أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:43 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يضيق العالم بثوب امرأة: قراءة في استباحة الاحتلال لخصوصيات المنازل اللبنانية

في كل حرب، تبرز صورة تختصر المأساة بعمق يتجاوز آلاف التقارير الإخبارية. مؤخراً، ضجت المنصات بمشهد لجندي من قوات الاحتلال يرتدي ملابس امرأة داخل منزل لبناني اقتحمه للتو. هذا الفعل الذي قد يبدو عابراً في زحام الأخبار، يحمل في طياته انحداراً أخلاقياً واستباحة للكرامة البشرية، حيث تتحول الخصوصيات الحميمة إلى مادة للتهكم والاستعراض أمام الكاميرات، مما يعكس وجهاً بشعاً للحرب يطال الروح قبل الحجر.

إن الملابس في بيوتنا ليست مجرد قماش، بل هي مخزن للذاكرة ورائحة الأيام. في بلادنا، تحفظ الخزائن تفاصيل الحياة؛ من فستان الخطوبة إلى ثياب الولادة، وكل غرزة فيها تمثل جزءاً من تاريخ شخصي. لذا، فإن عبث الغرباء بهذه المقتنيات يمثل اقتحاماً للذاكرة الجمعية والفردية، ومحاولة لسرقة المسافات الآمنة التي يحتاجها الإنسان ليشعر بإنسانيته. البيت ليس مجرد سقف، بل هو المكان الذي نخلع فيه أقنعتنا ونودع فيه أسرارنا، وحين يُستباح، يشعر المرء أن روحه تعرضت للاقتحام ذاته.

وعلى ضفة أخرى من المأساة، تبرز قصص الصمود الصامت كفعل مقاومة. فالمزارع اللبناني الذي يخاطر بحياته لتفقد حيواناته وأرضه، يجسد التمسك بالحياة في وجه الموت. هؤلاء الذين يرفضون التخلي عن مسؤولياتهم الأخلاقية تجاه الكائنات الأضعف، يثبتون أن الحروب مهما بلغت قسوتها، لا يمكنها محو غريزة الرحمة أو اقتلاع الإنسان من أرضه. إن القوة الحقيقية لا تكمن في اقتحام المنازل، بل في القدرة على العودة إليها وإعادة بنائها وترميم ما كسرته الحرب في النفوس والبيوت.

ختاماً، سيبقى الثوب ثوب صاحبه مهما ارتداه العابرون، وسيظل البيت ملكاً لمن بنوه بجهدهم وذكرياتهم. إن مأساة الحروب لا تقاس فقط بعدد الضحايا، بل بفقدان البوصلة الأخلاقية التي تجعل من خصوصية الآخر مشهداً للتسلية. ومع ذلك، تبقى الذاكرة هي الحصن الوحيد الذي تعجز الجيوش عن مصادرته، وما تسرقه القوة اليوم، سيسترده الإنسان غداً بالصبر والإصرار على البقاء.

دلالات

شارك برأيك

حين يضيق العالم بثوب امرأة: قراءة في استباحة الاحتلال لخصوصيات المنازل اللبنانية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.