عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 5:25 مساءً - بتوقيت القدس

مئوية 'السنديانة الحمراء': مسار الحزب الشيوعي اللبناني من النضال الطبقي إلى مأزق النظام الطائفي

يُشكل الحزب الشيوعي اللبناني ظاهرة استثنائية في المشهد السياسي اللبناني، حيث أتم قرناً من الزمن في بيئة قائمة على التوازنات الطائفية والمذهبية. ومنذ انطلاقته في تشرين الأول 1924 تحت مسمى 'حزب الشعب اللبناني'، سعى الحزب لتقديم رؤية علمانية تقرأ المجتمع من منظور طبقي واقتصادي بعيداً عن المحاصصات الطائفية.

تأسس الحزب على يد مجموعة من المناضلين والنقابيين والمثقفين، أبرزهم فؤاد الشمالي ويوسف يزبك وآرتين مادويان، وبدعم من الأممية الشيوعية (الكومنترن). وقد اتخذ الحزب من المطرقة والمنجل شعاراً له، تعبيراً عن تحالف العمال والفلاحين في مواجهة الإقطاع والرأسمالية والاحتلال الفرنسي آنذاك.

تبنى الحزب العقيدة الماركسية اللينينية كمنهج للتحليل، واضعاً نصب عينيه بناء دولة ديمقراطية علمانية تحقق العدالة الاجتماعية. ويرى الحزب أن الأزمة اللبنانية الجوهرية تكمن في تحالف النظام الطائفي مع الاقتصاد الريعي المصرفي، مما أدى إلى تهميش الطبقات المنتجة وإفقار الأجراء.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية، انخرط الحزب في العمل العسكري عبر 'الحرس الشعبي' ضمن الحركة الوطنية اللبنانية. إلا أن المحطة الأبرز في تاريخه العسكري كانت إطلاق 'جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية' (جمول) عام 1982، والتي سجلت عمليات نوعية ضد الاحتلال الإسرائيلي في بيروت والجنوب.

واجه الحزب تحديات كبرى مع انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، مما أدى إلى فقدان المظلة الأيديولوجية والدعم الدولي. وتزامن ذلك مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وتكريس اتفاق الطائف، الذي أعاد إنتاج النظام على أسس طائفية ضيقت الخناق على القوى العلمانية واليسارية.

عاش الحزب صراعات داخلية ومراجعات فكرية قادها قادة ومفكرون بارزون مثل جورج حاوي وكريم مروة. وقد دفع الحزب ثمناً باهظاً من دماء مفكريه، حيث اغتيل كل من حسين مروة ومهدي عامل في الثمانينيات، مما شكل ضربة قاسية للبنية الفكرية لليسار اللبناني.

في مرحلة ما بعد عام 2005 واغتيال رفيق الحريري، وجد الحزب نفسه في مأزق الاستقطاب الحاد بين فريقي 8 و14 آذار. وحاول الحزب الحفاظ على استقلاليته برفع شعار التمايز عن الطرفين، إلا أن هذا الموقف واجه صعوبات في التطبيق العملي وسط الانقسام العمودي الحاد في البلاد.

يعد سلاح حزب الله من أكثر القضايا تعقيداً في أدبيات الشيوعيين المعاصرين، حيث يوازن الحزب بين دعم المقاومة ورفض استخدام السلاح في الداخل. وتصاعد هذا النقاش بشكل حاد بعد أحداث 7 أيار 2008، مما خلق تباينات في وجهات النظر داخل القواعد الحزبية واليسارية.

على الصعيد الانتخابي، أظهرت نتائج عام 2022 فجوة كبيرة بين الإرث التاريخي للحزب وقدرته على الوصول إلى البرلمان. فرغم الحضور الشعبي في التحركات المطلبية، إلا أن النظام الانتخابي والمال السياسي والتحالفات الطائفية حالت دون فوز مرشحي الحزب بمقاعد نيابية رسمية.

تراجعت القوة التقليدية للحزب في ساحاته التاريخية الثلاث: النقابات، الجامعات، والمجال الثقافي. فقد تعرضت النقابات لعمليات تفتيت وزبائنية من قبل أحزاب السلطة، بينما تغيرت طبيعة العمل الطلابي والثقافي مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع التنظيمات الكلاسيكية.

شكلت انتفاضة 17 تشرين 2019 لحظة أمل لليسار، حيث برزت شعارات الحزب المطلبية في الساحات العامة. ومع ذلك، فإن الغضب الشعبي أفرز قوى مدنية جديدة وشخصيات خرجت من رحم اليسار لكنها فضلت العمل خارج الأطر الحزبية التقليدية، مثل النائب إلياس جرادة.

يدخل الحزب الشيوعي مئويته الثانية وهو يواجه أسئلة وجودية تتعلق بالتجديد التنظيمي والخطاب السياسي. فالمطلوب اليوم هو كيفية تحويل المبادئ الاشتراكية إلى برامج عمل واقعية قادرة على مواجهة الانهيار الاقتصادي الشامل الذي يعصف بلبنان منذ سنوات.

تظل 'السنديانة الحمراء' رمزاً للصمود في وجه العواصف السياسية، لكن الرمزية وحدها لا تكفي لصناعة التغيير. ويحتاج الحزب إلى بناء تحالفات عابرة للمناطق تكسر احتكار الطوائف للتمثيل السياسي، وتعيد الاعتبار للصراع الطبقي كمدخل للإصلاح الحقيقي.

ختاماً، يبقى تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني جزءاً لا يتجزأ من تاريخ لبنان الحديث ونضاله من أجل السيادة والعدالة. وسيكون التحدي الأكبر أمام القيادة الحالية هو الموازنة بين الحفاظ على الهوية الثورية وبين الانفتاح على أدوات العمل السياسي الحديثة لاستعادة الدور الريادي في الشارع.

فلسطين

السّبت 30 مايو 2026 4:54 مساءً - بتوقيت القدس

بين النصوص القانونية وواقع الميدان.. لماذا تنهار اتفاقات وقف إطلاق النار؟

يبرز مصطلح وقف إطلاق النار كأداة دبلوماسية وقانونية تهدف إلى حقن الدماء، إلا أن المسافة بين النصوص المكتوبة والواقع الميداني في غزة ولبنان تكشف عن فجوة عميقة. فبينما يُفترض أن تؤدي هذه الاتفاقات إلى وقف الأنشطة العسكرية، تظهر التجربة الحالية أن الخروقات باتت هي السمة الغالبة على المشهد.

يُعرف وقف إطلاق النار في القانون الدولي الإنساني بأنه تنظيم مؤقت لوقف العمليات القتالية في منطقة النزاع، سواء كان ذلك لأغراض إستراتيجية أو إنسانية. وتستند هذه الاتفاقات إلى اللوائح المتعلقة بأعراف الحرب البرية، التي تهدف لتوفير مناخ يسمح بتقديم المساعدات أو إجراء مفاوضات سياسية أعمق.

أفادت مصادر بأن الأهداف الكامنة وراء إعلان وقف إطلاق النار ليست دائماً إنسانية بحتة، بل قد تكون قرارات عسكرية تكتيكية لإعادة تجميع القوات. وتتنوع هذه الإعلانات بين ما يصدر من طرف واحد دون اشتراط موافقة الخصم، وبين الاتفاقات التعاقدية الملزمة التي تتم بوساطة دولية.

في قطاع غزة، تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى واقع مأساوي رغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025. فقد سجلت المصادر ما يزيد على 3 آلاف خرق ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك التاريخ، مما أدى لنتائج كارثية.

أسفرت هذه الخروقات المستمرة في القطاع عن ارتقاء أكثر من 900 شهيد وإصابة نحو 3 آلاف جريح، مما يضع مصداقية الاتفاقات الدولية على المحك. وتؤكد هذه الأرقام أن الاحتلال يتجاوز الالتزامات القانونية، محولاً فترات التهدئة المفترضة إلى جولات استنزاف دموية ضد المدنيين.

أما على الجبهة اللبنانية، فقد دخل اتفاق وقف إطلاق النار المبرم برعاية أمريكية حيز التنفيذ في منتصف أبريل الماضي، لكنه حمل في طياته ثغرات قانونية مثيرة للجدل. إذ يمنح النص المنشور إسرائيل حقاً فضفاضاً تحت مسمى 'الدفاع عن النفس' للتحرك ضد أي تهديدات تراها وشيكة.

هذا الحق الممنوح للاحتلال في الاتفاق اللبناني لم يُقيد بوقف الأعمال العدائية، مما شرعن عملياً استمرار العمليات العسكرية تحت غطاء قانوني مشوه. وقد ترجمت إسرائيل هذا النص ميدانياً عبر شن مئات الغارات الجوية وإصدار عشرات أوامر الإخلاء القسري للسكان في القرى والبلدات اللبنانية.

تشير المادة 15 من اتفاقية جنيف إلى أن الغرض الأساسي من وقف النار هو تسهيل مهام إنسانية مثل نقل الجرحى والمرضى من الميدان. ومع ذلك، فإن الواقع في غزة يظهر تعمداً في استهداف الطواقم الطبية ومنع وصول المساعدات، مما يعد خرقاً مباشراً لجوهر الاتفاقيات الدولية.

قانونياً، تنص المادة 40 من اتفاقية لاهاي على أن أي خرق جسيم للهدنة يمنح الطرف المتضرر الحق في اعتبار الاتفاق منتهياً بشكل فوري. كما تتيح المادة 41 المطالبة بمعاقبة الأطراف المخالفة والحصول على تعويضات عن الأضرار الناجمة عن هذه الانتهاكات، وهو ما يغيب عن آليات التنفيذ الحالية.

بالانتقال إلى الملف الإقليمي، شهد شهر أبريل الماضي اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران لوقف العمليات العسكرية المتبادلة وتأمين الملاحة في مضيق هرمز. ورغم الطابع الرسمي لهذا الاتفاق، إلا أن التقارير الميدانية أكدت استمرار العمليات العسكرية وعدم فتح المضيق أمام حركة التجارة الدولية.

يعكس فشل هذه الاتفاقات المتعددة في غزة ولبنان والمنطقة أزمة عميقة في آليات الإلزام الدولية التي تفتقر إلى أدوات ضغط حقيقية على الطرف المعتدي. فبينما تلتزم الأطراف الضعيفة بالنصوص، يستغل الطرف الأقوى الثغرات القانونية أو يتجاهلها تماماً لتحقيق مكاسب عسكرية إضافية.

تؤكد مصادر حقوقية أن استمرار المجازر في غزة رغم وجود اتفاقات معلنة يمثل تقويضاً كاملاً لقرار مجلس الأمن رقم 2175 لعام 2014. هذا القرار يشدد على ضرورة احترام الهدن الإنسانية، لكن غياب المحاسبة الدولية يشجع الاحتلال على مواصلة سياسة الخروقات الممنهجة.

إن مصطلح وقف إطلاق النار بات يتأرجح بين كونه نصاً قانونياً ملزماً في الدفاتر الدولية، وبين كونه أداة للمناورة السياسية في الميدان. وفي ظل اختلال موازين القوى، تصبح هذه الاتفاقات في كثير من الأحيان وسيلة لشرعنة استمرار العدوان بدلاً من إيقافه بشكل نهائي وشامل.

في الختام، يبقى الرهان على صمود الجبهات الداخلية والضغط الشعبي الدولي لتغيير قواعد اللعبة التي تفرضها القوى الكبرى. فبدون وجود ضمانات دولية صارمة وعقوبات رادعة للمخالفين، ستظل اتفاقات وقف إطلاق النار مجرد حبر على ورق لا يحمي المدنيين من آلة الحرب.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 4:39 مساءً - بتوقيت القدس

القضاء الأمريكي يبطل إضافة اسم ترمب لمركز كينيدي للفنون ويأمر بإزالته فوراً

قضت المحكمة الفيدرالية في العاصمة الأمريكية واشنطن بعدم قانونية التعديلات التي أُجريت على مسمى مركز كينيدي للفنون، والتي تضمنت إضافة اسم الرئيس دونالد ترمب إلى الواجهة الرسمية. وأوضح القاضي كريستوفر كوبر في منطوق حكمه أن مجلس إدارة المركز ارتكب مخالفة قانونية بتجاوزه الصلاحيات الممنوحة له، مشدداً على أن سلطة تسمية المؤسسات الوطنية تقع حصرياً ضمن اختصاص الكونغرس الأمريكي ولا يحق لأي جهة أخرى التصرف فيها بشكل أحادي.

وحدد الحكم القضائي الصادر مهلة زمنية لا تتجاوز 14 يوماً لإدارة المركز من أجل إزالة اسم ترمب من واجهة المبنى ومن كافة المطبوعات والمواد التعريفية المرتبطة به. وأكدت المحكمة أن المركز يجب أن يعود إلى اسمه الأصلي الذي منحه إياه المشرع الأمريكي تكريماً للرئيس الراحل جون كينيدي، معتبرة أن أي إضافات جرت مؤخراً تفتقر إلى السند القانوني السليم وتعد تعدياً على التقاليد المؤسسية المعمول بها.

وفي سياق متصل، شمل القرار القضائي تجميداً فورياً لخطة كانت تهدف لإغلاق المركز الثقافي لمدة عامين تحت ذريعة إجراء أعمال تجديد وصيانة واسعة. وكانت هذه الخطة قد حظيت بدعم مباشر من الرئيس ترمب، إلا أن القاضي رأى ضرورة وقف هذه الإجراءات مؤقتاً لضمان استمرارية عمل المؤسسة وحمايتها من التغييرات الهيكلية التي قد تؤثر على طابعها التاريخي والثقافي.

من جانبه، تفاعل الرئيس دونالد ترمب مع الحكم عبر منصته 'تروث سوشال'، معلناً تخليه عن مهمة الإشراف على المركز في الوقت الراهن. وأشار ترمب إلى أنه سيتوجه للعمل مع أعضاء الكونغرس لإعادة ملف المؤسسة إلى عهدتهم، وذلك لاتخاذ قرارات نهائية بشأن مستقبلها الإداري، في خطوة تعكس التوتر المستمر بين السلطة التنفيذية والقضاء حول إدارة المرافق العامة.

يُذكر أن أزمة التسمية بدأت في ديسمبر الماضي عندما صوت مجلس إدارة المركز، الذي يضم أغلبية من حلفاء ترمب، على تحويل الاسم إلى 'مركز ترمب كينيدي' ووضع الاسم بأحرف ذهبية بارزة. وتأتي هذه التحركات ضمن سلسلة من الخطوات التي اتخذها ترمب منذ عودته للبيت الأبيض في يناير 2025 لتعزيز حضوره الرمزي في المؤسسات الرسمية، بما في ذلك مقترحات لوضع صورته على فئات نقدية جديدة.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 4:10 مساءً - بتوقيت القدس

مبادرات الإفراج عن السجناء في ليبيا: بين الفرحة الإنسانية والمناورة السياسية

شهدت الساحة الليبية مؤخراً تحركات ملحوظة في ملف السجناء السياسيين، حيث أطلقت سلطات شرق ليبيا سراح نحو 250 معتقلاً دفعة واحدة. وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر قليلة من عمليات إفراج مماثلة جرت في معتقل امعيتيقة بالعاصمة طرابلس، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه المبادرات وسياقاتها السياسية.

أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء أكدت وجود دفعات إضافية سيشملها الإفراج مستقبلاً. وتندرج هذه التحركات ضمن ما يُعرف بـ 'مشروع الاستقرار الوطني' الذي تتبناه القيادة العامة، في محاولة لتخفيف الاحتقان الشعبي والحقوقي المتراكم منذ سنوات طويلة.

لا يمكن إغفال القيمة الإنسانية لهذه المبادرات، والتي تتجسد في الفرحة التي غمرت السجناء المفرج عنهم وعائلاتهم بعد سنوات من التغييب. ومع ذلك، يرى مراقبون أن الاكتفاء بالنظر إلى الجانب الإنساني فقط يعد قصوراً في فهم المشهد السياسي المعقد الذي تعيشه البلاد منذ عقود.

يعاني الملف الحقوقي في ليبيا من تدهور مستمر منذ نحو خمسين عاماً، حيث فاقت الانتهاكات كل الأوصاف القانونية والإنسانية. إن الوضع السياسي المأزوم يفرض تقييماً مختلفاً لهذه المبادرات، بعيداً عن منطق المناكفة، بهدف تثبيت قواعد صحيحة للانتقال من حالة الفوضى إلى البناء المؤسسي.

تكرر في محطات عديدة استخدام ملف السجون كأداة للتدافع بين الفرقاء السياسيين وتحقيق مكاسب آنية أو الاستجابة لضغوط خارجية ومحلية. ويظهر الخلل بوضوح عندما يُنظر إلى الإفراج عن سجناء قضوا سنوات دون محاكمات عادلة على أنه 'منة' أو تفضل من السلطة الحاكمة.

تعتبر ظاهرة الاعتقال التعسفي والحبس خارج إطار القانون من أبرز علامات التخلف السياسي وتفشي الانتهاكات في التجربة الليبية المعاصرة. ورغم أن ثورة فبراير قامت لاستعادة كرامة الليبيين، إلا أن استمرار تقييد الحريات يشير إلى تعثر تحقيق أهداف الانتقال الديمقراطي المنشود.

تطرح عمليات الإفراج التي قيل إنها تمت وفق 'ضوابط قانونية معتمدة' تساؤلات حول مرجعية هذه الضوابط وضمانات حياديتها. فالبناء المؤسسي الحقيقي يتطلب تعزيز قيم سيادة القانون وتحقيق العدالة الناجزة التي تحفظ كرامة الإنسان بعيداً عن التقديرات الأمنية الضيقة.

تشير التقارير الحقوقية إلى غياب المعايير القانونية والدستورية الحاكمة لسلوك السلطات المعنية بملف السجناء في مختلف مناطق ليبيا. حيث يشيع احتجاز المئات دون توجيه اتهامات رسمية، ويستمر حبسهم لمدد غير محددة دون إحالتهم إلى محاكم تضمن استقلال القضاء.

يلاحظ المتابعون أن إدارة ملف المعتقلين السياسيين تخضع غالباً لرؤية دوائر تنفيذية وأمنية ضيقة بعيداً عن سلطة القضاء المستقل. هذا النهج يكرس القطيعة مع القيم الإنسانية والمواثيق الدولية التي تؤسس لحماية الحقوق والحريات العامة لجميع المواطنين دون تمييز.

إن ربط حرية المعتقلين بتقديرات المصلحة السياسية للمتحكمين في المشهد يمثل خطورة كبيرة على مستقبل الاستقرار في البلاد. فإذا رأت السلطة مصلحة في الإفراج فعلت، وإذا غابت تلك المصلحة بقي السجناء خلف القضبان إلى أجل غير مسمى دون سند قانوني.

