الذي استند إلى رصد نقابي ميداني وبيانات حقوقية ونقابية وشهادات مباشرة من العمال المتضررين وأسرهم، أن سلطات الاحتلال انتهجت خلال الفترة الماضية سياسات ممنهجة استهدفت الحق في العمل ومصادر الرزق، من خلال إغلاق المعابر والحواجز، وإلغاء تصاريح العمل، وفرض قيود مشددة على حركة العمال الفلسطينيين، الأمر الذي تسبب في أزمة معيشية واقتصادية غير مسبوقة.

وأشار التقرير إلى أن آلاف العمال في قطاع غزة استشهدوا أو أصيبوا جراء القصف المباشر الذي استهدف أماكن العمل والأسواق ومراكز الإيواء، فيما وثقت المؤسسات النقابية عشرات حالات إطلاق النار على عمال فلسطينيين في الضفة الغربية، إضافة إلى تعرض العديد منهم لإصابات جسيمة وحرمانهم من الحصول على العلاج والرعاية الصحية اللازمة.

وفي ملف الاعتقالات، أكد التقرير أن سلطات الاحتلال صعّدت من حملات الاعتقال والاستهداف المباشر للعمال الفلسطينيين، حيث جرى اعتقال أكثر من 12 ألف عامل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتعرض العديد منهم للاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة والإهانة، في إطار سياسة تهدف إلى ممارسة الضغط الاقتصادي والاجتماعي على الطبقة العاملة الفلسطينية وإضعاف قدرتها الإنتاجية.

وبيّن التقرير أن الاحتلال ألغى بصورة تعسفية أكثر من 150 ألف تصريح عمل داخل أراضي عام 1948، ما أدى إلى فقدان مئات آلاف الأسر الفلسطينية مصادر دخلها الأساسية، وألحق أضراراً واسعة بقطاعات البناء والزراعة والنقل وغيرها من القطاعات التي تعتمد بصورة رئيسية على العمل اليومي.

ولفت التقرير إلى أن هذه السياسات أدت إلى تفاقم معدلات البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي، ولا سيما في قطاع غزة، حيث بلغت معدلات البطالة مستويات كارثية، بالتوازي مع ارتفاع كبير في أسعار المواد الأساسية، وتراجع الدخل الفردي، وتآكل القدرة الشرائية للأسر العاملة.

كما تناول التقرير الآثار البيئية والمعيشية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي، مشيراً إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية في قطاع غزة، واستهداف الأراضي الزراعية واقتلاع آلاف الأشجار المثمرة، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على العمال والعاملات في القطاع الزراعي، وعلى الأمن الغذائي الفلسطيني عموماً.

ورفض الاتحاد الادعاءات الإسرائيلية التي تحاول تبرير هذه الإجراءات بذريعة الضرورات الأمنية، مؤكداً أن ما يتعرض له العمال الفلسطينيون يمثل سياسة عقاب جماعي ممنهجة وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات العمل الدولية، ويهدف إلى تقويض مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.

ودعا التقرير إلى إطلاق خطة طوارئ وطنية شاملة لحماية العمال الفلسطينيين، وإنشاء صندوق وطني دائم لدعم الأسر المتضررة، وتعزيز برامج التشغيل والحماية الاجتماعية، إلى جانب تفعيل الدورين العربي والدولي في دعم العمال الفلسطينيين ومساءلة الاحتلال على انتهاكاته المتواصلة.

وأكد محمد علوش، السكرتير العام لاتحاد نضال العمال الفلسطيني، أن استهداف العمال الفلسطينيين يشكل استهدافاً مباشراً لمقومات الصمود الوطني ولحق الشعب الفلسطيني في الحياة الكريمة والتنمية والحرية.

 وشدد على أن الحركة النقابية الفلسطينية ستواصل توثيق هذه الانتهاكات وفضحها أمام المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، والعمل على حشد أوسع تضامن نقابي وحقوقي مع قضية العمال الفلسطينيين.

وأضاف علوش أن اتحاد نضال العمال سيبقى منحازاً لقضايا العمال ومدافعاً عن حقوقهم المشروعة، داعياً المجتمع الدولي ومنظمة العمل الدولية والاتحادات النقابية العالمية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والعمل الجاد من أجل وقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق العمال الفلسطينيين، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حق العمال الفلسطينيين في العمل اللائق والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 2:51 مساءً - بتوقيت القدس

المشي يصنع الطريق.. إصدار جديد للزميل الغزوي يعيد للطفولة حقها في الدهشة

صدر حديثا عن وزارة الثقافة وضمن سلسلة شغف كتاب جديد للأديب والإعلامي رمزي الغزوي بعنوان «المشي يصنع الطريق»، وهو مجموعة قصصية متنوعة موجهة للأطفال من الفئة العمرية (8-12 عاما)، وتشكل الإصدار السادس والعشرين في مسيرته الإبداعية المتنوعة التي توزعت بين الرواية والقصة والمقالة والشعر وأدب الرحلات وأدب الطفل والصور الفتوغرافية، ضمن مشروع ثقافي ينحاز إلى الإنسان وأسئلته الكبرى، وإلى المعرفة بوصفها رحلة اكتشاف لا تنتهي.

ويأتي الإصدار امتدادا لأحد الخيوط العميقة في تجربة الغزوي الإبداعية؛ ذلك الإيمان بأن الدهشة هي الشرارة الأولى لكل معرفة، وأن السؤال أكثر خصوبة من الإجابة الجاهزة. فسواء كتب للكبار أو للصغار، ظل منشغلا بتفكيك المألوف، والبحث عن المعنى الصامت في التفاصيل الصغيرة، ومقاومة اليقينيات المغلقة التي تصادر فضول الإنسان وقدرته على التأمل.

ومن هذا المنطلق لا تبدو قصص المجموعة نصوص موجهة إلى الأطفال، وإنما محاولة لاستعادة الطفولة نفسها؛ تلك العين التي ترى العالم للمرة الأولى وتملك الشجاعة الكافية لسؤال ما يراه الآخرون بديهيا. فالطفل في هذه القصص ليس متلقيا للموعظة أو وعاء نملأه بما نشاء، وإنما شريك في الاكتشاف، وعقل حي يتأمل ويجرّب ويعيد النظر في كل ما حوله.

ويفتتح الغزوي كتابه بإهداء مكثف الدلالة: «إلى أصدقائي الأطفال تدهشهم الأفكار المثيرة، وتثيرهم التفاصيل الصغيرة»، وهو إهداء يلخص روح المجموعة إذ تنطلق قصصها من وقائع يومية مألوفة لتفتح أبوابا واسعة على الخيال والتأمل والتساؤل. فالكهرباء والماء والحيوان واللعب والعلاقات الإنسانية لا تظهر هنا بوصفها موضوعات تعليمية، بل نوافذ إلى عالم أكثر اتساعا وثراء.

وتتسم المجموعة بتنوعها الفني والموضوعي، إذ تتراوح بين الواقعي والمتخيل، وبين العلمي والرمزي، مع اعتماد أساليب تقوم على الطرافة والمفارقة والإيحاء، بعيدا عن المباشرة. فالقصة عند الكاتب مساحة يعيش الطفل داخلها التجربة بنفسه، ويصل إلى استنتاجاته عبر المتعة والاكتشاف.

ويفيد الغزوي في هذا العمل من خلفيته العلمية بوصفه حاصلا على درجة البكالوريوس في الفيزياء، حيث تتسلل المفاهيم العلمية إلى النسيج القصصي بصورة طبيعية وسلسة. فالعلوم تقدم كمغامرة إنسانية تثير الفضول وتدعو إلى التساؤل، وهو ما ينسجم مع رؤيته التي ترى أن المعرفة تبدأ من الدهشة، لا من الحفظ والتلقين.

كما تتميز لغة المجموعة بالبساطة والثراء في آن واحد، إذ تراعي خصوصية القارئ الصغير وتحترم عقله وذائقته، دون أن تتنازل عن جمالياتها أو قدرتها على الإيحاء. وهي لغة تنسجم مع فلسفة الكاتب في مخاطبة الطفل من داخل عالمه، لا من فوقه، وفي الرهان على خياله بدلا من الاكتفاء بتوجيهه.

ولا يكتب الغزوي للطفل لأنه أصغر سنا، وإنما لأنه يرى في الطفولة الحالة الإنسانية الأكثر قدرة على الدهشة، والأقل استسلاما لليقين. هو يرى الكتابة للطفولة واليفاع فعل ارتقاء؛ ولهذا تبدو الكتابة للطفل في تجربته جزءا أصيلا من مشروعه الأدبي والفكري، لا مسارا موازيا له. فالطفولة، كما يراها، ليست مرحلة عمرية عابرة، وإنما الجذر الأول الذي يتشكل فيه وعي الإنسان وعلاقته بالعالم.

ويعد الغزوي من الأصوات الثقافية الأردنية البارزة، وقد أثرى المكتبة العربية بأكثر من خمسة وعشرين مؤلفا تنوعت بين الرواية والقصة وأدب الأطفال والشعر والمقالة وأدب الرحلات والتوليفات المعرفية بالإضافة إلى اهتماماته الفنية والثقافية. وهو حاصل على درجة الماجستير في الصحافة والإعلام الحديث من الجامعة الأردنية، ويكتب عمودا يوميا في جريدة الدستور، ويشغل حاليا موقع المستشار الإعلامي في المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا وسبق أن عمل عضو لهئية التدريس في جامعة فيلادلفيا. ونال عددا من الجوائز العربية والمحلية، من أبرزها جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال، وجائزة الحسين للإبداع الصحفي، وجائزة تيسير سبول للقصة القصيرة، وجائزة محمد طمليه لأحسن مقال عربي، كما بلغ القائمة القصيرة لـجائزة كتارا للرواية العربية، إلى جانب جوائز عربية ومحلية أخرى في القصة والمقالة والشعر والعمل الثقافي.

وبصدور هذه المجموع يواصل الغزوي مشروعه القائم على بناء جسور بين المعرفة والخيال، وبين الأدب والحياة، مؤكدا أن الطريق إلى الفهم تصنعه القدرة الدائمة على المشي، وطرح الأسئلة التي تفتح أمام الإنسان آفاقا جديدة لرؤية العالم.

أحدث الأخبار

الخميس 11 يونيو 2026 2:28 مساءً - بتوقيت القدس

تركيا تلاحق صانعات محتوى رقمي بتهم نشر مواد 'فاحشة' وتجاوز الحظر الإلكتروني

بدأت السلطات القضائية في مدينة إسطنبول التركية تحركات واسعة النطاق ضد مجموعة من صانعات المحتوى على المنصات الرقمية، في حملة وُصفت بأنها الأكبر من نوعها في الآونة الأخيرة. وتأتي هذه الخطوة بعد تحقيقات مكثفة أجراها الادعاء العام حول أنشطة إلكترونية اعتبرت مخالفة للقوانين والآداب العامة في البلاد.

ووجه الادعاء العام اتهامات رسمية إلى نحو 27 مؤثرة، تتعلق بنشر محتوى يوصف بأنه 'جنسي وفاحش' عبر منصات اشتراك مدفوعة. وتواجه المتهمات في هذه القضية خطر صدور أحكام قضائية قاسية، حيث تشير اللوائح القانونية إلى إمكانية السجن لمدة تصل إلى عشر سنوات في حال الإدانة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التحقيقات ركزت بشكل أساسي على استخدام منصات رقمية عالمية، من بينها منصة 'أونلي فانز' التي تخضع للحظر الرسمي في تركيا منذ العام الماضي. ويبدو أن السلطات تهدف من هذه الحملة إلى كبح جماح المحتوى الذي تراه مهدداً للمنظومة القيمية في المجتمع التركي.

وكشفت التقارير الفنية المرفقة بملف القضية أن المتهمات لجأن إلى استخدام تقنيات متقدمة لتغيير عناوين البروتوكول الرقمي (IP) وتجاوز الحجب المفروض محلياً. وسمحت هذه الوسائل التقنية للمؤثرات بالوصول إلى قاعدة جماهيرية واسعة داخل تركيا رغم القيود المفروضة على تلك المواقع.

ولم تقتصر الملاحقة على الجانب الأخلاقي فحسب، بل شملت تحقيقات موسعة حول العائدات المالية الضخمة التي تم تحقيقها من هذا النشاط. وتقوم الأجهزة الأمنية حالياً بتتبع التحويلات البنكية والأصول المالية التي يُشتبه في ارتباطها المباشر بالأرباح الناتجة عن المحتوى محل الاتهام.

وشهدت الأشهر القليلة الماضية سلسلة من المداهمات الأمنية المنسقة التي شملت عدة مدن تركية كبرى، وأسفرت عن توقيف عدد من المشتبه بهن ومصادرة معدات إلكترونية. وتأتي هذه المداهمات كجزء من استراتيجية أمنية شاملة لمكافحة الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالاستغلال التجاري للمحتوى غير القانوني.

وأثارت هذه القضية موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط التركية، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد للإجراءات القانونية الصارمة ومعارض لها. ويرى التيار المحافظ أن هذه المنصات تمثل تهديداً مباشراً للقيم الأسرية والاجتماعية، مما يستوجب تدخلاً حازماً من الدولة لحماية المجتمع.

في المقابل، تتبنى تيارات ليبرالية وجهة نظر مغايرة، معتبرة أن الملاحقات القضائية قد تمس بحرية الاختيار الشخصي للأفراد البالغين. وترى هذه الأطراف أن النشاط الرقمي الفردي يجب أن يظل بعيداً عن الرقابة الأمنية المشددة طالما أنه يتم في إطار منصات خاصة ومغلقة.

ومن المقرر أن تبدأ جلسات المحاكمة الرسمية في إسطنبول خلال الفترة القريبة القادمة، بعد أن صادقت المحكمة المختصة على لائحة الاتهام المقدمة من النيابة العامة. وتحظى هذه المحاكمة باهتمام إعلامي لافت، نظراً لكونها تمثل سابقة في التعامل مع مشاهير المنصات الرقمية المدفوعة.

وتسعى السلطات التركية من خلال هذا المسار القانوني إلى توجيه رسالة حازمة لكل من يحاول الالتفاف على القوانين المنظمة للفضاء الرقمي. ومن المتوقع أن تفتح هذه القضية الباب أمام تشريعات أكثر صرامة فيما يتعلق بالرقابة على المحتوى الإلكتروني العابر للحدود.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 2:13 مساءً - بتوقيت القدس

مخطط إسرائيلي لإنشاء أول موقع عسكري دائم داخل مناطق (أ) قرب مخيم جنين

كشفت تقارير صحفية عبرية، استناداً إلى وثائق رسمية، عن نية جيش الاحتلال الإسرائيلي تشييد موقع عسكري دائم في محيط مخيم جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة. وتأتي هذه الخطوة لتمثل سابقة هي الأولى من نوعها، حيث يقع الموقع المقترح ضمن المناطق المصنفة (أ) التي تخضع نظرياً لسيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة بموجب اتفاقيات أوسلو الموقعة بين الجانبين.

وأفادت مصادر مطلعة بأن قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية قد صادق فعلياً خلال الشهر المنصرم على قرار يقضي بمصادرة قطعة أرض استراتيجية تتميز بارتفاعها وإشرافها المباشر على أزقة مخيم جنين. ويهدف هذا الإجراء إلى تحويل العمليات العسكرية من نمط الاقتحامات المؤقتة إلى وجود أمني ثابت ومستدام، مما يعزز قبضة الاحتلال العسكرية على المنطقة.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر ميدانية أن قوات الاحتلال تواصل تنفيذ عمليات تجريف وتغيير واسعة في المعالم العمرانية لمحيط مخيم جنين، تزامناً مع منع العشرات من العائلات المهجرة من العودة إلى منازلها. وتترافق هذه الإجراءات مع تصعيد في وتيرة هدم المنازل وفتح ممرات أمنية جديدة داخل الأحياء السكنية لتسهيل حركة الآليات العسكرية.

ونقلت تقارير عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن سلطات الاحتلال صعدت من وتيرة وضع اليد على الأراضي الفلسطينية، حيث جرى توثيق الاستيلاء على ما يقارب 393 دونماً في مناطق متفرقة من الضفة الغربية. وقد تركزت هذه المصادرات بشكل ملحوظ في محافظة جنين التي فقدت نحو 90 دونماً من أراضيها لصالح المخططات التوسعية الجديدة.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية شاملة تهدف إلى إعادة صياغة الواقع الجغرافي والديمغرافي في شمال الضفة الغربية. إذ يسعى الاحتلال من خلال فرض هذه الوقائع الميدانية إلى تجاوز كافة التفاهمات السياسية السابقة، وتحويل المخيمات الفلسطينية إلى مناطق معزولة ومحاطة بنقاط مراقبة عسكرية دائمة.

