د. إبراهيم نعيرات
يدخل المشهد السياسي الفلسطيني مرحلة مفتوحة على احتمالات واسعة، تتداخل فيها التحولات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وسط ترقب لما قد تحمله المرحلة المقبلة من إعادة رسم لموازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات، يكثر الحالمون بالقيادة، وتتسارع محاولات إعادة التموضع، إذ يسعى كل طرف إلى حجز موقعه قبل أن تتضح ملامح المرحلة القادمة.
ولهذا لم يعد مستغربًا ظهور مواقف سياسية توصف بالجريئة، بل إن بعضها يتجاوز المزاج الشعبي السائد، وكأنها رسائل موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد. فالبعض يراهن على أن يجد خطابه صدى لدى القوى الإقليمية والدولية، فيما يحاول آخرون إعادة تقديم أنفسهم أمام الجمهور بصورة مختلفة.
وتبدو بعض هذه المواقف وكأنها محاولة للاصطياد في مياه غريبة، حيث لا يقتصر الرهان على الداخل الفلسطيني، بل يمتد إلى احتمالات الدعم الخارجي وإشارات القوى الإقليمية والدولية، في محاولة لحجز موقع مبكر في مشهد لم تتضح ملامحه بعد.
وفي هذا السباق، لا تتشابه الأدوات ولا الخطابات. فشخصيات عُرفت تاريخيًا بالمرونة تقدم اليوم خطابًا أكثر تشددًا، وأخرى تتبنى مواقف أكثر انفتاحًا في قضايا حساسة، محاولةً الظهور بصورة السياسي الواقعي والقادر على التعامل مع المتغيرات. لكن هذا التباين لا يكشف دائمًا عن اختلاف في المشاريع بقدر ما يعكس صراعًا على الصورة والموقع والقبول.
إنه بازار سياسي مفتوح؛ ففي المراحل الانتقالية لا تُعاد صياغة المواقف فقط، بل تُعاد صياغة الصور السياسية أيضًا، حيث يصبح الخطاب أداة للتموضع، وتتحول القدرة على جذب الانتباه إلى جزء من معركة الوصول. وليس في ذلك ما يثير الدهشة، فهذه سمة عرفتها تجارب سياسية كثيرة، لكن خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل الأمر أكثر حساسية، لأن القضية لم تكن يومًا مجرد تنافس على السلطة، بل مشروعًا وطنيًا ارتبط بتضحيات شعب كامل.
وهنا يبرز السؤال: هل ما نشهده مراجعات سياسية حقيقية فرضتها التحولات، أم مجرد إعادة تموضع تفرضها حسابات اللحظة؟ وهل الهدف بناء مشروع جديد، أم بناء صورة جديدة لأصحاب الطموحات؟
فالسياسة بطبيعتها مجال للمراجعة وإعادة التقييم، والقيادات الناجحة هي التي تقرأ المتغيرات دون أن تفقد بوصلتها. لكن المراجعة تختلف عن تبديل الخطاب بحثًا عن القبول، كما تختلف الواقعية السياسية عن جعل رضا الخارج أهم من ثقة الداخل.
فالشرعية تبدأ من الشعب. أما الخارج، مهما بلغت أهميته، فهو عامل مساعد وليس مصدرًا بديلًا للشرعية. والخطر يبدأ عندما تتحول العواصم إلى مرجعية، وعندما يصبح تقديم أوراق الاعتماد للخارج أكثر أهمية من تقديم مشروع مقنع للناس.
لقد قامت الحركة الوطنية الفلسطينية على فكرة القرار الوطني المستقل، ولم يكن هذا الشعار مجرد عبارة سياسية، بل خلاصة تجربة طويلة مع محاولات الوصاية والتدخل وفرض الخيارات. لذلك فإن أي مسار يضع الشرعية في الخارج يهدد أحد أهم أسس المشروع الوطني.
وتبدل الخطاب لا يصنع قيادة. فقيمة أي تحول سياسي لا تقاس بشكله، بل بدوافعه ونتائجه. فإذا كان نابعًا من مراجعة وطنية مسؤولة فهو تطور طبيعي، أما إذا كان مجرد استجابة لرياح السياسة فهو محاولة جديدة للتموضع.
والأخطر أن هذا التحول المستمر ينعكس على ثقة الجمهور. فالمواطن الفلسطيني، بحكم تجربته الطويلة، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين القناعة السياسية والحسابات المرحلية. وكلما ازدادت سرعة تبدل المواقف، اتسعت الفجوة بين النخب والشارع، وتراجعت الثقة التي تشكل أساس أي قيادة ناجحة.
ومع ذلك، فإن المرحلة لا تحتاج إلى الجمود، بل إلى التجديد. فالتحديات الكبرى تحتاج إلى أفكار جديدة وقيادات قادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والالتزام الوطني. لكن التجديد الحقيقي لا يبدأ بتغيير اللغة، بل بتطوير الرؤية، ولا يقوم على استبدال الشعارات، بل على تقديم حلول تستجيب لحاجات الناس وتحافظ على الثوابت.
فالقيادة ليست إعلانًا عن الطموح، ولا نتيجة لحظة سياسية عابرة، ولا ثمرة تأييد خارجي، بل علاقة ثقة تُبنى بالممارسة والمسؤولية والقدرة على تمثيل الشعب. ومن هنا فإن التحدي القادم لن يكون فقط في تغيير الوجوه، بل في تغيير قواعد إنتاج القيادة نفسها.
ولهذا فإن السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من يصل إلى القيادة؟ بل: أي نوع من القيادة تحتاج المرحلة؟ فالانتخابات، متى جرت، لن تكون مجرد منافسة على المقاعد، بل اختبارًا للنخب القائمة وللوجوه الجديدة التي ستدخل المشهد.
وقد تكون هذه الانتخابات بداية لإعادة تشكيل الحياة السياسية، لا عبر تغيير الأشخاص فقط، بل عبر ظهور نخب جديدة تحمل أدوات مختلفة في التفكير والعمل. فالأجيال التي عاشت التحولات الأخيرة قد تفرض حضورها، ليس باعتبارها بديلًا للأسماء القديمة فقط، بل باعتبارها محاولة لإعادة تعريف معنى القيادة نفسها.
فالشرعية في المرحلة القادمة قد تصبح أكثر ارتباطًا بالإنجاز والتمثيل والمساءلة، وأقل ارتباطًا بالإرث السياسي أو العلاقات الخارجية. وقد لا تكون المعركة المقبلة بين أسماء تتنافس على المواقع، بل بين نماذج مختلفة للقيادة: نموذج يستند إلى الماضي، ونموذج يحاول أن يولد من متطلبات المستقبل.
سيظل البازار مفتوحًا للحالمين، وسيبقى كثيرون يحاولون تقديم أنفسهم بوصفهم عنوان المرحلة المقبلة. لكن التاريخ الفلسطيني لم يمنح مكانته لمن أتقنوا فن التموضع، بل لمن امتلكوا مشروعًا وطنيًا واستمدوا شرعيتهم من شعبهم قبل أي جهة أخرى.
فالقيادة لا تُصنع في عواصم العالم، ولا تولد من اضطراب اللحظة، بل يصنعها شعب يرى في قائده تعبيرًا عن إرادته، لا عن رهانات الآخرين. وبين السعي إلى الموقع وبناء المشروع، تبقى المسافة هي الفارق بين سياسي يبحث عن اللحظة، ورجل دولة يصنع المستقبل.





شارك برأيك
البازار السياسي... والحالمون بالقيادة