تحليل

السّبت 23 مايو 2026 7:02 صباحًا - بتوقيت القدس

البراغماتية الأمريكية والمناورة الصينية: صراع المصالح في ظل الأزمات الدولية

لطالما كانت البراغماتية هي السمة الغالبة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إلا أن الحقبة الحالية شهدت تذبذباً بين خطاب الهيمنة وبين مقتضيات الواقع الدولي. وتكشف التفاعلات الأخيرة للبيت الأبيض مع القضايا العالمية عن محاولات حثيثة لتوجيه الأحداث بما يخدم المصالح الأمريكية العليا، حتى وإن تطلب ذلك تغيير النبرة الدبلوماسية المعتادة.

تعد زيارة الدولة التي قام بها الرئيس دونالد ترمب إلى بكين نموذجاً جلياً على استدعاء الثقافة البراغماتية لإدارة ما يعرف بالأزمة الإيرانية. فبعد أشهر من التوتر المتصاعد والحرب التجارية الشرسة، ظهرت رغبة أمريكية واضحة في التهدئة وفتح قنوات اتصال أكثر انضباطاً مع التنين الصيني.

لقد شهدت العلاقة بين القطبين استخداماً مكثفاً لسلاح الرسوم الجمركية، وهو السلاح الذي أربك الميزان التجاري الصيني واستهدف حماية المنتجات الأمريكية. ومع ذلك، فإن الزيارة الأخيرة عكست سلوكاً دبلوماسياً مغايراً، حيث التزم الجانب الأمريكي بالبروتوكولات الصارمة وتجنب الارتجال الذي قد يؤدي إلى زلات لسان سياسية.

الخطاب الأمريكي الجديد يميل نحو تعزيز الصداقة والتهدئة، مقاطعاً بذلك نبرة التحدي والصدام التي هيمنت على المشهد في الفترة الماضية. ويرى مراقبون أن هذا التحول يهدف بالأساس إلى كسب حليف قوي وصاعد للمساعدة في تجاوز التعقيدات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط.

إن الاعتقاد بوجود قطيعة تامة بين واشنطن وبكين يتجاهل حقيقة 'الاعتماد الاقتصادي المتبادل' الذي يربط البلدين بشكل وثيق. فالولايات المتحدة لا تزال تعتمد على الصين في توريد المكونات الإلكترونية والمعادن النادرة الضرورية للصناعات المتقدمة.

في المقابل، تظل الصين المستهلك الأكبر للمنتجات الزراعية الأمريكية، وخاصة الحبوب، مما يجعل استقرار سلاسل التوريد العالمية مصلحة مشتركة تفوق الخلافات السياسية العارضة. هذه المصالح المتشابكة هي التي تمنع انهيار العلاقات تماماً رغم حدة المنافسة التجارية.

تطرح التطورات الراهنة تساؤلات حول الثمن الذي قد تدفعه واشنطن مقابل تعاون بكين في ملفات إقليمية شائكة. فالصين تدرك جيداً قيمتها في الميزان الدولي، وتطمح للحصول على تنازلات ملموسة تتعلق بخفض الرسوم الجمركية وتخفيف التدخل الأمريكي في ملف تايوان الحساس.

يبقى التحدي الأكبر أمام بكين هو كيفية إدارة هذه الفرصة دون خسارة أوراقها الرابحة، خاصة علاقتها الاستراتيجية مع إيران. فالصين هي المشتري الأول للنفط الإيراني، وتستخدم العملة الوطنية في تعاملاتها، مما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً فريداً في المنطقة.

من المستبعد أن تدير الصين ظهرها بالكامل لطهران مقابل وعود أمريكية، نظراً للأهمية الحيوية لمنطقة الشرق الأوسط في استراتيجيتها بعيدة المدى. فالمقاربة الصينية للعلاقات الدولية تختلف جوهرياً عن مقاربة البيت الأبيض، حيث تركز بكين على استدامة المصالح المستقبلية.

تبدو الصين في موقع الرابح حتى الآن، فهي تراقب المشهد وتنتظر العروض التي تخدم طموحاتها كقوة عظمى مستقبلية. وتعتمد في ذلك على تكتيك 'أقصى درجات الربح' مع تقليل المخاطر إلى أدنى مستوياتها، بعيداً عن المغامرات غير المحسوبة التي قد تستنزف مواردها.

في نهاية المطاف، تظل الكرة في ملعب بكين لتحديد مسار التفاعلات القادمة في نادي الأقوياء. وسيكون لكيفية تمرير هذه الكرة أثر بالغ على خارطة التحالفات الدولية، سواء في مضيق هرمز أو في أروقة المنظمات التجارية العالمية.

دلالات

شارك برأيك

البراغماتية الأمريكية والمناورة الصينية: صراع المصالح في ظل الأزمات الدولية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.