تحليل

الأحد 17 مايو 2026 9:40 مساءً - بتوقيت القدس

جذور العداء الصهيوني للقوى الاشتراكية: من هرتزل إلى ميلانشون

تشهد الساحة السياسية الغربية تصاعداً ملحوظاً في الهجمات التي تشنها القوى المؤيدة لإسرائيل ضد التيارات التقدمية والاشتراكية. لا تقتصر هذه الحملات على النشطاء والجامعات، بل تمتد لتطال رؤساء أحزاب وحكومات، في محاولة لتقويض أي صوت يعارض السياسات الإسرائيلية أو يدعم الحقوق الفلسطينية.

لقد نجحت هذه الضغوط في إعاقة مسيرة جيريمي كوربين السياسية في بريطانيا، وتستهدف اليوم السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز عبر تمويل منافسيه وتشويه سمعته. وفي فرنسا، يواجه المرشح الرئاسي جان لوك ميلانشون اتهامات مستمرة بمعاداة السامية تهدف إلى عزله سياسياً بسبب مواقفه المبدئية.

الحكومة الاشتراكية في إسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز لم تكن بمنأى عن هذه الاستهدافات، حيث تدعم مصادر مؤيدة لإسرائيل أحزاب اليمين المتطرف مثل 'فوكس'. كما تزايد العداء تجاه السياسيين الأيرلنديين التقدميين الذين يتبنون مواقف قوية ضد الاحتلال في المحافل الدولية.

هذه التكتيكات ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى جذور الحركة الصهيونية التي قدمت نفسها منذ أواخر القرن التاسع عشر كحصن ضد الاشتراكية. لقد سعى مؤسس المنظمة الصهيونية ثيودور هرتزل لإقناع القوى الإمبريالية بأن مشروعه سيبعد الشباب اليهود عن الحركات الثورية والاشتراكية.

في محادثاته مع القيصر الألماني، أكد هرتزل أن الصهيونية ستكون البديل الذي يمنع اليهود من الانخراط في الأحزاب التي تسعى لإسقاط الأنظمة القائمة. واعتبر أن جذب اليهود إلى مشروع قومي في فلسطين هو الوسيلة الأنجع لتحصينهم ضد الأفكار 'الهدامة' والاشتراكية العالمية.

ارتبط وعد بلفور عام 1917 بشكل وثيق بالخوف البريطاني من تمدد الثورة البلشفية في روسيا وتأثيرها على اليهود هناك. وأشارت تقارير استخباراتية آنذاك إلى أن دعم 'وطن قومي' لليهود قد يثنيهم عن الانخراط في الدعاية الاشتراكية والسلمية التي كانت تقلق لندن.

اللورد روبرت سيسيل، المسؤول في الخارجية البريطانية حينها، صرح بوضوح أن تشجيع التطلعات القومية اليهودية هو وسيلة لمواجهة النفوذ البلشفي. وبذلك، تحولت الصهيونية إلى أداة جيوسياسية في يد الإمبريالية لضرب الحركات العمالية والثورية الصاعدة في أوروبا الشرقية.

الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون شارك بريطانيا هذه الرؤية، حيث نبع دعمه لوعد بلفور من القلق إزاء انتشار الشيوعية بين يهود أوروبا. وفي مذكرات العقيد إدوارد هاوس، يظهر بلفور مقتنعاً بأن توطين اليهود في فلسطين سيجعلهم مسؤولين عن 'السلوك المنظم' بدلاً من الفوضى الثورية.

لقد تجلى هذا العداء في كتابات ونستون تشرشل الذي وصف الشيوعية بأنها 'مؤامرة عالمية'، واضعاً الصهيونية في المقابل كخيار قومي يخدم المصالح الغربية. واعتبر تشرشل أن الصهيونية تمثل قوة منافسة فاعلة داخل الأوساط اليهودية لمواجهة النظام الشيوعي العالمي الذي كان يقوده تروتسكي.

في عشرينيات القرن الماضي، حث حاييم وايزمان السلطات الاستعمارية البريطانية في القدس على قمع المستوطنين اليهود ذوي الميول الشيوعية. وأكد وايزمان للمندوب السامي هربرت صموئيل أن الصهيونية والبلشفية ضدان لا يلتقيان، مطالباً بمنع هجرة أي عناصر ثورية إلى فلسطين.

بعد عام 1948، استمرت إسرائيل في تبني سياسات معادية للشيوعية رغم ادعاءات 'الاشتراكية' داخل الكيبوتسات التي كانت مخصصة لليهود فقط. وتحالفت إسرائيل بشكل وثيق مع القوى الاستعمارية الكبرى لمواجهة الأنظمة العربية ذات التوجهات الاشتراكية مثل مصر الناصرية وسوريا.

خلال الحرب الباردة، قدمت إسرائيل دعماً عسكرياً واستخباراتياً لأنظمة دكتاتورية يمين متطرفة في أمريكا اللاتينية ارتكبت جرائم إبادة جماعية. شمل هذا الدعم أنظمة في غواتيمالا وتشيلي والأرجنتين، في إطار استراتيجية عالمية لمحاربة أي نفوذ يساري أو اشتراكي.

اليوم، يعيد التاريخ نفسه عبر مصطلح 'البلشفية الإسلامية' الذي يستخدمه اليمين الفرنسي لتشويه حركة 'فرنسا الأبية'. تهدف هذه المصطلحات إلى شيطنة التحالف بين القوى التقدمية والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يرفضون حرب الإبادة في قطاع غزة.

إن الحملة الصهيونية العالمية الحالية ضد الاشتراكيين هي جبهة مفتوحة تهدف إلى إسكات الأصوات التي تربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية. وتؤكد هذه المواجهة أن إسرائيل وحلفاءها يرون في الفكر التقدمي العالمي التهديد الأكبر لشرعية مشروعهم الاستعماري في فلسطين.

دلالات

شارك برأيك

جذور العداء الصهيوني للقوى الاشتراكية: من هرتزل إلى ميلانشون

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.