صدم المواطن محمد عوض، النازح في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، بالعثور على جثمان طفل مدفون على عمق بسيط أسفل خيمته، وذلك أثناء محاولته توسعة حفرة للصرف الصحي. الحادثة كشفت عن مأساة المقابر العشوائية التي اضطر السكان لإنشائها في ذروة العمليات العسكرية البرية، حيث تحولت الملاعب والساحات العامة إلى مدافن مؤقتة لتعذر الوصول إلى المقابر الرسمية.
وأفادت مصادر محلية بأن طواقم الإسعاف تولت نقل الجثمان المكتشف لإتمام إجراءات التوثيق ضمن قوائم الشهداء مجهولي الهوية، وهي معضلة إنسانية تتفاقم مع مرور الوقت. ويقيم عوض في خيمة فوق أرض ملعب كان قد شهد دفن عشرات الشهداء في الأشهر الأولى للحرب، ورغم نقل معظم الجثامين لاحقاً، إلا أن بعضها بقي طي النسيان تحت الرمال.
وأكد المسعف كريم العطل أن الملعب الذي يقطن قربه النازحون حالياً كان قد ضم نحو 100 جثمان في وقت سابق، مشيراً إلى تكرار حوادث العثور المفاجئ على رفات شهداء في مناطق متفرقة من محافظة غزة. وأوضح أن غياب البيانات الشخصية لبعض الضحايا يجعل من الصعب التعرف عليهم، خاصة في ظل النزوح المتكرر للعائلات وفقدان الاتصال بذويهم.
من جانبه، وثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان وجود نحو 30 مقبرة جماعية عشوائية كبرى تضم قرابة 3 آلاف جثمان في مختلف محافظات القطاع. كما أشار المرصد إلى استحداث أكثر من 120 مقبرة جماعية صغيرة دُفن في كل منها ثلاثة أفراد أو أكثر، مما يعكس حجم الكارثة التي خلفها العدوان المستمر على السكان المدنيين.
وفي واقعة مشابهة بحي الكرامة، عثر المواطن ماجد شاهين على جثمان متحلل بجوار منزله مطلع العام الجاري، ورغم محاولاته المتكررة عبر منصات التواصل الاجتماعي للتعرف على صاحب الجثمان من خلال ملابسه، لم يستدل عليه أحد. واضطر شاهين لاستخراج الرفات وإعادة دفنه في مقبرة رسمية بانتظار ظهور أي خيط قد يقود لهويته مستقبلاً.
ويعزو فارس عفانة، مدير وحدة الإسعاف في الخدمات الطبية، ارتفاع أعداد مجهولي الهوية إلى السياسات الممنهجة التي اتبعها الاحتلال، بما في ذلك نبش وتجريف المقابر ومنع الطواقم الطبية من انتشال الضحايا. وأضاف أن إبادة عائلات بأكملها أدت إلى غياب أي قريب يمكنه التعرف على الجثامين التي تُركت في الشوارع أو تحت الأنقاض لفترات طويلة.
وفي مجمع الشفاء الطبي، يعمل قسم الطب الشرعي على إدارة ملف ضخم يضم أكثر من 1000 جثمان مجهول الهوية، حيث يتم منح كل شهيد رقماً متسلسلاً وسجلاً يتضمن صوراً وعينات للحمض النووي. وأوضح الدكتور أحمد أضهير أن هذه الإجراءات تهدف لتسهيل التعرف على الضحايا مستقبلاً في حال توفرت المعدات والمواد المخبرية اللازمة لفحص الـ DNA.
ملف الشهداء مجهولي الهوية يزداد تعقيداً مع مرور الوقت ويحتاج إلى توفر الكثير من المواد والمعدات والفحوصات لمحاولة التعرف عليهم.
وكشف أضهير أن سلطات الاحتلال سلمت 480 جثماناً كانت محتجزة لديها منذ اتفاق وقف إطلاق النار، لكن دون تقديم أي بيانات توضيحية حول هوياتهم أو ظروف استشهادهم. وقد نجحت اللجان المختصة في التعرف على 110 جثامين فقط من هذه الدفعة، بينما لا يزال المئات منهم مسجلين في قوائم مجهولي الهوية.
وتشير التقديرات الحكومية في غزة إلى أن عدد المفقودين وصل إلى نحو 10 آلاف شخص، يعتقد أن غالبيتهم لا تزال جثامينهم تحت ركام المنازل المدمرة. وتواجه فرق الدفاع المدني صعوبات بالغة في الوصول إلى هؤلاء المفقودين بسبب نقص الآليات الثقيلة واستمرار استهداف المناطق الحيوية، مما يجعل أعداد الشهداء الفعلية مرشحة للزيادة.
وتؤكد التقارير الطبية أن هناك عشرات الشهداء الذين دُفنوا في مقابر عشوائية خلال فترات الحصار المطبق دون أن يتم عرضهم على الجهات المختصة أو تسجيل بياناتهم. هذا الغياب للتوثيق الرسمي في لحظات الحرب القاسية يزيد من تعقيد الملف القانوني والإنساني لهؤلاء الضحايا ويحرم عائلاتهم من حق المعرفة والدفن الكريم.
وشددت مصادر طبية على أن ملف مجهولي الهوية يحتاج إلى تدخل دولي لتوفير المختبرات المتنقلة والمواد الكيميائية اللازمة لتحليل الرفات، خاصة مع تحلل الكثير من الجثامين. وتعتبر هذه القضية واحدة من أعمق الجروح التي خلفتها الحرب، حيث تظل آلاف العائلات معلقة بين أمل العثور على مفقوديها أو الحصول على إجابات نهائية.
وفي سياق الإحصائيات الشاملة، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن حصيلة العدوان تجاوزت 72 ألف شهيد وأكثر من 173 ألف مصاب، وهي أرقام تعكس حجم الدمار غير المسبوق. وتظل هذه الأرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث في المقابر العشوائية وتحت أنقاض الأحياء السكنية التي سويت بالأرض.
وختاماً، تبرز المقابر العشوائية كشاهد صامت على قسوة الظروف التي عاشها سكان غزة، حيث تحولت أماكن اللعب والنزوح إلى مدافن اضطرارية. ويبقى التحدي الأكبر أمام الجهات الحقوقية والطبية هو ضمان توثيق كل ضحية وحفظ كرامتها، في ظل واقع يزداد تعقيداً مع كل يوم يمر على انتهاء العمليات العسكرية الكبرى.





شارك برأيك
جثامين تحت خيام النازحين.. المقابر العشوائية تضاعف مأساة الشهداء مجهولي الهوية في غزة