أقلام وأراء

الخميس 11 يونيو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

فتوى تاريخية لفقيه شافعي تحرم ترحيل المهاجرين قسراً وتعتبرها استهزاءً بالشريعة

يسلط الضوء مؤخراً على وثيقة فقهية تاريخية تعيد الاعتبار للتراث الإسلامي في ملف حقوق الإنسان، وتحديداً فيما يخص رعاية الضعفاء والمهاجرين. هذه الوثيقة هي فتوى للإمام تقي الدين الحصني، الفقيه الشافعي الدمشقي الذي عاش في القرن التاسع الهجري، وحملت عنواناً صريحاً هو 'حرمة ترحيل المهاجرين وقهرهم على العودة إلى بلادهم'.

تأتي أهمية هذه الفتوى من كونها كتبت في زمن كانت تعاني فيه المجتمعات من مظالم كبرى، إلا أن الحصني انبرى للدفاع عن أقوام تركوا ديارهم فراراً من الفتن والظلم. وقد استقر هؤلاء المهاجرون في حواضر مثل دمشق، وأسسوا فيها حياة جديدة ومصالح وعائلات، مما جعل ترحيلهم هدمًا لاستقرارهم الإنساني.

تصدى الإمام الحصني لمحاولات بعض أصحاب النفوذ والإقطاعيين الذين سعوا لإعادة المهاجرين قسراً إلى قراهم الأصلية للعمل في الفلاحة وزيادة المحاصيل. واعتبر الفقيه أن هذا السلوك يمثل 'خصلة خبيثة' وظلماً فاشياً لا يمكن السكوت عنه في ظل الشريعة الإسلامية التي تحفظ كرامة الإنسان.

أكد الحصني في فتواه أن التحريم لا يقتصر على المسلمين فقط، بل يشمل اليهود والنصارى أيضاً، مشدداً على أنه لا يجوز إجبار أي إنسان على عمل بغير رضاه. ووصف هذا النوع من القهر بأنه نوع من الأسر الذي يتنافى مع قيم الحرية والعدالة التي جاء بها الدين الحنيف.

اعتبرت الفتوى أن إظهار القهر تجاه المهاجرين هو قرينة تدل على 'الاستهزاء بالشريعة المطهرة'، لأن الله حرم الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده. وشدد الحصني على أن هذا الفعل يعد من أقبح خصال الجور والبغي التي قد يرتكبها أصحاب السلطة أو أعوانهم.

ولم يكتفِ الفقيه بتحريم الفعل نفسه، بل وسع دائرة المسؤولية لتشمل كل من يعين على هذا الظلم ولو بكلمة واحدة أو مشورة تزيّن للظالم فعله. ووصف المستشارين الذين يحرضون على إعادة المهاجرين بحجة 'عمارة البلاد' بأنهم جهلة ورطوا أنفسهم في هلكة عظيمة وعرضوا أرواحهم للبلاء.

رسم الحصني عقوبات زاجرة في الدنيا لمن يمارس هذا الظلم، مطالباً بإهانتهم والتنكيل بهم ليكونوا عبرة لغيرهم من أهل الجور. أما في الآخرة، فقد استشهد بآيات الوعيد التي تؤكد أن الظالمين لهم عذاب أليم يمس قلوبهم وأجسادهم جزاءً وفاقاً لما اقترفوه بحق المظلومين.

بلغت شدة الحصني في الحق حد اعتبار الظالم الذي يستحل هذا الفعل كافراً يستوجب الاستتابة، نظراً لمصادمته صريح الشريعة. وأوضح أن التوبة لا تكون صحيحة إلا بالاستسلام التام لله ورسوله باطناً وظاهراً، والكف عن أذية الناس وسلب إرادتهم.

وجه الإمام خطاباً للمجتمع بكافة مكوناته، مؤكداً أن مساعدة المقهورين ودفع الظلم عنهم هو واجب شرعي على كل مكلف يقدر على ذلك. واعتبر أن هذا العمل من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، محذراً من عقوبات شديدة لمن يتخاذل عن نصرة المظلوم.

يعكس هذا النص الحقوقي العظيم وعياً مبكراً بضرورة حماية اللاجئين والمهاجرين، وهو ما يسبق المواثيق الدولية الحديثة بقرون طويلة. فالحصني لم ينظر للمهاجر كعبء اقتصادي، بل كإنسان له حق الأمان والاستقرار في الأرض التي اختارها هرباً من العسف.

إن الإمام الحصني، المعروف بكتابه 'كفاية الأخيار'، كان مسكوناً برفض الظلم في كل سياقاته الفقهية، ولم تكن هذه الفتوى مجرد موقف عابر. بل كانت تعبيراً عن منهج أصيل في الفكر الشافعي يقدس العدالة ويواجه السلطة الجائرة إذا ما اعتدت على حقوق الرعية والمستجيرين بها.

تطرح هذه الفتوى تساؤلات عميقة حول واقع المهاجرين اليوم الذين يطردون من بلاد اللجوء ليعادوا إلى مناطق النزاع والتنكيل. فإذا كان الحصني قد حرم الترحيل داخل البلد الواحد، فإن حكمه على الترحيل القسري عبر الحدود إلى يد الظالمين سيكون بلا شك أكثر قسوة وصرامة.

يرى مراقبون أن مثل هذه النصوص التراثية لو وجدت في الثقافة الغربية لكانت تدرس في المدارس وتوضع في المتاحف كأيقونات لحقوق الإنسان. ومن هنا تبرز الحاجة لإزالة الغبار عن التراث الفقهي الذي يثبت أن الإسلام كان سباقاً في إرساء قواعد حماية المستضعفين بغض النظر عن دينهم.

ختاماً، تظل فتوى الإمام الحصني شاهدة على حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على التصدي للأزمات الإنسانية بروح أخلاقية عالية. وهي دعوة للمثقفين والفقهاء المعاصرين لاستلهام هذا الإرث في الدفاع عن حقوق الإنسان ومواجهة موجات الكراهية والترحيل القسري في العالم المعاصر.

دلالات

شارك برأيك

فتوى تاريخية لفقيه شافعي تحرم ترحيل المهاجرين قسراً وتعتبرها استهزاءً بالشريعة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.