وتشهد منطقة جنين ومخيمها منذ أشهر تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، حيث تكررت عمليات التوغل التي تستهدف البنية التحتية وشبكات الطرق والكهرباء. وتأتي الخطوة الأخيرة بإنشاء القاعدة العسكرية لتؤكد مخاوف الفلسطينيين من نية الاحتلال فرض نظام سيطرة أمنية مباشرة ومستمرة، تقوض أي حضور للسلطة الفلسطينية في تلك المناطق.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 2:13 مساءً - بتوقيت القدس

حماس تهاجم التنسيق الأمني وتتهم السلطة بـ 'تبادل الأدوار' مع الاحتلال في الضفة

وجهت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) انتقادات حادة لأداء الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، واصفة استمرار ملاحقة المقاومين بأنه حالة من التماهي وتبادل الأدوار مع الاحتلال الإسرائيلي. وأكدت الحركة في تصريح صحفي صدر اليوم الخميس أن هذا النهج يهدف إلى تقويض العمل المقاوم في وقت تصاعد فيه العدوان الإسرائيلي على المدن والبلدات الفلسطينية.

وأوضحت الحركة أن تكرار حوادث اعتقال قوات الاحتلال لمطاردين فلسطينيين فور خروجهم من سجون السلطة يبرهن على وجود تنسيق أمني مباشر ومرفوض وطنياً. واعتبرت حماس أن هذه الممارسات تمثل سلوكاً معيباً يطعن في تضحيات الشعب الفلسطيني، خاصة في ظل الهجمات المتواصلة التي يشنها المستوطنون وقوات الجيش الإسرائيلي في مختلف محافظات الضفة.

وشددت حماس على أن ما وصفته بـ 'مهزلة التنسيق الأمني' يجب أن تتوقف فوراً، داعية قيادة السلطة إلى الانحياز لخيار الشارع الفلسطيني وحماية المقاومين بدلاً من ملاحقتهم. ورأت الحركة أن استمرار الاعتقالات السياسية في ظل حرب الإبادة والتطهير العرقي التي يتعرض لها الفلسطينيون يشكل وصمة عار تتطلب موقفاً وطنياً حازماً من كافة القوى والتيارات السياسية.

وفي رصد ميداني لهذه التجاوزات، أفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال اعتقلت الأسير المحرر مصعب قوزح بعد مرور يومين فقط على إطلاق سراحه من سجون السلطة الفلسطينية. ويُذكر أن قوزح كان قد نال حريته ضمن صفقة 'طوفان الأحرار'، إلا أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية قامت باعتقاله لفترة وجيزة قبل أن يسقط مجدداً في قبضة الاحتلال.

كما أشارت المصادر إلى واقعة أخرى جرت في بلدة صيدا شمال طولكرم، حيث اقتحمت قوات الاحتلال منزل الشاب سرّاء رداد واعتقلته بعد ساعات قليلة من الإفراج عنه من سجون السلطة في الخامس والعشرين من مارس الماضي. وتأتي هذه الحوادث لتعزز اتهامات القوى الوطنية بوجود 'باب دوار' بين السجون الفلسطينية والإسرائيلية يستهدف الكوادر الفاعلة ميدانياً.

وختمت حماس بيانها بمطالبة القوى والفصائل الفلسطينية بضرورة تبني استراتيجية وطنية جامعة ترفض التنسيق الأمني وتضغط على الأجهزة الأمنية لتغيير عقيدتها. وأكدت على ضرورة الإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين وتوفير غطاء حماية للمقاومة التي تواجه تحديات وجودية في ظل التوسع الاستيطاني والاعتداءات اليومية.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 1:58 مساءً - بتوقيت القدس

لأول مرة منذ أوسلو.. الاحتلال يؤسس قاعدة عسكرية دائمة في قلب جنين

كشفت مصادر صحفية عبرية عن تطور ميداني خطير يتمثل في شروع جيش الاحتلال الإسرائيلي بإقامة أول موقع عسكري دائم له في مدينة جنين شمال الضفة الغربية. وتعد هذه الخطوة هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، حيث يتم بناء قاعدة ثابتة داخل المنطقة المصنفة (أ) والتي تقع اسمياً تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة.

وأقرت سلطات الاحتلال في وثائق قانونية رسمية بأن قائد المنطقة الوسطى قد وقع في مطلع شهر أيار/ مايو الماضي أمراً يقضي بمصادرة أراضٍ خاصة في منطقة 'الجابريات'. وتتميز هذه المنطقة بموقع استراتيجي مرتفع يطل بشكل مباشر على مخيم جنين، مما يمنح قوات الاحتلال قدرة على المراقبة والسيطرة الدائمة برؤية طويلة الأمد.

يأتي هذا الإقرار العسكري رداً على التماس قدمته جمعيات حقوقية ضد استمرار التهجير القسري لأكثر من 33 ألف مواطن فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس. حيث تواصل قوات الاحتلال منع العائلات المهجرة من العودة إلى منازلها منذ انطلاق العملية العسكرية الواسعة التي أطلق عليها اسم 'السور الحديدي' في مطلع العام الجاري.

وتبلغ مساحة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها لتشييد القاعدة نحو سبعة دونمات، حيث يسعى الاحتلال من خلالها إلى تنظيم انتشار قواته بشكل دائم بعيداً عن التحركات المؤقتة. ويربط مراقبون بين هذه الخطوة وبين المساعي الحكومية الإسرائيلية الرامية لإعادة بناء المستوطنات التي تم إخلاؤها سابقاً في شمال الضفة الغربية عقب إلغاء قانون فك الارتباط.

من جانبه، يدعي جيش الاحتلال أن أمر مصادرة الأراضي سيبقى سارياً حتى شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل لضمان ما يسميه 'حرية العمل' العسكري وتأمين تحركات جنوده في المنطقة. إلا أن الأوساط الحقوقية أكدت أن هذا الرد يفتقر إلى أي مبرر قانوني يشرعن المساس بحقوق آلاف العائلات التي باتت بلا مأوى نتيجة سياسات التدمير والتهجير.

وتصف تقارير حقوقية ودولية الوضع الراهن في شمال الضفة الغربية بأنه أكبر موجة تهجير قسري يشهدها الفلسطينيون منذ عام 1967، خاصة مع تعرض البنية التحتية للمخيمات لتجريف شامل. وقد أدى هذا الاستهداف الممنهج إلى تحويل مناطق واسعة في جنين وطولكرم إلى مناطق غير قابلة للحياة في ظل الحصار العسكري المستمر.

تضع هذه التطورات الميدانية المنطقة أمام واقع أمني جديد يهدف إلى فرض طوق عسكري دائم على المحافظات الفلسطينية الشمالية وتغيير قواعد الاشتباك المعمول بها منذ عقود. ومع استمرار عمليات الرصد المحلي، تتزايد المخاوف من أن تكون هذه القاعدة منطلقاً لعودة المستوطنين إلى محيط مدينة جنين، مما قد يفجر موجات جديدة من المواجهة المباشرة.

عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 1:14 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير عن وساطة مالية: أبوظبي تحول 3 مليارات دولار لإيران لتهدئة التصعيد مع الاحتلال

كشفت مصادر إعلامية متطابقة عن تفاصيل تفاهمات غير معلنة جرت مؤخراً، أفضت إلى نقل مبالغ مالية ضخمة من العاصمة الإماراتية أبوظبي إلى طهران. وتفيد المعلومات بأن قيمة الأموال المحولة بلغت نحو 3 مليارات دولار، في خطوة تهدف بشكل أساسي إلى احتواء التوتر العسكري المتصاعد في المنطقة ومنع انزلاق المواجهة بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي إلى مستويات أكثر خطورة.

ووفقاً لبيانات تتبع الملاحة الجوية، فقد استُخدمت طائرة من طراز "الجت الملكي الإماراتي" (A6-RJF) لنقل هذه الأصول المالية، حيث هبطت في مطار مهرآباد بالعاصمة الإيرانية صباح الثلاثاء. وتأتي هذه الرحلة في وقت تشهد فيه الأجواء الإيرانية قيوداً مشددة، إلا أن الطائرة أتمت مسارها من أبوظبي مباشرة إلى طهران عقب جولة من المباحثات الدبلوماسية المكثفة.

وأشارت مصادر مطلعة إلى أن هذه العملية سبقتها تحركات دبلوماسية قادها وفد قطري يوم الاثنين الماضي لتبادل الرسائل بين الأطراف المعنية. وتقضي التفاهمات بأن توقف طهران هجماتها المباشرة ضد أهداف إسرائيلية، مقابل تعهد من جانب الاحتلال بعدم توسيع رقعة العمليات العسكرية أو الضربات الجوية على الأراضي اللبنانية، مما يشير إلى رغبة إقليمية في فرض تهدئة مؤقتة عبر قنوات مالية وسياسية.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 12:13 مساءً - بتوقيت القدس

مخطط 'الحديقة القومية' يهدد حي البستان: الاحتلال يصعد عمليات الهدم في سلوان

تتصاعد حدة القلق والمخاوف بين أهالي حي البستان في بلدة سلوان بالقدس المحتلة، في ظل حملة شرسة تشنها سلطات الاحتلال لهدم المنازل وتشريد السكان. وتأتي هذه الإجراءات تنفيذاً لمخطط إسرائيلي يهدف إلى مسح الحي عن الخارطة لإقامة ما تسمى 'حديقة قومية' تخدم المشاريع الاستيطانية في المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى.

وروى الحاج العباسي، أحد المتضررين من هذه السياسة، كيف حولت جرافات بلدية الاحتلال منزله إلى ركام خلال ساعات معدودة، دون مراعاة لسنوات العمر والذكريات التي قضاها بين جدرانه. وأوضح أن عمليات الهدم تتم بشكل مفاجئ وتحت حراسة مشددة، مما يحرم العائلات من فرصة إنقاذ ممتلكاتهم أو البحث عن مأوى بديل.

وفي صورة تعكس قسوة الواقع، اضطر الشاب مجاهد إلى هدم منزله بيديه بعد سبع سنوات من السكن فيه، وذلك لتجنب الغرامات الباهظة وحماية منزل عائلته في الطابق السفلي. وتلجأ العديد من العائلات المقدسية لهذا الخيار المرير لتفادي الأضرار الإنشائية التي قد تلحق ببقية البناء إذا نفذت آليات الاحتلال عملية الهدم.

من جانبه، عبر الحاج أحمد، الذي تجاوز السبعين من عمره، عن مأساة التهديد المستمر بالهدم، واصفاً فقدان المسكن بأنه يفوق مرارة الموت. وأشار إلى أن البدء من الصفر في هذا العمر المتقدم يمثل تحدياً مستحيلاً، خاصة في ظل التضييقات المستمرة التي يفرضها الاحتلال على الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة.

وأكد المحامي المختص في شؤون القدس، محمد دحلة أن ما يحدث في حي البستان هو تطبيق عملي لسياسة التهجير القسري التي تنتهجها سلطات الاحتلال وبلدية القدس التابعة لها. وأوضح أن هذه الإجراءات ليست مجرد قرارات تنظيمية، بل هي سياسة معلنة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في قلب القدس.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحي شهد تراجعاً كبيراً في عدد المباني القائمة، حيث وثقت مصادر حقوقية هدم نحو 59 منشأة خلال الفترة الأخيرة، غالبيتها العظمى منازل سكنية مأهولة. وتواجه بقية المنازل في الحي أوامر هدم مماثلة، مما يضع مئات المواطنين أمام مستقبل مجهول في ظل غياب الحماية الدولية.

ويشدد سكان حي البستان على تمسكهم بأرضهم ومنازلهم رغم كل الضغوط، مؤكدين أن مشروع 'الحديقة القومية' ليس سوى غطاء لتوسيع المستوطنات على حساب الوجود العربي. وتستمر الفعاليات الشعبية والقانونية في محاولة لعرقلة هذه المخططات التي تهدد بتصفية واحد من أعرق أحياء القدس المحتلة.

عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي عنيف جنوب لبنان: غارات مكثفة ومحاولات توغل بري باتجاه مجدل زون

تعرض القطاع الغربي في جنوب لبنان لسلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي المكثف، في موجة تصعيد وُصفت بأنها الأعنف منذ أشهر. وأفادت مصادر ميدانية بأن الجيش الإسرائيلي كثف ضرباته على القرى الحدودية، مستخدماً الطائرات الحربية والمسيّرات لضرب أهداف متعددة بشكل متزامن.

وتركزت العمليات العسكرية بشكل أساسي على بلدة مجدل زون والتلال المحيطة بها، حيث شنت المقاتلات الإسرائيلية أكثر من 12 غارة جوية استهدفت أحياء سكنية ومناطق مفتوحة. وتأتي هذه الهجمات في ظل توتر متصاعد يشهده المحور المقابل لبلدتي شمع والبياضة، مما أدى إلى حالة من الذعر بين السكان المحليين.

وأشارت تقارير ميدانية إلى رصد محاولات تقدم بري للقوات الإسرائيلية باتجاه بلدة مجدل زون تحت غطاء ناري كثيف، وهو التطور الأول من نوعه منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أبريل الماضي. وسُجلت تحركات للآليات العسكرية من جهتي وادي حسن وطيرحرفا، في محاولة للتوغل داخل أحياء البلدة الحدودية.

ولم يقتصر القصف على مجدل زون، بل امتد ليشمل بلدة المنصوري والقرى المجاورة وصولاً إلى منطقة زبقين، حيث استمر القصف المدفعي لساعات طويلة. وأوضحت المصادر أن وتيرة الغارات شهدت تراجعاً طفيفاً صباح اليوم، إلا أن طائرات الاستطلاع لا تزال تحلق بكثافة في الأجواء اللبنانية.

وفي تطور ميداني آخر، امتدت دائرة الاستهداف لتشمل مناطق في البقاع الغربي وقضاء جزين والنبطية، وسط أنباء عن تحركات عسكرية مريبة شمال نهر الليطاني. وتحدثت تقارير غير مؤكدة عن تقدم آليات إسرائيلية باتجاه كفرتبنيت انطلاقاً من بلدات يحمر الشقيف وأرنون وزوطر الشرقية والغربية.

وتداولت منصات إخبارية مقاطع فيديو تظهر تحرك آليات عسكرية باتجاه منطقة النبطية الفوقا وموقع علي الطاهر الاستراتيجي. ويُعد هذا الموقع من النقاط الحاكمة عسكرياً كونه يشرف بشكل مباشر على مدينة النبطية ومحيطها، مما يثير مخاوف من توسع رقعة المواجهات البرية.

وفي منطقة جزين، أفادت مصادر رسمية بأن المدفعية الإسرائيلية استهدفت خراج بلدة القطراني بالقرب من مدرسة شبيل، تزامناً مع تنفيذ أربع غارات جوية على الموقع ذاته. كما استهدفت طائرة مسيّرة بلدة الشهابية في قضاء صور، مما أدى إلى وقوع أضرار مادية جسيمة في الممتلكات القريبة من مركز الهيئة الصحية.

وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن حصيلة ثقيلة للغارات الإسرائيلية، حيث استشهد 9 مواطنين بينهم سيدة وأصيب 10 آخرون في بلدة طيردبا. كما أسفرت غارة استهدفت مدينة صيدا عن ارتقاء 3 شهداء وإصابة شخص آخر، في ظل استمرار عمليات الإنقاذ لرفع الأنقاض.

وفي بلدة حاريص، أصيب مسعفان يتبعان لجمعية الرسالة للإسعاف الصحي جراء غارة استهدفت المنطقة أثناء قيامهما بواجبهما الإنساني. كما طال القصف منزلاً في حي المقاصد بمدينة النبطية فجر اليوم، مما تسبب في اندلاع حريق كبير أتى على المنزل وعدد من السيارات المركونة في المكان.

يأتي هذا التصعيد العسكري في وقت حساس، حيث يرى مراقبون أن هذه التحركات الميدانية قد تقوض التفاهمات الهشة القائمة. وتستمر المصادر الميدانية في مراقبة التحركات البرية على الحدود، وسط استنفار كامل للأجهزة الإغاثية والطبية في مختلف محافظات الجنوب اللبناني للتعامل مع تداعيات العدوان المستمر.

عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس

اندلاع حريق في ناقلة نفط قبالة سواحل عُمان وتحرك لفرق الطوارئ

أفادت مصادر دولية معنية بالأمن البحري، اليوم الخميس، بوقوع حادث بحري استهدف ناقلة نفط كانت تبحر قبالة سواحل سلطنة عُمان. وأوضحت التقارير أن الحريق اندلع بشكل مفاجئ داخل غرفة المحركات الخاصة بالناقلة، مما استدعى إطلاق نداءات استغاثة للجهات المختصة في المنطقة للتدخل السريع والسيطرة على الموقف.

وحدد البلاغ موقع الحادثة على مسافة تقدر بنحو 21 ميلاً بحرياً في الاتجاه الشمالي الشرقي من ميناء صحار العُماني. وبحسب المعلومات الواردة، فإن السلطات المحلية في السلطنة استجابت فوراً للبلاغ، حيث جرى الدفع بفرق الطوارئ والإنقاذ إلى عرض البحر لتقديم الدعم اللازم وتأمين سلامة أفراد طاقم السفينة المنكوبة وإجلائهم.

وفيما يخص الأضرار الجانبية، أكدت المصادر الميدانية أنه لم يتم رصد أي تسربات نفطية في مياه الخليج أو تداعيات بيئية خطيرة ناتجة عن الحريق حتى هذه اللحظة. وتجري الجهات الفنية تحقيقات موسعة للوقوف على الأسباب التقنية التي أدت إلى اشتعال النيران، وضمان عدم تطور الموقف إلى كارثة بيئية في أحد أهم الممرات المائية.