يجب التأكيد على أن امتلاء السجون بالمعتقلين السياسيين هو بحد ذاته مؤشر على أزمة عميقة تتطلب إصلاحات جذرية وشاملة. فتصحيح المسار الحقوقي لا ينتهي بمجرد إطلاق سراح دفعات من السجناء، بل يبدأ بإصلاح الهياكل السياسية والقانونية المنظمة للاعتقال.

إن غياب الإصلاح الشامل الذي يبدأ بتسوية سياسية حقيقية يعني استمرار ارتهان الحريات العامة للمصالح الأمنية والسياسية المتقلبة. فالتاريخ الليبي يحذر من تكرار تجارب سابقة أُفرج فيها عن سجناء ثم أعقبتها حملات اعتقال أشد قسوة وتنكيلاً بالمعارضين.

تستحضر الذاكرة الليبية مجزرة سجن أبوسليم الشهيرة التي راح ضحيتها أكثر من 1200 سجين سياسي كدرس قاسٍ حول غياب ضمانات الدولة. لذا فإن التأسيس لوضع مستقر يتطلب صون حقوق الليبيين في كافة الربوع عبر مؤسسات قضائية قوية ومستقلة تماماً.

في الختام، تظل الفرحة بخروج أي سجين منقوصة ما لم تكن جزءاً من منظومة عدالة انتقالية شاملة تنهي حقبة الإفلات من العقاب. إن الهدف الأسمى يجب أن يكون بناء دولة تحترم إنسانية مواطنيها وتجعل من القانون المرجعية الوحيدة والنهائية في التعامل مع ملف الحقوق والحريات.

اسرائيليات

السّبت 30 مايو 2026 4:10 مساءً - بتوقيت القدس

تحليلات عبرية تحذر من 'كأس الإخفاقات': إسرائيل تقترب من الهزيمة أمام إيران وحزب الله

كشفت قراءات تحليلية في الصحافة العبرية عن مخاوف عميقة تسود الأوساط العسكرية في تل أبيب حيال نتائج المواجهة الحالية مع إيران وحزب الله. وأشار المحلل العسكري آفي أشكنازي إلى أن إسرائيل باتت على أعتاب هزيمة متجددة نتيجة عجزها عن ترجمة العمليات العسكرية إلى إنجازات سياسية ملموسة. ويرى مراقبون أن الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية في بداية التصعيد لا تزال بعيدة المنال رغم كثافة النيران.

وتسود حالة من القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من طبيعة التفاهمات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يوصف الاتفاق المتبلور بأنه كارثي للمصالح الإسرائيلية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً إضافية لم يخدم التوجهات الإسرائيلية، بل منح طهران وحلفاءها فرصة لالتقاط الأنفاس. ويُعتقد أن الإدارة الأمريكية الحالية قد تكتفي بوعود شكلية لا تنهي التهديد النووي الإيراني بشكل جذري.

وفي سياق متصل، نقلت تقارير عن ضباط كبار في جيش الاحتلال تأكيدات بأن أي نتيجة تبقي على النظام الإيراني وقدراته في تخصيب اليورانيوم تُعد فشلاً ذريعاً للحملة العسكرية. وتُظهر المعطيات الميدانية وصور الأقمار الصناعية أن طهران بدأت بالفعل في تسريع عمليات ترميم منظوماتها الدفاعية والجوية التي تضررت. هذا الواقع يشير إلى أن إيران لم تخرج من المواجهة ضعيفة، بل هي بصدد إعادة بناء قوتها الهجومية والدفاعية بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.

أما على الجبهة اللبنانية، فيبدو أن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة الاحتلال على مواصلة عملياته دون الرضوخ للضغوط الدولية، وتحديداً ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهناك خشية إسرائيلية من أن تُجبر واشنطن تل أبيب على كبح جماح عملياتها في لحظة حاسمة، مما قد يحرم الجيش الإسرائيلي من تحقيق ما يصفه بـ 'الهزيمة النوعية' لحزب الله. هذا التردد قد يؤدي في نهاية المطاف إلى خروج إسرائيل بـ 'كأس الإخفاقات' في الساحتين اللبنانية والإيرانية معاً.

وتمتد التحذيرات لتشمل النفوذ الإيراني الإقليمي، حيث تشير التقديرات إلى أن طهران ستسعى لتصفية حساباتها مع دول الجوار وتعزيز حضور وكلائها في المنطقة. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة دعماً مكثفاً لفصائل المقاومة في غزة ولبنان، وصولاً إلى العراق واليمن وسوريا، مما يعيد رسم خارطة التهديدات المحيطة بإسرائيل. إن شعور إيران بالنجاة من هذه الجولة سيعزز من مكانتها كقوة إقليمية قادرة على المناورة رغم الضغوط العسكرية القصوى.

صحة

السّبت 30 مايو 2026 4:09 مساءً - بتوقيت القدس

هل ينبئ كذب الأطفال بمستقبل إجرامي؟ دراسة علمية تحسم الجدل

تثير عادة الكذب لدى الأطفال قلقاً واسعاً بين الآباء والمعلمين، حيث يخشى الكثيرون أن يكون هذا السلوك مقدمة لاضطرابات نفسية عميقة أو ميول إجرامية في المستقبل. إلا أن دراسة علمية حديثة قدمت تطمينات هامة، مؤكدة أن معظم الأطفال الذين يكذبون لا ينتهي بهم المطاف بمشكلات قانونية أو سلوكية خطيرة عند البلوغ.

الدراسة التي نُشرت في مجلة 'التطور وعلم النفس المرضي' حملت عنوان 'نظرة شاملة: مسارات الكذب من سن 6 إلى 19 عامًا'. وقد شارك في إعدادها نخبة من الباحثين من جامعة ماكغيل وجامعة مونتريال، بالإضافة إلى كلية جون جاي للعدالة الجنائية في مدينة نيويورك، لتقديم فهم أعمق لتطور هذا السلوك.

استند الباحثون في نتائجهم إلى بيانات 'دراسة كيبيك الطولية لأطفال الروضة'، وهي قاعدة بيانات ضخمة تابعت آلاف الأطفال على مدار عقود. وشملت العينة نحو 2000 طفل تم اختيارهم عشوائياً، إلى جانب أكثر من 1000 طفل كانوا يعانون من مشكلات سلوكية مبكرة في أواخر الثمانينيات.

أوضحت البروفيسورة فيكتوريا تالوار، المؤلفة الرئيسية للدراسة أن الأطفال لا يتبعون نمطاً موحداً في الكذب. وأشارت إلى أن الغالبية العظمى من الأطفال أظهروا تراجعاً تدريجياً في وتيرة الكذب مع تقدمهم في العمر، مما يشير إلى أنه جزء طبيعي من عملية النمو الأخلاقي والاجتماعي.

رغم هذه النتائج المطمئنة، وضع الباحثون أيديهم على 'مسارات خطر' محددة تتعلق بأنماط الكذب المستمرة. فقد تبين أن الأطفال الذين يزداد معدل كذبهم أو يظل مرتفعاً بشكل كثيف مع مرور السنوات، هم الأكثر عرضة لمواجهة تحديات نفسية وسلوكية معقدة في مرحلة الشباب.

ربطت الدراسة بين الكذب المتزايد وظهور سلوكيات عدوانية واندفاعية في سن مبكرة، وهو ما قد يتطور لاحقاً إلى اضطرابات شخصية. ووفقاً للبيانات، فإن هؤلاء الأطفال كانوا أكثر عرضة للإصابة باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع والحصول على إدانات جنائية في بداية العشرينيات من عمرهم.

اعتمد التقييم العلمي في هذه الدراسة على تقارير دقيقة من الآباء والمعلمين الذين راقبوا الأطفال لسنوات. كما دمج الباحثون بيانات الصحة النفسية للمشاركين عند بلوغهم سن 22 عاماً، وفحصوا سجلاتهم الجنائية الرسمية حتى وصولهم إلى سن 25 عاماً لضمان دقة النتائج.

تؤكد تالوار أن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة تكمن في قدرتها على التمييز بين الكذب العرضي المرتبط بالنمو وبين الأنماط المرضية. هذا التمييز يساعد المختصين والآباء على تحديد الحالات التي تتطلب تدخلاً تربوياً ونفسياً مبكراً بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل العقابية التقليدية.

شدد الباحثون على أن اقتران الكذب بالعدوانية والاندفاع يعد 'صافرة إنذار' تستوجب الدعم النفسي المتخصص. ويرى الخبراء أن فهم هذه الأنماط يساهم في تقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بكذب الأطفال، ويوجه الجهود نحو أساليب وقائية أكثر فعالية للحد من المشكلات السلوكية طويلة الأمد.

تطمح الدراسة إلى فتح آفاق جديدة للبحث العلمي من خلال تتبع الأفراد في مراحل متقدمة من البلوغ. ويهدف الباحثون إلى فهم كيف يؤثر سلوك الكذب المبكر على النجاح المهني، والاستقرار العاطفي، والعلاقات الاجتماعية للأفراد في منتصف العمر وما بعده.

تأمل الأوساط الأكاديمية أن تساهم هذه النتائج في تطوير برامج تربوية تدعم النمو الأخلاقي للأطفال بطريقة علمية. فبدلاً من القلق العام، يمكن الآن التركيز على مؤشرات محددة تساعد في بناء شخصية سوية قادرة على الاندماج الإيجابي في المجتمع بعيداً عن الانحراف.

في الختام، تظل الرسالة الأساسية للدراسة هي التوازن؛ فالكذب في الطفولة ليس حكماً مسبقاً بالإجرام، ولكنه يتطلب مراقبة واعية. إن توفير البيئة الداعمة للطفل وفهم دوافعه قد يكون المفتاح لحمايته من مسارات السلوك المنحرف في المستقبل.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 3:39 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان: إنذارات بإخلاء مدن كاملة وحزب الله ينصب كميناً للقوات المتوغلة

صعد جيش الاحتلال الإسرائيلي من عدوانه على الأراضي اللبنانية اليوم السبت، موجهاً إنذارات فورية بإخلاء 13 بلدة وقرية في مناطق الجنوب والبقاع الغربي. وطالبت الأوامر العسكرية السكان بالتوجه فوراً إلى شمال نهر الزهراني، في خطوة تمهيدية لتنفيذ عمليات قصف واسعة النطاق في تلك المناطق.

وأفادت مصادر ميدانية بأن أوامر الإخلاء لم تعد تقتصر على مبانٍ محددة أو قرى صغيرة، بل انتقلت لتشمل مدناً كاملة كما جرى في النبطية وصور. هذا التحول يشير إلى رغبة الاحتلال في تفريغ مراكز الثقل السكاني في الجنوب اللبناني، مما يعكس تصعيداً غير مسبوق في مستوى العمليات العسكرية البرية والجوية.

ومنذ بدء الحديث عن مسارات وقف إطلاق النار، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر إخلاء شملت أكثر من مئة بلدة لبنانية حتى الآن. ويرى مراقبون أن هذه السياسة تهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على الحاضنة الشعبية والجانب اللبناني المفاوض عبر تحويل المدن الكبرى إلى مناطق غير قابلة للحياة.

ميدانياً، شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة من الغارات المكثفة وشكل أحزمة نارية عنيفة استهدفت بلدة كفر تبنيت التابعة لقضاء النبطية. وتأتي هذه الهجمات في إطار محاولات جيش الاحتلال لتطويق بلدة يحمر الشقيف والسيطرة عليها نارياً بعد فشل محاولات تقدم سابقة في محيطها الاستراتيجي.

وتوسعت دائرة القصف الجوي لتطال بلدات أنصار والجميجمة وميفدون، في حين استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية محيط المستشفى الحكومي في مدينة النبطية. كما طالت الغارات العنيفة بلدة مشغرة في البقاع الغربي، وبلدتي تولين وقبريخا في قضاء مرجعيون، وسط حالة من الذعر بين المدنيين المتبقين.

وفي حصيلة أولية لضحايا اليوم، استشهد 5 أشخاص وأصيب آخرون جراء الغارات المستمرة على مختلف المناطق اللبنانية. وذكرت مصادر رسمية أن 3 شهداء سقطوا في بلدة أنصار وقرى النبطية، بينما تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال شهيدين من تحت أنقاض مبنى مدمر في منطقة برج الشمالي بقضاء صور.

ولم يسلم الجيش اللبناني من الاعتداءات الإسرائيلية، حيث أعلنت قيادة الجيش إصابة جنديين بجروح متفاوتة إثر استهداف مسيرة إسرائيلية لسيارتهما. ووقع الهجوم على طريق عام عبّا في قضاء النبطية أثناء أداء الجنود لمهامهم الميدانية، مما يرفع وتيرة الاستهدافات المباشرة للمؤسسة العسكرية اللبنانية.

وبالعودة إلى إحصائيات يوم أمس الجمعة، كشفت وزارة الصحة اللبنانية عن استشهاد 11 شخصاً، من بينهم مسعف كان يؤدي واجبه الإنساني، وإصابة 8 آخرين في مدينة صور. وتؤكد هذه الأرقام تعمد الاحتلال استهداف الطواقم الطبية والإغاثية لتعطيل عمليات إنقاذ الجرحى وانتشال المفقودين من تحت الركام.

على مقلب المواجهة الميدانية، أعلن حزب الله عن تنفيذ كمين محكم فجر اليوم استهدف قوة إسرائيلية حاولت التقدم باتجاه بلدة الغندورية. وأوضح الحزب في بيان عسكري أنه فجر عبوات ناسفة بالقوة المتوغلة وأمطرها بوابل من الصواريخ والأسلحة الرشاشة، مما أدى لوقوع إصابات مؤكدة في صفوف جنود الاحتلال.

وأشار البيان إلى أن قوات الاحتلال اضطرت لسحب المصابين تحت غطاء دخاني كثيف، تزامناً مع قصف جوي ومدفعي عنيف للمنطقة لتأمين عملية الانسحاب. وتعد هذه العملية ضربة جديدة لمحاولات التوغل البري التي يسعى الجيش الإسرائيلي من خلالها لتثبيت نقاط ارتكاز داخل القرى الحدودية.

وفي إطار الدفاع الجوي، أكد حزب الله تصديه لطائرة مسيرة إسرائيلية من طراز 'هرمز 450' في أجواء بلدة زوطر الشرقية وإجبارها على مغادرة الأجواء اللبنانية. كما واصلت القوة الصاروخية للحزب دك المستوطنات الشمالية، حيث استهدفت كريات شمونة وقاعدة ميرون الاستراتيجية بصليات صاروخية مكثفة.

من جهتها، أقرت إذاعة الجيش الإسرائيلي برصد إطلاق نحو 15 صاروخاً من الأراضي اللبنانية باتجاه بلدات الجليل الأعلى منذ ساعات ليلة أمس. ودوت صافرات الإنذار في عدة مستوطنات حدودية، مما دفع المستوطنين للجوء إلى الملاجئ تزامناً مع استمرار الرشقات الصاروخية المنطلقة من الجنوب.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إسرائيل تعتمد استراتيجية 'التفاوض تحت النار'، حيث ترفع من وتيرة تدمير البنى التحتية والمدن بالتوازي مع الحراك السياسي. ويهدف هذا السلوك العسكري إلى انتزاع تنازلات سياسية في المفاوضات غير المباشرة الجارية عبر الوساطات الدولية، من خلال زيادة الكلفة البشرية والمادية على لبنان.

ويبقى المشهد في جنوب لبنان والبقاع مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار الاحتلال على توسيع رقعة الاستهداف الجغرافي لتشمل عمق المدن. ومع استمرار المقاومة في تنفيذ عمليات نوعية وكمائن حدودية، تزداد تعقيدات المشهد الميداني الذي يلقي بظلاله على أي تفاهمات سياسية محتملة في الأفق القريب.

تحليل

السّبت 30 مايو 2026 3:16 مساءً - بتوقيت القدس

جدل الإلهي والإنساني: قراءة في مشروع أحمد محمد سالم لإعادة صياغة الوعي العربي

يأتي كتاب 'تجلّي الإله: جدل الإلهي والإنساني في الفكر العربي المعاصر' للدكتور أحمد محمد سالم، والصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، كإسهام فكري يسعى لتفكيك التوتر القائم بين التقاليد الدينية والضغوط الحضارية الحديثة. يطرح الكتاب تساؤلات جوهرية حول كيفية مواجهة الفكر العربي لذاته في ظل الأزمات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة، معتبراً أن فهم المقدس يقع في قلب هذه التحولات.

ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن التجربة الدينية لا يمكن عزلها عن التاريخ أو الوعي البشري، بل هي سيرورة مستمرة من إنتاج المعنى. ويرى أن التأويل ليس مجرد ترف فكري، بل هو أداة لممارسة الحرية والمسؤولية الأخلاقية، مما يضع الإنسان في مركز التجربة الروحية بعيداً عن القوالب العقائدية الجامدة التي فرضتها عصور الانغلاق.

يقدم الكتاب قراءة مقارنة رصينة مع أبرز المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، حيث يتقاطع مع مشروع محمد أركون في نقد العقل الإسلامي، لكنه يختلف عنه في الحفاظ على البعد الرمزي والروحاني للنص. فبينما ركز أركون على الأدوات السوسيولوجية لتفكيك السلطة المعرفية، يسعى سالم إلى إيجاد مساحة لتجلي المقدس داخل الوعي الإنساني الحديث دون فقدان جوهره المتعالي.

كما يستحضر الكتاب رؤية فتحي المسكيني في إعادة ترجمة المقدس داخل أفق الإنسان المعاصر، محذراً من تحويل الدين إلى هوية مغلقة تعيق التفكير الحر. ويحاول المؤلف موازنة هذا الطرح مع نزعة 'أنسنة الفقه' لدى حسن حنفي، التي تمنح الإنسان مركزية كفاعل تاريخي، مع الحفاظ على مسافة دقيقة تمنع ذوبان المقدس في المشروع الإنساني الصرف.

وفي سياق متصل، يناقش الكتاب أفكار أبي يعرب المرزوقي حول العلاقة بين الوحي والفعل الإنساني، معتبراً أن الوحي يؤسس العقل ولا يصادره. هذا التعدد في المراجع الفكرية يجعل من الكتاب حالة وسطية تحاول صياغة مسار ثالث يجمع بين الانفتاح على المعنى والحفاظ على الأبعاد الرمزية التي تشكل وجدان الأمة.

