أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب العالق بين صفقة القرن وضربة القرن!


 
منذ عودته للبيت الابيض، لم يتوقف ترمب عن تقديم نفسه كرجل الصفقات القادر على انتزاع تنازلات الخصوم دون حروب مكلفة، وما لبث ان فشل في اختباره الاول، فقد وجد نفسه في اختبار مبكر وضع ادارته امام واحدة من اخطر موجات التصعيد الدولي مؤخرا، لذلك لم يكن غريبا ان يكرر عشرات المرات خلال ايام ان الاتفاق مع إيران وشيك وان المفاوضات تحقق تقدما ملموسا، ثم الانتقال بلمح البصر من التبشير باتفاق وصفقة تاريخية الى التهديد المباشر بتدمير بنى إيران التحتية ومحطات الطاقة والمنشآت المدنية، ما يطرح سؤالا جوهريا لا يتعلق فقط بمستقبل، بل والاستراتيجية التي تحكم سلوك الطرفين، فهل تمارس طهران لعبة كسب الوقت ام ان ترمب يوظف المفاوضات كأداة ضغط وابتزاز سياسي؟
 هذا السلوك الترمبي المتقلب والمندفع لا يمكن فهمه او تحليله بمعزل عن عقيدته السياسية المستندة الى نزعة الصفقات والابتزاز، وهي مقاربة تحاول محاكاة الاساليب الاستعمارية التقليدية عبر فرض الحصار كوسيلة وحيدة لإخضاع الخصوم وإجبارهم على تقديم التنازلات، إلا أن طهران التي راكمت إرثا طويلا من الصبر الاستراتيجي والتعايش مع العقوبات الدولية تستوعب الاندفاع الامريكي وتدرك جيدا ان التلويح بالقوة وتصعيد النبرة غالبا ما يخفي رغبة عارمة في تجنب المواجهة العسكرية الواسعة التي قد تطيح بالاستقرار الإقليمي وتدمر ما تبقى من سلاسل التوريد والاقتصاد العالمي المضطرب أساسا.
 في المقابل، يحاول الاحتلال جاهدا استغلال هذا الغموض الاستراتيجي والتوتر المتصاعد لتوجيه البوصلة الامريكية نحو مواجهة عسكرية مدمرة تحقق مصالحها وتنهي مخاوفها وتنقذ خياراتها الامنية ، كما توحي التسريبات المتكررة عن كبح جماح نتنياهو وتحذيره من الذهاب منفردا في مغامرة غير محسومة العواقب قد تتركه وحيدا في ساحة المعركة، ما قد يفهم ان ترمب يرفض ان يكون مجرد اداة تنفيذية، وهو الساعي لاثبات تفوقه كصانع قرار مطلق يملي شروطه على المقربين والخصوم معا.
 وبالتالي فان الصراع يتجاوز البعد العسكري ليمس شعوب المنطقة ويومياتها، والتي تعيش تحت وطأة أزمات اقتصادية ومعيشية تستخدمها القوى الكبرى كأدوات ضغط غير اخلاقية لتفجير الجبهات الداخلية ونشر الفوضى ما يجعل المناورات السياسية والتهديدات العسكرية بمثابة الرقص على حافة الهاوية التي يتداخل فيها لهيب الميدان بحسابات المفاوضات عبر قنوات وسيطة كالدبلوماسية القطرية او الباكستانية.
 في هذا السياق يبدو السؤال "من يلعب بمن؟" مُضَلّلا الى حد ما، لان كلا الطرفين يمارس لعبته، فترمب يحتاج الى اظهار نفسه قادرا على فرض الشروط وتحقيق الإنجازات، فيما تحتاج إيران الى اثبات انها لم ترضخ للضغوط وقادرة على الصمود وانتزاع المكاسب، لذلك تتحول التصريحات المتناقضة احيانا الى جزء من عملية تفاوضية معقدة تستهدف الخصم والجمهور الداخلي والحلفاء في ذات الوقت.
 وبالتالي فان الخروج من هذا النفق يتطلب تجاوز حالة اللاحرب واللاسلم والتي تستنزف طاقات شعوب المنطقة ودولها، وتفكيك العقلية الاستعمارية القائمة على الهيمنة وفرض الاملاءات، بما يضمن ان تكون دول المنطقة بعيدة عن التدخلات الخارجية وتقلبات المزاج الانتخابي والسياسي الامريكي، فالواقع فضلا عن التاريخ يثبت ان الاعتماد على الوعود الامريكية المتقلبة او التهديدات اللفظية العابرة لا يصنع امنا ولا سلاما مستداما، بل يعمق النزاعات المستقبلية في مناخ إقليمي ودولي مضطرب وقابل للانفجار في أي لحظة.
 
 



دلالات

شارك برأيك

ترمب العالق بين صفقة القرن وضربة القرن!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.