في مطلع التسعينيات، وبينما كان العالم يحتفي بسقوط جدار برلين معتقداً بوهم 'نهاية التاريخ'، كان صموئيل هنتنغتون يرسم مساراً مغايراً تماماً. رأى هنتنغتون أن غياب الشيوعية لن ينهي الصراعات، بل سيؤدي إلى انزياح في الصفائح التكتيكية للتاريخ لتصبح المواجهات مبنية على الهويات والجذور الثقافية العميقة.
اليوم، ومع انفجار المشهد في الشرق الأوسط، يبدو أن المواجهة بين المثلث الإيراني والأمريكي والإسرائيلي قد تجاوزت حدود السياسة التقليدية لتصبح صراعاً وجودياً عابراً للحدود. هذا التحول يعيد الاعتبار لرؤية هنتنغتون التي وضعت العالم على حافة مواجهة كبرى تتخذ طابعاً حضارياً بامتياز، حيث تتصادم الرؤى الكونية المختلفة.
تشهد المنطقة حالياً عملية تفكيك قسرية لمفهوم الدولة الوطنية التي فُرضت بعد الحرب العالمية الأولى، لصالح ما يمكن تسميته بـ'الأحواض الحضارية'. الصراع الدائر بين طهران وتل أبيب، ومن خلفهما واشنطن، لم يعد محكوماً بالحدود الجغرافية للدول، بل بات يمثل صداماً عند 'خطوط الصدع' التي تفصل بين الحضارات الكبرى.
تمثل إسرائيل في هذا السياق 'الجيب الحضاري الغربي' الذي يتماس مع الحضارة الإسلامية بأقطابها المتعددة، مما يجعل المنطقة بؤرة الصراع الأكثر التهاباً في العالم. الولايات المتحدة لا تتحرك هنا كدولة تبحث عن النفط فحسب، بل كقائد للحضارة الغربية يسعى لحماية تخومه الأمامية في مواجهة محاولات ترميم الحوض الإسلامي.
تتجلى نبوءة هنتنغتون أيضاً في نشوء تحالف استراتيجي بين الحضارة 'الكنفوشيوسية' المتمثلة في الصين والحضارة الإسلامية لمواجهة التحدي الغربي. هذا المحور لم يعد مجرد فرضية أكاديمية، بل واقعاً تترجمه الشراكات العسكرية والاقتصادية العميقة والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية لكسر الأحادية القطبية.
إن الحرب المستترة التي تتخذ من الساحات اللبنانية واليمنية ميادين لها، هي في جوهرها محاولة من 'البقية' لتحدي الهيمنة الغربية المطلقة. تدرك الصين وروسيا أن انكسار الأقطاب الإقليمية المناهضة للغرب يعني تأبيد الهيمنة الغربية، بينما يعني صمودها نجاح أول عملية اختراق كبرى لمنظومة 'الكونية الغربية'.
تُعد إسرائيل في الفكر الهنتنغتوني نموذجاً للدولة التي تمثل رأس حربة لحضارة غريبة في بيئة حضارية مغايرة تماماً. هذا الوضع يجعل الصراع الحالي يعيد تشكيل الوعي الجمعي الشعبي في المنطقة، متجاوزاً الخلافات السياسية البسيطة نحو حالة من العداء الحضاري المتجذر الذي يصعب تجاوزه بالحلول الدبلوماسية التقليدية.
إن ما يعتبره الغرب قيماً عالمية، تعتبره الحضارات الأخرى إمبريالية ثقافية.
تسببت الحرب الحالية في إنهاء أسطورة 'الاندماج الإقليمي' أو مشروع 'الشرق الأوسط الجديد' القائم على المصالح الاقتصادية البحتة. لقد عادت الجغرافيا السياسية الدينية لتتصدر المشهد، حيث يتم فرز المواقف بناءً على الانتماءات الهوياتية الكبرى التي تتجاوز حدود المصالح المادية الضيقة للدول.
انتقلت خطوط الصدع الحضاري من حدود الدول لتصل إلى قلب المدن الغربية نفسها، وهو ما يظهر في الانقسامات الحادة داخل المجتمعات الغربية حول أحداث غزة ولبنان. هذا التصادم الفكري والثقافي يعكس تحذيرات هنتنغتون بشأن المهاجرين الذين يحملون انتماءاتهم الحضارية ولا يندمجون بالكامل في المنظومة الغربية.
يرى المحللون أن الحرب العالمية الثالثة قد لا تكون جيوشاً كلاسيكية تكتسح القارات، بل سلسلة من الحروب الإقليمية على خطوط الصدع تنجذب إليها القوى العظمى. في الصراع الحالي، تنجذب واشنطن لحماية تابعها الحضاري، بينما تسعى إيران لقيادة محور يمتد من المتوسط إلى الخليج لمواجهة هذا النفوذ.
دخول أقطاب مثل الصين وروسيا في هذا الصراع لن يكون من باب التحالف العسكري التقليدي فقط، بل لمنع الحسم الحضاري لصالح الغرب. هذا السيناريو يمثل 'المواجهة العالمية الكبرى' التي تولد من رحم صراعات محلية تكتسب صفة القداسة الثقافية والروحية لدى أطرافها.
ارتكب الغرب خطأً استراتيجياً بمحاولة فرض قيمه كقيم 'عالمية' صالحة لكل زمان ومكان، متجاهلاً خصوصيات الحضارات الأخرى. الصدام الحالي هو تعبير عن رفض قوى إقليمية ودولية لهذا 'السيستم' العالمي الذي صيغ بعد عام 1945، والمطالبة بنظام يقوم على التعددية الحضارية الحقيقية.
إيران في هذا الصراع لا تمثل نفسها كدولة فحسب، بل تقدم نموذجاً هوياتياً يرفض التبعية المطلقة للنموذج الغربي السائد. هذا المحرك الهوياتي هو ما يجعل الصراع يتجاوز القضايا التقنية مثل السلاح النووي أو النفوذ المليشياوي، ليصل إلى جوهر الوجود الثقافي والسياسي.
في الختام، يبدو أن العالم يتجه إما نحو اعتراف متبادل بالمجالات الحيوية الثقافية أو نحو فوضى شاملة لا تبقي ولا تذر. الرهان الحالي على القوة الصلبة لفرض القيم الغربية قد يفتح أبواب الجحيم على صراع لا يحركه البحث عن الأرض، بل الدفاع عن الروح والهوية والانتماء.





شارك برأيك
نيران الشرق الأوسط ونبوءة هنتنغتون: هل نعيش فصول 'صراع الحضارات'؟