يتطرق القسم الثاني من العمل إلى العلاقة الشائكة بين المقدس والسلطة، موضحاً كيف تم استخدام التأويل كأداة للهيمنة السياسية والاجتماعية عبر التاريخ. وتؤكد مصادر تحليلية أن الصراع حول النصوص لم يكن دوماً صراعاً لاهوتياً، بل كان في جوهره صراعاً على من يملك حق منح الشرعية وتوجيه المجتمع من خلال احتكار المعنى.

يشير الدكتور سالم إلى أن المؤسسات التقليدية عملت على تحويل الفقيه إلى وسيط احتكاري بين الخالق والمخلوق، مما أدى إلى تجميد النص الديني وتحويله إلى منظومة أحكام جامدة. هذا الوضع خلق صداماً مستمراً بين السلطة القائمة على التأويل التقليدي وبين المشاريع الفكرية التي تسعى لفتح النص أمام تساؤلات الإنسان المعاصر وحريته.

إن تحرير العلاقة بين الإنسان والمقدس، كما يطرحه الكتاب، يتطلب شجاعة في إعادة توزيع السلطة المعرفية داخل المجتمع العربي. فالتأويل المسؤول هو السبيل الوحيد لإنتاج معنى حي يواكب العصر، ويسمح للفرد بأن يكون فاعلاً في صياغة مستقبله الحضاري بدلاً من أن يظل متلقياً سلبياً لتفسيرات تجاوزها الزمن.

يعتبر الكتاب أن 'التجلي' هو أفق مفتوح للإلهام الأخلاقي والحضاري، حيث لا يظهر الإله كقوة قاهرة تُلغي إرادة الإنسان، بل كأفق يحفز على التفكير النقدي. هذا التوازن يضمن عدم انزلاق الفكر نحو النسبية المطلقة التي تفقد النصوص قيمتها، وفي الوقت ذاته يحميها من التحول إلى أدوات للسيطرة والتحكم الاجتماعي.

تتجلى قوة هذا العمل في قدرته على ربط الفلسفة بالواقع المعاش، حيث يرى أن أزمة الحداثة العربية تكمن في آليات السلطة الرمزية التي تحدد 'الحقيقة'. ومن هنا، يصبح الكتاب مشروعاً حضارياً يهدف إلى بناء وعي عربي متجدد قادر على مواجهة تحديات العصر بمسؤولية أخلاقية عالية وفهم عميق للذات.

وعلى الرغم من كثافة الطرح الفلسفي الذي قد يشكل تحدياً للقارئ غير المتخصص، إلا أن الكتاب ينجح في تقديم لغة فكرية رصينة تتجاوز السطحية. فهو لا يكتفي بالوصف، بل يقدم حلولاً تأويلية تضع الإنسان العربي أمام مسؤوليته التاريخية في إعادة اكتشاف علاقته بالخالق وبالعالم من حوله.

يؤكد المؤلف أن المسافة التأويلية بين النص والواقع هي المساحة التي تنمو فيها الحرية، وهي المساحة التي يجب حمايتها من التغول المؤسساتي. فكل قراءة جديدة هي بمثابة تحدٍ للهيمنة الفكرية القديمة، وإمكانية لبناء مجتمع يقوم على المشاركة في إنتاج القيم بدلاً من استهلاكها الجاهز.

في الختام، يمثل 'تجلي الإله' دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للعقل والروح معاً في مسيرة النهضة العربية، مشدداً على أن الدين يجب أن يكون أفقاً للتحرر لا قيداً على التفكير. إنها رحلة في أعماق الفكر العربي المعاصر، تحاول استعادة التوازن المفقود بين التعالي الإلهي والفاعلية الإنسانية.

يبقى هذا الكتاب مرجعاً هاماً للباحثين في شؤون الفكر الإسلامي والفلسفة العربية، كونه يفتح آفاقاً لم تكتشف بعد في جدلية العلاقة بين السماء والأرض. إنه إسهام يضع النقاط على الحروف في مسألة الهوية والحرية، ويؤسس لوعي جديد يحترم المقدس ويقدس الإنسان في آن واحد.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 3:16 مساءً - بتوقيت القدس

الجزائر تختتم شهر التراث برؤية استراتيجية لتحويل الإرث الثقافي إلى مورد اقتصادي

أسدلت الجزائر الستار على فعاليات شهر التراث الثقافي في أجواء احتفالية واسعة تزامنت مع اليوم العالمي للمتاحف، حيث شهدت الفعاليات تأكيداً رسمياً على المضي قدماً في حماية الموروث الحضاري والطبيعي. وتهدف الرؤية الجديدة للقطاع الثقافي إلى تثمين هذا الإرث وتحويله من مجرد ذاكرة تاريخية إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف الولايات.

وأشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، على المراسم الختامية التي احتضنها قصر الثقافة 'مفدي زكريا' والمتحف الوطني العمومي للفنون الجميلة بالعاصمة. وحضر الحفل لفيف من الشخصيات الثقافية والأكاديمية، بالإضافة إلى باحثين متخصصين في الأنثروبولوجيا والآثار، مما عكس الاهتمام الرسمي والنخبوي بصون الهوية الوطنية.

وأكدت الوزيرة في كلمتها أن هذا العام مثل منعطفاً هاماً لتجسيد أهداف قانون حماية التراث الثقافي، لا سيما في المناطق الجنوبية التي تزخر بكنوز إنسانية فريدة. وأشارت إلى أن الدولة تعمل على الحفاظ على المواقع الأثرية في بيئاتها الأصلية لضمان استدامتها للأجيال القادمة كجزء لا يتجزأ من السيادة الثقافية.

وفي سياق تعزيز البنية التحتية الثقافية، كشفت بن دودة عن قرب تدشين الحظيرة الثقافية السادسة تحت مسمى 'حظيرة الساورة'، لتنضم إلى شبكة الحظائر الكبرى في البلاد. وتعد هذه الحظائر بمثابة متاحف مفتوحة على الهواء الطلق، حيث تستقطب آلاف الباحثين والسياح سنوياً بفضل تنوعها البيئي والأثري النادر.

كما أعلنت الوزارة عن تحضيرات لإطلاق مواعيد استراتيجية في الأشهر المقبلة تهدف إلى صياغة رؤية استثمارية جديدة في قطاع التراث. وتسعى هذه المبادرة إلى تحويل المواقع التاريخية إلى موارد اقتصادية تساهم في خلق فرص عمل وتنشيط السياحة المحلية، مع الالتزام الصارم بمعايير الحماية والصون الدولية.

وشهد قصر الثقافة تنظيماً لمعرض خاص بالحظائر الثقافية الجزائرية، حظي بزيارة وفد رسمي من جمهورية تشاد يتقدمه وزير التنمية السياحية والثقافة والحرف اليدوية. واطلع الوفد على التنوع البيئي والجغرافي الذي تمتاز به الصحراء الجزائرية، وما تحتويه من نقوش ورسومات صخرية تعود لآلاف السنين.

وتخلل اليوم الإعلامي المخصص للحظائر سلسلة من المحاضرات الأكاديمية التي ناقشت دور هذه الفضاءات في تعزيز التربية الثقافية وترسيخ الوعي بالهوية. وركز الباحثون على أهمية الربط بين التراث المادي واللامادي لتحقيق تنمية مستدامة تحافظ على التوازن البيئي في المناطق المحمية.

وفي الشق الفني، احتضن المتحف الوطني للفنون الجميلة فعاليات اليوم العالمي للمتاحف، مسلطاً الضوء على الدور التربوي للمؤسسات المتحفية. واعتبر المشاركون أن المتاحف ليست مجرد مخازن للقطع الأثرية، بل هي مراكز إشعاع فكري تساهم في بناء جسور الحوار بين الماضي والحاضر.

وزارت الوزيرة معرضاً فنياً متخصصاً في التيارات الجديدة لفنون الزخرفة والمنمنمات والخط العربي، حيث استعرض الفنانون تجارب معاصرة تستلهم التراث البصري. ويهدف المعرض إلى إبراز قدرة الفنون التقليدية على التجدد والاندماج في القوالب الفنية الحديثة دون فقدان أصالتها.

كما توقفت الوزيرة عند معرض الفنان العالمي رشيد قريشي 'مسارات الارتقاء'، الذي يعد واحداً من أبرز التجارب التشكيلية المعاصرة. ويمزج عمل قريشي بين الرموز الروحية والحرفية العالية، مما يقدم صورة مشرفة للفن الجزائري في المحافل الدولية ويعزز من القوة الناعمة للبلاد.

واختتمت الفعاليات بحفل تكريمي بهيج استهدف نخبة من الباحثين والمهندسين والأكاديميين الذين أفنوا حياتهم في خدمة التراث الوطني. واعتبرت الوزارة هذا التكريم بمثابة رسالة تقدير لـ 'حراس الذاكرة' الذين ساهموا في توثيق وحفظ المعالم التاريخية من الاندثار.

وشدد المنظمون على أن حماية الهوية الجزائرية تتطلب تكاتف الجهود بين مختلف القطاعات الحكومية والمجتمع المدني. وأكدوا أن شهر التراث ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو برنامج عمل مستمر يهدف إلى تعزيز حضور الثقافة الجزائرية في الفضاءات الدولية.

ويعتبر شهر التراث في الجزائر من أهم المواعيد السنوية التي تفتح نقاشاً واسعاً حول سبل مواجهة التحديات التكنولوجية والاقتصادية التي تواجه المواقع الأثرية. ويسعى القطاع إلى دمج التقنيات الحديثة في عمليات الترميم والتوثيق الرقمي لضمان دقة الحفظ وسهولة الوصول للمعلومات.

وفي الختام، تجلى من خلال هذه الفعاليات أن الجزائر تضع تراثها في قلب استراتيجيتها الوطنية للنهوض بالقطاع السياحي. وتطمح الحكومة من خلال هذه الخطوات إلى جعل الثقافة محركاً أساسياً للنمو، بما يتماشى مع التوجهات العالمية في تثمين الممتلكات الثقافية كأصول اقتصادية مستدامة.

فلسطين

السّبت 30 مايو 2026 3:16 مساءً - بتوقيت القدس

7 شهداء في غزة خلال يومين ونتنياهو يكشف مخططاً لتوسيع الاحتلال إلى 70% من القطاع

استشهد مواطن فلسطيني وأصيب ثلاثة آخرون، بينهم طفلة، جراء استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية لتجمع من المدنيين في محيط مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح. وأكدت مصادر طبية وصول جثمان الشهيد جمال أبو عون إلى المستشفى، مشيرة إلى أن الغارة وقعت في منطقة حيوية تشهد حركة للمواطنين والنازحين.

وفي تصعيد ميداني متزامن، شنت مدفعية الاحتلال الإسرائيلي سلسلة من الهجمات استهدفت المناطق الشرقية والجنوبية لمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة. كما طال القصف المدفعي الأطراف الشمالية الشرقية لمخيم البريج وسط القطاع، مما تسبب في حالة من الذعر بين السكان وأضرار مادية في الممتلكات.

أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة عن استشهاد 7 فلسطينيين وإصابة 25 آخرين خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية نتيجة الاعتداءات المستمرة. وأوضحت الوزارة أن هذه الإحصائية ترفع الحصيلة الإجمالية لضحايا حرب الإبادة الجماعية منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد.

وأشارت التقارير الطبية إلى أن طواقم الإسعاف والدفاع المدني لا تزال تواجه صعوبات بالغة في الوصول إلى عدد من الضحايا العالقين تحت الركام وفي الطرقات. وتمنع الاستهدافات المتكررة والظروف الميدانية المعقدة عمليات انتشال المفقودين في عدة مناطق ساخنة بالقطاع.

وفيما يخص اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ أكتوبر 2025، كشفت الوزارة عن ارتفاع حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية لهذا الاتفاق. حيث بلغت الأرقام الموثقة 929 شهيداً و2811 مصاباً، بالإضافة إلى مئات الحالات التي تم انتشالها من تحت الأنقاض خلال فترة التهدئة المفترضة.

وعلى الصعيد السياسي، أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة من التنديد الدولي بعد تصريحاته الأخيرة حول مستقبل السيطرة العسكرية في غزة. حيث أقر نتنياهو بأن جيشه يحتل حالياً 60% من مساحة القطاع، معلناً عن نية حكومته توسيع هذه المساحة لتصل إلى 70%.

ردت الأمم المتحدة بلهجة حازمة على هذه التصريحات، حيث أكد المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك أن غزة يجب أن تظل للفلسطينيين بالكامل. وشدد دوجاريك في إحاطته الصحفية على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من كافة المناطق التي سيطرت عليها بما في ذلك ما يعرف بالخط الأصفر.

وأوضح المتحدث الأممي أن الموقف الدولي يرتكز على أن تكون غزة ملكاً للشعب الفلسطيني بنسبة 100%، وهو الهدف الذي تسعى المنظمة الدولية لتحقيقه. ودعا إلى وقف أي تحركات تهدف إلى قضم المزيد من الأراضي أو تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع.

تأتي هذه التطورات بعد أن كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في أكتوبر الماضي سيطرته على 53% من مساحة غزة قبل تراجعه إلى الخط الأصفر. وكان هذا التراجع قد تم في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب، والتي كانت تفترض انسحابات إضافية.

ويُعرف 'الخط الأصفر' بأنه شريط افتراضي داخل قطاع غزة انسحب إليه جيش الاحتلال مؤقتاً بموجب اتفاقات وقف إطلاق النار الأخيرة. ويفصل هذا الخط بين مناطق السيطرة العسكرية الإسرائيلية والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتواجد والتحرك فيها، بانتظار مراحل انسحاب لاحقة لم تتحقق.

وتشير الإحصائيات التراكمية إلى حجم الكارثة الإنسانية، حيث وصل عدد المصابين منذ بداية العدوان في أكتوبر 2023 إلى نحو 172,919 جريحاً. وتعاني المنظومة الصحية من تهالك شديد ونقص في الموارد الأساسية نتيجة الحصار الطويل والاستهداف المباشر للمرافق الطبية.

يذكر أن حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل بدعم أمريكي قد دخلت عامها الثاني، مخلفة دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية. وتستمر المعاناة الإنسانية في ظل غياب حل سياسي شامل يضمن الانسحاب الكامل ووقف نزيف الدماء في الأراضي الفلسطينية.

فلسطين

السّبت 30 مايو 2026 2:46 مساءً - بتوقيت القدس

إصابات في هجوم واسع للمستوطنين جنوب نابلس والاحتلال يجبر عائلة مقدسية على هدم 7 منازل

شهدت قرية مادما الواقعة جنوب مدينة نابلس هجوماً عنيفاً شنه عشرات المستوطنين المتطرفين، مما أسفر عن وقوع سبع إصابات بين صفوف المواطنين الفلسطينيين. وأكدت مصادر طبية أن الإصابات تنوعت بين الرصاص الحي والاعتداء المباشر بالضرب المبرح، حيث طالت الاعتداءات مسنين ورجالاً وشظايا أصابت وجوه آخرين.

وأوضحت مصادر محلية أن الهجوم بدأ عندما انطلقت مجموعات من المستوطنين من بؤرة استيطانية أُقيمت حديثاً على أراضي القرية الشمالية، مستهدفة رعاة الأغنام العزل بإطلاق الرصاص الحي. وتدخلت قوات الاحتلال لتوفير الحماية للمهاجمين، حيث أغلقت المداخل الرئيسية للسواتر الترابية والبوابات الحديدية لمنع وصول الإمدادات الطبية.

وفي سياق متصل، أفاد الهلال الأحمر الفلسطيني بأن جنود الاحتلال عرقلوا بشكل متعمد وصول سيارات الإسعاف إلى المصابين في مادما، مما فاقم من معاناة الجرحى. وشملت قائمة المصابين مسناً يبلغ من العمر 72 عاماً أصيب في قدمه، وآخر يبلغ 53 عاماً أصيب في الفخذ، بالإضافة إلى سيدتين تعرضتا للضرب المبرح.

ولم تقتصر اعتداءات المستوطنين على مادما، بل امتدت لتشمل بلدة بيتا جنوب نابلس، حيث تعرضت منازل المواطنين للرشق بالحجارة في ساعات الفجر الأولى. وأسفر الهجوم عن تحطيم زجاج عدد من المركبات المركونة أمام المنازل، قبل أن يتصدى أهالي البلدة للمستوطنين ويجبروهم على التراجع وسط إطلاق الاحتلال للقنابل الضوئية.

أما في جنوب الضفة الغربية، فقد استهدف المستوطنون الأراضي الزراعية في خربة المركز بمسافر يطا التابعة لمحافظة الخليل، حيث قاموا بإتلاف واقتلاع عدد من الأشجار المثمرة. وتأتي هذه الهجمات في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى التضييق على المزارعين الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم التاريخية.

وفي مدينة القدس المحتلة، ارتكبت سلطات الاحتلال جريمة هدم جديدة بعد أن أجبرت عائلة فلسطينية على هدم سبعة من منازلها ذاتياً في المنطقة الشرقية من قرية قلنديا. وجاءت عملية الهدم القسرية بذريعة البناء دون ترخيص، مما أدى إلى تشرد أفراد العائلة الذين كانوا يقطنون هذه المنازل المأهولة منذ سنوات.

وعلى صعيد الاعتقالات، شنت قوات الاحتلال حملة مداهمات واسعة طالت مخيم قلنديا ومدينة قلقيلية وبلدة ميثلون جنوب جنين. وأسفرت هذه الحملة عن اعتقال عدد من المواطنين، بينهم قياديون في حركة فتح بمدينة قلقيلية، بالإضافة إلى شابين من ضاحية شويكة شمال طولكرم بعد اقتحام منازل ذويهم وتفتيشها.

وتشير التقارير الحقوقية إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة اعتداءات المستوطنين منذ أكتوبر 2023، حيث باتت الهجمات تأخذ طابعاً أكثر تنظيماً ودموية. ووفقاً لبيانات رسمية من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد سُجل أكثر من 540 اعتداءً خلال شهر نيسان الماضي فقط، شملت اعتداءات جسدية وحرق محاصيل واستيلاء على ممتلكات.

تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل استمرار سياسة الإغلاق والحصار التي تفرضها قوات الاحتلال على مدن وقرى الضفة الغربية. ويحذر مراقبون من أن إطلاق يد المستوطنين في المناطق المصنفة 'ج' يهدف إلى تسريع عمليات الضم الفعلي وتهجير السكان الفلسطينيين من أراضيهم لصالح التوسع الاستيطاني.

