عربي ودولي

الإثنين 25 مايو 2026 12:49 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة 'شمال السكة' في الرقة: مخاوف من تشريد الآلاف والمحافظ يتعهد ببدائل سكنية

تشهد مدينة الرقة حالة من الغليان الشعبي والجدل القانوني الواسع على خلفية إعلان السلطات المحلية عن مشروع لتنظيم منطقة 'شمال السكة'. ويهدف المشروع، بحسب الرواية الرسمية، إلى معالجة ظاهرة العشوائيات وتحسين الواقع الخدمي المتردي في المنطقة، إلا أنه قوبل بموجة احتجاجات من السكان الذين يخشون فقدان ممتلكاتهم التاريخية.

وأكد محافظ الرقة، عبد الرحمن سلامة، خلال لقائه بوفد من الأهالي أن الغاية الأساسية من هذا التحرك العمراني هي تأمين مساكن حديثة ومنظمة تليق بالمواطنين. وشدد سلامة على التزام المحافظة الكامل بعدم إخلاء أي منزل أو تشريد أي عائلة إلا بعد توفير البديل السكني الجاهز، مشيراً إلى أن المشروع لن يحمل السكان أي أعباء مالية إضافية.

في المقابل، احتشد المئات من المحتجين عند دوار حزيمة شمال المدينة، معبرين عن رفضهم القاطع لقرارات الهدم التي قد تطال آلاف الوحدات السكنية. ويرى المتظاهرون أن المشروع يهدد الاستقرار الاجتماعي لنحو 25 ألف نسمة يعيشون في المنطقة منذ عقود، مطالبين بإيجاد حلول تنظيمية تحافظ على النسيج العمراني القائم دون اللجوء للإزالة.

وتتمحور نقطة الخلاف الجوهرية حول قانونية ملكية الأرض في منطقة شمال السكة، حيث تصنفها الجهات الحكومية كأملاك دولة منحت سابقاً لأغراض زراعية. بينما يؤكد الأهالي امتلاكهم لوثائق ومحاضر تسليم رسمية، مشيرين إلى أن عمليات بيع وشراء قانونية جرت على هذه الأراضي طوال السنوات الماضية، مما يمنحهم حق الملكية الكاملة.

وأوضح مالك الخضر، رئيس لجنة أحياء شمال السكة أن البلدية بدأت بالفعل في تنفيذ عمليات هدم محدودة لبعض المنازل، مما أثار ذعر السكان ودفعهم للتحرك. وأشار الخضر إلى أن المعلومات المتوفرة تشير إلى نية الحكومة إقامة مشروع استثماري ضخم يحل مكان الأحياء السكنية الحالية، وهو ما يرفضه السكان جملة وتفصيلاً.

وعقب سلسلة من الاجتماعات بين لجنة الأهالي ونائب المحافظ، جرى الاتفاق على وقف مؤقت لعمليات الهدم واللجوء إلى المسار القانوني عبر المحاكم المختصة. ويهدف هذا التوجه إلى تقديم الشكاوى القانونية وتثبيت حقوق الملكية للسكان، في محاولة لنزع فتيل الأزمة التي بدأت تتصاعد في الشارع الرقاوي بشكل ملحوظ.

من جانبه، طرح المحافظ مقترحاً للتعويض يتضمن منح السكان شققاً سكنية حديثة مزودة بـ 'طابو أخضر' يضمن حق المالك بشكل قانوني ونهائي. واعتبرت المحافظة أن هذا العرض يمثل فرصة للانتقال من واقع العشوائيات الذي يفتقر للخدمات الأساسية إلى بيئة عمرانية منظمة تتوفر فيها المدارس والمراكز الصحية والحدائق العامة.

ورغم هذه الوعود، أظهر استطلاع أولي أجرته لجنة الأحياء رفضاً واسعاً من قبل الأغلبية العظمى من السكان للمشروع المقترح بصيغته الحالية. ويعتقد الأهالي أن الانتقال إلى شقق سكنية قد لا يتناسب مع طبيعة حياتهم الاجتماعية أو المساحات التي يمتلكونها حالياً، مفضلين تنظيم أحيائهم في أماكنها دون هدم.

الناشط الميداني مراد العايد، أحد المشاركين في الاحتجاجات، أكد أن السكان يرفضون تماماً وصف منطقتهم بالعشوائية، مشدداً على أنها تضم مرافق قائمة من مساجد ومدارس ومستوصفات. وأضاف العايد أن الأهالي يطالبون بتسوية قانونية واضحة تثبت ملكياتهم الحالية وتدفع بموجبها الرسوم للدولة مقابل تحسين الخدمات في الحي نفسه.

وتشير التقارير الفنية للمشروع إلى أنه سيُنفذ على مرحلتين أساسيتين، تبدأ الأولى بتجهيز البنية التحتية من شبكات صرف صحي وكهرباء وطرقات حديثة. أما المرحلة الثانية فستركز على عمليات التشييد والبناء، مع توقعات بأن يستغرق العمل ما بين ثلاث إلى خمس سنوات لضمان إنجاز كافة الوحدات السكنية البديلة.

وفي محاولة لامتصاص الغضب، أعلن المحافظ أن القرار النهائي بشأن تنفيذ المشروع سيعتمد على نتيجة استفتاء شعبي وجلسات استماع مفتوحة مع كافة المتضررين. وأكد أن الإدارة المحلية لن تفرض أي حلول قسرية، وأن الخطة التنظيمية قابلة للتعديل أو الإلغاء في حال استمرت المعارضة الشعبية الواسعة لها.

ويرى مراقبون أن أزمة 'شمال السكة' تعكس صراعاً أعمق حول حقوق الملكية في المناطق التي شهدت تغيرات ديموغرافية وعمرانية خلال سنوات الحرب. وتبرز الحاجة الملحة لإيجاد توازن بين خطط التطوير الحضري التي تسعى إليها الدولة وبين الحقوق المعيشية والقانونية لآلاف العائلات التي لا تملك مأوى بديلاً.

وتفتقر المنطقة حالياً، بحسب تصريحات رسمية، إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة مثل تزفيت الطرقات وشبكات الصرف الصحي المنظمة، وهو ما تتخذه السلطات ذريعة للتنظيم. إلا أن السكان يطالبون بأن يكون التطوير من خلال ترميم الواقع الحالي وليس عبر إزالته بالكامل، معتبرين أن الهدم يمثل تهجيراً قسرياً تحت غطاء التنمية.

يبقى المشهد في الرقة مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في انتظار نتائج الاستفتاء الشعبي والتحركات القانونية التي تقودها لجنة الأحياء. وتظل قضية 'شمال السكة' اختباراً حقيقياً لقدرة السلطات المحلية على إدارة ملفات العقارات الشائكة وضمان حقوق المواطنين في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد.

دلالات

شارك برأيك

أزمة 'شمال السكة' في الرقة: مخاوف من تشريد الآلاف والمحافظ يتعهد ببدائل سكنية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.