يأتي هذا الحادث في ظل ظروف أمنية حساسة تشهدها منطقة خليج عُمان ومحيط مضيق هرمز، تزامناً مع تصاعد حدة التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراعات في الشرق الأوسط. وتثير مثل هذه الحوادث مخاوف دولية متزايدة بشأن استقرار سلاسل توريد الطاقة العالمية وسلامة السفن التجارية المارة عبر هذا الشريان الحيوي.

أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الاستقرار المستحيل: لماذا تظل فلسطين مفتاح السلام الضائع في الشرق الأوسط؟

لم يكن ظهور الدكتور حسام أبو صفية أمام محكمة الاحتلال مجرد مشهد عابر لأسير فلسطيني، بل كان تجسيداً حياً لحكاية شعب يُعاقب على صموده فوق أرضه. ملامحه المنهكة بعد شهور من الاعتقال والعمل تحت القصف في غزة، لخصت مأساة وطن يحاول انتزاع الحياة من بين الركام وسط صمت دولي مطبق.

إن هذه الصورة تضع العالم أمام الحقيقة المرة التي يحاول الجميع القفز عنها، وهي أن الشرق الأوسط سيبقى عاجزاً عن بلوغ استقرار حقيقي ما دام الجرح الفلسطيني مفتوحاً. القضية لا تتعلق بنقص في المبادرات الدبلوماسية، بل في استمرار الظلم الذي يمنع المنطقة من الخروج من دائرة الأزمات المتلاحقة.

تاريخياً، سارع المجتمع الدولي عند كل انفجار إقليمي للتعامل مع النتائج وتجاهل الأسباب، سواء في الحروب العربية الإسرائيلية أو النزاعات البينية الكبرى. وفي كل مرة، تظل المعضلة الأصلية كامنة تحت الرماد، تنتظر لحظة مواتية لتفرض نفسها من جديد على أجندة العالم الذي يفضل إدارة الأزمات لا حلها.

لا تبدو المواجهات الراهنة أو التحركات العسكرية ضد أطراف إقليمية أحداثاً استثنائية، بل هي حلقات في سلسلة طويلة من محاولات إعادة تشكيل المنطقة بالقوة. إن أي تفاهمات قد تُوقع بين القوى الكبرى لن تنتج سلاماً مستداماً إذا لم تستند إلى قاعدة صلبة من العدالة والاعتراف بالحقوق.

لقد أُقيم المشروع الإسرائيلي في سياق استعماري معقد، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف محاولات الالتفاف على الحقيقة المركزية للصراع. لا يمكن بناء نظام إقليمي آمن فوق أنقاض شعب اقتُلع من أرضه وحُرم من أبسط مقومات الكرامة الإنسانية والسياسية.

تتصرف القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بمنطق يركز على ردود الأفعال والمقاومة والتوترات، بينما يُعامل الاحتلال كقدر محتوم يجب التكيف معه. هذا النهج حول القضية الفلسطينية من جوهر للصراع إلى بند ثانوي في الأجندات الدولية، وهو رهان أثبت التاريخ فشله مراراً.

تُعلمنا تجارب الشعوب من الجزائر إلى جنوب أفريقيا أن المظالم الكبرى لا تموت بالتقادم، وأن الذاكرة الإنسانية أقوى من ترسانات الجيوش. لم تنتصر إرادة السيطرة يوماً على مطلب الحرية، وفلسطين ليست استثناءً من هذه القاعدة التاريخية مهما اختلفت موازين القوى العسكرية.

إن أي ترتيبات أمنية جديدة في الخليج أو شرق المتوسط لن تتعدى كونها محاولات لتجميد الصراع لا إنهائه بشكل جذري. المنطقة لا تعيش أزمة تقنية في الأمن، بل تعيش أزمة عميقة في العدالة، حيث يُطالب الضحية بالصبر بينما يُمنح الجلاد الوقت والغطاء.

أصبح المجتمع الدولي أسيراً لمنطق الهروب إلى الأمام عبر البحث عن مسارات جانبية مثل الاتفاقات الاقتصادية ومشاريع التطبيع. يظن البعض واهماً أن الازدهار المادي يمكن أن يحل محل الحقوق الأساسية، لكن التاريخ لا يسجل مثالاً واحداً لسلام بُني على إنكار وجود الشعوب.

يحتاج الشرق الأوسط اليوم إلى شجاعة أخلاقية تعترف بأن تجاهل القضية الفلسطينية هو العبء الحقيقي على الاستقرار العالمي. إنصاف الفلسطينيين ليس مجرد استعادة لحق مسلوب، بل هو الممر الوحيد والضروري لخروج المنطقة من قرن كامل من الحروب المتناسلة والدماء.

من المؤلم أن نرى في اللحظة التي تُباد فيها غزة، بعض الأطراف الرسمية العربية تنشغل بإقامة المهرجانات الصاخبة ومواسم الترفيه. يبدو أن هناك محاولة بائسة لإقناع الشعوب بأن الموسيقى والأضواء قادرة على حجب أصوات القذائف أو إخفاء ظلال المجازر البشعة.

إن الرقص فوق جراح فلسطين لن يصنع مستقبلاً مشرقاً، والهروب من الحقائق لا يجلب أمناً دائماً للعروش أو الأسواق. الأمم العظيمة هي التي تواجه تحدياتها بمسؤولية، لا تلك التي تتوهم أن النيران المشتعلة في بيت الجار لن تصل إلى أطراف ثوبها.

يجب على النظام العربي الرسمي أن يدرك أن التنازلات لا تشبع الأطماع الاستعمارية، بل تزيدها جرأة وتوحشاً في ظل غياب الردع. المحتل لا تردعه مواسم اللهو، بل يدفعه الضعف الأخلاقي والسياسي إلى التمادي في مشروعه التوسعي على حساب الجميع دون استثناء.

ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الدم والاضطراب حتى يعود الحق لأصحابه وتُنصف فلسطين كقضية عدالة كونية. إن استعادة الحقوق الفلسطينية هي الضمانة الوحيدة لتحويل الشرق الأوسط من ساحة صراع دائم إلى إقليم ينعم بالسلام الحقيقي المبني على الكرامة.

عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 10:43 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران بين وعود الثورة وأزمات الشرعية: قراءة في كتاب 'الثورة المسروقة'

يسلط كتاب 'الثورة المسروقة: الخيانة والأمل في إيران الحديثة' الضوء على مسار التحولات العميقة التي عصفت بإيران منذ سقوط نظام الشاه وحتى اللحظة الراهنة. ويقدم المؤلفان بُزرجمهر شرف الدين ويغانه تربتي رؤية متوازنة تحاول فهم كيف تحولت أحلام العدالة والاستقلال التي رفعت عام 1979 إلى واقع سياسي معقد يواجه تحديات بنيوية.

تعتبر مصادر صحفية أن أهمية هذا العمل تكمن في قدرته على تقديم سردية إنسانية تتجاوز التحليلات السياسية الجافة، حيث يتتبع الكتاب حياة ست شخصيات إيرانية من خلفيات متنوعة. هذا الأسلوب سمح برصد التغيرات في المزاج الشعبي الإيراني عبر الأجيال، وكيفية انتقال الآمال من الإصلاح السياسي إلى المطالبة بالحريات الفردية الشاملة.

يشير الكتاب بوضوح إلى أن الثورة الإيرانية نجحت في بدايتها بتوحيد أطياف مجتمعية متباينة ضد التبعية للخارج، إلا أن القيادة التي تسلمت زمام الأمور اتجهت نحو احتكار السلطة. ويرى المؤلفان أن هذا المسار أدى تدريجياً إلى تهميش القوى المدنية لصالح المؤسسات الأمنية والعسكرية التي باتت تسيطر على مفاصل الدولة والاقتصاد.

ويحتل الحرس الثوري مساحة واسعة في التحليل، حيث يصفه الكتاب بأنه تحول من قوة حماية للثورة إلى إمبراطورية اقتصادية وسياسية عابرة للقطاعات. هذا التغول المؤسساتي ساهم في تعميق الفجوة بين النظام والطبقات الشعبية التي كانت تشكل تاريخياً القاعدة الصلبة للجمهورية الإسلامية.

يتوقف العمل عند محطات مفصلية مثل عهد الرئيس محمد خاتمي، حيث برزت آمال عريضة بإمكانية الإصلاح من داخل بنية النظام. غير أن إجهاض تلك التجربة أدى إلى حالة من الإحباط العام، تجلت بوضوح في احتجاجات عامي 2005 و2009 التي شككت في نزاهة العملية الديمقراطية برمتها.

ويرصد المؤلفان تحولاً نوعياً في طبيعة الاحتجاجات الإيرانية خلال العقدين الأخيرين، إذ لم تعد تقتصر على النخب المثقفة في طهران. فقد انخرطت فئات من العمال والشباب وحتى المتدينين في موجات التظاهر، مما يعكس تآكلاً في العقد الاجتماعي الذي قام عليه النظام بعد الثورة.

تبرز احتجاجات 'المرأة، الحياة، الحرية' التي اندلعت عام 2022 كذروة لهذا الصراع القيمي والسياسي، حيث يصفها الكتاب بأنها الحركة الأوسع انتشاراً وجرأة. هذه الحركة لم ترفع مطالب اقتصادية فحسب، بل ركزت على الحق في اختيار نمط الحياة ورفض الوصاية الأيديولوجية المفروضة منذ عقود.

يؤكد الكتاب على أن هذه الموجات الاحتجاجية هي نتاج تراكمات داخلية محضة، رافضاً التفسيرات التي تعزوها فقط إلى تدخلات خارجية. فكل جيل من المحتجين الإيرانيين استوعب دروس الإخفاقات السابقة، وطور أدواته في مواجهة أدوات القمع والسيطرة التي يمتلكها النظام.

وفي فصل لافت، يتطرق الكتاب إلى أحداث عام 2025، مشيراً إلى الضربات الإسرائيلية التي استهدفت العمق الإيراني وتأثيرها على الجبهة الداخلية. هذه الأحداث وضعت المواطن الإيراني في صراع بين مشاعر الانتماء الوطني والرغبة الملحة في تغيير النهج السياسي الذي قاد البلاد إلى المواجهة.

رغم القيمة التوثيقية للكتاب، إلا أن نقاداً يرون أنه يتبنى وجهة نظر المعارضة بشكل أساسي، مما قد يضعف من شمولية تحليله. فهو يركز بشكل مكثف على مظاهر الفشل والقمع، دون أن يقدم إجابات كافية حول سر بقاء النظام وصموده أمام الضغوط الدولية الهائلة.

وتشير القراءات النقدية إلى أن الكتاب أغفل تحليل مصادر القوة والشرعية التي لا تزال تتمتع بها الدولة الإيرانية لدى قطاعات معينة. فقدرة النظام على تجاوز حرب الثماني سنوات مع العراق، وإعادة بناء مؤسساته تحت الحصار، تظل لغزاً لا يفسره القمع وحده كما يوحي الكتاب.

إن إغفال عوامل الصمود التاريخي وتماسك مؤسسات الدولة في الأزمات الكبرى يجعل السردية ناقصة في جوانبها المنهجية. فالتجربة الإيرانية تتطلب فهماً مزدوجاً يجمع بين تطلعات المجتمع نحو التغيير، وبين قدرة الدولة على تجديد أدوات بقائها في بيئة إقليمية ودولية معادية.

يخلص الكتاب إلى أن الأزمة في إيران هي أزمة شرعية تاريخية بامتياز، حيث فشلت السلطة في مواءمة شعاراتها القديمة مع متطلبات جيل الإنترنت. هذا الجيل بات أكثر اتصالاً بالعالم الخارجي، وأقل استجابة للخطابات الأيديولوجية التي شكلت وعي جيل الثورة الأول.

في الختام، يظل 'الثورة المسروقة' وثيقة هامة لفهم الصراع المستمر حول معنى الحرية والتمثيل السياسي في إيران الحديثة. إنه دراسة في مآلات الثورات عندما تتحول إلى أنظمة مغلقة، وفي قدرة الشعوب على مواصلة الحلم رغم كل الخيبات المتلاحقة.

أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:43 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يضيق العالم بثوب امرأة: قراءة في استباحة الاحتلال لخصوصيات المنازل اللبنانية

في كل حرب، تبرز صورة تختصر المأساة بعمق يتجاوز آلاف التقارير الإخبارية. مؤخراً، ضجت المنصات بمشهد لجندي من قوات الاحتلال يرتدي ملابس امرأة داخل منزل لبناني اقتحمه للتو. هذا الفعل الذي قد يبدو عابراً في زحام الأخبار، يحمل في طياته انحداراً أخلاقياً واستباحة للكرامة البشرية، حيث تتحول الخصوصيات الحميمة إلى مادة للتهكم والاستعراض أمام الكاميرات، مما يعكس وجهاً بشعاً للحرب يطال الروح قبل الحجر.

إن الملابس في بيوتنا ليست مجرد قماش، بل هي مخزن للذاكرة ورائحة الأيام. في بلادنا، تحفظ الخزائن تفاصيل الحياة؛ من فستان الخطوبة إلى ثياب الولادة، وكل غرزة فيها تمثل جزءاً من تاريخ شخصي. لذا، فإن عبث الغرباء بهذه المقتنيات يمثل اقتحاماً للذاكرة الجمعية والفردية، ومحاولة لسرقة المسافات الآمنة التي يحتاجها الإنسان ليشعر بإنسانيته. البيت ليس مجرد سقف، بل هو المكان الذي نخلع فيه أقنعتنا ونودع فيه أسرارنا، وحين يُستباح، يشعر المرء أن روحه تعرضت للاقتحام ذاته.

وعلى ضفة أخرى من المأساة، تبرز قصص الصمود الصامت كفعل مقاومة. فالمزارع اللبناني الذي يخاطر بحياته لتفقد حيواناته وأرضه، يجسد التمسك بالحياة في وجه الموت. هؤلاء الذين يرفضون التخلي عن مسؤولياتهم الأخلاقية تجاه الكائنات الأضعف، يثبتون أن الحروب مهما بلغت قسوتها، لا يمكنها محو غريزة الرحمة أو اقتلاع الإنسان من أرضه. إن القوة الحقيقية لا تكمن في اقتحام المنازل، بل في القدرة على العودة إليها وإعادة بنائها وترميم ما كسرته الحرب في النفوس والبيوت.

ختاماً، سيبقى الثوب ثوب صاحبه مهما ارتداه العابرون، وسيظل البيت ملكاً لمن بنوه بجهدهم وذكرياتهم. إن مأساة الحروب لا تقاس فقط بعدد الضحايا، بل بفقدان البوصلة الأخلاقية التي تجعل من خصوصية الآخر مشهداً للتسلية. ومع ذلك، تبقى الذاكرة هي الحصن الوحيد الذي تعجز الجيوش عن مصادرته، وما تسرقه القوة اليوم، سيسترده الإنسان غداً بالصبر والإصرار على البقاء.

أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

فتوى تاريخية لفقيه شافعي تحرم ترحيل المهاجرين قسراً وتعتبرها استهزاءً بالشريعة

يسلط الضوء مؤخراً على وثيقة فقهية تاريخية تعيد الاعتبار للتراث الإسلامي في ملف حقوق الإنسان، وتحديداً فيما يخص رعاية الضعفاء والمهاجرين. هذه الوثيقة هي فتوى للإمام تقي الدين الحصني، الفقيه الشافعي الدمشقي الذي عاش في القرن التاسع الهجري، وحملت عنواناً صريحاً هو 'حرمة ترحيل المهاجرين وقهرهم على العودة إلى بلادهم'.

تأتي أهمية هذه الفتوى من كونها كتبت في زمن كانت تعاني فيه المجتمعات من مظالم كبرى، إلا أن الحصني انبرى للدفاع عن أقوام تركوا ديارهم فراراً من الفتن والظلم. وقد استقر هؤلاء المهاجرون في حواضر مثل دمشق، وأسسوا فيها حياة جديدة ومصالح وعائلات، مما جعل ترحيلهم هدمًا لاستقرارهم الإنساني.

تصدى الإمام الحصني لمحاولات بعض أصحاب النفوذ والإقطاعيين الذين سعوا لإعادة المهاجرين قسراً إلى قراهم الأصلية للعمل في الفلاحة وزيادة المحاصيل. واعتبر الفقيه أن هذا السلوك يمثل 'خصلة خبيثة' وظلماً فاشياً لا يمكن السكوت عنه في ظل الشريعة الإسلامية التي تحفظ كرامة الإنسان.

أكد الحصني في فتواه أن التحريم لا يقتصر على المسلمين فقط، بل يشمل اليهود والنصارى أيضاً، مشدداً على أنه لا يجوز إجبار أي إنسان على عمل بغير رضاه. ووصف هذا النوع من القهر بأنه نوع من الأسر الذي يتنافى مع قيم الحرية والعدالة التي جاء بها الدين الحنيف.