أقلام وأراء

السّبت 30 مايو 2026 2:46 مساءً - بتوقيت القدس

حين تخسر إسرائيل الشارع وتكسب المؤسسات


على مدى عقود طويلة، بدت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وكأنها إحدى الثوابت النادرة في السياسة الدولية. لم يكن الدعم الأمريكي لإسرائيل مجرد سياسة حكومية عابرة، بل تحول إلى جزء من الثقافة السياسية السائدة في واشنطن، وإلى قضية تحظى بإجماع واسع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه اليوم بقوة هو: هل يمكن أن يؤدي المسار الحالي للأحداث إلى نتيجة لم تكن إسرائيل تتخيلها يوماً، وهي تآكل التعاطف الأمريكي معها، بل وربما تصاعد مظاهر معاداة السامية داخل المجتمع الأمريكي نفسه؟

قد يبدو السؤال صادماً، لكنه لم يعد من المحرمات السياسية كما كان في السابق. فالمشهد الأمريكي يشهد تغيرات عميقة تتجاوز حدود السياسة الخارجية إلى بنية المجتمع ذاته. ملايين الشباب الأمريكيين الذين لم يعيشوا أجواء الحرب الباردة ولا ذاكرة المحرقة الأوروبية يتعاملون مع الصراع في الشرق الأوسط من منظور مختلف تماماً عن الأجيال السابقة. بالنسبة لهم، لم تعد إسرائيل تُرى دائماً باعتبارها "الدولة الصغيرة المحاصرة"، بل باتت تُقدَّم في كثير من النقاشات بوصفها قوة عسكرية وإقليمية تمتلك تفوقاً ساحقاً.

ومع توسع وسائل التواصل الاجتماعي وتدفق الصور والمعلومات خارج القنوات التقليدية، بدأت إسرائيل تواجه تحدياً متزايداً في ساحة الرأي العام العالمي. فالرواية التي تمتعت لعقود بحضور قوي داخل الإعلام الغربي لم تعد تحظى بالقبول نفسه لدى قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة بين الأجيال الشابة. وأصبح واضحاً أن المعركة لم تعد تدور فقط حول الوقائع على الأرض، بل حول القدرة على إقناع الرأي العام بشرعية المواقف والسياسات.

ويرى بعض المراقبين أن هذا التراجع النسبي في قوة الرواية الإسرائيلية ساهم في دفع إسرائيل والمنظمات المؤيدة لها نحو التركيز بصورة أكبر على المستويات الرسمية والمؤسساتية. فكلما أصبحت معركة الرأي العام أكثر صعوبة، ازداد الاعتماد على أدوات النفوذ السياسي والقانوني والدبلوماسي للحفاظ على الدعم التقليدي داخل الدول الغربية.

وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة جهود مكثفة لتوسيع تبني تعريفات وتشريعات وسياسات رسمية تتعلق بمعاداة السامية داخل البرلمانات والجامعات والمؤسسات الحكومية في عدد من الدول المؤثرة. ويعتبر مؤيدو هذه الجهود أنها استجابة ضرورية لتزايد الحوادث المعادية لليهود ولظهور أشكال جديدة من الكراهية تتخفى أحياناً خلف الخطاب السياسي.

غير أن منتقدي هذه المقاربة يرون أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخط الفاصل بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل أقل وضوحاً. فكلما جرى توسيع نطاق التعريفات الرسمية ليشمل بعض أشكال النقد الموجه لإسرائيل، ازداد شعور فئات من الرأي العام بأن النقاش السياسي يخضع لقيود استثنائية لا تُفرض على قضايا دولية أخرى.

وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فبينما تهدف هذه السياسات إلى حماية اليهود من الكراهية، يخشى بعض الباحثين من أن يؤدي ربط إسرائيل بالمنظومات القانونية والسياسية التي تنظم حرية التعبير إلى نتائج معاكسة. إذ قد ينشأ لدى بعض الأوساط انطباع بأن إسرائيل، بعد أن فقدت جزءاً من معركة الإقناع الشعبي، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على القوة المؤسساتية والقانونية لتعويض تراجع نفوذها داخل الرأي العام.

ولا يمكن فصل هذا الجدل عن البعد الأمريكي الداخلي. فخلال عقود، لعبت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل دوراً مؤثراً في الحياة السياسية الأمريكية، وفي مقدمتها منظمة ايباك  (AIPAC)، التي نجحت في بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل الكونغرس ومراكز القرار. وبينما يرى أنصارها أنها تمارس دوراً مشروعاً في إطار النظام الديمقراطي الأمريكي، يعتبر منتقدوها أنها تمثل نموذجاً لنفوذ جماعات الضغط القادرة على التأثير في السياسات العامة.

وتزداد حساسية المسألة عندما يمتد النقاش إلى اليهود الأمريكيين أنفسهم. فاليهود حققوا نجاحات بارزة في مجالات الاقتصاد والمال والتكنولوجيا والعلوم والثقافة، وكان لهم إسهام مهم في بناء القوة الاقتصادية والفكرية للولايات المتحدة. إلا أن فترات الاستقطاب السياسي غالباً ما تدفع بعض الأصوات الشعبوية إلى تحويل هذا النجاح إلى مادة للتعميمات والاتهامات الجماعية، وهو مسار عرفته مجتمعات كثيرة عبر التاريخ وكانت نتائجه خطيرة دائماً.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر. فكلما اشتد الجدل حول إسرائيل ونفوذ جماعات الضغط والتشريعات المرتبطة بمعاداة السامية، ازدادت احتمالات انتقال النقاش من نقد دولة وسياساتها إلى استهداف اليهود كجماعة دينية أو ثقافية. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح الخطر موجهاً ليس إلى إسرائيل وحدها، بل إلى النسيج الاجتماعي الأمريكي نفسه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت إسرائيل ما تزال قادرة على الحفاظ على دعم الحكومات الغربية، بل ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على دعم المجتمعات الغربية نفسها. فهناك فرق جوهري بين النفوذ داخل المؤسسات وبين القبول داخل الرأي العام، وبين الانتصار في أروقة السياسة وبين كسب العقول والقلوب.

لقد نجحت إسرائيل لعقود في الجمع بين الأمرين معاً: الدعم الرسمي والتعاطف الشعبي. أما اليوم، فيبدو أن المعادلة بدأت تتغير. فكلما تراجعت قدرتها على إقناع قطاعات واسعة من الرأي العام، ازداد اعتمادها على الحلفاء السياسيين وجماعات الضغط والتشريعات والمؤسسات الرسمية للحفاظ على موقعها التقليدي في الغرب.

غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن الشرعية المستدامة لا تُبنى بالقوانين وحدها، ولا تُصان بالقرارات الحكومية فقط. فحين تبدأ الفجوة بالاتساع بين ما تؤيده المؤسسات وما تؤمن به الشعوب، تصبح أي قوة سياسية معرضة لخسارة تدريجية في رصيدها المعنوي مهما بلغ حجم نفوذها الرسمي.

ومن هنا تبرز المفارقة التي قد تواجهها إسرائيل خلال السنوات المقبلة. فبينما تهدف الجهود الرامية إلى توسيع تعريفات معاداة السامية وإحاطة إسرائيل بمزيد من الحماية السياسية والقانونية إلى تحصين موقعها في الغرب، قد يُنظر إليها من قبل بعض قطاعات الرأي العام باعتبارها دليلاً على أن الرواية الإسرائيلية لم تعد قادرة على فرض نفسها بقوة الإقناع التي امتلكتها سابقاً.

وقد يكون الخطر الأكبر أن يؤدي هذا المسار، بمرور الوقت، إلى نتائج معاكسة تماماً للهدف المعلن منه. فكلما شعر جزء من الرأي العام بأن قضية سياسية معينة تحظى بحماية استثنائية أو معاملة مختلفة، ازدادت احتمالات نشوء ردود فعل غاضبة تتجاوز نقد السياسات لتتحول إلى مواقف عدائية تجاه الجماعات المرتبطة بها. وعند هذه النقطة، لا يعود الخطر مقتصراً على صورة إسرائيل، بل يمتد إلى اليهود في الغرب وإلى التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات الديمقراطية نفسها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل تخسر معركة الرأي العام اليوم، بل ما إذا كانت تدرك أن الاعتماد المتزايد على النفوذ المؤسسي لتعويض التراجع الشعبي قد يحمل في داخله بذور أزمة أكبر في المستقبل. فالتاريخ كثيراً ما أظهر أن كسب الحكومات أسهل من كسب الشعوب، لكن خسارة الشعوب هي الخسارة التي يصعب تعويضها.

أقلام وأراء

السّبت 30 مايو 2026 2:16 مساءً - بتوقيت القدس

نظام الطيبات.. صراع بين 'حكمة المطبخ' وهيمنة الصيدلية

تحول نظام غذائي بسيط يعتمد على مكونات أساسية كالأرز والبطاطا إلى واحدة من أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في المجتمعات العربية المعاصرة. هذا الجدل يضعنا أمام تساؤل جوهري حول الفجوة المتسعة بين الطب الحديث القائم على المختبرات وبين الممارسات الغذائية التقليدية التي رافقت البشرية لآلاف السنين.

نحن نعيش اليوم في عصر يوصف بالذهبي من الناحية الطبية، حيث تتجاوز الاستثمارات في قطاع الصحة حاجز العشرة تريليونات دولار سنوياً. ومع ذلك، يواجه العالم انفجاراً غير مسبوق في الأمراض المزمنة التي يعجز الطب عن تحديد أسبابها الجذرية، مكتفياً بإدارة أعراضها عبر عقاقير دائمة.

تبرز هنا مفارقة صادمة؛ فبينما تضخ مئات المليارات في التكنولوجيا الحيوية، تزداد معدلات السكري والسمنة والسرطان بشكل مطرد. هذا الواقع دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كان النظام الطبي الحالي يهدف للشفاء الحقيقي أم لتحويل المريض إلى مستهلك دائم لمنتجات شركات الأدوية العابرة للقارات.

في هذا السياق المشتعل، برز اسم الدكتور الراحل ضياء العوضي ونظامه المعروف بـ 'الطيبات'، والذي لم يطرح عقاراً جديداً بل أعاد الاعتبار للمطبخ. لقد طرح العوضي تساؤلاً مزعجاً للمنظومة التقليدية: ماذا لو كان الحل لغالبية أمراضنا يكمن في نوعية ما نأكله قبل أن نصل إلى عتبة الصيدلية؟

انقسم الجمهور تجاه هذا الطرح إلى فريقين متطرفين، أحدهما يراه ثورة صحية تعيد للجسم قدرته الفطرية على التعافي الذاتي. في المقابل، يرى الفريق الآخر أن هذا النظام يمثل تبسيطاً مخلاً لمشكلات طبية معقدة، واصفين إياه بـ 'الهرطقة العلمية' التي قد تضر بصحة المتبعين لها.

المثير للاهتمام أن فكرة العلاج بالغذاء ليست وليدة اليوم، بل لها جذور في أعرق الجامعات العالمية منذ عقود طويلة. ففي عام 1939، حقق الطبيب والتر كيمبنر في جامعة ديوك نتائج مذهلة في علاج الفشل الكلوي وضغط الدم باستخدام نظام يعتمد كلياً على الأرز والفواكه.

كذلك سار الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال على ذات النهج، متسائلاً كيف تحولت الأطعمة التي شكلت قوام حياة البشر لقرون إلى 'متهمين' في عصرنا الحالي. وأكد ماكدوغال أن ظهور الأمراض الحديثة تزامن بدقة مع دخول الأطعمة فائقة التصنيع والزيوت المهدرجة إلى موائدنا.

إن الإنسان المعاصر يخضع، دون وعي منه، لأكبر تجربة غذائية في التاريخ البشري من خلال استهلاك آلاف المواد المضافة والمنكهات الصناعية. هذه المواد الغريبة عن التكوين البيولوجي للإنسان قد تكون المحرك الأساسي للاعتلالات الصحية التي نعجز عن تفسيرها بالوسائل التقليدية.

لقد اعتدنا على رؤية المرض كجزء طبيعي من التقدم في السن، وأصبح من المألوف أن يحمل الفرد 'صرة' من الأدوية اليومية. هذا القبول المجتمعي للمرض الدائم يعكس خللاً في مفهومنا للصحة، حيث استبدلنا الوقاية بالاعتماد الكلي على التدخلات الكيميائية الخارجية.

لا يمكن إنكار فضل الطب الحديث في إنقاذ الملايين عبر الجراحات الدقيقة والمضادات الحيوية واللقاحات المتطورة. لكن المشكلة تكمن في الخلط بين 'إنقاذ الحياة' في الحالات الطارئة وبين 'صناعة الصحة' المستدامة التي تتطلب نمط حياة متكاملاً.

العلم الحديث نفسه بدأ يعود لتقدير آليات الجسم الذاتية، كما حدث عند منح جائزة نوبل للعالم يوشينوري أوسومي عام 2016. أبحاث أوسومي حول 'الالتهام الذاتي' أثبتت أن الصيام والجوع يمنحان الخلايا فرصة لتنظيف نفسها من التالف، وهو ما يتقاطع مع جوهر أنظمة غذائية كثيرة.

بين تقديس نظام الطيبات كعقيدة وبين السخرية منه كخرافة، تضيع مساحات واسعة من الحقيقة العلمية التي تحتاج للبحث الرصين. فليس هناك نظام غذائي يمثل 'علاجاً سحرياً' لكل داء، كما أنه لا يمكن تهميش دور الغذاء في تحسين جودة الحياة والتعافي من الأمراض.

إن الجدل حول العوضي ونظامه هو في جوهره صراع حول 'فلسفة الصحة' وكيفية استعادة الإنسان لثقته في قدرات جسده الحيوية. السؤال الحقيقي ليس عن البطاطا أو الأرز، بل عن مدى استعدادنا لمراجعة عاداتنا الاستهلاكية التي تدر المليارات على قطاعات التصنيع الغذائي والدوائي.

ختاماً، يحتاج نظام الطيبات وغيره من الأطروحات الغذائية إلى إخضاعها لتجارب سريرية علمية محكمة بعيداً عن الانحيازات. فإذا ثبتت فعاليتها، ستكون مخلصاً للكثيرين من عبودية الدواء، وإن ثبت عكس ذلك، سيكون العلم هو الفيصل النهائي في حماية الصحة العامة.

أقلام وأراء

السّبت 30 مايو 2026 2:16 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة الثقة بالمعرفة: هل فقدت المجتمعات احترامها للتخصص والعلم؟

لطالما ارتبط صلاح الإنسان واستقامة حياته بالتوازن بين المعرفة الدينية والوعي الدنيوي، وهو ما جسده الإمام الشافعي في رؤيته بأن العلم ينقسم إلى فقه للأديان وطب للأبدان. هذه الرؤية المبكرة تعكس إدراكاً عميقاً لضرورة التخصص، حيث لا يستقيم حال المجتمع إلا بوجود مرجعيات علمية موثوقة ترشد الناس في شؤون عقيدتهم وسلامة أجسادهم.

ومع ذلك، يواجه العصر الحديث موجة غير مسبوقة من التشكيك والغمز واللمز التي لا تستهدف الأشخاص فحسب، بل تطعن في جوهر المعرفة المتخصصة وقيمة الخبرة المتراكمة. لقد بات من الملاحظ أن هناك محاولات مستمرة لتقويض المنهجية العلمية واستبدالها بآراء شخصية تفتقر إلى الأدنى من شروط البحث أو الاستنباط السليم.

في المجال الديني، برزت ظاهرة الجدل غير المنضبط، حيث يتصدى للاجتهاد من لا يملك أدواته، ويتم تطويع النصوص لتناسب الأهواء الشخصية بعيداً عن الضوابط العلمية. هذا الانفلات المعرفي أدى إلى حالة من التخبط في الفهم، مما ساهم في إضعاف الثقة بالثوابت الدينية والمرجعيات الفقهية الرصينة التي حفظت وعي الأمة لقرون.

أما في الميدان الطبي، فلم يكن الحال أفضل، إذ تعرض الأطباء والباحثون لحملات تشكيك واسعة تفضل التجربة الفردية العابرة على البحث العلمي الرصين. وأصبح المحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية، رغم افتقاره للدليل، منافساً قوياً للمعرفة الطبية المبنية على سنوات طويلة من الدراسة والتجارب السريرية الدقيقة.

إن الحقيقة الراسخة تظل أن العلوم، سواء كانت شرعية أو تجريبية، تقوم على تراكم معرفي ومنهجيات صارمة لا يمكن تعويضها بالحدس أو الانطباعات اللحظية. ولا يعني هذا الدفاع عن العلم منح العصمة للعلماء، فالنقد العلمي والمراجعة الدائمة هما المحرك الأساسي لتطور المعرفة وتصحيح مساراتها البشرية.

يبرز الفرق الجوهري هنا بين النقد المنهجي الذي يسعى للتطوير، وبين الهجوم القائم على الجهل أو الرغبة في إثارة الجدل وتحقيق الانتشار الزائف. فالهدم غير المنضبط للمرجعيات العلمية لا يؤدي إلى تحسين الأداء، بل يقود المجتمع نحو فوضى معرفية تهدد قدرته على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بحياته وصحته.

ويبقى التساؤل قائماً حول سر استهداف مجالي الدين والطب تحديداً بهذا النوع من التهجم الممنهج في الآونة الأخيرة. لعل الإجابة تكمن في كونهما يمثلان الركائز الأساسية لهوية الإنسان المتمثلة في منظومته القيمية وسلامته الجسدية، مما يجعل أي اهتزاز فيهما ذا تأثير مباشر وعميق على استقرار الفرد.

تسهم الضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في خلق بيئة خصبة لفقدان الثقة بالمؤسسات، مما يدفع البعض لرفض كل ما يمثل سلطة معرفية أو مرجعية مستقرة. هذا التعميم الناتج عن إخفاقات حقيقية أو متصورة أدى إلى رفض فكرة الخبرة ذاتها، بدلاً من التركيز على نقد الأداء وتصويب الأخطاء بشكل موضوعي.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تعميق هذه الأزمة، بعد أن ألغت الحواجز التقليدية بين المتخصصين وغير المتخصصين في فضاء التأثير العام. وأصبح الصوت العالي والقدرة على الانتشار السريع معياراً للحقيقة لدى شريحة واسعة، متجاوزين بذلك سنوات التخصص والبحث العلمي المضني.

ومع سيادة المحتوى السريع والمختصر، تراجعت قدرة الجماهير على التمييز بين الرأي العلمي الرصين وبين الانطباعات الشخصية المثيرة للجدل. هذا التحول الرقمي ساهم في تسطيح القضايا المعقدة وتحويلها إلى مادة للاستهلاك اليومي بعيداً عن العمق المعرفي المطلوب لفهم الظواهر وتفسيرها.

