واشنطن – سعيد عريقات – 21/5/2026
تحولت الانتخابات التمهيدية الجمهورية في ولاية كنتاكي من منافسة محلية عادية إلى مواجهة سياسية واسعة سلطت الضوء على نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، بعد خسارة النائب الجمهوري توماس ماسي مقعده أمام المرشح المدعوم من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومنظمات اللوبي الإسرائيلي المتعددة.
المعركة الانتخابية، التي عُدت من أكثر السباقات كلفة وإثارة للجدل هذا العام، شهدت تدفق أموال ضخمة من جهات وشخصيات داعمة لإسرائيل، من بينها المليارديرة ميريام أديلسون، أرملة ملق القمار ـ شيلدون آديلسون، الإسرائيلية الأميركية التي مولت رئيس وزراء إسرائيل، نتانياهو، وحملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في انتخابات عام 2024، بهدف إسقاط ماسي الذي أثار غضب اللوبيات المؤيدة لتل أبيب بسبب مواقفه الرافضة للمساعدات الخارجية، بما فيها الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل.
ورغم خسارته بفارق ملحوظ، فإن نتائج التصويت كشفت عن انقسام متزايد داخل الحزب الجمهوري بشأن العلاقة مع إسرائيل، خاصة بين الأجيال الشابة. وأظهرت تقديرات انتخابية أن غالبية الجمهوريين دون سن الأربعين صوّتوا لصالح ماسي، في إشارة إلى تحولات متسارعة داخل التيار المحافظ تجاه قضايا السياسة الخارجية والنفوذ السياسي المرتبط بإسرائيل.
ويرى مراقبون أن السباق تجاوز حدود التنافس الحزبي التقليدي، ليصبح اختباراً سياسياً لأي نائب جمهوري يحاول كسر الإجماع الأميركي التاريخي المؤيد لإسرائيل. فالحملة ضد ماسي لم تركز فقط على برنامجه السياسي، بل سعت أيضاً إلى تصويره كشخص خارج عن الخط العام للحزب الجمهوري.
وعلى مدى عقود، حافظت إسرائيل على دعم قوي داخل المؤسستين الديمقراطية والجمهورية، بينما لعبت جماعات ضغط نافذة، أبرزها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك”، دوراً مؤثراً في تمويل الحملات الانتخابية وبناء شبكات سياسية وإعلامية واسعة داخل واشنطن.
لكن الحرب الإسرائيلية على غزة وما رافقها من صور دمار وضحايا مدنيين أدت إلى تحولات واضحة في الرأي العام الأميركي، خصوصاً بين الشباب الذين باتوا أكثر تشكيكاً بالرواية الإسرائيلية التقليدية، وأقل استعداداً لمنح دعم غير مشروط لتل أبيب.
هذه التحولات بدأت تمتد أيضاً إلى قطاعات محافظة وليبرتارية داخل الحزب الجمهوري، وهو ما جعل ماسي يمثل نموذجاً جديداً لتيار يميني يرفض التدخلات الخارجية ويرى أن المساعدات لإسرائيل لا تنسجم مع شعار “أميركا أولاً”.
تعكس قضية ماسي تراجع قدرة المؤسسة السياسية الأميركية على ضبط النقاش العام حول إسرائيل كما كان الحال في العقود الماضية. فوسائل التواصل الاجتماعي سمحت للأميركيين بمتابعة الحرب في غزة بشكل مباشر، بعيداً عن الرواية التقليدية التي هيمنت طويلاً على الإعلام الأميركي. هذا التحول خلق وعياً سياسياً مختلفاً لدى الأجيال الجديدة، التي باتت تنظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية وحقوقية أكثر من كونها ملفاً أمنياً مرتبطاً فقط بإسرائيل. كما أن الضغوط الاقتصادية الداخلية دفعت كثيرين للتساؤل عن جدوى استمرار المساعدات الخارجية الضخمة في وقت تتفاقم فيه أزمات الداخل الأميركي.