اعتبرت الفتوى أن إظهار القهر تجاه المهاجرين هو قرينة تدل على 'الاستهزاء بالشريعة المطهرة'، لأن الله حرم الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده. وشدد الحصني على أن هذا الفعل يعد من أقبح خصال الجور والبغي التي قد يرتكبها أصحاب السلطة أو أعوانهم.

ولم يكتفِ الفقيه بتحريم الفعل نفسه، بل وسع دائرة المسؤولية لتشمل كل من يعين على هذا الظلم ولو بكلمة واحدة أو مشورة تزيّن للظالم فعله. ووصف المستشارين الذين يحرضون على إعادة المهاجرين بحجة 'عمارة البلاد' بأنهم جهلة ورطوا أنفسهم في هلكة عظيمة وعرضوا أرواحهم للبلاء.

رسم الحصني عقوبات زاجرة في الدنيا لمن يمارس هذا الظلم، مطالباً بإهانتهم والتنكيل بهم ليكونوا عبرة لغيرهم من أهل الجور. أما في الآخرة، فقد استشهد بآيات الوعيد التي تؤكد أن الظالمين لهم عذاب أليم يمس قلوبهم وأجسادهم جزاءً وفاقاً لما اقترفوه بحق المظلومين.

بلغت شدة الحصني في الحق حد اعتبار الظالم الذي يستحل هذا الفعل كافراً يستوجب الاستتابة، نظراً لمصادمته صريح الشريعة. وأوضح أن التوبة لا تكون صحيحة إلا بالاستسلام التام لله ورسوله باطناً وظاهراً، والكف عن أذية الناس وسلب إرادتهم.

وجه الإمام خطاباً للمجتمع بكافة مكوناته، مؤكداً أن مساعدة المقهورين ودفع الظلم عنهم هو واجب شرعي على كل مكلف يقدر على ذلك. واعتبر أن هذا العمل من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، محذراً من عقوبات شديدة لمن يتخاذل عن نصرة المظلوم.

يعكس هذا النص الحقوقي العظيم وعياً مبكراً بضرورة حماية اللاجئين والمهاجرين، وهو ما يسبق المواثيق الدولية الحديثة بقرون طويلة. فالحصني لم ينظر للمهاجر كعبء اقتصادي، بل كإنسان له حق الأمان والاستقرار في الأرض التي اختارها هرباً من العسف.

إن الإمام الحصني، المعروف بكتابه 'كفاية الأخيار'، كان مسكوناً برفض الظلم في كل سياقاته الفقهية، ولم تكن هذه الفتوى مجرد موقف عابر. بل كانت تعبيراً عن منهج أصيل في الفكر الشافعي يقدس العدالة ويواجه السلطة الجائرة إذا ما اعتدت على حقوق الرعية والمستجيرين بها.

تطرح هذه الفتوى تساؤلات عميقة حول واقع المهاجرين اليوم الذين يطردون من بلاد اللجوء ليعادوا إلى مناطق النزاع والتنكيل. فإذا كان الحصني قد حرم الترحيل داخل البلد الواحد، فإن حكمه على الترحيل القسري عبر الحدود إلى يد الظالمين سيكون بلا شك أكثر قسوة وصرامة.

يرى مراقبون أن مثل هذه النصوص التراثية لو وجدت في الثقافة الغربية لكانت تدرس في المدارس وتوضع في المتاحف كأيقونات لحقوق الإنسان. ومن هنا تبرز الحاجة لإزالة الغبار عن التراث الفقهي الذي يثبت أن الإسلام كان سباقاً في إرساء قواعد حماية المستضعفين بغض النظر عن دينهم.

ختاماً، تظل فتوى الإمام الحصني شاهدة على حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على التصدي للأزمات الإنسانية بروح أخلاقية عالية. وهي دعوة للمثقفين والفقهاء المعاصرين لاستلهام هذا الإرث في الدفاع عن حقوق الإنسان ومواجهة موجات الكراهية والترحيل القسري في العالم المعاصر.

عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

جائزة 'جالاك' 2026: كيف يعيد الأدب صياغة الهوية البريطانية من الهامش إلى المركز؟

لم يعد فوز الكاتبة البريطانية ديانا إيفانز بجائزة 'جالاك' للأدب النثري لعام 2026 مجرد حدث عابر في الأوساط الأدبية، بل جاء ليؤكد تحولاً عميقاً في بنية الثقافة البريطانية. هذه الجائزة التي تُمنح للمبدعين من ذوي الأصول غير البيضاء، باتت منصة رئيسية تعكس ملامح الهوية الجديدة في عصر ما بعد الإمبراطورية.

يأتي كتاب إيفانز الفائز 'أريد أن أتحدث إليك' ليخرج عن القوالب الروائية التقليدية، مقدماً مزيجاً فريداً بين السيرة الذاتية والتأمل الفكري والاجتماعي. وتناولت الكاتبة عبر فصوله قضايا معقدة مثل الأمومة والحزن والعزلة، متقاطعة مع رؤى أدبية لأسماء بارزة مثل توني موريسون وجان ريس.

إن اختيار هذا العمل تحديداً يشير إلى أن المؤسسات الثقافية في المملكة المتحدة بدأت تتجاوز البحث عن الجماليات الفنية المجردة. فهي تسعى الآن خلف الأعمال التي تملك القدرة على تفكيك الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالذاكرة الجماعية والانتماء في مجتمع متغير.

تأسست جائزة 'جالاك' في خضم نقاشات حادة حول غياب العدالة في تمثيل الكتاب المنحدرين من أصول إفريقية وآسيوية وكاريبية. وقد نجحت الجائزة في فرض واقع جديد يعترف بالتنوع الإثني كركيزة أساسية لا غنى عنها في تشكيل الوجدان البريطاني المعاصر.

تتجاوز الجائزة في جوهرها مفهوم 'التمييز الإيجابي' التقليدي، لتطرح رؤية شاملة للثقافة الوطنية كفضاء متعدد الأصوات. ولم يعد المركز الإنجليزي الأبيض هو المحرك الوحيد للسردية، بل أصبحت قصص المهاجرين وأبنائهم جزءاً أصيلاً من حوار الهوية.

ديانا إيفانز تمثل جيلاً ناضجاً من الأدباء السود الذين نشأوا في قلب المجتمع البريطاني مع الحفاظ على إرثهم الثقافي المتعدد. أعمالها لا تكتفي برصد التمييز، بل تغوص في تفاصيل الحياة اليومية للطبقة الوسطى السوداء، معيدة صياغة معنى المواطنة في القرن الحادي والعشرين.

انتقل هذا الجيل الأدبي من مرحلة المطالبة بالاعتراف والوجود إلى مرحلة القيادة والمشاركة الفعلية في صياغة الفكر القومي. فلم يعد الكاتب 'الآخر' يكتب من الهامش، بل أصبح صوته يتردد في قلب المركز الثقافي الجديد الذي يحتفي بالتعددية.

يعكس الاهتمام بمواضيع مثل الأمومة والعلاقات الإنسانية في أدب الأقليات تحولاً في الأولويات الفكرية المعاصرة. فبعد سنوات من هيمنة الشعارات السياسية المباشرة، برزت الحاجة إلى استكشاف التجارب الإنسانية المركبة التي تربط بين الهم الشخصي والواقع العام.

هذا التطور النوعي يثبت أن كتاب الأقليات لم يعودوا مجرد 'شهود' على معاناتهم مع العنصرية، بل هم منتجون لمعرفة جمالية وفلسفية واسعة. إنهم يقدمون اليوم رؤى كونية تتناول الوجود الإنساني بأبعاده المختلفة، بعيداً عن القوالب النمطية الجاهزة.

وفي سياق متصل، برز فوز رواية 'اسمي سميم' للكاتبة فيدان ميكل كإشارة قوية لمركزية قضايا اللجوء في المخيلة البريطانية. الرواية التي تتبع رحلة لاجئ أفغاني، تضع القارئ أمام تحديات الاندماج والبحث عن الأمان في عالم مضطرب.

أما الشاعرة ماغي هاريس، فقد استطاعت عبر مجموعتها 'أغني للأشجار الخضراء' استحضار الذاكرة الاستعمارية في غويانا. وربطت هاريس ببراعة بين الماضي الإمبراطوري والحاضر المتعدد الثقافات، مما يساهم في بناء جسور فهم جديدة للتاريخ المشترك.

ترسم هذه الأعمال مجتمعة خريطة ثقافية تتخطى الحدود الجغرافية الضيقة للمملكة المتحدة لتشمل فضاءات الإمبراطورية القديمة. إنها عملية مراجعة تاريخية كبرى تهدف إلى إنصاف الأصوات التي تم تغييبها أو تهميشها على مدار عقود طويلة من الزمن.

تعتبر جائزة 'جالاك' مختبراً حقيقياً للمستقبل، حيث تتلاشى الحدود بين الهوية الوطنية والهويات العابرة للحدود. الثقافة البريطانية تدخل اليوم مرحلة لا تقبل السرديات الأحادية، بل تتبنى التنوع كمصدر وحيد للشرعية الثقافية والإبداعية.

ختاماً، فإن فوز ديانا إيفانز ليس مجرد تتويج لكاتبة متميزة، بل هو إعلان عن لحظة تاريخية فارقة. إن مستقبل الأدب البريطاني يُكتب الآن بأقلام تحمل ذاكرات ولغات متعددة، مما يمهد الطريق لمجتمع يعيد تعريف نفسه من خلال التنوع لا رغم وجوده.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

خربة "حمصة" غربيّ دورا.. مخاوف من تكرار سيناريو المصادرة مع تصاعد النشاط الاستيطاني

الخليل - جهاد القواسمي- "القدس" دوت كوم - تتواصل المخاوف في منطقة خربة حمصة التاريخية غربيّ مدينة دورا، جنوبيّ الخليل، مع تصاعد اعتداءات الاحتلال والمستوطنين على أراضيها، عقب إقامة بؤرة استيطانية جديدة وتنفيذ أعمال تجريف وشق طرق تهدف إلى توفير بنية تحتية تخدم التوسع الاستيطاني في المنطقة.
وقال المواطن جمال أحمد الرجوب، أحد أصحاب الأراضي، إن الاعتداء على أراضي حمصة ليس جديداً، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال أصدرت في ثمانينيات القرن الماضي قراراً بمصادرة نحو 2400 دونم من أراضي المنطقة، إلا أن أصحابها تمكنوا من متابعته قضائياً وكسب القضية.
وأوضح أن ما يجري اليوم يعيد إنتاج السيناريو ذاته رغم عدم وجود أي قرار رسمي بالمصادرة أو إعلان للأراضي المستهدفة، مؤكداً امتلاك أصحاب الأراضي وثائق ملكية رسمية تشمل الطابو التركي وقراراً من المحكمة الإسرائيلية العليا أقر بحقوقهم في الأرض.
وأضاف أن المستوطنين يسعون إلى فرض وجودهم على الأرض دون أي رادع، في ظل حماية جيش الاحتلال لهم، لافتاً إلى تنفيذ أعمال شق طرق استيطانية جديدة، ومؤكداً أن ما يجري يأتي ضمن سياسة تهدف إلى السيطرة على مزيد من الأراضي الزراعية وحرمان أصحابها من مصادر رزقهم. وشدد على تمسك الأهالي بأراضيهم واستمرارهم في التصدي لمحاولات المصادرة والتهجير.
وتجمع عدد من المزارعين وأصحاب الأراضي في المنطقة احتجاجاً على أعمال التجريف، التي أثارت مخاوف واسعة من تداعياتها على الأراضي الزراعية وحركة تنقل المواطنين، مؤكدين تمسكهم بأرضهم ورفضهم للواقع الاستيطاني المفروض بالقوة.
من جهته، قال رئيس بلدية الكوم والمورق الدكتور أحمد الرجوب إن منطقة حمصة تتبع للهيئة المحلية الكوم والمورق وبيت مقدوم، وهي التسمية التاريخية للمنطقة، مؤكداً أن النشاط الاستيطاني الجاري يتم بحماية مباشرة من قوات الاحتلال ويأتي ضمن سلسلة متواصلة من الاعتداءات على الأراضي الفلسطينية.
وأضاف أن حكومة الاحتلال منحت دعماً متزايداً لأنماط جديدة من الاستيطان، وفي مقدمتها الاستيطان الرعوي، الذي بات أداة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، خاصة قمم الجبال والمناطق المفتوحة، من خلال استيلاء المستوطنين على الأراضي والمراعي وتوسيع نفوذهم فيها.
وأكد أن جبل حمصة يمثل حقاً تاريخياً وقانونياً لأصحابه، وأن الأهالي يواصلون استخدامه وزراعته منذ مئات السنين بمحاصيل القمح والشعير وغيرها، إضافة إلى النشاط الرعوي، مشدداً على أن المستوطنين لا يملكون أي حق في المنطقة.
وأشار إلى أن أصحاب الأراضي يمتلكون وثائق رسمية تثبت ملكيتهم، بما في ذلك سندات الطابو التركي، موضحاً أن ادعاءات الاحتلال بشأن تصنيف الأراضي كـ"أراض أميرية" لا تنفي هويتها الفلسطينية وحقوق أصحابها فيها.
وأكد دعم البلدية الكامل لأصحاب الأراضي، سواء من خلال المتابعة القانونية أو التحرك على المستويين المحلي والدولي لمواجهة المخططات الاستيطانية وإفشالها.
بدوره، أوضح مدير العلاقات العامة في بلدية إذنا عبد الرحمن الطميزي أن الاحتلال يسعى إلى فرض واقع جغرافي جديد غرب الخليل عبر تنفيذ مخطط استيطاني يستهدف السيطرة على طريق استراتيجي يمتد لنحو سبعة كيلومترات.
وأشار إلى أن الطريق يبدأ من الشارع الالتفافي رقم 35 في منطقة "فرش الهوى"، ويمر عبر أراضي بلدة إذنا ومنطقة سوبا وقرية الكوم وصولاً إلى منطقة طاروسا، مبيناً أن المشروع يأتي في إطار سياسات التوسع الاستيطاني الرامية إلى فرض مزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وأضاف أن الطريق المستهدف يشكل شرياناً حيوياً للمواطنين، ويخدم آلاف الدونمات الزراعية في المنطقة، محذراً من التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن تنفيذ المخطط على حياة المواطنين وأراضيهم الزراعية.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

لجم نتنياهو.. ضغوط أمريكية تعيد رسم حدود الدور الإسرائيلي

د. رائد أبو بدوية: التطورات الحالية قد تعكس بداية مرحلة جديدة تسعى فيها الولايات المتحدة إلى إعادة تعريف موقع إسرائيل داخل استراتيجيتها العالمية
د. حسين الديك: الأحداث الأخيرة كشفت أن نتنياهو غير قادر على تجاوز الإدارة الأمريكية أو التمرد على قراراتها في القضايا الكبرى المرتبطة بالأمن الإقليمي
د. دلال عريقات: موقف ترمب يعكس توازناً معقداً بين الالتزام التقليدي بدعم إسرائيل والرغبة في تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة بكلفة مرتفعة
د. سعد نمر: ترمب وجد نفسه مضطراً للضغط على نتنياهو ومنعه من توسيع نطاق الرد العسكري لأن ذلك سوف يؤثر سلباً على مصالح الولايات المتحدة
د. أمجد بشكار: واشنطن تبدو أكثر ميلاً نحو التوصل لتفاهمات بعدما تعرضت إدارة ترمب لانتقادات داخلية بسبب الانخراط بمواجهات اعتبرها خصومه غير ضرورية
د. عبد المجيد سويلم: لجم نتنياهو يرتبط بقناعة أمريكية بأنه لا يعتبر التسويات السياسية مصلحة له بل استمرار التوتر والحرب



رام الله - خاص بـ "القدس"-  
تثير الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحتواء التصعيد مع إيران تساؤلات واسعة حول طبيعة التحولات الجارية في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وما إذا كانت تعكس مجرد اختلاف في إدارة الأزمة أم مؤشرات على إعادة صياغة أوسع لأولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "القدس"، أن التدخل الأمريكي الأخير يكشف استمرار قدرة واشنطن على ضبط إيقاع المواجهات الإقليمية ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة، انطلاقاً من اعتبارات ترتبط بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية، ومسارات التفاوض القائمة، وحسابات الاستقرار الإقليمي والدولي، في وقت بدت فيه إسرائيل أقل قدرة على فرض أولوياتها على الأجندة الأمريكية.
ويشيرون إلى أن التطورات الأخيرة قد تمثل بداية مرحلة جديدة تعيد فيها الولايات المتحدة تعريف موقع إسرائيل ضمن مشروعها العالمي الأوسع، بما قد يترك آثاراً بعيدة المدى على توازنات المنطقة ومستقبل الصراعات فيها.



تحولات أوسع

يعتبر أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية أن ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة لكبح اندفاع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو مزيد من التصعيد الإقليمي لا يمكن قراءتها باعتبارها خلافاً عابراً بين شخصيتين سياسيتين، بل يجب فهمها في إطار تحولات أوسع تشهدها الاستراتيجية الأمريكية وموقع الشرق الأوسط ضمن أولويات السياسة الخارجية لواشنطن.
ويوضح أبو بدوية أن العلاقات الأمريكية الدولية لا تُبنى على الاعتبارات الشخصية بقدر ما تقوم على توازن المصالح، مشيراً إلى أن أهمية أي ضغط أمريكي على إسرائيل تكمن في ما يكشفه من تغيرات أعمق في رؤية الولايات المتحدة لمصالحها العالمية.