كما تبرز نظريات المؤامرة كعامل إضافي يغذي الميل نحو الشك المطلق في كل ما هو رسمي أو علمي، حيث يتم تفسير الأحداث عبر شبكات خفية متخيلة. وتحول هذا الشك من أداة للبحث عن الحقيقة إلى منهج شامل لإنكار الحقائق العلمية والخبرات التخصصية، مما يعزل الأفراد عن الواقع الموضوعي.

في ظل هذا المناخ، يتحول الطبيب أو العالم الديني في نظر البعض إلى جزء من مخططات وهمية، مما يفقد الخبرة معناها وقيمتها المجتمعية. إن هذا التآكل في الثقة لا يضر المتخصصين وحدهم، بل يحرم المجتمع من أدواته الأساسية في مواجهة الأزمات الصحية والأخلاقية التي قد تعصف به.

إن النقد العلمي يظل ضرورة قصوى لتطور المجتمعات، بشرط أن يظل محكوماً بقواعد المنهج والأدلة والبراهين بعيداً عن العبثية. فالتطور الحقيقي لا يحدث عبر هدم المرجعيات، بل من خلال البناء عليها وتطويرها بما يتناسب مع مستجدات العصر وتحدياته المتسارعة.

في الختام، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون احترام حقيقي للعلم وأهله، والتمييز الواضح بين الرأي الشخصي والمعرفة الموثقة. إن استعادة التوازن بين النقد البناء والتقدير الواجب للتخصص هي السبيل الوحيد لضمان قدرة المجتمع على الفهم الصحيح واتخاذ القرارات السليمة في مستقبل يزداد تعقيداً.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 2:16 مساءً - بتوقيت القدس

بنكيران خارج السباق البرلماني: هل انتهى زمن الزعيم الكاريزمي في المغرب؟

أثار قرار عدم ترشح عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، للانتخابات البرلمانية المقبلة، موجة من التساؤلات في الأوساط السياسية المغربية. ويأتي هذا التوجه في وقت بدأ فيه الحزب باستعادة جزء من بريقه في استطلاعات الرأي العام، بعد النكسة الانتخابية القاسية التي تعرض لها في عام 2021.

المفارقة تكمن في أن بنكيران، الذي ظل لعقود الواجهة الأبرز والماكينة الانتخابية الأقوى للحزب، يختار الانسحاب من المنافسة المباشرة على المقاعد. هذا القرار لا يعني مغادرته للعمل السياسي بالضرورة، بل يعكس تحولاً في شكل ممارسته للسلطة وتأثيره داخل المشهد العام.

تشير مصادر مقربة من الحزب إلى أن قرار الأمانة العامة بعدم ترشيح بنكيران في معقله التاريخي بدائرة سلا-المدينة، يحمل أبعاداً تنظيمية وصحية. فالرجل الذي قاد الحزب إلى ذروة صعوده في عام 2011، يبدو اليوم أكثر ميلاً للعب دور 'الشيخ السياسي' بدلاً من 'رجل الدولة' الباحث عن المناصب.

يمثل بنكيران حالة استثنائية في تاريخ الإسلام السياسي المغربي، حيث استطاع الموازنة بين الخطاب الشعبي القريب من الجماهير وبين البراغماتية في التعامل مع مؤسسات الدولة. وقد نجح خلال قيادته للحكومة في صياغة معادلة للتعايش بين الإصلاح والاستقرار تحت مظلة الملكية.

إن انسحاب بنكيران من السباق البرلماني يبعث برسائل تتجاوز الشأن الحزبي الداخلي، لتطال تحولات الإسلام السياسي في المنطقة العربية ككل. فبينما واجهت حركات مشابهة في دول أخرى أزمات وجودية، اختار العدالة والتنمية المغربي التكيف والعودة إلى صفوف المعارضة بمرونة.

يرى محللون أن بنكيران يدرك تماماً أن قيمته الرمزية قد تتأثر إذا انخرط في صراعات انتخابية تقنية حول الأرقام والمقاعد في ظل مناخ سياسي متغير. لذا، فإن التراجع خطوة إلى الوراء قد يكون استراتيجية للحفاظ على السردية التاريخية التي بناها طوال مسيرته.

يعيش المشهد الحزبي المغربي حالياً مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتسم بتراجع حضور الزعامات الكاريزمية التقليدية داخل المؤسسة التشريعية. وتفسح هذه التحولات المجال لبروز وجوه جديدة توصف بأنها أكثر تكنوقراطية وأقل صخباً في خطابها السياسي.

هذا التحول نحو 'تشبيب' الحياة السياسية يطرح تساؤلات جدية حول مدى تمثيل البرلمان القادم للثقل السياسي الحقيقي في البلاد. ويخشى البعض من أن يؤدي غياب الرموز التاريخية إلى إضعاف المؤسسة التشريعية في مواجهة التحديات الاستراتيجية الكبرى التي تمر بها المملكة.

بالتزامن مع التحولات المرتبطة بملف الصحراء واحتمالات التعديل الدستوري، تبدو السياسة في المغرب متجهة نحو إدارة التوازنات الكبرى للدولة. وفي هذا السياق، تصبح الأحزاب السياسية مطالبة بتقديم أدوار تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي التقليدي.

البعد الإنساني في قرار بنكيران لا يمكن إغفاله، فالرجل الذي اختبر السلطة والعزل والعودة، يبدو اليوم أكثر تصالحاً مع فكرة تداول المواقع. إنها لحظة نضج سياسي تدرك متى يكون الانسحاب الجزئي أكثر قوة وتأثيراً من الاستمرار في واجهة المناصب.

رغم غيابه عن اللوائح الانتخابية في سبتمبر المقبل، سيظل بنكيران حاضراً بقوة كصوت مؤثر داخل الحياة العامة. فبعض السياسيين تتحول تجاربهم إلى رموز تتجاوز المقاعد البرلمانية، وهو ما يسعى إليه بنكيران في هذه المرحلة من حياته.

لطالما أكد بنكيران أن استقرار المغرب ووحدة مؤسساته يمثلان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في أي تدافع سياسي. وقد حرص في أصعب لحظات الخلاف على إبقاء خيوط التواصل ممدودة مع الدولة، معتبراً العلاقة مع الملكية ركيزة أساسية للاستقرار.

خروج بنكيران من البرلمان لا يمثل هزيمة شخصية، بل هو تحول هادئ لسياسي عرف كيف يختلف دون أن يكسر قواعد اللعبة. لقد استطاع الدفاع عن معادلة دقيقة تجمع بين المطالبة بالتغيير وبين الحفاظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها السيادية.

في نهاية المطاف، يترك بنكيران وراءه إرثاً سياسياً مثيراً للجدل لكنه غني بالدروس حول كيفية الإصلاح من الداخل. وسيبقى اسمه مرتبطاً بمرحلة استثنائية حاول فيها جعل التوافق الوطني هو المحرك الأساسي لإدارة شؤون البلاد وتجاوز العواصف الإقليمية.

اسرائيليات

السّبت 30 مايو 2026 1:46 مساءً - بتوقيت القدس

ضغوط أمريكية لفرض 'الاتفاقات الإبراهيمية' كشرط لتهدئة التوترات مع إيران

تشير المعطيات الراهنة والتسريبات الواردة من دوائر صنع القرار في البيت الأبيض إلى اقتراب توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، تهدف إلى نزع فتيل المواجهة العسكرية الشاملة في المنطقة. وبحسب مصادر مطلعة، فإن المفاوض الإيراني استطاع انتزاع مكاسب جوهرية تتعلق بإنهاء الحصار البحري الأمريكي مقابل فتح تدريجي لمضيق هرمز، مع ترحيل ملف التخصيب النووي إلى مراحل لاحقة، وهو ما عكس تفوقاً في فن إبرام الصفقات أمام الإدارة الأمريكية الحالية.

وتتضمن بنود الاتفاق المقترح وقفاً لإطلاق النار لمدة ستين يوماً يشمل كافة الجبهات المشتعلة، بما في ذلك الساحة اللبنانية، مع اشتراط طهران الإفراج عن دفعات مالية كبرى من أرصدتها المجمدة التي تتجاوز مائة وعشرين مليار دولار. وتلعب الدوحة دور الوسيط المسهل في هذه العملية، حيث تطالب إيران باستعادة نحو 24 مليار دولار كدفعة أولى فور التوقيع، مما يعزز موقفها الاقتصادي في مواجهة العقوبات الدولية المستمرة منذ سنوات.

في المقابل، يواجه الرئيس الأمريكي ضغوطاً داخلية حادة من الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري، الذي يتهمه بالضعف أمام المطالب الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بملف اليورانيوم عالي التخصيب. وقد برزت هذه الضغوط في محاولات ترامب لربط التهدئة بملف التطبيع، حيث كشفت مصادر عن اتصالات أجراها مع قادة دول عربية وإسلامية لمطالبتهم بالانضمام القسري إلى 'الاتفاقات الإبراهيمية' كضمانة لاستقرار المنطقة تحت القيادة الإسرائيلية.

وعلى الصعيد الإقليمي، اصطدمت هذه الرغبات الأمريكية بمواقف صلبة من قوى وازنة، حيث جددت السعودية تمسكها بضرورة وجود مسار سياسي واضح يؤدي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل أي خطوة تجاه التطبيع. كما أعلنت باكستان رفضاً قاطعاً لهذه الضغوط لتعارضها مع مبادئها الوطنية، بينما يرى مراقبون أن ترامب يحاول مقايضة الأمن الخليجي بالتبعية الكاملة للمشروع الصهيوني في المنطقة، مهدداً بعواقب اقتصادية وعسكرية لمن يرفض الانصياع.

وتكشف هذه التطورات عن عمق التنسيق بين ترامب ونتنياهو، حيث يسعى الأخير لإطالة أمد الحروب حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة هرباً من ملاحقاته القضائية. ويبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تهدف إلى تنصيب إسرائيل كقوة مهيمنة وحيدة في الشرق الأوسط، عبر تصفية العداء مع إيران من جهة، وإخضاع الدول العربية لتحالفات أمنية وعسكرية مباشرة مع الاحتلال من جهة أخرى، مما يسقط الأقنعة عن طبيعة الدور الأمريكي في المنطقة.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 1:46 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق 'الصفقة الوشيكة': ترامب يواجه تعنت طهران وانقساماً داخلياً حول الاتفاق النووي

كشفت مصادر صحفية عن حالة من الإحباط تسود البيت الأبيض بعد فشل الرئيس دونالد ترامب في تحقيق اختراق دبلوماسي مع إيران، رغم التوقعات المتفائلة التي روج لها أقطاب إدارته خلال الأيام الماضية. وأقر ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء بأنه لا يملك نتائج ملموسة ليعلن عنها، مشيراً إلى أن الإيرانيين لم يصلوا بعد إلى نقطة التوافق المطلوبة لإتمام الصفقة.

وتتمحور النقاشات الحالية حول 'مذكرة تفاهم' مقتضبة تهدف إلى منح المفاوضين مهلة زمنية مدتها 60 يوماً للبحث عن حلول تقنية لمسألة تخصيب اليورانيوم، أو ما يصفه ترامب بـ 'الغبار النووي'. ويهدف هذا المسار المؤقت إلى تبريد الصراع وتجنب التصعيد العسكري الشامل الذي يخشى ترامب تداعياته على الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من التصريحات المتكررة لوزير الخارجية ماركو روبيو حول قرب إبرام الاتفاق، إلا أن الواقع الميداني والسياسي أثبت تعقيد الملف. فقد تراجع روبيو عن تقديراته الزمنية عدة مرات، مما عكس وجود فجوات عميقة في التفاوض لم تنجح الضغوط الأمريكية المتصاعدة في ردمها حتى الآن.

ويرى مراقبون أن تردد ترامب في العودة إلى الخيار العسكري ينبع من إدراكه لحجم الاستنزاف في مخزون الذخائر الأمريكية. كما يبدي مساعدوه قلقاً بالغاً من قدرة إيران على استهداف منشآت الطاقة في دول الجوار الخليجي، وهو ما قد يؤدي إلى انفجار في أسعار الوقود العالمية التي تعاني أصلاً من الارتفاع.

وفي سياق الضغوط الداخلية، واجه ترامب انتقادات لاذعة من حلفائه الصقور في مجلس الشيوخ، حيث اعتبر السيناتور ليندسي غراهام أن أي اتفاق يمنح إيران نفوذاً دائماً في مضيق هرمز سيمثل كابوساً أمنياً لإسرائيل. وحذر غراهام من أن ميزان القوى في المنطقة يشهد تحولاً خطيراً لصالح طهران نتيجة قدرتها على تهديد الملاحة الدولية.

من جانبه، وصف السيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة، شائعات وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً بأنها 'كارثة' محققة. وأكد ويكر أن المراهنة على حسن نية النظام الإيراني في هذه المرحلة تعد خطأً استراتيجياً، مما دفع ترامب إلى تغيير نبرته العلنية والتشديد على أنه لن يقبل إلا بـ 'فوز واضح'.

وتشير التقارير إلى أن ترامب حاول ربط الاتفاق النووي بتوسيع 'اتفاقيات إبراهيم' في محاولة لتسويق الصفقة كإنجاز تاريخي غير مسبوق. ومع ذلك، تبدو هذه الفكرة بعيدة المنال في ظل الإدانات الدولية الواسعة للعمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة والأضرار الجسيمة التي لحقت بدول المنطقة جراء النزاع المستمر.

وتعاني الإدارة الأمريكية من صعوبات بالغة في دفع طهران للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة بشأن البرنامج النووي. ويستذكر المحللون تحذيرات وزير الخارجية الأسبق جون كيري، الذي أكد أن إقحام قضايا متعددة في ملف واحد سيجعل الأطراف عالقة في 'لعبة خداع' لا تنتهي، وهو المأزق الذي يبدو أن ترامب وقع فيه.

وتتضمن المسودة المقترحة، التي يتم تداولها عبر وسطاء قطريين، بنوداً لزيادة حركة الملاحة في مضيق هرمز تدريجياً لتصل إلى مستويات ما قبل الحرب. ومع ذلك، تبرز عقدة السيادة كعائق رئيسي، حيث تصر طهران على إبقاء المضيق تحت إشرافها المباشر، وهو ما ترفضه واشنطن جملة وتفصيلاً.

وفيما يتعلق بالجانب المالي، تطالب إيران بالإفراج عن أصولها المجمدة كنوع من 'التعويضات' عن الخسائر التي لحقت بها خلال الحرب. ورغم نفي ترامب العلني لمناقشة تخفيف العقوبات، إلا أن مصادر مطلعة تؤكد أن هذا الملف يمثل ركيزة أساسية في أي تفاهم محتمل لإنهاء حالة الانسداد الراهنة.

وعلى الصعيد اللبناني، يبقى مصير العمليات العسكرية ضد حزب الله غامضاً ضمن مقترحات وقف إطلاق النار. فبينما يكثف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضرباته البرية والجوية، لم يتضح بعد ما إذا كان الاتفاق الأمريكي الإيراني سيشمل تهدئة شاملة تغطي الجبهة الشمالية لإسرائيل.

وتواجه إدارة ترامب انتقادات بسبب غياب الشفافية في إدارة هذا الملف الحساس، حيث تقتصر المعلومات غالباً على منشورات مقتضبة للرئيس عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويقود المفاوضات حالياً فريق غير تقليدي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين يعملان بعيداً عن الأطر الدبلوماسية المعتادة لوزارة الخارجية.

ويرى الجانب الإيراني في التحركات الأمريكية الأخيرة، وخاصة الضربات الصاروخية التي استهدفت جنوب إيران مؤخراً، دليلاً على 'سوء النية'. وتعتبر طهران أن التهديدات المتزامنة مع عروض السلام تقوض مصداقية المفاوض الأمريكي وتجعل الوصول إلى حل دائم أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.

ختاماً، يجد ترامب نفسه أمام اختبار صعب لمصداقيته أمام ناخبيه الذين يعانون من تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع أسعار البنزين. فبينما يسعى لإعلان 'نصر دبلوماسي' سريع، تظهر الحقائق على الأرض أن إيران باتت أكثر وعياً بنفوذها الجيوسياسي وقدرتها على استخدام سلاح الطاقة لانتزاع تنازلات أكبر من واشنطن.

فلسطين

السّبت 30 مايو 2026 11:46 صباحًا - بتوقيت القدس

مخاوف من تهجير جديد.. تهديدات الاحتلال بتوسيع السيطرة العسكرية تلاحق نازحي غزة

تخيم حالة من التوجس والترقب على مئات آلاف النازحين في قطاع غزة، في ظل استمرار الغارات الجوية المكثفة وتواتر التصريحات الإسرائيلية التي تلوح بتوسيع نطاق السيطرة العسكرية. وتشير التقارير الواردة إلى نية جيش الاحتلال رفع نسبة سيطرته الميدانية من 60% لتصل إلى 70% من إجمالي مساحة القطاع، مما يضع النازحين أمام خيارات صعبة ومستقبل مجهول.

وفي مخيم الجندي المجهول الواقع غربي مدينة غزة، أكدت مصادر محلية أن موجة الاستهدافات الأخيرة طالت مناطق كانت تُصنف سابقاً بأنها أكثر أمناً، مثل حي الرمال. هذا التحول الميداني دفع العديد من العائلات إلى التفكير جدياً في احتمالات نزوح جديدة، رغم انعدام البدائل الآمنة والظروف المعيشية القاسية التي يكابدونها.

وأوضح مدير المخيم، أبو ماهر أن الضغوط النفسية تزايدت بشكل ملحوظ بين النازحين خشية تجدد العمليات البرية الواسعة. وأشار إلى أن معظم العائلات استنفدت قدرتها على التنقل، ولا تملك الإمكانات اللوجستية أو المادية لترك ما تبقى لها من ممتلكات بسيطة والبحث عن مأوى جديد في ظل القصف المستمر.

وعبّر أبو ماهر عن خيبة أمل عميقة تسود أوساط النازحين الذين كانوا يمنون النفس بالعودة القريبة إلى منازلهم في المناطق الشرقية لمدينة غزة. وأكد أن الحديث عن توسيع السيطرة الإسرائيلية جعل من فكرة العودة أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن، بل جعل مناطق النزوح الحالية تحت التهديد المباشر.

وفي سياق متصل، تبرز معاناة الأطفال كأحد أقسى فصول هذه الحرب، حيث يروي الطفل يزن طلال البسيوني تفاصيل مرعبة عن غارة وقعت قبيل عيد الأضحى. يزن الذي كان يجهز ملابس العيد، وجد نفسه يخبئ ثيابه الجديدة ويحتضنها خوفاً عليها من التلف أو الضياع وسط دوي الانفجارات التي هزت المنطقة.

