أقلام وأراء

السّبت 09 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

بين النبوءات والهجاء العربي: قراءة ساخرة في عهد ترامب وتناقضاته

يؤمن ملايين الأمريكيين والأوروبيين بأن كتاب 'النبوءات' للمنجم الفرنسي ميشيل دي نوستراداموس يحمل في طياته إشارات لوقائع سياسية ستشهدها دول العالم عبر القرون. وفي هذا السياق، تبرز شخصية دونالد ترامب كمادة خصبة للقراءات التي تربط بين الماضي والحاضر، حيث يرى البعض في سلوكه السياسي تجسيداً لأزمات عميقة أصابت النظام الدولي بالعطب.

لقد ظل ترامب يثبت عبر تصريحاته وأفعاله أنه يمثل حالة استثنائية في التاريخ السياسي الأمريكي، مما دفع الكثيرين لاستدعاء تراث الهجاء العربي القديم لوصف حالته. فمن قصائد الحطيئة إلى هجاء المتنبي، تجد الأوصاف التي أُطلقت على الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ العربي صدىً واسعاً عند إسقاطها على ملامح ترامب السياسية والشخصية.

لم ينجح الرئيس الأمريكي في الوفاء بمعظم الوعود التي قطعها خلال حملاته الانتخابية، وبدلاً من مواجهة الإخفاقات، دأب على إلقاء اللوم الفج على أسلافه في الحكم. وقد وصل الأمر إلى اتهام جو بايدن بإنفاق مليارات الدولارات على تجارب غريبة تتعلق بالفئران، في محاولة لصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية.

وفي حادثة سقوط طائرة ركاب أمريكية مطلع عام 2025، لم يتوانَ ترامب عن تحميل الرئيس الأسبق باراك أوباما المسؤولية، رغم أن الأخير غادر السلطة منذ عام 2017. هذا السلوك يعكس رغبة دائمة في خلق خصوم وهميين لتبرير أي خلل يطرأ خلال فترة ولايته، وهو ما يثير سخرية المراقبين السياسيين.

يظهر ترامب في كثير من الأحيان فجوة معرفية واسعة، حيث تتراجع خبرته السياسية لصالح تصريحات تفتقر إلى الدقة التاريخية والجغرافية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ادعاؤه بأن إسبانيا كانت من الدول المؤسسة لمجموعة 'بريكس' الاقتصادية، وهو ما يتنافى مع الواقع تماماً.

تضم مجموعة 'بريكس' في عضويتها دولاً مثل البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وقد انضمت إليها مؤخراً دول أخرى ليس من بينها أي دولة أوروبية. هذه السقطات المعرفية تعزز الانطباع بأن لسان ترامب يستعصي على الكبح، مما يوقعه في حرج دائم أمام المجتمع الدولي.

على صعيد السياسات الداخلية، كان وعد ترامب بترحيل ستة ملايين مهاجر خلال الأشهر الثلاثة الأولى من حكمه أحد أكثر الوعود إثارة للجدل والقلق. وقد أطلق العنان لقوات إدارة الهجرة والجمارك لتنفيذ عمليات مداهمة واسعة في مختلف الولايات الأمريكية، مما أدى إلى حالات اختطاف واستهداف عشوائي.

ورغم هذه السياسة المتشددة تجاه المهاجرين، ظهرت تناقضات واضحة في التعامل مع بعض الشخصيات العامة، مثل الأمير البريطاني هاري المقيم في الولايات المتحدة. فقد برر ترامب عدم إبعاده قسراً بكونه يواجه مشاكل شخصية كافية مع زوجته ميغان، مما يكشف عن ازدواجية في معايير التنفيذ.

لا يجد ترامب حرجاً في استخدام لغة بذيئة وفاحشة على الملأ، وغالباً ما يستهدف الصحفيين بألفاظ قاسية عندما يواجه أسئلة لا تروق له. هذا الجفاء الفطري تجاه الإعلام يعكس رغبة في السيطرة على الرواية الرسمية وتهميش أي صوت نقدي يحاول كشف الحقائق.

يرى منتقدوه أن افتعال الأزمات في العلاقات الاقتصادية الدولية وفتح النار على الحلفاء التاريخيين هو تكتيك متبع لصرف الأنظار عن سجلات شخصية مثيرة للريبة. ومن بين هذه السجلات، تبرز علاقته السابقة بجيفري إبستين، والتي تظل تلاحقه كشبح في مسيرته السياسية المليئة بالصراعات.

إن الحالة التي يمثلها ترامب دفعت الشعراء المعاصرين والقدامى، عبر استحضار نصوصهم، إلى التعبير عن ضيق الأرض بوجود مثل هذه السياسات التي تزرع البغضاء. فالبغض الذي ولّدته بعض قراراته لم يكن طبعاً أصيلاً في الشعوب، بل كان نتيجة لسياسات عدائية بدأت بالتحريض.

تظل شخصية ترامب مادة دسمة للتحليل النفسي والسياسي، حيث يجمع بين الجهل العصامي والقدرة على حشد الجماهير عبر خطابات شعبوية. هذا المزيج جعل منه ظاهرة تستحق الدراسة، ليس فقط في أروقة السياسة، بل وفي مجالات الأدب والنقد الاجتماعي الساخر.

في نهاية المطاف، يبدو أن التاريخ سيسجل عهد ترامب كفترة من الاضطراب المعرفي والسياسي، حيث تداخلت فيها الحقائق بالأوهام. وسيبقى الهجاء، سواء كان قديماً أو حديثاً، هو المرآة التي تعكس قبح السياسات التي تتجاهل كرامة الإنسان وتعتمد على إثارة الفتن.

إن المقالات التي تتناول هذه الشخصية تعبر عن آراء أصحابها، لكنها تعكس في الوقت ذاته نبضاً عاماً يرفض الانحدار في لغة الحوار السياسي. ويبقى الأمل في أن تستعيد السياسة العالمية توازنها بعيداً عن لغة التهديد والوعيد والجهل بالحقائق الأساسية التي تحكم العالم.

دلالات

شارك برأيك

بين النبوءات والهجاء العربي: قراءة ساخرة في عهد ترامب وتناقضاته

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.