تقييم أمريكي لدور الشرق الأوسط في النظام الدولي

ويشير أبو بدوية إلى أن ما يجري لا يعبر فقط عن محاولة لضبط سلوك حكومة إسرائيلية، وإنما قد يمثل مؤشراً على إعادة تقييم أمريكية لدور الشرق الأوسط في النظام الدولي المتغير.
ويلفت إلى أن المنطقة كانت لعقود طويلة تحتل موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الأمريكية بسبب قضايا الطاقة وأمن إسرائيل والحروب الإقليمية ومكافحة الإرهاب، إلا أن الأولويات الأمريكية شهدت تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة مع صعود المنافسة مع الصين باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأبرز للولايات المتحدة خلال القرن الحادي والعشرين، إلى جانب التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري على المستوى العالمي.
ويرى أبو بدوية أن هذا التحول جعل الشرق الأوسط أحد ملفات السياسة الأمريكية بدلاً من أن يكون مركزها الرئيسي، ما يفسر حرص واشنطن على تجنب أي تصعيد إقليمي واسع قد يعرقل أولوياتها الدولية الكبرى.

تباين بين مشروعين سياسيين

ويلفت أبو بدوية إلى وجود تباين بين مشروعين سياسيين؛ الأول تمثله الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تميل إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر أدوات القوة العسكرية، والثاني تمثله الولايات المتحدة التي تسعى إلى إدارة التوازنات ومنع انفجار إقليمي قد يضر بمصالحها العالمية.
ويوضح أبو بدوية أن إسرائيل تواجه معضلة استراتيجية متنامية، بعدما بنت جزءاً كبيراً من قوتها الإقليمية على فرضية وجود دعم أمريكي شبه مطلق.
ويؤكد أبو بدوية أن أي توجه أمريكي مستقبلي للتعامل مع إسرائيل بوصفها حليفاً مهماً، سيكون ضمن حدود المصالح الأمريكية المباشرة، وسيضع تل أبيب أمام واقع سياسي واستراتيجي مختلف.

تراجع قدرة إسرائيل على فرض أولوياتها

ويؤكد أبو بدوية أن أحد أبرز التحولات المحتملة يتمثل في تراجع قدرة إسرائيل على فرض أولوياتها على الأجندة الأمريكية، ولا سيما في الملفات المرتبطة بإيران، بحيث تنتقل من موقع الشريك المؤثر في صياغة السياسات إلى شريك يتكيف مع أولويات أمريكية أوسع.
ويشير أبو بدوية إلى أن هذه التطورات تتابعها الدول العربية وإيران والصين وروسيا باهتمام كبير، باعتبارها اختباراً لمدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة حلفائها والحفاظ على موقعها القيادي في النظام الدولي.
ويرى أبو بدوية أن المشهد يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للفلسطينيين، لأنه يعيد طرح تساؤلات حول حجم النفوذ الأمريكي وإمكانية توظيف أدوات الضغط السياسية عندما تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن.
ويعتقد أبو بدوية أن التطورات الحالية قد تعكس بداية مرحلة جديدة تسعى فيها الولايات المتحدة إلى إعادة تعريف موقع إسرائيل داخل استراتيجيتها العالمية، بحيث تصبح جزءاً من مشروع أمريكي أوسع لا مركزه، وهو تحول قد يترك آثاراً بعيدة المدى على مستقبل الشرق الأوسط والنظام الدولي خلال السنوات المقبلة.

موقف أمريكي غير مفاجئ

يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن ترمب نجح في كبح اندفاع نتنياهو نحو مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، معتبراً أن هذا التدخل جاء استناداً إلى حسابات أمريكية تتعلق بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وبالاعتبارات الداخلية الأمريكية، إلى جانب التطورات السياسية والإقليمية الجارية في المنطقة.
ويوضح الديك أن الموقف الأمريكي لم يكن مفاجئاً، بل يعكس رؤية واشنطن لمصالحها وأولوياتها في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تأخذ بعين الاعتبار جملة من المعطيات السياسية والدبلوماسية، من بينها التحركات والوساطات الإقليمية والدولية والحديث عن فرص التوصل إلى تفاهمات أو إعلان مبادئ لوقف إطلاق النار ضمن مسارات سياسية يجري العمل عليها بالتعاون مع إسلام أباد.

تأكيد أولوية المصالح الأمريكية

ويرى الديك أن أولى دلالات موقف الرئيس ترمب تتمثل في تأكيد أولوية المصالح الأمريكية على أي اعتبارات أخرى، بما في ذلك المصالح الخاصة بالحكومة الإسرائيلية أو الحسابات السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويشير الديك إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع ملفات المنطقة وفقاً لرؤيتها الاستراتيجية ومصالحها القومية، وليس وفقاً لاحتياجات أو رغبات نتنياهو الداخلية.
وبحسب الديك، فإن الدلالة الثانية للموقف الأمريكي تكمن في إظهار محدودية هامش المناورة المتاح أمام نتنياهو، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، موضحاً أن الأحداث الأخيرة كشفت أن نتنياهو غير قادر على تجاوز الإدارة الأمريكية أو التمرد على قراراتها في القضايا الكبرى المرتبطة بالأمن الإقليمي.

واشنطن صاحبة القرار

ويوضح الديك أن الرسالة الثالثة التي يحملها هذا الموقف موجهة إلى دول المنطقة، بما فيها الدول العربية وإيران، وتؤكد أن القرار الاستراتيجي النهائي في الملفات الحساسة لا يزال بيد الولايات المتحدة، وأن واشنطن هي التي تحدد اتجاهات التحرك الكبرى وترسم المسارات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط.
ويعتبر الديك أن ترمب يسعى إلى ترسيخ صورة سياسية لنفسه باعتباره قادراً على منع الحروب وإخماد النزاعات، وإظهار أنه نجح في منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة كان من الممكن أن تمتد إلى أكثر من جبهة لو تُرك المجال أمام التصعيد العسكري.

لا خلاف استراتيجياً بين واشنطن وتل أبيب

ويشدد الديك على أن هذا التباين لا يعكس وجود خلاف استراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بل اختلافاً في الأولويات والتوقيت والأدوات المستخدمة لتحقيق الأهداف المشتركة.
ويوضح الديك أن واشنطن وتل أبيب ما زالتا ترتبطان بتحالف استراتيجي عميق، إلا أن الإدارة الأمريكية تفضل إدارة الملف الإيراني وفق حسابات وظروف إقليمية ودولية تراها أكثر ملاءمة في المرحلة الحالية.

القرار الإسرائيلي ليس مستقلاً

ويشير الديك إلى أن التطورات الأخيرة تعيد التأكيد على أن القرار الإسرائيلي ليس مستقلاً بصورة كاملة، وأن الولايات المتحدة تبقى الجهة الأكثر قدرة على التأثير في القرارات السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ويرى الديك أن تدخل ترمب يعكس إعادة رسم واضحة لحدود الدور الإسرائيلي في المنطقة، ويؤكد أن التحرك العسكري الإسرائيلي يخضع لضوابط وحدود تفرضها المصالح والرؤية الاستراتيجية الأمريكية، خصوصاً في ما يتعلق بملف إيران والبرنامج النووي الإيراني.

الحروب والتسويات الكبرى عبر واشنطن

ترى أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د.دلال عريقات أن الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحتواء التصعيد مع إيران تعكس حقيقة راسخة في معادلات الشرق الأوسط، مفادها بأن الحروب الكبرى والتسويات الكبرى لا تزال تمر عبر البوابة الأمريكية، وأن واشنطن تبقى الطرف الأكثر تأثيراً في تحديد سقف المواجهات الإقليمية ومساراتها.
وتوضح عريقات أن تدخل ترمب لا يمكن تفسيره على أنه خطوة تهدف فقط إلى حماية إسرائيل، بل يرتبط بمجموعة واسعة من المصالح الأمريكية الاستراتيجية، تشمل إدارة العلاقة مع إيران، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وأمن منطقة الخليج، وصورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، فضلاً عن الحسابات السياسية الداخلية الأمريكية.

منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة

وتوضح عريقات أن المؤشرات الأخيرة أظهرت بوضوح سعي الإدارة الأمريكية إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة بعد جولات التصعيد المتبادل بين إيران وإسرائيل.
وترى أن أبرز دلالات هذا الموقف تكمن في التأكيد على أن إسرائيل، رغم خطابها القائم على الاستقلالية الأمنية والعسكرية، تبقى مرتبطة بالسقف الذي ترسمه الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بحرب إقليمية واسعة النطاق.
وتشير عريقات إلى أن هامش المناورة المتاح للحكومة الإسرائيلية يبقى محدوداً عندما ترى واشنطن أن التصعيد قد يتحول إلى عبء استراتيجي يهدد مصالحها الأوسع في المنطقة والعالم.

استخدام القوة لم ينجح في إنتاج استقرار دائم

وتؤكد عريقات أن هذا التدخل الأمريكي يكشف أيضاً حدود الاعتماد على القوة العسكرية بوصفها أداة وحيدة لتحقيق الأمن، معتبرة أن التجارب المتراكمة خلال العقود الماضية أظهرت أن استخدام القوة لم ينجح في إنتاج استقرار دائم، بل أسهم في تعميق الأزمات وتوسيع دوائر التوتر الإقليمي.
وتلفت إلى أن اعتراف واشنطن بضرورة كبح التصعيد يعكس إدراكاً متزايداً لمخاطر القوة غير المنضبطة على استقرار النظام الإقليمي، مؤكدة أن الرسالة الأساسية الموجهة إلى دول المنطقة تتمثل في استمرار الدور الأمريكي الحاسم في إدارة لحظات التصعيد الكبرى، رغم الحديث المتزايد عن تعددية الأقطاب الدولية.
وتشدد عريقات على أن الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يستند إلى التفوق العسكري وحده، في ظل استمرار الأزمات الممتدة من غزة إلى لبنان وإيران، وغياب الحلول السياسية القادرة على معالجة جذور الصراع.

أهمية معالجة أسباب إنتاج الصراعات

وترى عريقات أن موقف ترمب يعكس توازناً معقداً داخل السياسة الأمريكية بين الالتزام التقليدي بدعم إسرائيل وبين الرغبة في تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة ذات كلفة سياسية واقتصادية وأمنية مرتفعة.
وتشير عريقات إلى أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يقتصر على منع اندلاع الحروب عند لحظات الخطر، بل يتطلب معالجة الأسباب التي تنتج الصراعات، وفي مقدمتها الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لأي أمن أو استقرار مستدام في المنطقة.

احتواء الأزمة ومنع انهيار مسار التفاوض

يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د.سعد نمر أن قرار ترمب كبح جماح نتنياهو بشأن التصعيد الإسرائيلي تجاه إيران جاء في إطار حرصه على حماية مسار التفاوض الجاري مع طهران ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تطيح بالجهود السياسية المبذولة لإنهاء التوترات الإقليمية.
ويوضح أن الملف اللبناني شكّل أحد أبرز القضايا المطروحة في المباحثات المرتبطة بالأزمة الإقليمية، مشيراً إلى أن إيران كانت تنظر إلى لبنان باعتباره جزءاً أساسياً من أي تفاهم شامل، فيما سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فصل هذا الملف عن المفاوضات المتعلقة بإيران.
ويؤكد نمر أن التحرك الأمريكي باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية واشنطن جاء في سياق محاولة إخراج الساحة اللبنانية من دائرة التجاذب المباشر في المفاوضات مع طهران.
ويرى نمر أن نتنياهو كان معنيّاً بإفشال أي تقدم تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن بعض الخطوات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة هدفت إلى استدراج ردود فعل تؤدي إلى استئناف المواجهة وتوسيع دائرة الحرب. ويشير نمر إلى أن إيران أدركت هذه الحسابات، لكنها في الوقت ذاته أظهرت استعداداً للقبول بوقف إطلاق النار فور طرح المبادرة الأمريكية، الأمر الذي وضع إسرائيل أمام واقع سياسي وعسكري جديد.
ويلفت نمر إلى أن ترمب وجد نفسه مضطراً للضغط على نتنياهو ومنعه من توسيع نطاق الرد العسكري، لأن استمرار الحرب كان سيؤثر سلباً على المصالح الأمريكية في ظل تداعيات اقتصادية متزايدة، وارتفاع كلفة الأزمات الإقليمية، إلى جانب اعتبارات داخلية مرتبطة بالاستحقاقات السياسية المقبلة في الولايات المتحدة.

تعزيز دور إيران الإقليمي

ويعتبر نمر أن التطورات الأخيرة عززت حضور إيران كلاعب إقليمي رئيسي لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط، مؤكداً أن عودة أدوار حلفاء طهران في المنطقة، بما في ذلك اليمن وتأثيره على الممرات البحرية الحيوية، إلى جانب حضور القوى المتحالفة معها في ساحات أخرى، يعكس استمرار أهمية "محور المقاومة" في التوازنات الإقليمية.
ويرى أن المواجهة الأخيرة حملت رسالة واضحة مفادها بأن إيران لا تخشى العودة إلى الحرب إذا فُرضت عليها، وهو ما أضعف فعالية التهديد العسكري بوصفه أداة ضغط في المفاوضات.
وبحسب نمر، فإن ما جرى يكرّس واقعاً جيوسياسياً جديداً في المنطقة، قوامه الاعتراف بوجود إيران كقوة إقليمية مؤثرة يجب التعامل معها كشريك أساسي في أي ترتيبات أو تفاهمات مستقبلية تخص أمن واستقرار الشرق الأوسط.

تحول مهم في ميزان الردع الإقليمي

يرى أستاذ العلوم السياسية د.أمجد بشكار أن التطورات الأخيرة في المواجهة بين إيران وإسرائيل تحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز حدود الردود العسكرية المباشرة، معتبراً أن ما جرى يعكس تحولاً مهماً في ميزان الردع الإقليمي ويؤشر إلى إمكانية إعادة تشكيل معادلات القوة في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
ويوضح بشكار أن ما يميز التطورات الأخيرة هو أن إيران بادرت، للمرة الأولى في تاريخ الصراع، إلى استهداف إسرائيل بصورة مباشرة من دون وجود فعل إسرائيلي مباشر وفوري يستوجب الرد، وهو يعد مؤشراً على تغير قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الطرفين لعقود طويلة. ويرى بشكار أن هذا التطور يعكس في الوقت ذاته تراجعاً تدريجياً في قوة الردع الإسرائيلية التي كانت تشكل أحد أهم عناصر التفوق الإسرائيلي في المنطقة.

استمرار الدور الأمريكي الحاسم

ويشير بشكار إلى أن الأحداث أظهرت أيضاً استمرار الدور الأمريكي الحاسم في إدارة مسارات التصعيد والتهدئة، لافتاً إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما زال يمتلك القدرة على التأثير في القرارات الإسرائيلية الكبرى.
ويوضح بشكار أن نتنياهو اضطر إلى الاستجابة للضغوط الأمريكية فيما يتعلق بحجم الرد على إيران، خصوصاً في ظل إدراكه أن أي خروج عن السقف الذي رسمته واشنطن كان قد يقود إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تجد إسرائيل نفسها فيها وحيدة أمام إيران والجبهات المتحالفة معها.
ويشير بشكار إلى أن الائتلاف الحاكم في إسرائيل كان يضغط باتجاه رد عسكري أكبر، إلا أن نتنياهو اختار في النهاية الالتزام بالحدود التي فرضتها الإدارة الأمريكية.
ويعتبر بشكار أن إيران سعت من خلال تحركاتها الأخيرة إلى إعادة تفعيل مفهوم "وحدة الجبهات"، مشيراً إلى حضور أدوار إقليمية متزامنة من اليمن ولبنان ضمن المشهد العام للمواجهة.

إعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية

ويرى بشكار أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة إعادة صياغة للتوازنات السياسية والأمنية التي سادت خلال العقود الماضية، معتبراً أن مرحلة الهيمنة الإسرائيلية شبه المطلقة على المشهد الإقليمي تواجه تحديات متزايدة.
ويشير إلى أن واشنطن تبدو أكثر ميلاً نحو التوصل إلى تفاهمات واتفاقات سياسية، بعدما تعرضت إدارة ترمب لانتقادات داخلية بسبب الانخراط في مواجهات اعتبرها خصومه غير ضرورية.
ويلفت بشكار إلى أن إيران تسعى إلى فرض معادلات إقليمية جديدة تعزز حضورها ونفوذها في المنطقة، مؤكداً أن الأشهر المقبلة قد تحمل تطورات ومفاجآت إضافية، وربما ترتبط بملفات إقليمية متعددة من بينها الحرب على غزة ومسارات التهدئة الأوسع.
ويعتبر بشكار أن ما حدث شكّل مفاجأة كبيرة لإسرائيل، وأسهم في تعميق النقاش حول تراجع قوة الردع الإسرائيلية، معتبراً أن تداعياته الاستراتيجية قد تكون مؤثرة على شكل التوازنات الإقليمية ومستقبل الصراع في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

خيار المواجهة العسكرية الشاملة لم يعد واقعياً

يوضح الكاتب والمحلل السياسي د.عبد المجيد سويلم أن التحركات الأمريكية الهادفة إلى كبح اندفاع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو مزيد من التصعيد مع إيران تعكس إدراكاً متزايداً داخل الإدارة الأمريكية بأن خيار المواجهة العسكرية الشاملة لم يعد واقعياً، وأن التفاوض بات المسار الوحيد المتاح لتجنب انفجار إقليمي واسع قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط.
وبحسب سويلم، فإن ترمب يدرك أن فرص التوصل إلى تفاهمات مع إيران أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وأن البدائل المتاحة أمام واشنطن محدودة للغاية، موضحاً أن أي محاولة للذهاب نحو مواجهة عسكرية مباشرة ستقود إلى تداعيات خطيرة على المنطقة والمصالح الأمريكية. ويشير سويلم إلى أن إيران لا تعتمد فقط على قدراتها الذاتية، بل تمتلك مجموعة من أوراق القوة المؤثرة في معادلات الصراع، من بينها مضيق هرمز وباب المندب وشبكة الحلفاء والقوى المتحالفة معها في المنطقة.
ويلفت سويلم إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك سوى أدوات الضغط التقليدية المتمثلة في الحصار البحري أو استخدام القوة العسكرية، وهي أدوات غير كافية لتغيير موازين الصراع أو فرض نتائج حاسمة في المدى المنظور.
ولذلك، فإن الإدارة الأمريكية، بحسب سويلم، تجد نفسها مضطرة للبحث عن صيغة تفاهم أو تسوية سياسية، حتى وإن كانت مؤقتة أو جزئية، باعتبارها الخيار الوحيد القادر على تجنب مخاطر التصعيد.
ويوضح سويلم أن اندلاع مواجهة واسعة قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في منطقة الخليج، ويهدد القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، فضلاً عن احتمال إغلاق ممرات بحرية استراتيجية وما قد يترتب على ذلك من أزمات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

التسويات السياسية بغير مصالح نتنياهو

ويرى سويلم أن لجم نتنياهو يرتبط أيضاً بقناعة أمريكية بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية لا ينظر إلى التسويات السياسية باعتبارها مصلحة له، بل يرى في استمرار التوتر والحرب وسيلة للحفاظ على مستقبله السياسي وائتلافه الحاكم.
ويشير سويلم إلى أن واشنطن تدرك أن نتنياهو قد يسعى إلى تعطيل أي مسار تفاوضي أو تسوية محتملة إذا شعر بأنها تهدد موقعه السياسي.

نهاية تصورات نتنياهو تجاه الشرق الأوسط الجديد

ويعتبر سويلم أن التطورات الجارية تعكس نهاية التصورات التي روج لها نتنياهو بشأن "الشرق الأوسط الجديد"، مشيراً إلى أن المنطقة تتجه نحو معادلات مختلفة تقوم على توازنات قوى جديدة.
ويرى أن إيران نجحت في فرض حضورها كلاعب إقليمي مؤثر، وتمكنت من إدخال أوراق استراتيجية متعددة إلى معادلة الصراع، بما في ذلك ملفات لبنان واليمن والممرات البحرية الحيوية.
وبحسب سويلم، فإن المنطقة تقف أمام واقع إقليمي جديد لم تعد فيه الهيمنة الأمريكية أو الإسرائيلية المطلقة قادرة على رسم المشهد منفردة، بل باتت التوازنات الإقليمية وميزان القوى القائم يفرضان مقاربات جديدة لأي ترتيبات أو حلول مستقبلية في الشرق الأوسط.

أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

رسالة مفتوحة إلى أعضاء المجلس الثوري لحركة "فتح"


ينعقد اجتماعكم الأول اليوم الخميس بعد انتهاء اعمال المؤتمر الثامن لحركة "فتح" في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخ قضيتنا الوطنية، في ظل حرب مستمرة على شعبنا وشعوب المنطقة، ومحاولات متواصلة لتصفية حقوقه الوطنية بل ووجوده، وتصاعد المشروع الاستيطاني الإحلالي، واستمرار حالة الجمود السياسي الذي يكاد يغلق أي أفق جدي نحو الحرية والاستقلال الوطني.
وتزداد خطورة هذه المرحلة في ظل ما يُطرح من تصورات ومشاريع تحت عناوين المعازل الجغرافية الذاتية في الضفة الغربية و"اليوم التالي" في قطاع غزة، والتي تشير تسريبات ومواقف متداولة بشأنها إلى محاولات لإعادة هندسة الواقع السياسي الفلسطيني أو الالتفاف على الولاية السياسية والتمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في كافة أماكن تواجده، وباعتبارها المفترض بالبيت الوطني الجامع والجبهة الوطنية الواسعة التي تحتاج إلى استنهاض دورها وتجديد مؤسساتها، واستحقاق إجراء الانتخابات المنتظرة للمجلس الوطني الفلسطيني بما يعزز منهج العمل الديمقراطي ومبدأ فصل السلطات والمواطنة والمشاركة الشعبية الواسعة في صناعة القرار.
ويتزامن اجتماعكم الأول مع استمرار سياسات الضم الإحلالي والتوسع الاستيطاني والإرهاب المنظم والتفكيك الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية والقدس، بما يهدد وحدة الأرض والشعب والقضية الفلسطينية، ويفرض على حركة "فتح" وشركائها في الحركة الوطنية الفلسطينية مسؤولية تاريخية في الدفاع عن وحدة التمثيل الوطني وإحياء النظام السياسي الفلسطيني وحماية المشروع التحرري من محاولات التهميش أو التجزئة أو الاحتواء.
إن مواجهة هذه المشاريع لا يمكن أن تقتصر على رفضها أو التحذير منها، بل تستوجب المبادرة إلى بلورة رؤية وطنية جامعة لمستقبل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس باعتبارهم وحدة جغرافية وسياسية واحدة لأرض دولة فلسطين المحتلة، وتحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية التي يتوجب استنهاض دورها، مع ضرورة توضيح العلاقة التكاملية بينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية التي لا يفترض ان تكون بديلا عن المنظمة والمشروع التحرري بل أداة في خدمة ذلك، بما يحصن القرار الوطني المستقل ويمنع فرض ترتيبات أو تصورات تتعارض مع الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن اجتماعكم اليوم لا يمثل مجرد استحقاق تنظيمي اعتيادي، بل يشكل مناسبة وطنية وسياسية لمراجعة الواقع القائم وتقييم التجربة السابقة واستشراف متطلبات المرحلة المقبلة. فالمجلس الثوري، بوصفه الهيئة الرقابية والتشريعية لحركة "فتح"، مطالب بأن يضطلع بدوره الكامل في متابعة تنفيذ الأوراق المقدمة للمؤتمر الثامن، ومساءلة الأداء، والمساهمة في بلورة السياسات الكفيلة باستعادة دور الحركة الريادي في قيادة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة للتفكير في إطلاق مبادرة سياسية فلسطينية جديدة موجهة إلى المجتمع الدولي وإلى القوى الديمقراطية الحقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي رغم قلتها، لا بهدف العودة إلى مسارات تفاوضية أثبتت التجربة محدوديتها وفشلها، بل بهدف كسر حالة الجمود الراهنة وإعادة تعريف جوهر الصراع باعتباره قضية شعب يناضل من أجل الحرية والعدالة وتقرير المصير وانعا، الاحتلال في مواجهة مشروع الأستعمار الاستيطاني.
مبادرة تستند إلى حقوقنا الوطنية الثابتة وسرديتنا التاريخية وإلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتدعو المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها الحقيقية، كما تتوجه إلى المجتمع الإسرائيلي برسالة واضحة مفادها أن الأمن والاستقرار والسلام لا يمكن أن يتحقق عبر القوة وحروب التهجير والتطهير والاستيطان، بل من خلال الإعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال وتجسيد العدالة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، فإن أي مبادرة سياسية جادة ينبغي أن تنفتح أيضاً على القوى الديمقراطية والتقدمية بما فيها اليهودية المناهضة للصهيونية وللاحتلال والعنصرية والحرب حول العالم، وأن تستثمر ما قد تتيحه الاستحقاقات السياسية المقبلة داخل إسرائيل من فرص لتعزيز الأصوات الداعية إلى السلام العادل والأعتراف بالدولة الفلسطينية كمدخل لإنهاء الاحتلال. كما تكتسب أهمية خاصة دعم الجهود الرامية إلى توحيد صوت أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني وتعزيز حضورهم السياسي والوطني، ودعم التوجهات الساعية إلى توحيد العمل الوطني والقوائم العربية في إطار "القائمة المشتركة" في الانتخابات القادمة، بما يسهم في تعزيز نضالهم في مواجهة اليمين المتطرف والدفاع عن قيم المساواة والعدالة والسلام.
إن نجاح المؤتمر الثامن لن يقاس فقط بما صدر عنه من قرارات أو بما أفرزه من هيئات قيادية جديدة، بل بقدرة الحركة على ترجمة تلك المخرجات إلى سياسات عملية تعيد الثقة إلى قواعدها وإلى شعبنا، وتفتح أفقاً سياسياً ووطنياً جديداً في مواجهة التحديات الراهنة.
فكما كان يُفترض بالمؤتمر الثامن أن يشكل محطة للمراجعة والتقييم والتجديد الشامل لمسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية وحركة "فتح" كعمودها الفقري، لا أن يقتصر دوره على إعادة تشكيل الهيئات القيادية رغم أهمية ذلك، فإن شعبنا وكوادر الحركة وقواعدها التنظيمية ينتظرون اليوم من المجلس الثوري أن يمارس دوره بمسؤولية وشجاعة ثورية، وأن يقف أمام مراجعة جادة لتجربة السنوات الماضية، واستخلاص الدروس والعبر منها حتى لا تكرر الاخطاء، والاقتراب من الأسئلة الكبرى التي فرضتها التحولات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية والمنطقة والعالم.
إن المراجعة المطلوبة ليست غاية بحد ذاتها، بل مدخل ضروري لصياغة استراتيجية وطنية أكثر قدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية، وحماية مشروعنا الوطني التحرري من مخاطر التهميش أو الاحتواء أو إعادة إنتاج الواقع القائم بمسميات مختلفة. كما أنها تشكل أساساً لتجديد الفعل السياسي الوطني وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التكيف معها، بل العمل على تغيير موازينها قدر الإمكان من خلال الوحدة الوطنية الواسعة وتعزيز صمود شعبنا بسياسات وأدوات فاعلة وواضحة.
فالمرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادة تمتلك القدرة على الجمع بين الصمود والمبادرة، وبين التمسك بالثوابت الوطنية والانفتاح على الدول والشعوب والقوى التقدمية والحركات الاجتماعية الدولية الصاعدة في مواجهة الهيمنة الأمريكية ومشاريعها الجارية في المنطقة في محاولة للحفاظ على هيمنتها المتراجعة.
كما تتطلب اعتماد سياسات مقاومة أكثر فاعلية على المستويات السياسية والقانونية والشعبية والدبلوماسية، تعزز مكانة القضية الفلسطينية كمشروع تحرري على الساحة الدولية، بما في ذلك مواصلة ملاحقة مجرمي الحرب أمام محكمة الجنايات الدولية، وإعادة توجيه الجهد الدولي المشترك في إطار الأمم المتحدة والمحافل الدولية والإقليمية والعربية، بما في ذلك المبادرة الفرنسية السعودية، نحو الهدف الأساس المتمثل في الحرية والعدالة والاستقلال وإنهاء الاحتلال أولاً وتجسيد حقوق شعبنا الوطنية غير القابلة للتصرف، انسجاماً مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأ من القرار ١٨١ الأممي.
إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقكم اليوم تفرض الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل السياسي المؤثر، ومن انتظار المتغيرات إلى المساهمة في صناعتها، بما يليق بتضحيات شعبنا من الشهداء والأسرى والجرحى والمهجرين، وبالدور التاريخي الذي اضطلعت به حركة "فتح" في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني باستقلالية القرار الوطني، وبما يعيد الاعتبار لهذا المشروع باعتباره مشروع تحرر وطني يسعى إلى الحرية والعدالة والاستقلال.

أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب العالق بين صفقة القرن وضربة القرن!


 
منذ عودته للبيت الابيض، لم يتوقف ترمب عن تقديم نفسه كرجل الصفقات القادر على انتزاع تنازلات الخصوم دون حروب مكلفة، وما لبث ان فشل في اختباره الاول، فقد وجد نفسه في اختبار مبكر وضع ادارته امام واحدة من اخطر موجات التصعيد الدولي مؤخرا، لذلك لم يكن غريبا ان يكرر عشرات المرات خلال ايام ان الاتفاق مع إيران وشيك وان المفاوضات تحقق تقدما ملموسا، ثم الانتقال بلمح البصر من التبشير باتفاق وصفقة تاريخية الى التهديد المباشر بتدمير بنى إيران التحتية ومحطات الطاقة والمنشآت المدنية، ما يطرح سؤالا جوهريا لا يتعلق فقط بمستقبل، بل والاستراتيجية التي تحكم سلوك الطرفين، فهل تمارس طهران لعبة كسب الوقت ام ان ترمب يوظف المفاوضات كأداة ضغط وابتزاز سياسي؟
 هذا السلوك الترمبي المتقلب والمندفع لا يمكن فهمه او تحليله بمعزل عن عقيدته السياسية المستندة الى نزعة الصفقات والابتزاز، وهي مقاربة تحاول محاكاة الاساليب الاستعمارية التقليدية عبر فرض الحصار كوسيلة وحيدة لإخضاع الخصوم وإجبارهم على تقديم التنازلات، إلا أن طهران التي راكمت إرثا طويلا من الصبر الاستراتيجي والتعايش مع العقوبات الدولية تستوعب الاندفاع الامريكي وتدرك جيدا ان التلويح بالقوة وتصعيد النبرة غالبا ما يخفي رغبة عارمة في تجنب المواجهة العسكرية الواسعة التي قد تطيح بالاستقرار الإقليمي وتدمر ما تبقى من سلاسل التوريد والاقتصاد العالمي المضطرب أساسا.
 في المقابل، يحاول الاحتلال جاهدا استغلال هذا الغموض الاستراتيجي والتوتر المتصاعد لتوجيه البوصلة الامريكية نحو مواجهة عسكرية مدمرة تحقق مصالحها وتنهي مخاوفها وتنقذ خياراتها الامنية ، كما توحي التسريبات المتكررة عن كبح جماح نتنياهو وتحذيره من الذهاب منفردا في مغامرة غير محسومة العواقب قد تتركه وحيدا في ساحة المعركة، ما قد يفهم ان ترمب يرفض ان يكون مجرد اداة تنفيذية، وهو الساعي لاثبات تفوقه كصانع قرار مطلق يملي شروطه على المقربين والخصوم معا.
 وبالتالي فان الصراع يتجاوز البعد العسكري ليمس شعوب المنطقة ويومياتها، والتي تعيش تحت وطأة أزمات اقتصادية ومعيشية تستخدمها القوى الكبرى كأدوات ضغط غير اخلاقية لتفجير الجبهات الداخلية ونشر الفوضى ما يجعل المناورات السياسية والتهديدات العسكرية بمثابة الرقص على حافة الهاوية التي يتداخل فيها لهيب الميدان بحسابات المفاوضات عبر قنوات وسيطة كالدبلوماسية القطرية او الباكستانية.
 في هذا السياق يبدو السؤال "من يلعب بمن؟" مُضَلّلا الى حد ما، لان كلا الطرفين يمارس لعبته، فترمب يحتاج الى اظهار نفسه قادرا على فرض الشروط وتحقيق الإنجازات، فيما تحتاج إيران الى اثبات انها لم ترضخ للضغوط وقادرة على الصمود وانتزاع المكاسب، لذلك تتحول التصريحات المتناقضة احيانا الى جزء من عملية تفاوضية معقدة تستهدف الخصم والجمهور الداخلي والحلفاء في ذات الوقت.
 وبالتالي فان الخروج من هذا النفق يتطلب تجاوز حالة اللاحرب واللاسلم والتي تستنزف طاقات شعوب المنطقة ودولها، وتفكيك العقلية الاستعمارية القائمة على الهيمنة وفرض الاملاءات، بما يضمن ان تكون دول المنطقة بعيدة عن التدخلات الخارجية وتقلبات المزاج الانتخابي والسياسي الامريكي، فالواقع فضلا عن التاريخ يثبت ان الاعتماد على الوعود الامريكية المتقلبة او التهديدات اللفظية العابرة لا يصنع امنا ولا سلاما مستداما، بل يعمق النزاعات المستقبلية في مناخ إقليمي ودولي مضطرب وقابل للانفجار في أي لحظة.
 
