اقتصاد

السّبت 09 مايو 2026 8:23 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الدينار الليبي: لماذا تعثرت خطط المصرف المركزي رغم فائض الدولار والميزانية الموحدة؟

تشهد الساحة الليبية منذ نحو شهر حراكاً مكثفاً في التصريحات الرسمية والإجراءات التنفيذية الرامية إلى تصحيح الوضع الاقتصادي والمالي. ومع ذلك، لا تزال النتائج الملموسة دون سقف الوعود التي أطلقها رئيس الحكومة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مكامن الخلل في المنظومة الاقتصادية الحالية.

شرع المصرف المركزي في تنفيذ خطة استراتيجية تم اعتمادها العام الماضي، تهدف بشكل أساسي إلى كبح جماح السوق الموازية ومعالجة أزمة نقص السيولة الحادة. وتضمنت هذه السياسات ضبط قنوات توزيع النقد الأجنبي واستحداث أدوات جديدة عبر شركات الصرافة لضمان وصول العملة إلى مستحقيها.

استهدفت خطة المركزي، التي عُرضت على صندوق النقد الدولي في اجتماعات تونس الأخيرة، الوصول بسعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى 6.9 دينار. ووعد المصرف بضخ مبالغ ضخمة من العملات الأجنبية شهرياً لتقليص الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء الذي يرهق كاهل المواطنين.

في إطار هذا الاستنفار، وجه المركزي الجهاز المصرفي بتمديد ساعات العمل اليومية وزيادة عدد منافذ الصرف وتكليف أطقم إضافية لتسريع العمليات المالية. ورغم أن هذه الخطوات أدت في البداية إلى تراجع ملحوظ في سعر الدولار، إلا أن العملة الأمريكية عاودت الارتفاع لتلامس سقف 8 دنانير خلال الأسبوع الماضي.

يعتبر المصرف المركزي أن ضبط الإنفاق العام وتوحيد قنواته شرط أساسي لنجاح السياسة النقدية، وهو ما تعهدت به الحكومة والأطراف المعنية. وقد جاء هذا التعهد عقب اتفاق برعاية المصرف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لتوحيد الإنفاق التنموي، في خطوة كان يُؤمل منها تعزيز استقرار العملة.

على الرغم من هذه التعهدات السياسية، لم يتجه الدولار نحو السعر المستهدف، ولم يلمس المواطن الليبي تراجعاً في أسعار السلع والخدمات الأساسية. ويأتي هذا الإخفاق في وقت تشهد فيه أسعار النفط العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، مما كان يفترض أن يسهل مهمة المصرف المركزي في تحقيق أهدافه المالية.

يرى مراقبون أن الانتكاسة الأخيرة في سعر الصرف ترسل رسائل سلبية تستوجب وقفة جادة للتقييم والمراجعة الشاملة. فبينما اجتهد المركزي في تطوير أنظمة تداول النقد الأجنبي، يبدو أنه أغفل تفعيل نظام رقابة صارم يمنع التحايل على الإجراءات الجديدة من قبل المضاربين.

تعاني أجهزة الرقابة العامة في ليبيا من ضعف واضح يحملها قدراً كبيراً من المسؤولية عن تدهور الوضع المالي. إن غياب الرقابة الدقيقة يسمح بتسرب العملة الصعبة إلى قنوات غير شرعية، مما يفرغ الإصلاحات النقدية من محتواها ويجعلها مجرد إجراءات شكلية لا تلامس جوهر الأزمة.

يواجه المصرف المركزي تحديين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالتحكم الكامل في منظومة التوزيع لضمان انسيابية العملة عبر المصارف والشركات المرخصة. أما التحدي الثاني فهو مواجهة الشبكات غير الرسمية التي تهيمن على إدارة النقد الأجنبي من خلال الاحتكار والمضاربة المنظمة.

تشير تقارير دولية، مثل تقرير منظمة 'سنتري' ولجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، إلى تداخل مصالح معقدة بين أطراف رسمية وغير رسمية في سوق العملة. هذه التقاطعات تجعل من عملية الإصلاح الاقتصادي مهمة شاقة تتطلب إرادة سياسية تتجاوز مجرد إصدار القرارات الإدارية.

من جانب آخر، تثير الأرقام المتداولة حول الميزانية الموحدة قلقاً بشأن الاستقرار المالي المستقبلي وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. فبينما تحدث رئيس الحكومة عن إنفاق يبلغ 163 مليار دينار، تشير مصادر أخرى إلى أن الرقم الفعلي قد يصل إلى نحو 200 مليار دينار ليبي.

تؤكد تجارب السنوات الماضية في ليبيا أن سقف الإنفاق الفعلي غالباً ما يتجاوز الأرقام المعلنة أو المسربة، مما يشكل ضغطاً هائلاً على احتياطيات النقد الأجنبي. هذا التوسع في الإنفاق قد يعرقل خطط المصرف المركزي ويؤدي إلى مزيد من التضخم وتدهور القوة الشرائية للدينار.

إن السياسة النقدية، مهما كانت أدواتها متطورة، لا يمكنها معالجة الاختلالات الاقتصادية بشكل مستقل عن السياسات المالية والتجارية. فالوضع الاقتصادي الليبي يقع تحت ضغوط متعددة الأبعاد تتطلب تنسيقاً كاملاً بين كافة مؤسسات الدولة لضمان تحقيق الاستقرار المنشود.

في الختام، تظل البيئة السياسية والأمنية المستقرة هي الحاضنة الأساسية لأي نجاح اقتصادي حقيقي في البلاد. فبدون سيادة القانون والمؤسساتية، ستظل المبادرات المالية مجرد مسكنات مؤقتة لا تنهي معاناة المواطن الليبي مع الغلاء واضطراب الأسواق.

دلالات

شارك برأيك

أزمة الدينار الليبي: لماذا تعثرت خطط المصرف المركزي رغم فائض الدولار والميزانية الموحدة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.