عندما تتنحى العشائر عن أدوارها، فإن الأمر يكون أخطر بكثير مما يظن البعض. نحن لا نتحدث هنا عن تراجع دور اجتماعي عابر، بل عن بداية تفكك حقيقي للنظام الاجتماعي بأسره، وهو تفكك لا يقف عند حدود المجتمع، بل يمتد سريعاً إلى المجال السياسي، بما يهدد الأهداف والتطلعات القومية والوطنية، ويفتح الباب واسعاً أمام كل الأطراف الطامعة، وأصحاب الأجندات والسياسات التي لا تخفى على أحد.
لقد شكلت العشائر، عبر تاريخها، أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، ليس بديلاً عن الدولة أو القانون، وإنما سنداً لهما، ورافعة تحمي السلم الأهلي وتمنع تفاقم النزاعات. لذلك فإن تنحيها عن هذا الدور لا يعني فقط غياب الوساطة والإصلاح، وإنما يعني أيضاً انهياراً تدريجياً للمنظومة الأخلاقية التي تضبط العلاقات بين الناس، والانفلات من القيود الاجتماعية، والقفز إلى قوانين الغابة، وهي الوصفة الأكثر فعالية لانهيار المجتمعات.
وإذا كانت العشائر هي الرديف الحقيقي لسلطة القانون ورجل الشرطة في كثير من الأحيان، فإن تراجعها عن مسؤولياتها يفتح الباب أمام انهيار الأمن الشخصي، ويهدد كل ما بُني بالعرق والدم والتضحيات. فالأمن ليس مجرد وجود أجهزة أمنية، وإنما هو منظومة متكاملة تتكامل فيها الدولة مع المجتمع، وتنهض فيها العشائر والوجهاء والفعاليات المحلية بمسؤولياتها الوطنية والأخلاقية.
وتنحي العشائر عن أدوارها يستحضر إلى الذهن ما يجري في مناطق الـ48، حيث تحولت الجريمة إلى مؤسسة محمية بكثير من الجدران، تضرب الوحدة الوطنية، وتستهدف النسيج الاجتماعي، وتعبث بالحاضر والمستقبل. وهناك وقفت أمامها هيئات اجتماعية وتربوية وسياسية عاجزة عن وقف تمددها، ولا يمكن الادعاء بأنها نجحت حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي أمام هذا الواقع المؤلم.
وبكل تأكيد، فإننا لا نريد أن نستنسخ هذه التجربة، ولا أن نتأثر بها. لأن استشراء هذه الظاهرة في مجتمعنا يعني، فيما يعني، استحضار الحلول الأمنية الجاهزة، من تقسيم المحافظات، وتقوية القبضايات، وإثارة الجهويات والعصبيات، وهي حلول لا تعالج أصل المشكلة، بل تعمقها وتمنحها أشكالاً أكثر خطورة.
العنف المجتمعي عندنا يتحول بسرعة إلى بيئة خصبة لمزيد من الحلول الأمنية التي قد تأتي على حساب المجتمع نفسه، وكأن ما نعانيه من احتلال وحصار وفقر وظلم لا يكفينا، حتى نقرر أن نضيف إلى كل ذلك انتحاراً جماعياً بأيدينا. فلا يجوز أن يتحول الخلاف الفردي إلى تهديد جماعي، ولا أن تصبح الفوضى عنواناً لمرحلة نحن أحوج ما نكون فيها إلى التماسك والوحدة.
وهنا يبرز السؤال الطبيعي: أين السلطة الوطنية من كل ذلك؟
السلطة الوطنية يقع على عاتقها دور كبير لا يمكن التهرب منه. وهي، برأيي، مدعوة إلى وضع خطة وطنية شاملة لمواجهة العنف المجتمعي، بالتنسيق الحقيقي مع العشائر، نعم مع العشائر، باعتبارها شريكاً أساسياً في حماية المجتمع. وفي الوقت نفسه، فإن هذا التنسيق يجب أن يساهم أيضاً في تخليص العشائر من بعض سلبيات الحلول التقليدية، وأن يطور أدواتها وآليات تعاملها مع الفئات المنفلتة ضمن إطار القانون وسيادة الدولة.
كما يقع على عاتق الأجهزة الأمنية أن تعزز التنسيق والتشبيك مع مختلف الفعاليات المحلية، وفق أسس صارمة وحازمة، بعيدة عن التردد أو الانتقائية، لأن هيبة القانون لا تكتمل إلا عندما يشعر الجميع بأن الدولة حاضرة، وأن المجتمع شريك في حماية أمنه واستقراره.
إن تخلي العشائر عن أدوارها يعني، فيما يعني، العجز عن المواجهة والاستسلام أمام الفوضى. ونحن نأمل من هذه العشائر الكريمة، بتاريخها ومكانتها ومسؤوليتها الوطنية، ألا تتنحى عن دورها في أدق وأخطر مراحل تاريخنا. فهذه ليست مسؤولية العشائر وحدها، وإنما مسؤولية الجميع، لكن بقاء العشائر في موقعها الطبيعي، سنداً للوطن وحامياً للنسيج الاجتماعي، يبقى أحد أهم الضمانات للحفاظ على مجتمعنا متماسكاً وقادراً على مواجهة التحديات، مهما عظمت.





شارك برأيك
عندما تتنحى العشائر عن أدوارها