ووصف الطفل يزن لحظات القصف بأنها كانت تشبه 'يوم القيامة' من شدة الذعر والدمار الذي خلفته الصواريخ في محيط سكنه. وأبدى الطفل مخاوفه الكبيرة من استمرار الحرب وتكرار مشاهد الجوع والنزوح، متمنياً أن يتوقف القتل ليعود إلى بيته الذي يحلم بإعادة إعماره والعيش فيه بسلام.

من جانبهم، أفاد شهود عيان من ذوي النازحين بأن الظروف داخل المخيمات أصبحت لا تطاق نتيجة تساقط الشظايا والحجارة على الخيام المتهالكة عند كل استهداف قريب. وتتفاقم هذه المعاناة مع التردي الاقتصادي الحاد وفقدان القدرة على توفير أدنى متطلبات الحياة الأساسية للأطفال والنساء.

وتشير مصادر ميدانية إلى أن مجرد سماع أصوات الطائرات أو الانفجارات يثير حالة من الهلع الجماعي، حيث يهرع الأهالي لتفقد أبنائهم. ويأتي ذلك في ظل نقص حاد في المستلزمات الطبية والأدوية، نتيجة استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول القوافل الإغاثية والطبية الضرورية لعلاج الجرحى والمرضى.

وباتت المخاوف الأمنية تفرض قيوداً مشددة على حركة السكان داخل القطاع، حيث يخشى الآباء إرسال أطفالهم حتى إلى المتاجر القريبة لقضاء حوائجهم. هذا الحصار النفسي والميداني يعزز من حالة العزلة التي تعيشها العائلات النازحة، ويزيد من تعقيدات حياتهم اليومية المثقلة بالأعباء.

وعلى الصعيد الإنساني، تفاقمت الأزمة بعد توقف بعض البرامج الإغاثية التي كانت توفر وجبات غذائية للنازحين، مما أدى إلى انتشار الجوع بشكل أوسع. وتواجه الأسر صعوبات بالغة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، في وقت تفتقر فيه المخيمات لأدنى مقومات الصرف الصحي والبيئة الصحية السليمة.

وتحذر جهات حقوقية من انتشار الأمراض والأوبئة داخل تجمعات النازحين بسبب تكدس النفايات وانتشار القوارض والحشرات الضارة. هذه الظروف البيئية المتدهورة تزيد من معاناة المرضى وكبار السن الذين لا يجدون الرعاية الطبية اللازمة في ظل انهيار المنظومة الصحية وخروج معظم المستشفيات عن الخدمة.

وأفادت مصادر إعلامية بأن الغارات التي استهدفت محيط مخيم الجندي المجهول خلال الأيام القليلة الماضية كانت قريبة جداً من خيام النازحين. هذه الهجمات عززت القناعة لدى السكان بأن الحرب قد تعود لوتيرتها الأعنف، مما يبدد أي آمال في استقرار مؤقت أو تهدئة تلوح في الأفق القريب.

وفي ختام المشهد، يظل النازحون في غزة يرقبون بحذر أي تطورات سياسية أو ميدانية قد تنهي مأساتهم المستمرة منذ أشهر. وبينما تزداد التهديدات الإسرائيلية، يتمسك السكان بحلم العودة إلى أحياء الشجاعية وبيت حانون وغيرها من المناطق التي هُجروا منها قسراً، رغم الدمار الهائل الذي طال كل مناحي الحياة.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 11:46 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تلوح بالخيار العسكري ضد طهران وسط تعثر مفاوضات 'الصفقة الكبرى'

لوحت الولايات المتحدة الأمريكية مجدداً بالخيار العسكري في وجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث استعداد بلاده لاستئناف الهجمات العسكرية في حال تعثر المسار الدبلوماسي. وجاءت هذه التصريحات التصعيدية خلال مشاركة الوزير في 'حوار شانغريلا' بسنغافورة، مؤكداً أن واشنطن لن تتردد في استخدام القوة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يضمن المصالح الأمريكية.

وشدد هيغسيث على أن القوات الأمريكية تمتلك الجاهزية الكاملة والمخزونات الكافية من الأسلحة المتطورة والذخائر عالية التقنية للقيام بعمليات واسعة النطاق. وأوضح أن التوازن في توزيع القدرات العسكرية بين الداخل والقواعد المنتشرة حول العالم يمنح واشنطن مرونة عالية في التحرك العسكري السريع إذا اقتضت الضرورة ذلك، مشيراً إلى أن بلاده تراقب عن كثب تطورات الموقف.

وفي سياق الجهود الدبلوماسية، أشار وزير الدفاع إلى أن الرئيس دونالد ترامب يظهر صبراً استراتيجياً بهدف الوصول إلى ما وصفها بـ 'الصفقة الكبيرة'. وتهدف هذه الصفقة المقترحة من وجهة النظر الأمريكية إلى ضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي بشكل نهائي، وهو الملف الذي يتصدر أولويات الإدارة الحالية في مفاوضاتها الجارية مع الجانب الإيراني.

وعلى صعيد التحركات داخل البيت الأبيض، كشفت تقارير إعلامية عن عقد الرئيس ترامب اجتماعاً مطولاً في غرفة العمليات استمر لساعتين يوم الجمعة الماضي لبحث مسودة الاتفاق. ورغم طول المشاورات، إلا أن الاجتماع لم يسفر عن نتائج ملموسة، وسط أنباء عن وجود فجوات عميقة بين الطرفين تتعلق بآليات التنفيذ والضمانات المطلوبة من كل جانب.

من جانبها، أكدت مصادر مطلعة في طهران أن قنوات التواصل الدبلوماسي لا تزال مفتوحة، حيث يستمر تبادل الرسائل بين الوفدين المفاوضين حتى اللحظات الأخيرة. وأشارت المصادر إلى أن هناك تقدماً طفيفاً في صياغة بعض بنود مسودة التفاهم، إلا أن التباين في الروايات الرسمية بين واشنطن وطهران لا يزال يعيق الإعلان عن أي اختراق حقيقي في جدار الأزمة.

وتتمسك إيران بحزمة من المطالب الأساسية التي تعتبرها غير قابلة للتفاوض، وفي مقدمتها الإفراج الفوري عن الأصول المالية المجمدة التي تقدر بنحو 12 مليار دولار. كما تشترط طهران وقفاً شاملاً للأعمال العدائية كمدخل إلزامي لأي اتفاق، معتبرة أن رفع الضغوط الاقتصادية والعسكرية هو الاختبار الحقيقي لجدية الجانب الأمريكي في المفاوضات.

وإلى جانب الملف المالي، تسعى طهران لإدراج ملفات إقليمية حساسة ضمن التفاهمات النهائية، تشمل الوضع في لبنان وأمن الملاحة في مضيق هرمز. وتصطدم هذه المطالب برؤية أمريكية مغايرة تسعى لفصل الملف النووي عن النفوذ الإقليمي، مما يجعل المفاوضات في حالة من الشد والجذب المستمر بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.

فلسطين

السّبت 30 مايو 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس

خروقات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار: قصف إسرائيلي يستهدف خيام النازحين في خانيونس ورفح

جددت القوات الإسرائيلية، اليوم السبت، سلسلة خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار المعمول به في قطاع غزة، حيث شنت عمليات قصف مدفعي وإطلاق نار مكثف استهدف عدة محاور حيوية. وتزامن هذا التصعيد الميداني مع رابع أيام عيد الأضحى المبارك، مما ضاعف من معاناة العائلات النازحة التي كانت تحاول التماس الهدوء في هذه المناسبة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن المدفعية الإسرائيلية ركزت قصفها على المناطق الشرقية لمدينة خانيونس جنوبي القطاع، وسط تحركات نشطة للآليات العسكرية. كما شهدت الأطراف الجنوبية والشرقية للمدينة عمليات إطلاق نار متقطعة من الأسلحة الرشاشة الثقيلة، مما أدى إلى حالة من الذعر بين السكان المحليين.

وفي سماء القطاع، لم تتوقف الطائرات المسيّرة الإسرائيلية عن التحليق بكثافة وعلى ارتفاعات منخفضة، مما يشير إلى استمرار عمليات الرصد والتعقب الجوي. هذا النشاط الجوي المكثف ترافق مع استهدافات مدفعية طالت المناطق الشمالية الغربية لمدينة رفح، التي تكتظ بآلاف النازحين الفارين من العمليات العسكرية السابقة.

ولم تكن مدينة غزة بمنأى عن هذا التصعيد، حيث تعرضت الأحياء الجنوبية الشرقية للمدينة لقذائف مدفعية سقطت في مناطق مفتوحة وبالقرب من تجمعات سكنية. وتأتي هذه التطورات بعد يوم دامٍ شهد ارتقاء شهيدين وإصابة عدد من المواطنين جراء هجمات متفرقة نفذها جيش الاحتلال يوم الجمعة.

ورصدت مصادر إعلامية حجم الدمار الهائل الذي خلفته غارة جوية استهدفت منطقة شمال خانيونس، حيث تركز القصف على تجمع لخيام النازحين ومخازن مخصصة للمواد الغذائية. وأظهرت المعاينات الميدانية تحول المنطقة الزراعية التي كانت تؤوي مئات العائلات إلى ركام، مما أدى إلى إتلاف كميات كبيرة من المساعدات التموينية.

وروى شهود عيان أن جيش الاحتلال منح السكان مهلة زمنية قصيرة جداً لم تتجاوز خمس دقائق لإخلاء المكان قبل تنفيذ الغارة الجوية. هذا الإنذار المفاجئ أجبر العائلات على الفرار بملابسهم فقط، تاركين خلفهم مقتنياتهم البسيطة وما تبقى لهم من مؤن غذائية تحت وطأة القصف الوشيك.

وتحدث النازح أبو طعمة عن مأساته المتكررة، مشيراً إلى أنه وعائلته نزحوا سابقاً من محيط المستشفى الأوروبي بحثاً عن الأمان في هذه المنطقة الزراعية. وأكد أن الغارة لم تترك شيئاً من الخيام التي كانت تستر عائلته، واصفاً الوضع بأنه مأساوي حيث باتوا يفتقرون لأدنى مقومات الحياة والمأوى للمرة الثانية على التوالي.

وأشارت تقارير محلية إلى أن استهداف خيام النازحين بات نمطاً متكرراً يهدف إلى تضييق الخناق على المدنيين ودفعهم نحو نزوح مستمر لا ينتهي. هذا السلوك العسكري يزيد من تعقيد المشهد الإنساني، خاصة في ظل انعدام الخيارات المتاحة أمام السكان الذين فقدوا بوصلة الأمان في كافة مناطق القطاع.

وعلى الصعيد الإحصائي، تشير البيانات الصادرة عن مصادر طبية وحقوقية إلى أن عدد الشهداء منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي قد وصل إلى 922 شهيداً. وتعكس هذه الأرقام المرتفعة هشاشة الاتفاق القائم في ظل الاستهدافات اليومية التي تطال المدنيين والبنى التحتية بشكل مباشر.

وفي ظل هذا التصعيد، يبقى الغموض سيد الموقف بشأن آفاق المرحلة المقبلة، حيث تتواصل العمليات العسكرية وتوسيع نطاق السيطرة الميدانية الإسرائيلية. ويناشد سكان القطاع الجهات الدولية بالتدخل الفوري لوقف هذه الخروقات وتوفير حماية حقيقية للمدنيين الذين يواجهون الموت والنزوح بشكل يومي.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

التوترات في مضيق هرمز تدفع طهران نحو ممرات برية بديلة عبر أفغانستان

تشهد منطقة مضيق هرمز تصاعداً غير مسبوق في حدة التوتر الجيوسياسي، مما جعل إيران تعيد النظر في استراتيجياتها التجارية واللوجستية. ولم يعد بإمكان طهران اعتبار الوصول إلى مياه الخليج أمراً مضموناً في ظل الضغوط المستمرة، وهو ما دفعها للتوجه نحو تعزيز مساراتها البرية الممتدة عبر الأراضي الأفغانية.

يعتبر مضيق هرمز الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إلا أن التصعيد الأخير تسبب في اضطرابات حادة في حركة الملاحة. وقد أدى هذا الوضع إلى تعليق العديد من شركات الشحن لعملياتها، بينما رفعت شركات التأمين البحري أقساط مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية.

أفادت مصادر بأن الغموض الذي يلف أمن الملاحة البحرية دفع طهران للاهتمام بممرات التجارة البرية التي تربطها بآسيا الوسطى والأسواق المجاورة. ويأتي هذا التحول كاستجابة مباشرة للحصار البحري والتعطيل المستمر لحركة الشحن، مما يفرض بيئة تجارية أكثر تشرذماً وتعقيداً في المنطقة.

تؤكد الدراسات التحليلية أن الأزمة الراهنة كشفت عن مشكلة استراتيجية عميقة تتعلق بعدم موثوقية الوصول البحري خلال فترات النزاع. ورغم وجود محاولات دبلوماسية لتهدئة الأوضاع، إلا أن الشركات الكبرى بدأت بالفعل في إعادة توجيه سفنها بعيداً عن المنطقة الحساسة.

أصبحت أفغانستان جزءاً محورياً في عملية إعادة التكيف اللوجستي الإيراني، خاصة مع تكرار إغلاق الحدود الباكستانية أمام التجار الأفغان. وقد دفع هذا الوضع كابل إلى تنويع طرق وصولها للأسواق العالمية عبر ميناء تشابهار الإيراني، الذي يروج له كممر بديل بعيد عن النزاعات السياسية.

توسعت العلاقات بين إيران وحركة طالبان بشكل براجماتي ملحوظ في مجالات التجارة وإدارة الحدود والربط الإقليمي. ورغم وجود خلافات تاريخية حول تقاسم المياه وأزمة اللاجئين، إلا أن المصالح الاقتصادية المشتركة فرضت نوعاً من التعاون الاضطراري بين الطرفين.

تشير التحليلات إلى أن هذا التعاون يمنح إيران إمكانية الوصول إلى ممرات برية حيوية، لكنه لا يوفر لها سيطرة استراتيجية كاملة أو موثوقية سياسية دائمة. فالعلاقة بين طهران وكابل تظل مرتبطة بالظروف المتغيرة والتقلبات الأمنية التي تشهدها الحدود المشتركة بين البلدين.

يعزز اضطراب الشحن في الخليج من الأهمية الاستراتيجية للممرات البديلة كوسيلة للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على طهران. وقد بدأت دول إقليمية مثل باكستان في تخفيف بعض قيود العبور لتسهيل تدفق التجارة نحو آسيا الوسطى، في محاولة لتنويع المسارات التجارية.

تسعى حركة طالبان من جانبها إلى تحاشي الاعتماد الكلي على طرف إقليمي واحد، من خلال موازنة علاقاتها مع القوى الكبرى مثل الصين ودول الخليج. وقد يؤدي تزايد الاعتماد الإيراني على الممرات الأفغانية إلى تعزيز الموقف التفاوضي لكابل في الملفات العالقة بين البلدين.

لا يحدث هذا التحول الاستراتيجي في معزل عن الضغوط الأمريكية، حيث تستهدف واشنطن الشبكات التي تدعم التجارة والتدفقات المالية الإيرانية. وتركز العقوبات بشكل مكثف على الوسطاء وشركات الشحن التي تحاول تسهيل صادرات النفط الإيراني عبر قنوات غير رسمية.

تعتمد التجارة في أفغانستان بشكل كبير على المعاملات النقدية والشبكات الحدودية المتشعبة، مما يصعب من عملية تطبيق العقوبات الدولية بدقة. ويعد تدفق النفط الإيراني عبر هذه القنوات البديلة مثالاً حياً على قدرة الشبكات الوسيطة على التكيف مع الضغوط الخارجية.

تحاول حركة طالبان تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع نظام العقوبات الدولي، نظراً لهشاشة اقتصادها المحدود الوصول إلى النظام المالي العالمي. فهي تسعى للحفاظ على مكاسب التجارة مع إيران دون أن تصبح محوراً لحملات عقوبات دولية جديدة قد تزيد من أزمتها الاقتصادية.

يبقى العامل الأمني هو التحدي الأكبر أمام استقرار هذه الممرات البرية، حيث تتطلب المسارات الاقتصادية بيئة مستقرة ومستدامة. وتتوقع إيران أن تضطر لتشديد الرقابة الحدودية، خاصة وأن أفغانستان كانت دائماً ساحة لتداخل التنافسات الإقليمية والدولية المعقدة.

في الختام، لا يمكن للممرات البرية أن تستبدل بالكامل البنية التحتية البحرية الضخمة في الخليج نظراً لمحدودية قدرتها الاستيعابية. ومع ذلك، فإنها تكتسب أهمية استراتيجية كبدائل احتياطية في ظل بيئة إقليمية يسيطر عليها الغموض وعدم اليقين بشأن مستقبل الملاحة البحرية.

فلسطين

السّبت 30 مايو 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات في 'الشاباك' ومخططات أمريكية إسرائيلية لإنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى

كشفت مصادر إعلامية عن تحولات لافتة داخل جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك"، حيث يسعى رئيسه الجديد ديفيد زيني إلى التقرب من تيار اليمين المتطرف. وتأتي هذه التحركات تحت ضغوط مباشرة من حكومة الائتلاف التي يترأسها بنيامين نتنياهو، بهدف مواءمة سياسات الجهاز الأمني مع التوجهات الأيديولوجية لليمين الديني.

وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أقدم الجهاز عقب تولي زيني منصبه على تغيير خلفيات شاشات الحواسيب لتظهر صورة للمسجد الأقصى تحت مسمى "جبل الهيكل". ورغم تراجع الجهاز عن الخطوة ووصفها بأنها "حادث عرضي" نتيجة ردود فعل داخلية غاضبة، إلا أنها اعتبرت مؤشراً على محاولات تسييس الجهاز الأمني الحساس.

بالتوازي مع هذه التطورات، تبرز تحذيرات دولية من خيارات وجودية يواجهها الأردن بصفته الوصي التاريخي على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تسعى بشكل منهجي لتقليص النفوذ الأردني داخل الحرم القدسي الشريف، وهو ما يهدد الوضع القائم المعترف به دولياً.

وتحدثت مصادر عن مؤامرة تقودها أطراف في الولايات المتحدة بالتعاون مع حكومة الاحتلال لتجريد العائلة المالكة الأردنية من وصايتها التاريخية. وتتضمن هذه الخطة، التي يروج لها جاريد كوشنر والسفير مايك هاكابي، منح إسرائيل صلاحية تعيين الأئمة والتحكم في محتوى خطب الجمعة داخل المسجد الأقصى.