 



أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

"خرائط العزلة".. إعادة رسم قواعد العلاقة مع تل أبيب


لم تعد العقوبات الغربية الأخيرة المفروضة على شخصيات وحركات مرتبطة بعنف المستوطنين مجرد موقفٍ أخلاقي عابر أو ردّ فعلٍ دبلوماسيٍ ظرفي، بل باتت تعكس تحوّلاً متدرّجاً في بنية الخطاب الدولي تجاه السياسات الإسرائيلية، ولا سيما في ظل تصاعد سياسات الاستيطان التي تقوّض بشكل مباشر حلّ الدولتين، وهو الأساس الذي ما زال يحظى باعترافٍ دولي واسع، ويشكّل جوهر الرؤية السياسية التي تتبناها القيادة الفلسطينية بوصفها الإطار الوحيد الممكن لتحقيق استقرار عادل ودائم.
فحين تتحرك دولٌ غربية كفرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا والنرويج ونيوزيلندا في مسارٍ شبه متزامن لفرض إجراءات عقابية، فإننا لا نكون أمام مجرد “إدانة سياسية”، بل أمام إعادة ضبطٍ تدريجية لمعادلة العلاقة مع إسرائيل، وإعادة تعريفٍ لما هو مقبول وغير مقبول في إدارة الصراع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بوقائع ميدانية تُقوّض القانون الدولي، وعلى رأسه قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر الاستيطان غير شرعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في الأدبيات السياسية، تُفهم العقوبات بوصفها أداة ضغطٍ ناعمة تُستخدم عندما تتآكل فعالية الدبلوماسية التقليدية. لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن هذه العقوبات لم تعد موجهة فقط ضد سلوكيات فردية، بل باتت تُقرأ كإشارة على تزايد القلق الدولي من التحولات البنيوية داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي، خصوصا مع صعود تيارات يمينية متطرفة تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها امتدادا سياديا مفتوحا، لا أرضاً محتلة تخضع لمرجعية القانون الدولي.
من هذا المنظور، تصبح التصريحات العلنية الصادرة عن شخصيات سياسية مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش أكثر من مجرد خطاب داخلي؛ إنها تعكس توجهاً يهدد بإغلاق الأفق السياسي بالكامل، عبر تقويض مبدأ حل الدولتين الذي يشكل منذ اتفاق أوسلو وحتى اليوم الركيزة الأساسية لأي تسوية مقبولة دوليا، والتي لا تزال القيادة الفلسطينية تعتبرها الخيار الواقعي الوحيد، رغم كل ما تعرضت له من انتكاسات على الأرض.
الدول الغربية، خصوصا الأوروبية منها، لا تتعامل مع حل الدولتين بوصفه خياراً عاطفياً، بل باعتباره بنية استقرار وظيفية للنظام الإقليمي. ومن هنا، فإن أي خطاب سياسي يدفع نحو الضم أو تكريس الاحتلال يُنظر إليه باعتباره تهديداً مباشراً للنظام الدولي القائم على الشرعية والقانون، وليس مجرد خلاف سياسي بين طرفين غير متكافئين.
غير أن الأهمية الأعمق لهذه العقوبات لا تكمن في مضمونها فقط، بل في سياقها الزمني. فالعالم يشهد لحظة إعادة تشكيل للنظام الدولي، تتداخل فيها حرب أوكرانيا، والتنافس الأمريكي– الصيني، وتصاعد الشعبويات في أوروبا، مع أزمة متنامية في مصداقية المنظومة الغربية نفسها، نتيجة اتهامات بازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، بات ملف الاستيطان عبئاً سياسياً وأخلاقياً متزايداً على العواصم الغربية، إذ لم يعد ممكناً الاستمرار في الدفاع عن نظام دولي في سياقٍ ما، وتجاهل انتهاكاته في سياقٍ آخر، دون خسارة رصيد المصداقية الذي تستند إليه تلك الدول في خطابها العالمي.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين التحركات العقابية الرمزية وبين التحول الاستراتيجي العميق. فحتى اللحظة، لا تزال العلاقة الغربية مع إسرائيل محكومة بشبكات كثيفة من المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية، تجعل من فكرة القطيعة الشاملة احتمالا بعيداً. لذلك تبدو السياسات الحالية أقرب إلى “إدارة ضغط محسوب” يهدف إلى احتواء الانفجار، لا إلى إعادة صياغة التحالف جذرياً.
لكن في المقابل، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في العقوبات ذاتها، بل في تراكمها التدريجي وتحولها إلى اتجاه سياسي طويل الأمد، يعكس تغيراً في المزاج الدولي تجاه سياسات الاحتلال والاستيطان. فالعزلة لا تُفرض دفعة واحدة، بل تُبنى طبقة فوق طبقة: من الإدانة، إلى القيود، إلى العقوبات الفردية، وصولاً إلى إعادة تعريف موقع الدولة داخل النظام الدولي.
وفي السياق الفلسطيني، فإن هذه التحولات تعيد التأكيد على مركزية القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وعلى أن إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان هما المدخل الحقيقي لأي استقرار، وأن تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن ينتج سوى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
من هنا، يمكن فهم هذه اللحظة بوصفها اختبارا جديا لإرادة المجتمع الدولي: هل سيبقى حل الدولتين مجرد شعار سياسي، أم سيُترجم إلى سياسات فعلية تُنهي واقع الاحتلال وتعيد الاعتبار للحقوق الفلسطينية المشروعة؟
في المحصلة، تبدو الرسالة الدولية الراهنة أكثر وضوحاً مما كانت عليه في السابق: لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يستمر إذا كان قائماً على تقويض القانون الدولي وإغلاق الأفق السياسي بالكامل. وحين تتحول الجغرافيا إلى أداة لفرض الوقائع بدل أن تكون إطاراً لحلّها، تبدأ خرائط السياسة في التبدل، وتتشكل معها—ببطءٍ شديد لكن بثبات—خرائط العزلة.

أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة بين التدمير والتهجير: هل تنفذ إسرائيل خطة اليوم التالي بالفعل؟


منذ بداية الحرب على قطاع غزة، انشغل كثيرون بالسؤال عن خطة إسرائيل لليوم التالي، وافترض البعض أن غياب رؤية سياسية واضحة لدى الحكومة الإسرائيلية يعكس حالة من التخبط أو العجز عن تحديد مستقبل القطاع بعد انتهاء العمليات العسكرية، غير أن مجريات الأحداث على الأرض، والتصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الإسرائيليين، توحي بأن الأمر قد يكون مختلفاً تماماً، وأن ما يبدو فوضى أو ارتجالاً قد يكون جزءاً من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والاجتماعي في غزة بصورة جذرية.
فعلى امتداد أشهر الحرب، لم يقتصر الاستهداف على البنية العسكرية أو الأمنية، بل طال مختلف مقومات الحياة المدنية، المستشفيات تعرضت للقصف أو التدمير، والمدارس خرجت من الخدمة، والجامعات أُغلقت أو دُمرت، وشبكات المياه والكهرباء انهارت، فيما تحولت أحياء كاملة إلى ركام، وفي الوقت ذاته، وجد ملايين الفلسطينيين أنفسهم بين النزوح المتكرر والجوع والحرمان وانعدام الأمن، في مشهد يتجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية إلى استهداف البيئة الحاضنة للحياة الإنسانية نفسها.
هذا الواقع يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت إسرائيل لا تريد بقاء حركة حماس في الحكم، فمن الجهة التي تريدها أن تدير غزة؟ حتى الآن، لم تبدِ الحكومة الإسرائيلية استعداداً لقبول عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، كما رفضت صيغاً مختلفة للإدارة الدولية أو العربية، وأعلنت مراراً أنها لا ترغب في تحمل مسؤولية إدارة غزة بشكل مباشر. وبين رفض جميع البدائل الممكنة، تبدو النتيجة الفعلية هي الدفع نحو فراغ إداري وسياسي وأمني شامل.
إن تدمير المؤسسات المدنية لا يؤدي فقط إلى إضعاف سلطة قائمة، بل يهدد بإسقاط المجتمع بأكمله في حالة من الفوضى والعجز، فعندما يُقتل أو يُهجَّر الأطباء والمعلمون والمهندسون والموظفون والخبراء، وعندما تُدمر المدارس والمستشفيات والبلديات، يصبح من الصعب إعادة بناء حياة طبيعية أو استعادة الحد الأدنى من التنظيم المجتمعي، وهنا لا يعود الحديث عن إسقاط حكومة أو حركة سياسية، بل عن تفكيك البنية الاجتماعية التي تسمح لأي مجتمع بالاستمرار.
وتزداد هذه المخاوف مع تكرار الحديث الإسرائيلي عن ما يسمى "الهجرة الطوعية" لسكان غزة، فالمصطلح الذي يبدو ظاهرياً خياراً فردياً حراً، يكتسب معنى مختلفاً عندما يأتي في سياق الحصار والتجويع والتدمير وانعدام الأفق، فالسكان الذين يُحرمون من العمل والتعليم والعلاج والسكن والأمن، قد يجدون أنفسهم أمام خيار واحد: الرحيل. وعندها تصبح "الطوعية" مجرد وصف شكلي لعملية نزوح قسري نتجت عن ظروف صُنعت عمداً أو على الأقل جرى الإبقاء عليها.
لقد كشفت تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين خلال الأشهر الماضية عن رؤية تقوم على فرض وقائع جديدة في القطاع، سواء عبر السيطرة العسكرية المتزايدة على مساحات أوسع من الأرض أو عبر إعادة تشكيل البيئة السكانية بما يخدم الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى، وفي هذا السياق، تبدو الحرب الحالية أكثر من مجرد رد عسكري على أحداث السابع من أكتوبر، إذ تتحول تدريجياً إلى مشروع لإعادة رسم مستقبل غزة سياسياً وديموغرافياً.
وفي المقابل، فإن استمرار هذا المسار يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، فالقضية لم تعد تتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية، بل بمصير مجتمع كامل يواجه خطر التفكيك الممنهج، فغزة ليست مجرد مساحة جغرافية أو ملف أمني، بل موطن لملايين البشر الذين يمتلكون حقاً أصيلاً في الحياة والكرامة والبقاء على أرضهم.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الجرائم التي تُرتكب اليوم، بل في محاولة تحويلها إلى واقع دائم ومقبول دوليًا، بحيث يصبح بقاء الفلسطيني في أرضه معجزة يومية، ويغدو التهجير النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الإفقار والتدمير والفوضى ، وعند هذه النقطة تحديدًا، لا تكون غزة قد خسرت حربًا فحسب، بل يكون العالم قد خسر آخر ما تبقى من مصداقيته الأخلاقية والقانونية أمام واحدة من أكثر عمليات الهندسة السكانية وضوحًا في القرن الحادي والعشرين.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في المشهد الراهن ليس حجم الدمار الهائل الذي لحق بغزة، بل احتمال أن يتحول هذا الدمار إلى أداة سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع السكاني للقطاع وفرض حلول لم تستطع إسرائيل فرضها بالحروب السابقة، وعندها لن يكون السؤال عن خطة اليوم التالي للحرب، بل عن مستقبل شعب كامل يُدفع تدريجياً نحو الاختيار بين البقاء في جحيم دائم أو الرحيل إلى المجهول.

أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

الجغرافيا كأداة للهيمنة: كيف تُعاد صياغة المكان الفلسطيني عبر الطرق والرموز والبنية التحتية؟



لا تقتصر السيطرة على الأرض على القوة العسكرية أو الإجراءات القانونية فحسب، بل تمتد إلى تشكيل المشهد البصري والجغرافي الذي يراه الإنسان يومياً : فالطرق، واللافتات، والأعلام، والجسور، والنصب التذكارية، ومداخل المدن والقرى، وحتى مواقع الينابيع والمرتفعات، تتحول إلى أدوات تحمل رسائل سياسية وثقافية تسعى إلى إعادة تعريف المكان وصياغة العلاقة بين الإنسان والأرض، وفي الضفة الغربية تتجلى هذه الظاهرة من خلال مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى تكريس واقع جغرافي ونفسي جديد.
من أبرز المشاهد التي تستوقف الفلسطيني أثناء تنقله بين المحافظات انتشار الأعلام الإسرائيلية على امتداد العديد من الطرق الرئيسية والالتفافية، وفي محيط المستوطنات والمفترقات والتلال المطلة على التجمعات الفلسطينية، ولا يقتصر دور هذه الأعلام على التعبير عن هوية سياسية، بل تتحول إلى أداة بصرية دائمة تسعى إلى ترسيخ حضور وسيادة ورواية معينة في الفضاء العام.
فالتكرار المستمر لهذه الرموز على طول الطرق الرابطة بين المدن الفلسطينية يهدف إلى جعلها جزءاً من المشهد اليومي المعتاد، بحيث تصبح رسالة سياسية صامتة تؤكد السيطرة على الحيز الجغرافي وتعيد تشكيل إدراك الإنسان للمكان وهوية من يتحكم به.
تلعب اللغة دوراً أساسياً في تشكيل الهوية المكانية، وعندما تبرز اللافتات العبرية على الطرق الرابطة بين المحافظات الفلسطينية، فإنها لا تؤدي وظيفة إرشادية فحسب، بل تحمل رسالة رمزية تتعلق بمن يمتلك سلطة تعريف المكان وتسميته وإدارته.
فالاسم ليس مجرد كلمة، بل تعبير عن رواية تاريخية وهوية سياسية تسعى كل جهة إلى ترسيخها في الوعي العام.
من الملاحظ أن غالبية المستوطنات أُقيمت على قمم الجبال والتلال المرتفعة، بينما تنتشر معظم البلدات والقرى الفلسطينية في الأودية والسفوح المنخفضة، ويمنح هذا التموضع أفضلية جغرافية وبصرية تسمح بالإشراف على الطرق والأراضي المحيطة.
ولا يمكن النظر إلى هذا النمط العمراني باعتباره مصادفة هندسية فقط، بل كجزء من فلسفة تقوم على إظهار الحضور والسيطرة من الأعلى إلى الأسفل، بحيث تصبح المستوطنة مرئية من مسافات بعيدة، بينما تبدو التجمعات الفلسطينية محاصرة جغرافياً بين الجبال والطرق الالتفافية.
تظهر في العديد من المناطق بنية تحتية تجعل حركة المستوطنين تمر عبر جسور وطرق مرتفعة، بينما يمر الفلسطينيون عبر أنفاق أو طرق سفلية ، وقد أصبح هذا المشهد جزءاً من الحياة اليومية في عدد من المواقع داخل الضفة الغربية.
ويحمل هذا الترتيب بعداً رمزياً يتجاوز الوظيفة المرورية، حيث يعكس تفاوتاً في استخدام الفضاء الجغرافي ويعزز الإحساس بوجود مستويات مختلفة من الحركة والسيطرة داخل المكان الواحد.
يعكس التخطيط العمراني للمداخل فلسفة مختلفة في التعامل مع السكان والحركة، ففي كثير من المستوطنات تُنشأ دوارات حديثة وتقاطعات واسعة تسهل الوصول والربط مع شبكة الطرق الرئيسية، بينما تواجه العديد من البلدات الفلسطينية بوابات أو حواجز أو مداخل محدودة الحركة.
ويؤدي هذا التباين إلى إنتاج رسائل غير مباشرة حول طبيعة المكان ومستوى الانفتاح أو التقييد الذي يعيشه سكانه.
لا تُقام النصب التذكارية لتخليد أحداث أو أشخاص فحسب، بل تُستخدم أيضاً كوسيلة لترسيخ رواية تاريخية وسياسية في الفضاء العام، فعندما تُنصب هذه المعالم على مفترقات الطرق أو بالقرب من المستوطنات، فإنها تتحول إلى جزء من المشهد اليومي الذي يعيد إنتاج الذاكرة والرواية المرتبطة بالمكان.
وبذلك يصبح الحجر والنصب التذكاري وسيلة لتأكيد حضور تاريخي ورمزي في الجغرافيا المعاصرة.
تمثل عيون الماء جزءاً أصيلاً من التراث الطبيعي الفلسطيني، لكنها أصبحت في بعض المناطق هدفاً لزيارات متكررة من المستوطنين ومحاولات لربطها بروايات أو تفسيرات دينية وتاريخية خاصة.
ومع تكرار هذه الأنشطة، تتحول الينابيع من مواقع طبيعية وتراثية إلى ساحات صراع على الذاكرة والهوية والانتماء، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت روايته الخاصة حول المكان.
لا يمكن فصل بعض الممارسات المكانية عن البعد الأيديولوجي والديني الذي يحاول إضفاء شرعية رمزية على السيطرة على الأرض، فحين تُوظف الروايات الدينية أو التفسيرات العقائدية في توصيف الجغرافيا وتوزيع السكان واختيار مواقع السيطرة، يصبح المكان جزءاً من مشروع أوسع يسعى إلى دمج الجغرافيا بالعقيدة والسياسة والهوية.
تكشف هذه المظاهر مجتمعة أن الصراع لا يدور حول الأرض فقط، بل حول كيفية رؤيتها وفهمها وتعريفها، فالطرق والأعلام واللافتات والمرتفعات والجسور والينابيع والنصب التذكارية تتحول إلى أدوات تستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وصياغة العلاقة بين الإنسان والمكان.
ومن هنا فإن معركة الجغرافيا ليست مجرد معركة حدود ومساحات، بل معركة رواية وهوية وذاكرة ووجود.
إن قراءة المشهد الجغرافي في الضفة الغربية تكشف أن البنية التحتية والرموز المكانية أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع على الأرض والهوية، فالمشهد اليومي الذي يراه المواطن أثناء تنقله بين المحافظات ليس مجرد تفاصيل عمرانية أو مرورية، بل يعكس تفاعلات سياسية وثقافية عميقة تسعى إلى إعادة صياغة المكان وروايته. ولهذا تبقى حماية الذاكرة المكانية الفلسطينية وتوثيق الرواية الوطنية وتعزيز الوجود الفلسطيني على الأرض عناصر أساسية في مواجهة محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا والوعي معاً.

