أقلام وأراء

الإثنين 13 يوليو 2026 7:50 صباحًا - بتوقيت القدس

شيطنة الأفكار

أعود إلى ما كتبته قبل يومين في جريدة ے حول دوافع تراشق الاتهامات الداخلية، والتشكيك، والتخوين، والقسوة على بعضنا، وأن مردَّ هذا السلوك هو الشعور بالضعف والعجز والفشل أمام الواقع الصعب، فلا هو نصر ولا هي هزيمة، ولأن ما حدث ويحدث لنا ليس بالأمر السهل أو المستوعب لثقل الكارثة وحجم الخراب والدمار والفقد اللئيم، خرج البعض يرمي التهم جزافًا، ويوزع الوطنية بمفهومه الضيق، ويقتنص الفرصة للانقضاض على الآخر، مستغلًا واقعنا الداخلي الذي تضيق به اللحظات والأيام، وتتسع فيه مساحة الخراب. ومع التطور التكنولوجي الهائل، المزدحم بالصفحات الصفراء المشبوهة، ارتفعت وتيرة الشائعات وغابت الحقيقة، فهذا الفضاء بات يحتمل الاقتناص والاجتزاء وأخذ الكلام عن مساره لغاية يريدها الخصوم، واختلطت أقدار الناس، وأجاد الكاذبون لعبتهم، وضاع الكثير من الحقيقة، ومثلما يقال في المثل الفلسطيني: اختلط الحابل بالنابل.

ولأني لا أشكك في ما جاء به البعض، فأنا من أولئك الذين يرون أن البعض يبني فكرته على ما يقرأ ويشاهد من دون التحقق من أن الأمر مجتزأ أو غير كامل، وفيه تدليس مرده نوايا مبيّتة. ومن باب حسن النوايا، فهؤلاء الناس معذورون، وإن كانوا ملزمين بالتدقيق في المرات القادمة قبل إطلاق الأحكام التي تصل إلى حدود التشكيك والتخوين، فهذه المعلومات الناقصة لا يُبنى عليها مواقف، والإصغاء إلى الصفحات الصفراء يزعزع تماسك المجتمع ويبث الأحقاد.

المتتبع للحالة الفلسطينية في الأعوام الأخيرة يلمس حجم الشائعات والأخبار المضللة، والصفحات الصفراء غير معلومة ولا معروفة الجهة التي تقف خلفها، فتعمل هذه الصفحات على بث الفتنة التي لم تعد تتوقف بين الفصائل والأحزاب، بل امتدت لتخلق الفتن بين غزة والضفة، وبين مدينة وأخرى، وبين عائلة وعائلة، وهي تعبث في كل شيء وليس لها حدود، فتارة تهاجم قياديًا أو رئيسًا، وتارة أخرى تهاجم أكاديميًا ووزارة، وتجرب العبث اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، ومن كل الزوايا.

أخطر ما في هذه الصفحات أن البعض يصدقها، وأنها تجد من يروج لأكاذيبها بدون وعي ولا علم أو معرفة، فتنمو وتتكاثر وتتدحرج، لهذا فإن الضرورة تحتم علينا القول إن قراءتك للخبر لا تعني أنه خبر حقيقي، بل من الواجب الحصول عليه من مواقع ذات مصداقية، وأن تتقصى لتتأكد أولًا، ومن ثم لتبني فكرتك الصائبة، ولا تكون عرضة للشائعات.

الشائعة تفتك بالمجتمع، والاختلاف مع الآخر لا يسمح لأي كائن كان ببث السموم عليه بالباطل واتهامه جزافًا لمجرد أنه قال فكرة، سواء اتفقت معها أو اختلفت، فحتى الاختلاف له أصول ويقوم على أدبيات، أساسها احترام الإنسان، ومناقشة الفكرة بالحجة والدليل، لا بالتحريض والتشويه والتخوين، فشيطنة الأفكار لا تُنتج حقيقة، ولا تبني مجتمعًا، وإنما تعمق الانقسام، وتمنح مروجي الشائعات فرصة أكبر للعبث بوعينا وتماسكنا، بينما تبقى الحقيقة بحاجة إلى عقل متزن، وضمير حيّ، وكلمة مسؤولة.


دلالات

شارك برأيك

شيطنة الأفكار

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.