وتستند هذه المقترحات إلى سابقة وصفت بـ "المظلمة"، وهي تقسيم المسجد الإبراهيمي في الخليل عقب المجزرة التي ارتكبها المتطرف باروخ غولدشتاين عام 1994. ويخشى مراقبون من تكرار هذا النموذج في الأقصى، خاصة مع صعود شخصيات مثل إيتمار بن غفير الذي يعتبر غولدشتاين أحد أبطاله الشخصيين.

على الجانب الأردني، تؤكد الوثائق الرسمية والورقة البيضاء التي أقرها الملك عبد الله الثاني أن الدفاع عن الأقصى يمثل واجباً مقدساً لا يقبل المساومة. وتشدد هذه الوثائق على أن مسؤولية حماية المجمع المقدس البالغة مساحته 144 دونماً هي "فرض عين" على كل مسلم، مما يمنح الوصي الحق في اتخاذ كافة الوسائل للدفاع عنه.

وتشير المصادر إلى أن الأردن يمتلك أوراق ضغط استراتيجية، من بينها الحدود الطويلة مع إسرائيل التي تمتد لـ 400 كيلومتر وتتميز بتضاريس وعرة. وفي حال اندلاع مواجهة دينية، فإن الاستقرار الأمني الذي تضمنه عمان حالياً قد يتلاشى، مما يضع إسرائيل أمام تهديدات حدودية غير مسبوقة وصعبة التأمين.

ويرى خبراء أمنيون أن المساس بالوضع الراهن في القدس قد يجر المنطقة إلى حرب دينية تتجاوز حدود فلسطين التاريخية لتشمل العالم الإسلامي بأسره. وكان قادة سابقون في الشاباك قد حذروا من أن أي هجوم على الأقصى قد يشعل فتيل "حرب عالمية ثالثة" نظراً للمكانة الروحية العميقة للموقع لدى ملياري مسلم.

وتعاني الأوقاف الإسلامية في القدس حالياً من تضييقات إسرائيلية مشددة، حيث يمنع الموظفون من إجراء أبسط عمليات الترميم أو إصلاح البنية التحتية دون إذن مسبق. وتنتشر قوات الشرطة الإسرائيلية بكثافة داخل المجمع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والترتيبات التاريخية المتفق عليها منذ عقود.

الملك عبد الله الثاني، الذي واجه ضغوطاً سابقة من إدارة ترامب ونتنياهو، أرسل رسائل واضحة مفادها أن الأردن مستعد للذهاب إلى أبعد مدى لحماية أمنه القومي ومقدساته. ويشمل ذلك التهديد بإعادة النظر في الاتفاقيات الأمنية إذا استمرت محاولات تهجير الفلسطينيين أو تغيير هوية المسجد الأقصى.

وتتصاعد حالة الغضب الشعبي في الأردن نتيجة الجرائم الإسرائيلية المستمرة في غزة والضفة الغربية، مما يزيد من الضغوط على القيادة الأردنية لاتخاذ مواقف أكثر حزماً. ويعتبر الشارع الأردني أن أي اعتداء على الأقصى هو اعتداء مباشر على السيادة والكرامة الوطنية، مما يجعل خيار المقاومة خياراً شعبياً ورسمياً.

إن المخطط الذي يقوده اليمين المتطرف في إسرائيل يهدف إلى هدم قبة الصخرة وبناء "الهيكل الثالث" مكانها، وهي خطوة يراها المتدينون اليهود تمهيداً لظهور المسيح. هذه الأوهام الأيديولوجية تصطدم بواقع سياسي وعسكري معقد، حيث تدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التقليدية حجم المخاطر الكارثية لمثل هذه التوجهات.

في نهاية المطاف، يجد الملك عبد الله نفسه أمام خيار تاريخي بين الاستسلام للضغوط الأمريكية الإسرائيلية أو قيادة جبهة دفاعية عن المقدسات. ومع تغير موازين القوى الدولية، قد يجد الأردن دعماً إقليمياً ودولياً أوسع مما يتوقعه خصومه في حال قرر التصدي عسكرياً أو سياسياً للمخططات التصفوية.

ويبقى المسجد الأقصى هو المحرك الأساسي للصراع في المنطقة، حيث أكد مدير الوقف الإسلامي الشيخ عزام الخطيب أن الوصاية الهاشمية هي الضمانة الوحيدة لمنع السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وحذر الخطيب من أن أي تغيير في الوضع الراهن سيؤدي إلى انفجار ديني لا يمكن السيطرة على تداعياته العابرة للحدود والقارات.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني جنوب لبنان: غارات مكثفة واستهداف سيارة وصواريخ تطال كريات شمونة

أعلن الجيش الإسرائيلي صباح اليوم السبت عن رصد سلسلة من عمليات إطلاق الصواريخ من داخل الأراضي اللبنانية نحو مناطق في الشمال، حيث أكدت مصادر عسكرية سقوط أحد هذه الصواريخ بشكل مباشر في مستوطنة كريات شمونة. وأوضح البيان العسكري أن منظومات الدفاع الجوي تمكنت من اعتراض معظم القذائف، إلا أن الصاروخ الذي أفلت من الاعتراض تسبب في أضرار مادية جسيمة في موقع السقوط دون وقوع إصابات بشرية.

وفي سياق متصل، ذكرت تقارير إعلامية عبرية أن حزب الله نفذ هجوماً صاروخياً واسعاً خلال ساعات الليل، شمل إطلاق أكثر من عشرة صواريخ باتجاه الجليل الأعلى. وأظهرت توثيقات ميدانية تداولتها منصات التواصل الاجتماعي آثار الدمار الذي خلفه الانفجار في كريات شمونة، مما يعكس استمرار التوتر الميداني على طول الحدود الشمالية.

على الجانب اللبناني، كثفت المقاتلات الإسرائيلية غاراتها الجوية مستهدفة عدة بلدات وقرى في الجنوب، حيث نفذت طائرة مسيّرة هجوماً استهدف سيارة مدنية على أوتوستراد حبوش- الزهراني. كما طال القصف محيط مستشفى النبطية الحكومي، مما أدى إلى إصابة ثلاثة مدنيين بجروح متفاوتة، في خطوة تزيد من الضغط على المنشآت الحيوية في المنطقة.

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن حصيلة ثقيلة جراء الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، حيث استشهد 11 شخصاً، من بينهم أحد المسعفين، وأصيب ثمانية آخرون بجروح. وتركزت هذه الغارات الدامية على بلدات العباسية ومعروب وطيردبا، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ تحت الأنقاض في المناطق المستهدفة.

وشهدت منطقة جزين غارات متواصلة منذ منتصف الليل وحتى ساعات الفجر الأولى، طالت بلدات الريحان وسجد والقطراني بشكل مكثف. وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال نفذت عملية نسف واسعة النطاق في منطقة عريض مرجعيون عند الساعة السادسة صباحاً، تبعتها سلسلة غارات عنيفة استهدفت بلدات دبين وبلاط والجميجمة وكفرتبنيت وميفدون.

سياسياً، كشفت مصادر إعلامية عن أجواء مشحونة سادت الاجتماعات العسكرية التي عُقدت في العاصمة الأمريكية واشنطن بين وفدين من الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وأشارت التقارير إلى أن المفاوضات واجهت عقبات كبيرة بعد رفض الجانب الإسرائيلي بشكل قاطع لمطالب الانسحاب من المواقع التي تقدم فيها داخل الجنوب اللبناني.

وتتمسك إسرائيل بموقفها الرافض للانسحاب، مبررة ذلك بوجود تهديدات ميدانية مستمرة وقدرات عسكرية لحزب الله تشكل خطراً على أمنها القومي. هذا الموقف المتصلب أدى إلى زيادة حدة التوتر في أروقة الاجتماعات، مما يضع جهود الوساطة الدولية أمام تحديات معقدة في ظل التصعيد العسكري المتزايد على الأرض.

وفي إطار المساعي الدبلوماسية، تواصل الولايات المتحدة دورها كوسيط رئيسي لمحاولة صياغة مقترح جديد يهدف إلى وقف إطلاق النار الدائم. ويتضمن المقترح الأمريكي بنوداً مثيرة للجدل، من أبرزها وضع آليات لنزع سلاح حزب الله في المناطق الحدودية، وهو ما يواجه برفض لبناني واسع كونه يمس بالسيادة الوطنية.

تأتي هذه التطورات الميدانية والسياسية لترسم مشهداً معقداً في جنوب لبنان، حيث تتداخل العمليات العسكرية المكثفة مع تعثر المسارات الدبلوماسية. ومع استمرار سقوط الضحايا المدنيين وتوسع رقعة القصف، يبقى الترقب سيد الموقف لما ستؤول إليه التحركات الأمريكية في الأيام المقبلة لمحاولة احتواء الموقف ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

مقتل 3 أشخاص في غارة أمريكية استهدفت زورقاً بالمحيط الهادئ

نفذت القوات المسلحة الأمريكية هجوماً جوياً جديداً في منطقة شرق المحيط الهادئ، أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص كانوا على متن زورق اشتبهت السلطات في استخدامه لأغراض غير قانونية. وأوضحت القيادة العسكرية الأمريكية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (ساوثكوم) أن العملية جرت يوم الجمعة الماضي، مؤكدة أن الهدف كان منخرطاً في أنشطة مرتبطة بتهريب المواد المخدرة، دون الكشف عن هويات الضحايا.

تأتي هذه الضربة في سياق تصعيد عسكري واسع النطاق تقوده إدارة الرئيس دونالد ترمب تحت مسمى حملة 'الرمح الجنوبي'، والتي انطلقت فعالياتها في مطلع شهر سبتمبر/أيلول الماضي. وتهدف هذه الاستراتيجية الأمنية إلى تقويض قدرات عصابات المخدرات الدولية التي تنطلق من دول أميركا اللاتينية، حيث كثفت واشنطن من حضورها العسكري في الممرات المائية الحيوية بالمنطقة.

وعلى الرغم من إعلان الإدارة الأمريكية عن تدمير العديد من السفن والزوارق المشبوهة، إلا أن غياب الأدلة العلنية الملموسة يثير تساؤلات واسعة حول دقة المعلومات الاستخباراتية المستخدمة. وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن حصيلة القتلى جراء هذه العمليات العسكرية المباشرة قد ارتفعت لتصل إلى 198 قتيلاً على الأقل منذ بدء الحملة، مما يضع العمليات تحت مجهر الرقابة الدولية.

من جانبهم، أعرب خبراء قانونيون وممثلو منظمات حقوقية عن قلقهم البالغ إزاء طبيعة هذه الهجمات، واصفين إياها بأنها قد تندرج تحت تصنيف 'عمليات القتل خارج نطاق القضاء'. ويرى هؤلاء الخبراء أن القوات الأمريكية تستهدف في كثير من الأحيان مدنيين لا يمثلون خطراً داهماً أو مباشراً على أمن الولايات المتحدة، مما يعد انتهاكاً للمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

وفي ظل استمرار هذه العمليات، ترفض الإدارة الأمريكية حتى الآن تقديم إثباتات قاطعة للرأي العام حول تورط القوارب المستهدفة في تجارة السموم، مكتفية ببيانات مقتضبة عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويبقى الجدل قائماً حول التوازن بين مكافحة الجريمة العابرة للحدود وبين الحفاظ على المعايير القانونية التي تمنع استهداف الأفراد دون محاكمات عادلة أو أدلة دامغة.

منوعات

السّبت 30 مايو 2026 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

جدل واسع يرافق أغنية هيفاء وهبي الجديدة 'شو المطلوب' بسبب كلماتها

أطلقت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي أحدث أعمالها الغنائية بعنوان 'شو المطلوب' تزامناً مع أول أيام عيد الأضحى المبارك، لتكون بمثابة هدية لجمهورها. الأغنية التي كتب كلماتها ولحنها رامي شلهوب، وصورها المخرج جو بو عيد في لبنان، تميزت بإيقاع عصري وحيوي يتناسب مع الأجواء الصيفية، إلا أنها لم تخلُ من إثارة الجدل الواسع فور صدورها على المنصات الرقمية.

ورغم التفاعل الإيجابي من محبي الفنانة، واجهت الأغنية هجوماً حاداً من نقاد وإعلاميين بسبب ما وصفوه بـ'تدني مستوى الكلمات'. وتضمنت الأغنية عبارات مثل 'تفه' وتلميحات اعتبرها البعض غير لائقة، مما فتح باب النقاش حول الحدود الفاصلة بين الفن الشعبي الخفيف وبين الانحدار اللفظي في سبيل تحقيق 'الترند' والمشاهدات العالية.

وفي هذا السياق، انتقدت مصادر إعلامية المستوى الذي وصلت إليه بعض الأغاني العربية، مشيرة إلى أن المشكلة تكمن في اعتياد الأذن على مفردات كانت تُعتبر سابقاً خارج إطار الذوق الفني. وأكدت المصادر أن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالأرقام، بل بالأثر والقيمة التي تتركها الأغنية، داعية إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاحترام والذوق في الأعمال الفنية حتى وإن كانت ترفيهية.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

عُمان تنضم للقائمة.. 15 دولة طالتها تهديدات ترامب العسكرية حول العالم

شهدت السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب تحولاً لافتاً نحو التصعيد العسكري، حيث رصدت تقارير دولية اتساع قائمة الدول المهددة باستخدام القوة لتشمل 15 دولة على الأقل. وجاءت سلطنة عُمان كأحدث المنضمين لهذه القائمة، مما أثار موجة من التساؤلات حول طبيعة التحالفات الإقليمية في منطقة الخليج العربي.

وأفادت مصادر إعلامية بأن ترامب لوّح بشكل مباشر باستهداف السلطنة خلال اجتماع رسمي في البيت الأبيض، مبرراً ذلك بمخاوف واشنطن من تنسيق عُماني إيراني محتمل للسيطرة على مضيق هرمز. واعتبر مراقبون أن هذا التصريح المفاجئ يعكس نمطاً متكرراً في إدارة ترامب يعتمد على إطلاق التهديدات دون مقدمات دبلوماسية واضحة.

وتشير البيانات التحليلية إلى أن معظم هذه التهديدات والعمليات العسكرية سُجلت خلال الأشهر الأولى من الولاية الرئاسية الثانية لترامب. ويعكس هذا التوجه رغبة الإدارة الأمريكية في فرض واقع سياسي جديد عبر التلويح بالخيار العسكري كأداة ضغط أساسية في ملفاتها الخارجية.

ولم تقتصر التحركات الأمريكية على التهديد اللفظي، بل امتدت لتشمل عمليات عسكرية وغارات جوية فعلية في عدة مناطق ساخنة حول العالم. وشملت هذه العمليات دولاً مثل إيران والعراق وسوريا واليمن، بالإضافة إلى تدخلات في الصومال ونيجيريا وفنزويلا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب أو حماية المصالح القومية.

وفي سياق متصل، ضمت قائمة الدول التي تعرضت لتحذيرات أمريكية صارمة دولاً حليفة وجارة للولايات المتحدة، مثل كندا والمكسيك. كما شملت التهديدات دولاً في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مثل كولومبيا وكوبا وبنما، وصولاً إلى جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك في القطب الشمالي.

وتختلف طبيعة هذه التهديدات من حالة إلى أخرى، حيث استهدفت بعضها جماعات مسلحة تصنفها واشنطن كمنظمات إرهابية، بينما كانت في حالات أخرى تهدف لانتزاع تنازلات سياسية. وفي بعض الأحيان، اقتصر الأمر على التلويح بعدم استبعاد 'الخيار العسكري' لضمان استجابة الدول لمطالب البيت الأبيض.

ويرى محللون سياسيون أن هذا النهج يجسد نظرية 'الرجل المجنون' في العلاقات الدولية، حيث يتعمد القائد إظهار نفسه كشخصية غير متوقعة الأفعال. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إرباك الخصوم ودفعهم لتقديم تنازلات استراتيجية خوفاً من ردود فعل عسكرية أمريكية غير محسوبة.

وامتد النطاق الجغرافي للتهديدات الأمريكية ليشمل أربع قارات مختلفة، مما وضع ملايين البشر في حالة من الترقب والقلق الدائم. ويعكس هذا الانتشار الواسع رغبة واشنطن في الحفاظ على هيمنتها العالمية عبر استعراض القوة في مناطق نفوذ حيوية ومختلفة.

ومن المثير للجدل أن خمس دول من القائمة، وهي كندا وكوبا وغرينلاند وبنما وفنزويلا، طُرحت في تصريحات ترامب كأهداف محتملة لتوسيع النفوذ الأمريكي المباشر. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى التلميح بإمكانية ضم أراضٍ أو مناطق تابعة لهذه الدول تحت السيادة الأمريكية.

وأكدت مصادر مطلعة أن تكرار هذه التلميحات العسكرية يعكس توجهاً أكثر صدامية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة مقارنة بالإدارات السابقة. ويضع هذا النهج ضغوطاً هائلة على المنظومة الدولية والقوانين التي تنظم استخدام القوة في النزاعات بين الدول.

وفيما يخص سلطنة عُمان، فإن التهديد الأخير يمثل تحولاً جوهرياً في النظرة الأمريكية لدولة عُرفت تاريخياً بدورها كوسيط هادئ في الأزمات الإقليمية. ويبدو أن واشنطن باتت تضيق ذرعاً بسياسة الحياد العُمانية، خاصة في الملفات المتعلقة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وتشير التقارير إلى أن هذه السياسة تثير تساؤلات متزايدة حول حدود القوة العسكرية كأداة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيداً عن المسارات الدبلوماسية التقليدية. ويبدو أن الإدارة الحالية تفضل الحسم العسكري أو التهديد به كطريق مختصر لمعالجة القضايا الشائكة.

وعلى الرغم من وعود ترامب الانتخابية بتقليص التدخلات العسكرية الخارجية، إلا أن الواقع الميداني والسياسي أثبت عكس ذلك تماماً. فقد أصبحت القوة العسكرية هي اللغة الطاغية في التعامل مع الأزمات الدولية، سواء كانت مع خصوم تقليديين أو حتى مع شركاء تجاريين.

وختاماً، فإن انضمام سلطنة عُمان إلى قائمة الـ 15 دولة يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد جديدة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى جدية هذه التهديدات وقدرة المجتمع الدولي على كبح جماح التوجهات الصدامية للإدارة الأمريكية الحالية.