تحليل

الخميس 11 يونيو 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع قانون في مجلس الشيوخ يثير مخاوف من فتح خزائن الأسرار الأميركية أمام إسرائيل

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات-11/6/2026


تحليل إخباري


يثير مشروع قانون مطروح أمام مجلس الشيوخ الأميركي جدلاً متصاعداً داخل الأوساط السياسية والأمنية في واشنطن، بعدما تضمن بنداً قد يفرض على الإدارة الأميركية توسيع مشاركة المعلومات الاستخبارية الحساسة مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يراه منتقدون مساساً باستقلالية القرار الاستخباري الأميركي، وتهديداً محتملاً للأمن القومي للولايات المتحدة.


وبحسب تحليل نشره بول بيلار، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه)، على موقع "ريسبونسيبل ستيت كرافت"، فإن المادة 622 المدرجة داخل مشروع قانون تفويض الاستخبارات، والمكوّن من 192 صفحة، تحمل عنوان “تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، لكنها تتجاوز، في نظره، مجرد التعاون التقليدي لتصل إلى مستوى إلزام الإدارة الأميركية بتوسيع نطاق تبادل المعلومات مع الحكومة الإسرائيلية في معظم ملفات الشرق الأوسط.


ويقف وراء المشروع السيناتور الجمهوري توم كوتون، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، الذي يقترح منع أي إدارة أميركية من تعليق أو تقليص هذا التعاون الاستخباري إلا إذا قرر الرئيس وجود تهديد محدد وواضح للأمن القومي الأميركي. وحتى في هذه الحالة، سيكون على البيت الأبيض تقديم تقرير مفصل إلى الكونغرس خلال خمسة عشر يوماً يشرح أسباب القرار وطبيعة المعلومات المتأثرة به وتداعياته المحتملة على أمن المنطقة.


يشار إلى أن السيناتور توم كوتون يعتبر من أشد أصدقاء إسرائيل، وألد أعداء الفلسطينيين، ويدين بموقعه إلى حد ل\كبير لمنظمة "إيباك" التي قدمت له دعما طائلا خلال سنواته الطويلة في مجلس الشيوخ.


ويرى منتقدو المشروع أن هذه الصيغة تجعل أي محاولة مستقبلية لتقييد التعاون الاستخباري مع إسرائيل معقدة سياسياً وإجرائياً، وتحوّل مسألة يفترض أن تبقى ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية إلى قضية تخضع لضغوط الكونغرس وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.


ويأتي هذا التحرك في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع ملحوظ في شعبية إسرائيل داخل الرأي العام الأميركي، خاصة بعد الحرب على غزة وما رافقها من اتهامات دولية بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ويرى بيلار أن المدافعين عن إسرائيل في واشنطن يحاولون تعويض تراجع التأييد الشعبي عبر تعزيز أشكال أخرى من الارتباط الاستراتيجي بين البلدين، تكون أقل ظهوراً للرأي العام من المساعدات العسكرية والاقتصادية المباشرة.


فبعد عقود من الدعم الأميركي الذي تجاوز مئات المليارات من الدولارات، بدأت العلاقة تتجه نحو أشكال أعمق من التكامل العسكري والأمني يصعب على الجمهور متابعتها أو مساءلتها. ومن هذا المنظور، تبدو المادة 622 محاولة لنقل هذا التكامل إلى المجال الاستخباري، وهو المجال الأكثر غموضاً والأقل خضوعاً للرقابة الشعبية.


من الدعم إلى الاندماج


لم يعد الجدل في واشنطن يدور حول حجم المساعدات الأميركية لإسرائيل فقط، بل حول طبيعة العلاقة نفسها. فالمشروع الجديد يعكس انتقالاً من مفهوم “الدعم” إلى مفهوم “الاندماج المؤسسي” بين الدولتين. وفي حين يمكن للكونغرس والرأي العام مراقبة المساعدات المالية والعسكرية، فإن التعاون الاستخباري يتم خلف أبواب مغلقة وبعيداً عن الأضواء. لذلك يخشى معارضو المشروع أن يؤدي تشريع تبادل المعلومات إلى خلق التزام دائم لا تستطيع الإدارات المتعاقبة تعديله بسهولة، حتى عندما تتعارض السياسات الإسرائيلية مع المصالح الأميركية أو مع أولويات الأمن الإقليمي.


ويؤكد بيلار أن العلاقات الاستخبارية بطبيعتها شديدة التعقيد ولا يمكن إدارتها عبر نصوص تشريعية جامدة. فالأجهزة الاستخبارية تبني تعاونها مع الدول الأخرى وفق اعتبارات متغيرة تتعلق بالمصالح المشتركة ومستوى الثقة والمخاطر المرتبطة بكشف المصادر والأساليب السرية.


ويشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تدير شبكة واسعة من العلاقات مع دول متعددة، وأن أي إلزام قانوني بإعطاء أولوية خاصة لدولة واحدة قد يربك هذه الشبكة ويؤثر في علاقات واشنطن مع شركاء آخرين في المنطقة والعالم.


ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك عندما يتحدث عن السجل الإسرائيلي في مجال التجسس على الولايات المتحدة. ويستشهد بقضية الجاسوس جوناثان بولارد، الذي أدين بتسليم كميات ضخمة من الأسرار الأميركية لإسرائيل خلال ثمانينيات القرن الماضي، في واحدة من أخطر قضايا التجسس التي واجهتها الولايات المتحدة من جانب دولة حليفة.


ويذكّر بيلار بأن مسؤولين أميركيين كباراً اعتبروا الأضرار التي تسبب بها بولارد استثنائية من حيث الحجم والخطورة، بينما استقبلته إسرائيل لاحقاً باعتباره بطلاً قومياً بعد إطلاق سراحه.


أزمة ثقة داخل التحالف


تكشف العودة المتكررة إلى قضية بولارد عن معضلة أعمق من مجرد حادثة تجسس تاريخية. فجوهر المشكلة يتمثل في غياب الثقة الكاملة بين الحليفين في المجال الاستخباري. فالدول تتبادل المعلومات الحساسة عندما تقتنع بأن الطرف الآخر لن يستخدمها بصورة تضر بمصالحها أو ينقلها إلى أطراف ثالثة. وعندما يطرح مسؤولون أميركيون سابقون مسألة التجسس الإسرائيلي أو تسريب التكنولوجيا الأميركية إلى دول أخرى، فإنهم يسلطون الضوء على فجوة قائمة داخل العلاقة الأمنية نفسها، مهما بدت متينة في ظاهرها.


ويحذر الكاتب من أن الخطر لا يقتصر على احتمال تسرب المعلومات، بل يشمل أيضاً طريقة استخدامها. فالمعلومات التي توفرها الولايات المتحدة قد توظف في عمليات عسكرية أو سياسية لا تتوافق مع المصالح الأميركية أو مع أهداف الاستقرار الإقليمي.


وفي هذا السياق، يربط بيلار بين مشروع القانون والخلافات المتزايدة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن ملفات المنطقة، وعلى رأسها إيران ولبنان.


ويعتبر أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت وجود تباينات جوهرية بين أهداف واشنطن وأهداف تل أبيب، رغم استمرار التحالف الوثيق بينهما. ويرى أن إسرائيل تسعى في كثير من الأحيان إلى توسيع نطاق المواجهات الإقليمية، بينما تحاول الولايات المتحدة تجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة وطويلة الأمد.


تقييد البيت الأبيض


أخطر ما في المادة 622، وفق منتقديها، ليس توسيع تبادل المعلومات بحد ذاته، بل تقييد قدرة الرئيس الأميركي على استخدام التعاون الاستخباري كورقة ضغط سياسية. فعادة ما تلجأ الإدارات الأميركية إلى تعديل مستويات التعاون العسكري أو الأمني مع الحلفاء للتأثير في سلوكهم عند الضرورة. أما إذا أصبح تبادل المعلومات إلزامياً بموجب القانون، فإن هذا الهامش سيتقلص بشكل كبير. وبدلاً من أن يكون التعاون الاستخباري أداة من أدوات السياسة الخارجية، قد يتحول إلى التزام ثابت يمنح إسرائيل مزايا استراتيجية دائمة، بغض النظر عن طبيعة سياساتها أو مدى توافقها مع المصالح الأميركية.


وفي المحصلة، يرى بيلار أن مشروع القانون لا يتعلق فقط بتبادل المعلومات الاستخبارية، بل يعكس معركة أوسع حول مستقبل العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية وحدودها. وبينما يقدمه مؤيدوه باعتباره خطوة ضرورية لتعزيز أمن إسرائيل، ينظر إليه منتقدوه بوصفه محاولة لتكريس ارتباط مؤسسي طويل الأمد قد يقيّد حرية القرار الأميركي، ويجعل واشنطن أكثر التصاقاً بسياسات إسرائيل الإقليمية في مرحلة تتزايد فيها التساؤلات داخل الولايات المتحدة نفسها حول جدوى هذا المسار وتبعاته على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

فلسطين

الخميس 11 يونيو 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

"يبوس".. ينطلق قريباً

رام الله- "القدس" دوت كوم - من المقرر أن تنطلق خدمة تطبيق "يبوس" منتصف الشهر الجاري، لتشمل في مرحلتها التجريبية تسديد خدمات المياه والكهرباء والاتصالات والإنترنت، عبر محفظة مالية تبلغ نحو 500 شيكل.


جاء ذلك خلال حديث موسع مع وزير المالية والتخطيط د.اسطفان سلامة، أمس، أكد فيه أن الحكومة ماضية في اتخاذ كل ما من شأنه التسهيل على الموظفين العموميين وضمان حصولهم على الخدمات الأساسية، إلى جانب تسهيل تحصيل مستحقات الشركات المزودة للخدمات وتسديد الدفعات المطلوبة دون تأخير.


وتناول اللقاء آلية عمل التطبيق وأهدافه، والفئات المستفيدة منه، ومستقبله بعد المرحلة التجريبية، والضمانات الرقابية والقانونية الناظمة لعمله، إضافة إلى أثره المتوقع على الموظفين العموميين والاقتصاد المحلي، وإمكانية التوسع مستقبلاً في خدماته لتشمل قطاعات وخدمات حكومية أخرى، فضلاً عن عدد من القضايا المرتبطة بالأزمة المالية والتحديات التي تواجه الموازنة العامة في ظل الحروب والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.

تحليل

الخميس 11 يونيو 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يهدد بضرب إيران "بعنف شديد" ويكشف عن عمليات أميركية ضد نفطها وسط تصاعد التوتر في الخليج

رسالة واشنطن


واشنطن –سعيد عريقات- 10/6/2026

في تصعيد جديد ينذر بتوسيع دائرة المواجهة في منطقة الخليج، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن هجمات قاسية ضد إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يضع حداً للتوتر القائم، مؤكداً أن الولايات المتحدة "ستهاجمهم بقوة شديدة" ومعلناً، في الوقت نفسه، أن واشنطن نفذت عمليات مستمرة استهدفت النفط الإيراني، في خطوة من شأنها أن تثير تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الانخراط الأميركي المتزايد في الصراع.

وجاءت تصريحات ترمب خلال حديثه إلى الصحافيين في البيت الأبيض، حيث ربط موقفه بما وصفه بالاستفزازات الإيرانية، مشيراً إلى إسقاط مروحية من طراز "أباتشي" في مضيق هرمز، وهو ما اعتبره سبباً إضافياً لتشديد الضغوط على طهران.

وقال الرئيس الأميركي إن بلاده "ستهاجم إيران بعنف شديد" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام، مضيفاً أن الضربة الإيرانية للمروحية الأميركية تمثل تطوراً خطيراً لا يمكن تجاهله. كما كرر تأكيده أن إيران ستتعرض لضربة خلال الساعات المقبلة، ما عزز المخاوف من اقتراب المنطقة من مواجهة عسكرية مفتوحة قد تتجاوز حدود الاشتباكات المحدودة التي شهدتها الأشهر الأخيرة.

لكن الجانب الأكثر إثارة في تصريحات ترمب تمثل في كشفه عن عمليات أميركية تستهدف النفط الإيراني بصورة مباشرة. وقال إن الولايات المتحدة "تسحب ملايين البراميل من النفط الإيراني كل ليلة"، مؤكداً أن هذه العمليات مستمرة منذ فترة طويلة، وأن طهران لم تدرك حجمها إلا مؤخراً.

وأضاف أن إخراج هذه الكميات الضخمة من النفط الإيراني أسهم، بحسب رأيه، في إبقاء أسعار النفط العالمية ضمن مستويات تتراوح بين 85 و90 دولاراً للبرميل، معتبراً أن الأسعار كانت ستقفز إلى حدود 250 دولاراً للبرميل لولا هذه الإجراءات. غير أن الرئيس الأميركي لم يقدم أي تفاصيل إضافية بشأن طبيعة تلك العمليات أو الجهات التي تنفذها أو الأساس القانوني الذي تستند إليه.

وتفتح هذه التصريحات الباب أمام سلسلة من التساؤلات السياسية والقانونية والعسكرية. فالإقرار العلني بعمليات تستهدف موارد دولة ذات سيادة قد يُفسَّر باعتباره انتقالاً من سياسة العقوبات الاقتصادية التقليدية إلى أشكال أكثر مباشرة من الضغط والإكراه، وهو ما قد يدفع طهران إلى الرد بوسائل مختلفة، سواء في الخليج أو عبر ساحات إقليمية أخرى.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من التوتر غير المسبوق، وسط تحذيرات متزايدة من أن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى مواجهة واسعة النطاق تشمل خطوط الملاحة الدولية ومنشآت الطاقة الحيوية، الأمر الذي يهدد الاقتصاد العالمي ويضع الأسواق أمام احتمالات شديدة الاضطراب.

ويرى مراقبون أن خطاب ترمب يعكس محاولة لزيادة الضغوط القصوى على إيران من أجل دفعها إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية، إلا أن التجارب السابقة أظهرت أن سياسة التهديد العسكري لا تؤدي بالضرورة إلى نتائج سريعة، بل قد تدفع الأطراف المستهدفة إلى مزيد من التشدد والتمسك بمواقفها.

ترمب بين استعراض القوة ومخاطر التورط

يجد الرئيس الأميركي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يريد الظهور بمظهر القائد الحازم القادر على فرض الإرادة الأميركية بالقوة العسكرية والاقتصادية، ومن جهة أخرى يدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تتحول إلى حرب مكلفة يصعب التحكم بمسارها أو بنتائجها. فالتصعيد اللفظي يمنحه زخماً سياسياً داخلياً ويبعث برسائل ردع إلى الخصوم، لكنه يرفع في الوقت نفسه سقف التوقعات ويقيد هامش المناورة أمامه. وإذا لم يترجم تهديداته إلى أفعال ملموسة، فقد يتعرض لاتهامات بالتراجع، أما إذا نفذها فقد يجد الولايات المتحدة غارقة في صراع جديد لا يمكن التنبؤ بتداعياته.

مأزق الردع وحدود القوة الأميركية

تكشف تصريحات ترمب عن أزمة أعمق تتعلق بفعالية الردع الأميركي في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً، لكنها تواجه خصماً أثبت مراراً قدرته على استخدام أدوات غير تقليدية لإطالة أمد المواجهات واستنزاف خصومه. لذلك فإن التهديد بضرب إيران لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سياسي أو استراتيجي سريع. بل إن أي عملية عسكرية قد تفتح الباب أمام ردود متبادلة تهدد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة وتعرّض المصالح الاقتصادية العالمية للخطر. وهنا يكمن المأزق الحقيقي: القدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على إنهائها بالشروط المطلوبة.

بين وعود السلام وحقائق التصعيد

لطالما قدم ترمب نفسه بوصفه رئيساً يسعى إلى إنهاء الحروب وتجنب الانخراط في نزاعات طويلة، غير أن التطورات الأخيرة تضعه أمام تناقض واضح بين هذا الخطاب وبين الواقع الميداني المتجه نحو مزيد من التصعيد. فكلما ارتفع منسوب التهديدات العسكرية، ازدادت صعوبة العودة إلى طاولة التفاوض من دون خسائر سياسية. كما أن الحلفاء والخصوم على حد سواء يراقبون مدى اتساق السياسة الأميركية وقدرتها على الجمع بين الضغط والتسوية. ولذلك يبدو أن ترمب يقف اليوم عند مفترق طرق حساس: إما نجاح الضغوط في فرض اتفاق يجنبه الحرب، أو الانزلاق إلى مواجهة قد تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة وتترك آثاراً بعيدة المدى على مكانة الولايات المتحدة ودورها العالمي.