لم يعد تصدر اليمين المتطرف لنتائج انتخابات المجالس المحلية في بريطانيا مجرد حدث عابر أو موجة احتجاج مؤقتة، بل هو انعكاس لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تراكمت بصمت. لقد انفجر هذا التحول في وجه الطبقة السياسية التقليدية التي اعتقدت طويلاً أن الناخب سيبقى محصوراً بين ثنائية حزبي العمال والمحافظين، ليعيد المجتمع اكتشاف نفسه في مرآة القلق الشعبي المتزايد.
المواطن البريطاني الذي أرهقته فواتير الطاقة المرتفعة وانهيار الخدمات العامة، بات يصوت بدافع الغضب أكثر من الاقتناع الفكرى ببرامج الأحزاب. هذه اللحظة التاريخية هي ما يجيد اليمين المتطرف اقتناصه، حيث يصبح البحث عن 'عدو' خارجي أو داخلي أسهل بكثير من تقديم حلول واقعية للأزمات المعيشية المعقدة التي تعصف بالبلاد.
نجح الخطاب الشعبوي في تحويل قضايا الهجرة واللاجئين والتعددية الثقافية إلى كبش فداء للأزمات التي صنعتها السياسات الاقتصادية الفاشلة للنخب المنعزلة. وبدلاً من محاسبة المسؤولين عن تدهور النظام الصحي وأزمة السكن، جرى توجيه الأنظار نحو المهاجرين والنساء المحجبات، وكأنهم المسؤولون عن تآكل الطبقة الوسطى واختلالات الدولة.
إن صعود اليمين لم يكن نتاج قوة خطابه الذاتية فحسب، بل هو نتيجة للفراغ الأخلاقي والسياسي لدى الخصوم التقليديين الذين انزلقوا لتبني لغة متشددة. فحين يحاول حزب العمال أو المحافظون محاكاة خطاب اليمين خوفاً من خسارة الأصوات، فإنهم يمنحون المتطرفين شرعية مجانية تجعل الناخب يفضل النسخة الأصلية والأكثر صراحة.
جاءت الحرب على غزة لتكشف هشاشة الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، حيث رصد الشباب البريطاني تناقضاً صارخاً بين شعارات القانون الدولي والصمت أمام المجازر. وقد استغل اليمين حالة الاستقطاب هذه ليعيد إنتاج خطاب يعتبر المسلمين جسماً غريباً، ويصور التضامن مع القضية الفلسطينية كتهديد مباشر للهوية الوطنية البريطانية.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في كراهية الأجانب فقط يعد قراءة ناقصة، فهناك غضب اجتماعي حقيقي يتجاوز حدود الدين والعرق. المدن الصغيرة والبلدات المنسية التي تعاني من التهميش ترى في لندن السياسية مركزاً لا يسمع صوتها، مما دفع سكانها نحو خيارات راديكالية تعبر عن فقدان الأمان الاقتصادي والمستقبلي.
يطرح الواقع الجديد تساؤلاً حساساً حول مستقبل المسلمين في بريطانيا ومدى حاجتهم للقلق في ظل هذه المتغيرات السياسية المتسارعة. الحقيقة أن تصاعد الخطاب المعادي يخلق بيئة اجتماعية عدائية، ويمنح الجماعات العنصرية جرأة أكبر، مما يضع ضغوطاً متزايدة على سياسات الاندماج والحريات الدينية في المملكة المتحدة.
اليمين المتطرف يتغذى دائمًا على الخوف، لكن المجتمعات لا تُبنى بالخوف بل بالعدالة، وحين يشعر المواطن بالإنصاف يفقد تجار الكراهية سوقهم.
لكن في المقابل، لا يمكن اعتبار مسلمي بريطانيا اليوم جالية هامشية، بل هم جزء أصيل ومؤثر في النسيج الوطني بمختلف المجالات المهنية والسياسية. لقد أثبتت السنوات الأخيرة امتلاكهم قدرة متزايدة على التأثير الديمقراطي والتنظيم المجتمعي، مما يجعلهم فاعلين أساسيين في الدفاع عن حقوقهم ومواجهة محاولات الإقصاء.
الخطر الحقيقي لا يكمن في صعود اليمين بحد ذاته، بل في احتمال لجوء الأقليات إلى الانغلاق والانسحاب من المجال العام كفعل دفاعي. إن الانكفاء على الذات يمثل هدية مجانية للمتطرفين، بينما يظل الانخراط الإيجابي وبناء التحالفات مع القوى المدنية هو الطريق الأنجع لمواجهة موجات الكراهية المتصاعدة.
تاريخ بريطانيا يشير إلى أنها مرت بمحطات قاسية مشابهة، لكنها نجحت دائماً في استعادة توازنها بفضل نضال القوى الديمقراطية المؤمنة بالتنوع. التنوع البريطاني ليس تهديداً بل مصدر قوة، وإعادة الاعتبار لهذا المفهوم تتطلب عملاً دؤوباً من كافة المكونات المجتمعية لرفض خطاب التقسيم الذي يروج له اليمين.
إن تجار الكراهية يفقدون سوقهم بسرعة عندما يشعر المواطن، بغض النظر عن دينه أو أصله أن الدولة تنصفه وتحفظ كرامته الإنسانية. العدالة الاجتماعية هي الترياق الوحيد لمواجهة الخوف الذي يغذيه المتطرفون، وهي الضمانة لعدم انزلاق المجتمع نحو صراعات هوية لا تخدم سوى أصحاب الأجندات الضيقة.
السؤال الجوهري الذي يجب أن تشغل به النخب السياسية نفسها ليس فقط 'لماذا صعد اليمين؟'، بل 'لماذا تراجعت الثقة في السياسة التقليدية؟'. هذا التراجع هو الذي جعل الناس يبحثون عن الخلاص في أصوات الغضب، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في بريطانيا.
المرحلة المقبلة تتطلب يقظة من القوى الليبرالية واليسارية لاستعادة المبادرة وتقديم رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة تطمئن المتخوفين من المستقبل. بدون بديل سياسي حقيقي يلمس هموم الناس اليومية، سيبقى خطاب اليمين المتطرف يجد صدى في القلوب التي أرهقها القلق والانتظار الطويل للحلول.
ختاماً، يبقى الرهان على وعي المجتمع البريطاني وقدرته على فرز الخطاب التحريضي من الحلول الواقعية للأزمات الهيكلية التي تعاني منها البلاد. إن مواجهة اليمين المتطرف ليست معركة أمنية أو قانونية فحسب، بل هي معركة قيم وأخلاق تهدف إلى استعادة روح التسامح والعدالة التي ميزت الديمقراطية البريطانية.





شارك برأيك
صعود اليمين المتطرف في بريطانيا: عندما يقود الخوف صناديق الاقتراع