هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تتغير فيها الجغرافيا وحدها، بل يتغير فيها اتجاه الزمن نفسه. وأخشى أن تكون القضية الفلسطينية قد دخلت واحدة من تلك اللحظات.
لسنوات طويلة، كان الفلسطيني يؤمن بأن الزمن يعمل لمصلحته. كان يعتقد، ومعه كثيرون في العالم، أن الاحتلال مهما طال عمره سيبقى حالة استثنائية، وأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن المشروع الاستيطاني سيصطدم في نهاية المطاف بإرادة شعب متمسك بأرضه، وبقانون دولي يرفض الاحتلال، وبضمير إنساني لا يمكن أن يقبل الظلم إلى الأبد.
لكن السياسة لا تُدار بالنوايا، بل بحركة الوقائع.
واليوم، تبدو إسرائيل وكأنها تخوض معركة مختلفة تمامًا. لم تعد تسعى فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى السيطرة على الزمن السياسي للقضية الفلسطينية، بحيث يصبح مرور السنوات مكسبًا استراتيجيًا لها، لا عبئًا عليها.
هذه هي الفكرة التي تفسر معظم ما نشهده في الضفة الغربية.
فالاستيطان لم يعد مجرد بناء وحدات سكنية جديدة، بل أصبح إعادة رسم للخريطة. والطرق الالتفافية لم تعد مشاريع بنية تحتية، بل أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية. أما السيطرة على المواقع التاريخية والأثرية، من سبسطية و بئر حرم الرامة إلى برك سليمان وغيرها، فلم تعد شأنًا ثقافيًا، بل محاولة لإعادة كتابة الرواية، وإضفاء شرعية تاريخية على مشروع سياسي يعرف أصحابه أن القوة وحدها لا تصنع الشرعية.
إن من يقرأ ما يجري باعتباره سلسلة من القرارات المنفصلة، يفوته إدراك الصورة الكبرى. فهذه السياسات ليست ردود أفعال، بل أجزاء من استراتيجية متكاملة تقوم على فكرة واحدة: أن يصبح الاحتلال، مع مرور الوقت، أمرًا اعتياديًا، وأن تتحول الوقائع التي فُرضت بالقوة إلى حقائق يتعامل معها العالم باعتبارها أمرًا واقعًا.
وهنا تكمن أخطر معادلات المرحلة.
ليست المشكلة أن إسرائيل أصبحت أقوى، فاختلال موازين القوة كان حاضرًا منذ بداية الصراع. المشكلة أن الزمن السياسي بدأ يعمل لمصلحتها أكثر مما يعمل لمصلحة الفلسطينيين. وكل عام يمر، من دون رؤية وطنية جامعة، يتحول في الحسابات الإسرائيلية إلى فرصة جديدة لتثبيت الوقائع، وتوسيع المستوطنات، وإعادة تعريف المكان، وتقليص المساحة المتاحة لأي حل سياسي عادل.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أن إسرائيل لم تعد تتصرف باعتبارها تدير صراعًا مفتوحًا، بل كأنها تدير مرحلة ما بعد الصراع. فهي تبني مؤسسات، وتغير القوانين، وتعيد توزيع الصلاحيات، وتربط المستوطنات بالبنية التحتية الإسرائيلية، وتستثمر في الرواية التاريخية، وكأنها تقول للعالم إن مستقبل هذه الأرض قد حُسم، ولم يبقَ سوى أن يعتاد الجميع على ذلك.
أما الفلسطينيون، فما زالوا في كثير من الأحيان يديرون يوميات الأزمة أكثر مما يصنعون مستقبل القضية. وهذا ليس انتقاصًا من حجم التضحيات، ولا تجاهلًا لبطش الاحتلال، وإنما دعوة صادقة إلى مراجعة طريقة التفكير. فالقضية الفلسطينية لا تعاني من أزمة حق، فالحق ثابت، وإنما تعاني من أزمة تحويل هذا الحق إلى مشروع وطني متجدد، يمتلك رؤية للمستقبل بقدر ما يمتلك وفاءً للماضي.
إن المشروع الوطني الفلسطيني بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف أولوياته. فالمعركة لم تعد تُخاض في الميدان وحده، بل في المدرسة والجامعة، وفي الاقتصاد والإعلام، وفي البحث العلمي، وفي حماية الرواية الوطنية، وفي تعزيز صمود الإنسان الفلسطيني على أرضه. فكل مؤسسة ناجحة، وكل طالب متفوق، وكل قرية تصمد، وكل رواية تُوثق، وكل مبادرة اقتصادية تقلل التبعية، هي جزء من معركة الزمن السياسي التي لا تقل أهمية عن أي مواجهة على الأرض.
لقد علمتنا التجربة الفلسطينية أن الاحتلال يستطيع أن يحتل الأرض، لكنه لا يستطيع أن يحتل الإرادة. غير أن الإرادة، مهما كانت صلبة، تحتاج إلى مشروع يحولها إلى إنجاز، وإلى رؤية تجعل من الوقت عنصر قوة لا عنصر استنزاف.
إن القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام مفترق تاريخي. فإما أن يبقى الفلسطيني أسير إدارة الأزمات، يطارد كل يوم أزمة جديدة، بينما يُعاد تشكيل مستقبله بصمت، وإما أن ينتقل إلى مرحلة جديدة، عنوانها استعادة المبادرة، وبناء مشروع وطني يفكر بالعقد القادم، لا بالأسبوع القادم، ويصنع المستقبل بدل الاكتفاء بالدفاع عن الحاضر.
قد تستطيع إسرائيل أن تضيف إلى خريطتها مستوطنة جديدة، أو أن تغير اسم جبل، أو أن تفرض قانونًا، أو أن تعيد تقديم موقع أثري باعتباره جزءًا من روايتها. لكنها لن تنتصر لمجرد أن الوقت مرّ، لأن الزمن لا يصنع النصر، وإنما يصنعه من يعرف كيف يستثمر الزمن.
وإذا كان الاحتلال قد نجح في تحويل الوقت إلى أحد أسلحته، فإن المهمة الوطنية الفلسطينية لم تعد فقط حماية الأرض، بل استعادة الزمن السياسي نفسه. فالشعوب لا تُهزم عندما تخسر جولة، ولا عندما يختل ميزان القوة ضدها، وإنما تُهزم عندما تتوقف عن الإيمان بأنها قادرة على صناعة مستقبلها.
أما فلسطين، فقد أثبتت عبر أكثر من قرن أن تاريخها لم يكن يومًا حليفًا لمن احتلها، بل كان دائمًا حليف الذين صبروا، وصمدوا، وأعادوا في كل جيل كتابة حكايتهم بأيديهم. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس: كم من الوقت يستطيع الاحتلال أن يبقى؟ بل: كيف نجعل كل يوم يمر خطوةً نحو استعادة المشروع الوطني، لا خطوةً إضافية في تثبيت مشروع الاحتلال؟
ذلك هو التحدي الحقيقي... وتلك هي المعركة التي تستحق أن نخوضها.





شارك برأيك
الزمن السياسي الفلسطيني... كيف كسبته إسرائيل؟ وكيف نستعيده؟