الحملة الانتخابية ضد ماسي اتسمت باستخدام مكثف للإعلانات السياسية والإنفاق المالي، حيث أغرقت جماعات الضغط الولاية بحملات هدفت إلى عزله سياسياً وتحذير أي نائب جمهوري آخر من تكرار مواقفه.
كما لعب ترمب دوراً مباشراً في المعركة، بعدما اعتبر خسارة ماسي ضرورة سياسية لإعادة فرض الانضباط داخل الحزب الجمهوري، خاصة في ظل تصاعد الأصوات المحافظة التي تنتقد السياسات الخارجية التقليدية للحزب.
وفي خلفية المشهد، برزت أيضاً خلافات أخرى بين ماسي والإدارة الأميركية، من بينها مطالبته المتكررة بالكشف عن وثائق مرتبطة بقضية جيفري إبستين، وهي القضية التي ما تزال تثير جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة.
ومع تصاعد الجدل، بدأت أصوات محافظة تطالب بإخضاع جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لقانون تسجيل العملاء الأجانب “فارا”، الذي يفرض معايير شفافية على الجهات المرتبطة بمصالح أجنبية.
ورغم أن هذه الدعوات لا تزال محدودة التأثير داخل الكونغرس، فإن مجرد تداولها بشكل علني داخل الأوساط الجمهورية يمثل تغيراً مهماً في الخطاب السياسي الأميركي.
لم يعد الجدل داخل الولايات المتحدة يدور فقط حول إسرائيل والفلسطينيين، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بطبيعة النظام السياسي الأميركي نفسه. فتصاعد دور المال السياسي في الانتخابات، خاصة عندما يرتبط بقضايا خارجية، أثار قلقاً متزايداً لدى شرائح واسعة من الأميركيين الذين يشعرون بأن القرار السياسي أصبح أكثر ارتباطاً بالممولين الكبار من الناخبين العاديين. ومع تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية، باتت أي حملة إنفاق ضخمة تُفسَّر لدى كثيرين باعتبارها محاولة لفرض إرادة سياسية على المجتمع الأميركي، وهو ما يفسر حجم الغضب الذي رافق معركة كنتاكي الأخيرة.
ويرى محللون أن ما حدث يعكس أيضاً أزمة داخل تيار "أميركا أولاً"، إذ بات بعض أنصار ترمب يتساءلون عن سبب استمرار الدعم غير المحدود لإسرائيل، في وقت ترتفع فيه معدلات التضخم والديون والأزمات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يتمسك المدافعون عن إسرائيل باعتبارها حليفاً استراتيجياً أساسياً لواشنطن في الشرق الأوسط، ويرون أن أي تراجع في دعمها سيؤدي إلى إضعاف النفوذ الأميركي في المنطقة.
لكن مع اتساع الهوة بين المؤسسة السياسية والرأي العام، تبدو هذه الحجج أقل قدرة على إقناع قطاعات متزايدة من الأميركيين، خاصة الشباب والمحافظين الشعبويين.
وتكشف الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في كنتاكي أن الجدل حول إسرائيل دخل مرحلة جديدة داخل الولايات المتحدة، لم يعد فيها انتقاد السياسات الإسرائيلية محصوراً باليسار التقدمي أو الحركات الطلابية. فوجود أصوات محافظة تنتقد المساعدات الخارجية والنفوذ السياسي للوبيات المؤيدة لإسرائيل يعني أن التحولات باتت أعمق وأكثر اتساعاً. ورغم أن ماسي خسر مقعده، إلا أن حجم التأييد الذي حظي به بين الجمهوريين الشباب يشير إلى تغير تدريجي قد يعيد تشكيل النقاش الأميركي حول الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحروب والأزمات الإنسانية في المنطقة بالتصاعد.





شارك برأيك
انتخابات كنتاكي تفتح ملف النفوذ الإسرائيلي داخل السياسة الأميركية