في الأمثال الشعبية الفلسطينية يقال: "لسانك حصانك إن صنته، صانك"، والأمثال هي تراكم معرفة وخبرة الأولين التي وصلت إلينا في تتابع الأجيال وعمر السنوات، وليست عبثًا تُقال، بل فيها من الحكمة ما يجعلها طوق نجاة في كثير من المواقف والأيام. وفي السياسة الأمر أكثر تعقيدًا، فالعمل السياسي يشبه السير داخل حقل ألغام، لا يكفي الحذر منه فقط، بل يحتاج إلى الدهاء والحكمة والتماسك وانتقاء خير الكلام، بلا انفعالات، ليكون المعنى واضحًا. فالتصيد في حقل السياسة سمة أهل السياسة وناسها، وهذا يجعلها يومًا لك ويومًا عليك، وبالتالي فإنك تتصيد بالآخرين الذين يتصيدون بك، والحال في فلسطين ليس مغايرًا عن البلاد الأخرى، بل إنه أكثر تعقيدًا وخطرًا.
إن جلد الذات بقسوة تعبير عن تسلل الهشاشة وفقدان الأمل بكل مكنونات القوة وفرص النجاة والأمنيات، وهو تعبير عن اشتداد الضعف لدى بعض الذين يعتقدون أن الحياة إما نصر أو هزيمة، بيد أن الأمر غير ذلك، فهناك مساحة وسطى، والحياة محطات صعود وهبوط، وتلك الأيام نداولها بين الناس، ولا شك أن بين الحين والآخر يضل المعنى أو يضيع في فم قائله، وفي السنوات الأخيرة بات يُجتزأ بطريقة الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات.
في حالتنا وما نعاني منه، فلا مفر من هذه المنازلات، ولا سبيل غير الحذر في الطرق الوعرة، ولا نجاة إلا بتجاوز اللحظات العابرة، واتقاء الشرور والمصائد، فالقسوة كسر، واللين ضياع، والنجاة خيط الحقيقة التي لا غبار عليها، فلتكن المسافة كافية بين مقاصد الكلام والمعنى الدقيق في المبتغى.
ألا تكفينا سنوات الظنون، والتشكيك، وحرف المعنى عن مقاصده؟ وهل لزلة لسان أن تشعل لهيب الغل، بمعناه الساكن في القلوب الراجفة؟ أم أن التصيد صفة للتعبير عن حالة الشعور بالخذلان؟ ربما شيء آخر نجهله؛ ربما. أيضًا، كجزء يلازمنا هذه الأيام، هذا الفشل في الحصول على إجابة تامة، فلا هي نعم كاملة، ولا النافية نفيًا قاطعًا. فحين تسيطر مشاعر الخذلان وفقدان الأمل في تعثر الواقع، تصير نعم مربكة تتسلل من وسط الهشاشة وجلد الذات واللوم والعتب، كتأكيد حتمي لإشباع ذروة الذات التي ترى صواب فكرتها وأنها حق مكتسب، فلا شيء يعلو على وجع الضحية، ولا شيء يوازي حقها في النجاة وفي رسم صورتها.
إن في الاختلاف جمالًا خاصًا، فلا تجعلوا الواقع الصعب يفيض بالاشمئزاز، واتركوا للمعنى طريقه إلى الخلاص بلا مصائد، ولكن هذا لا يبرر الخطأ فمن يخطئ وجب عليه الاعتذار، وهنا الاعتذار لا يضير الشخص الذي أخطأ، بل إن ما يضيره هو التبرير في محاولة تجاوز الاعتذار. ربما يحدث هذا لأن البعض لا يزال ينظر إلى الاعتذار على أنه سمة غير محمودة وهذا رأي غير صائب لأن الاعتذار من شيم الناس التي هي على خلق رفيع.





شارك برأيك
مصائد المعنى