تحليل

السّبت 30 مايو 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يشدد شروطه للتفاهم مع طهران: اتفاق وفق الخطوط الحمراء الأميركية أو لا اتفاق

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات-30/5/2026


تحليل إخباري


في إشارة جديدة إلى تشدد الإدارة الأميركية حيال الملف النووي الإيراني، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يوافق على أي اتفاق مع إيران ما لم يستجب بالكامل للشروط التي وضعتها واشنطن، وفي مقدمتها منع طهران بصورة نهائية من امتلاك سلاح نووي.


وجاءت تصريحات المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، عقب اجتماع مطول عقده ترمب في غرفة العمليات بالبيت الأبيض مع كبار مستشاريه للأمن القومي والسياسة الخارجية، واستمر نحو ساعتين، خُصص لبحث فرص التوصل إلى اتفاق محتمل مع إيران في ظل الجهود الدبلوماسية الجارية لاحتواء التوترات المتصاعدة في المنطقة.


وقال المسؤول إن الاجتماع انتهى بعد مناقشات مكثفة تناولت مختلف جوانب الملف الإيراني، مؤكداً أن "الرئيس ترمب لن يبرم سوى اتفاق يخدم المصالح الأميركية ويلبي خطوطه الحمراء بالكامل". وأضاف أن المبدأ الأساسي الذي لا يمكن التفاوض بشأنه يتمثل في أن “إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً تحت أي ظرف”.


وتعكس هذه التصريحات تمسك الإدارة الأميركية بموقف تفاوضي صارم، في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن إمكانية التوصل إلى تفاهم جديد بين واشنطن وطهران يحد من احتمالات المواجهة العسكرية ويعيد ضبط العلاقات المتوترة بين البلدين. كما تشير إلى أن البيت الأبيض يسعى إلى طمأنة الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، بأن أي اتفاق محتمل لن يأتي على حساب المخاوف الأمنية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.


ويرى مراقبون أن لغة البيت الأبيض تكشف عن محاولة للموازنة بين خيارين متناقضين ظاهرياً: السعي إلى تسوية سياسية تجنب المنطقة مزيداً من التصعيد، والإصرار في الوقت ذاته على شروط تفاوضية مشددة قد تجعل الوصول إلى اتفاق أمراً بالغ الصعوبة. فالإدارة الأميركية تدرك أن البديل عن الدبلوماسية قد يكون الانزلاق إلى مواجهة واسعة النطاق، لكنها تدرك أيضاً أن أي تنازل كبير لإيران سيواجه انتقادات داخلية وخارجية حادة.


وتكشف التصريحات الأخيرة أن الإدارة الأميركية لا تريد أن تظهر بمظهر الطرف المتعجل لإبرام اتفاق بأي ثمن. فترمب، الذي يقدم نفسه باعتباره صانع صفقات استثنائياً، يدرك أن نجاح أي اتفاق مع إيران لا يقاس بمجرد توقيعه، بل بقدرته على تسويقه سياسياً أمام الرأي العام الأميركي وداخل المؤسسة السياسية في واشنطن. ومن هنا تأتي لغة “الخطوط الحمراء” باعتبارها أداة تفاوضية ورسالة سياسية في آن واحد، تهدف إلى تعزيز الموقف الأميركي قبل الدخول في المراحل الأكثر حساسية من أي مفاوضات محتملة.


ورغم تشدد الخطاب الرسمي، فإن تاريخ العلاقات الأميركية الإيرانية يظهر أن معظم الاتفاقات الكبرى ولدت من رحم المواقف المتصلبة. فالطرفان غالباً ما يرفعان سقف المطالب إلى أقصى حد قبل الانتقال إلى مرحلة المقايضات والتنازلات المتبادلة. لذلك فإن القراءة الحرفية للتصريحات الحالية قد تكون مضللة، إذ لا تعكس بالضرورة الشكل النهائي لأي تفاهم مستقبلي، بقدر ما تعبر عن مرحلة من مراحل إدارة التفاوض، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه قبل الوصول إلى نقطة التقاء مشتركة.


كما تعكس هذه المواقف تأثير الاعتبارات الإقليمية على صناعة القرار في واشنطن. فإسرائيل تنظر إلى أي اتفاق مع إيران من خلال معيار واحد تقريباً: مدى قدرته على منع طهران من تطوير قدرات نووية عسكرية مستقبلاً. ولذلك تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً مستمرة لإثبات أن الدبلوماسية لن تتحول إلى غطاء يسمح لإيران بكسب الوقت أو الحفاظ على بنية تحتية نووية متقدمة. وهذه الحسابات تجعل أي تفاوض أكثر تعقيداً وتضع قيوداً إضافية على هامش المناورة الأميركي.


في المقابل، تدرك إيران أن امتلاكها أوراق قوة إقليمية يمنحها قدرة على الصمود أمام الضغوط السياسية والاقتصادية. ومن المرجح أن تسعى إلى الحصول على مكاسب ملموسة، خصوصاً في ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية، مقابل أي التزامات إضافية تقدمها بشأن برنامجها النووي. ولهذا فإن العقبة الأساسية لا تكمن في إعلان المبادئ العامة، بل في التفاصيل التنفيذية المتعلقة بآليات الرقابة والتحقق وجدول رفع العقوبات وضمانات الالتزام المتبادل، وهي ملفات لطالما شكلت مصدر خلاف بين الجانبين.


وبينما تؤكد واشنطن أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل هدفاً غير قابل للمساومة، فإن مستقبل الجهود الدبلوماسية سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل هذه المواقف المتشددة إلى أرضية تفاوضية عملية. وحتى ذلك الحين، تبقى التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض مؤشراً على أن الطريق نحو أي اتفاق جديد ما زال محفوفاً بالعقبات السياسية والاستراتيجية، وأن التوصل إلى تسوية مستدامة سيتطلب أكثر من مجرد إعلان النوايا أو تبادل لرسائل سياسية.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 9:02 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تكشف شبكة إيرانية انتحلت صفة شركات أمريكية لتهريب تكنولوجيا عسكرية

كشفت وزارة الخارجية الأمريكية عن تفاصيل شبكة إيرانية معقدة نجحت في اختراق القطاع التكنولوجي الأمريكي عبر عمليات احتيال واسعة النطاق. وأوضحت السلطات في واشنطن أن هذه الشبكة تمكنت من انتحال صفة كيانات تجارية أمريكية شرعية بهدف الاستحواذ على معدات تقنية بالغة الحساسية مخصصة للاستخدامات العسكرية.

ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة، فإن المواطن الإيراني علي مجد سبهر يتولى قيادة هذه الشبكة من داخل الأراضي الإيرانية بالتعاون مع مجموعة من الشركاء. وقد استهدفت العمليات عشرات الشركات التكنولوجية الرائدة في الولايات المتحدة، مما أسفر عن الاستيلاء على معدات وأجهزة متطورة تُقدر قيمتها الإجمالية بملايين الدولارات.

وشملت قائمة المعدات التي سعى سبهر ورفاقه للحصول عليها أجهزة دقيقة لتحليل الطيف وأنظمة كشف أمني متطورة موجهة لخدمة قطاع الدفاع الإيراني. وتؤكد المصادر أن هذه الأجهزة تقع ضمن نطاق المحظورات التي تفرضها واشنطن لمنع تعزيز القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.

واعتمدت الخطة الإجرامية على استراتيجية تضليلية شملت تدشين مواقع إلكترونية مزيفة تحاكي بدقة واجهات ومنصات شركات أمريكية قائمة ومعروفة. ومن خلال هذه المنصات، تمكنت الشبكة من إتمام صفقات شراء وهمية وتوجيه الشحنات إلى وسطاء تجاريين يتخذون من مدينة دبي مقراً لهم، والذين تولوا بدورهم مهمة إعادة شحنها سراً إلى إيران.

وتأتي هذه التحركات الأمريكية في إطار استمرار سياسة الضغوط القصوى التي تنتهجها الإدارة الأمريكية لتقويض الأنشطة التي تصفها بالمزعزعة للاستقرار في المنطقة. وتشدد واشنطن على أن ملاحقة هذه الشبكات تهدف بشكل أساسي إلى تجفيف منابع التكنولوجيا التي تغذي البرامج العسكرية والأمنية الإيرانية بعيداً عن الرقابة الدولية.

وفي سياق متصل، أعلنت الخارجية الأمريكية عن تخصيص مكافأة مالية ضخمة تصل قيمتها إلى 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي لتعطيل الشبكات المالية للحرس الثوري. وتعكس هذه الخطوة تصعيداً في الملاحقة المالية والاستخباراتية للأنشطة الإيرانية العابرة للحدود، خاصة تلك التي تستهدف الالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 6:31 صباحًا - بتوقيت القدس

تناقضات البيت الأبيض حول نووي إيران: هل يرضخ ترمب لبقاء اليورانيوم تحت الأرض؟

تبرز قضية مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب كواحدة من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في مسار المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. ولا يتوقف الأمر عند كونه خلافاً تقنياً، بل تحول إلى اختبار جوهري لمدى قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على تنفيذ وعوده بإنهاء التهديد النووي الإيراني بشكل قطعي.

أفادت مصادر بأن التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض كشفت عن تباين ملموس في الرؤى بين الرئيس ومستشاريه حول شروط إنهاء الصراع. وبينما تضغط أطراف في الإدارة لانتزاع المخزون النووي بالكامل، تظهر إشارات أخرى توحي بإمكانية تقديم تنازلات في هذا الملف مقابل مكاسب سياسية أو عسكرية.

خلال مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً، رسم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ملامح الموقف الرسمي المتشدد، معتبراً أن تسليم اليورانيوم يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. وأكد بيسنت أن الإدارة لن تقبل بأي اتفاق يبقي هذه المواد الخطرة تحت السيطرة الإيرانية، مهما كانت الضمانات المقدمة.

في السياق ذاته، شدد وزير الخارجية ماركو روبيو على أن طهران ملزمة بالتخلي عن كافة المواد المخصبة كشرط أساسي لأي تهدئة. وأوضح روبيو أن هذا المطلب يمثل جوهر رؤية الرئيس ترمب، الذي يكرر في اجتماعاته المغلقة ضرورة تجريد إيران من قدراتها النووية الكامنة.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تبنى ترمب نبرة حازمة في البداية، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستعمل بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفكيك البرنامج الإيراني. وأشار إلى خطط تقنية تهدف إلى استخراج اليورانيوم المخصب من المنشآت الحصينة وتدميره لضمان عدم استخدامه مستقبلاً.

لكن هذا الحزم لم يستمر طويلاً، حيث بدأت ملامح التراجع تظهر في تصريحات الرئيس خلال مقابلات صحفية أجريت في شهر أبريل الماضي. فقد ألمح ترمب إلى أن اليورانيوم الموجود في أعماق الأرض قد لا يمثل تهديداً داهماً كما كان يُعتقد سابقاً، نظراً لقدرات المراقبة الأمريكية المتطورة.

وأشار الرئيس في تلك المرحلة إلى أن الأقمار الصناعية الأمريكية قادرة على رصد أي تحرك مشبوه في المواقع النووية الإيرانية بدقة عالية. واعتبر أن وجود المواد في مواقع عميقة يجعل من الصعب على طهران تحويلها إلى سلاح نووي دون أن يتم اكتشاف ذلك والتعامل معه عسكرياً.

المفاجأة كانت في العودة السريعة للموقف المتشدد بعد أسبوعين فقط، حيث صرح ترمب بضرورة استخدام معدات ضخمة لاستخراج اليورانيوم المدفون. وأكد في تصريحات لوسائل إعلام دولية أن واشنطن ستنقل هذا 'الغبار النووي' إلى الأراضي الأمريكية لضمان السيطرة الكاملة عليه ومنع وصول أي طرف إليه.

بحلول منتصف شهر مايو، عادت نبرة التشكيك في جدوى عملية الاستخراج لتسيطر على حديث الرئيس الأمريكي مرة أخرى. وخلال لقاء تلفزيوني، أوضح ترمب أن الوصول إلى تلك المواد يتسم بصعوبة تقنية بالغة وقد يتطلب بقاء القوات أو الفرق الفنية لفترات طويلة داخل إيران.

ولم يبدِ ترمب اعتراضاً واضحاً عندما طُرحت فكرة الاكتفاء بدفن اليورانيوم في مكانه بدلاً من تكبد عناء استخراجه ونقله. بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن الإصرار على الحصول على المخزون قد يكون له أهداف دعائية وإعلامية أكثر من كونه ضرورة أمنية ملحة.

ورغم هذه الليونة المفاجئة، عاد الرئيس ليناقض نفسه مجدداً أمام الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، مؤكداً رغبته في الاستحواذ الفعلي على اليورانيوم. هذا التذبذب المستمر أثار تساؤلات عميقة لدى المراقبين حول حقيقة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني في هذه المرحلة الحرجة.

يرى محللون أن هذه التناقضات لا تقتصر على الجانب التقني لليورانيوم، بل تعكس ارتباكاً أوسع في تحديد أهداف الحرب النهائية. فمنذ انطلاق العمليات، لم تنجح الإدارة في تقديم رؤية موحدة حول ما يشكل 'انتصاراً' حقيقياً في المواجهة مع طهران، مما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة.

ويعتقد منتقدون أن ترمب دخل في هذا الصراع دون خطة خروج واضحة أو استراتيجية تفاوضية متماسكة، مما يضطره لتغيير مواقفه بناءً على الضغوط. هذا التغيير المستمر في 'الخطوط الحمراء' قد يضعف الموقف التفاوضي الأمريكي ويمنح الجانب الإيراني فرصة للمناورة وكسب الوقت.

في نهاية المطاف، يبقى مصير اليورانيوم الإيراني معلقاً بين التشدد المؤسسي لوزارتي الخارجية والخزانة وبين براغماتية ترمب المتقلبة. وسيكون للأيام القادمة القول الفصل في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستصر على انتزاع 'الغبار النووي' أم ستكتفي بضمانات بقائه تحت الركام.

عربي ودولي

السّبت 30 مايو 2026 6:01 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير دولي يكشف تفاصيل الدور العسكري الإماراتي في استهداف العمق الإيراني

كشفت تقارير صحفية دولية، نقلاً عن مصادر مطلعة أن دولة الإمارات العربية المتحدة نفذت عشرات الضربات الجوية داخل الأراضي الإيرانية خلال المواجهات الأخيرة. وأوضحت المصادر أن هذا الدور العسكري جاء بتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث وصفت الصحيفة هذا الانخراط بأنه أعمق بكثير مما كان معلناً في الأوساط السياسية سابقاً.

وبحسب المعلومات المسربة، فإن الغارات الإماراتية انطلقت منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب واستمرت حتى نيسان/ أبريل الماضي، مستهدفة مواقع حيوية في العمق الإيراني. وشملت قائمة الأهداف جزيرتي قشم وأبو موسى في مضيق هرمز، بالإضافة إلى منشآت في بندر عباس ومصفاة لافان النفطية، وصولاً إلى مجمع عسلوية للبتروكيماويات الشهير.

وأفادت مصادر بأن الهجمات نُفذت بناءً على معلومات استخباراتية قدمتها واشنطن وتل أبيب، حيث استهدفت بعض الضربات منشآت الطاقة رداً على هجمات إيرانية طالت البنية التحتية للنفط والغاز في الإمارات. وقد أثار استهداف مجمع عسلوية، الذي جرى بالتعاون مع إسرائيل، انتقادات دولية دفعت الولايات المتحدة لمطالبة الجانب الإسرائيلي بوقف استهداف منشآت الطاقة الإيرانية.

وتشير البيانات إلى أن الإمارات كانت من أكثر دول المنطقة تعرضاً للهجمات الإيرانية خلال فترة الحرب، حيث أطلقت طهران باتجاهها أكثر من 2800 صاروخ وطائرة مسيرة. ويعد هذا الرقم ضخماً جداً، إذ يفوق حجم الاستهداف الذي تعرضت له أي دولة أخرى في المنطقة، بما في ذلك الأهداف الإسرائيلية المباشرة.

وعلى الصعيد الإقليمي، أدى حجم الرد الإماراتي إلى بروز توترات واضحة داخل البيت الخليجي، لا سيما مع المملكة العربية السعودية. وأبدت الرياض تحفظات صريحة على العمليات الانتقامية الإماراتية، معربة عن مخاوفها من أن تؤدي هذه الهجمات إلى توسيع دائرة الاستهداف الإيراني لتشمل منشآت الطاقة في عموم المنطقة، مما قد يتسبب في قفزة هائلة بأسعار النفط العالمية.

وكشف التقرير عن تباينات عميقة في وجهات النظر بين أبوظبي والرياض، حيث أبدى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان استياءه من الموقف السعودي. وأشارت المصادر إلى أن الاستياء الإماراتي نبع من رفض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الانخراط في عمليات عسكرية منسقة ومباشرة ضد الأهداف الإيرانية خلال فترة التصعيد.

ولم يقتصر التحرك الإماراتي على الجانب العسكري فحسب، بل شمل إجراءات اقتصادية مشددة ضد المصالح الإيرانية، حيث تم إغلاق مؤسسات مرتبطة بطهران في دبي. كما فرضت السلطات الإماراتية قيوداً صارمة على تأشيرات الدخول وحقوق العبور للمواطنين الإيرانيين، في خطوة تهدف إلى تضييق الخناق على أحد أهم المنافذ الاقتصادية التي اعتمدت عليها إيران لسنوات.

في المقابل، اتهمت طهران أبوظبي رسمياً بالمشاركة في الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها، وردت باستهداف مواقع إماراتية حساسة. وشملت الردود الإيرانية ضرب منشآت نفطية في الفجيرة، بالإضافة إلى رصد طائرة مسيرة أطلقت من العراق سقطت بالقرب من محطة الطاقة النووية الإماراتية، مما عكس خطورة المواجهة.

وعززت ظروف الحرب من مستوى التعاون الأمني والعسكري بين الإمارات وإسرائيل بشكل غير مسبوق، حيث أرسلت تل أبيب بطاريات من منظومة 'القبة الحديدية' لحماية الأجواء الإماراتية. وأكد التقرير أن عشرات الجنود الإسرائيليين ما زالوا متمركزين داخل منشأة عسكرية إماراتية لتقديم الدعم الفني والعسكري المستمر في مواجهة التهديدات الصاروخية.

وفي سياق التنسيق عالي المستوى، أجرى كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم بنيامين نتنياهو وقادة أجهزة الموساد والشاباك، زيارات سرية إلى الإمارات خلال فترة الحرب. ورغم هذا التصعيد، بدأت أبوظبي في الأسابيع الأخيرة بتبني خطاب يميل نحو الحلول الدبلوماسية، سعياً لتشجيع اتفاق سلام ينهي التهديدات المباشرة التي تواجه قطاع الطاقة ومنشآتها الحيوية.