لم تعد المعضلة الفلسطينية اليوم محصورة في سؤال “كيف ننتصر؟”، بل باتت تتمحور بصورة أكثر خطورة حول كيفية منع تحويل الهزيمة إلى نظام حكم دائم، يُدار سياسياً وإدارياً، ويُقَدَّم كواقع لا بديل عنه. ففي أعقاب حرب الإبادة على غزة، والانهيار المتراكم في بنية النظام السياسي الفلسطيني لأسباب معروفة، تتكثف محاولات إعادة تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مسألة إدارة سكان، تحت عناوين إنسانية وإصلاحية وتنظيمية تبدو في ظاهرها واقعية، لكنها في جوهرها تفكيكية.
في هذا السياق، لا يمكن تجاوز حركة «فتح» بوصفها العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، والحركة التي قادت المشروع الوطني منذ انطلاقتها إلى جانب المكونات الأخرى التعددية للثورة والحركة الوطنية. فمسؤوليتها اليوم ليست تنظيمية فحسب، بل تاريخية في لحظة سقوط أوهام أوسلو، والانكشاف الكامل للإرادة الأمريكية–الإسرائيلية الهادفة إلى دفن حل الدولتين ومبدأ حق تقرير المصير، وإعادة تدوير الاحتلال بأشكال أقل كلفة سياسية وأكثر قابلية للإدارة.
المؤتمر الثامن لحركة «فتح» لا ينعقد إذاً في سياق اعتيادي، بل على أعتاب مرحلة سياسية جديدة تتسم بتحولات عميقة؛ إلى جانب المتغيرات الدولية والإقليمية الجارية، ثمة عدوان إبادي مستمر على غزة وتقسيماتها، وتوسع استيطاني وحشي وتهويد ممنهج للضفة، وتهديد وجودي لوظيفة السلطة الفلسطينية كمحطة مفترضة نحو الدولة – دون أن تكون بديلاً عن مشروع التحرر – ومحاولات متسارعة لفصل غزة سياسياً وإدارياً، مع إبقاء مشروع التهجير كخيار مؤجل لا مُلغى. في هذه اللحظة، يصبح السؤال المركزي هو: هل تبقى «فتح» أسيرة دورها كحركة مقيدة بوظائف السلطة تحت الاحتلال، أم تستعيد دورها كحركة تحرر وطني تمتد بين جماهير شعبنا في الوطن والشتات، وتقود إعادة بناء المشروع الوطني التحرري بوضوح الإرادة السياسية والبرنامج والأدوات؟
غير أن أزمة القيادة لا تنفصل عن أزمة البنية. فبالتوازي مع إضعاف الدور السياسي للحركة الوطنية، يجري العمل على تفكيك التمثيل الوطني عملياً، عبر نقل مركز الثقل من السياسة إلى الإدارة. فما يُطرح اليوم في غزة من لجان وهيئات “وطنية” لإدارة الكارثة، لا يمكن قراءته كترتيبات تقنية أو إنسانية مؤقتة، بل كجزء من مسار أوسع لتحويل الإبادة إلى مدخل لإنتاج نظام حكم جديد، بلا سيادة وطنية، وبلا أفق تحرري، يفصل الإغاثة عن التحرر، والاستقرار عن العدالة.
التجربة الفلسطينية نفسها تحذّر من خطورة هذا المسار. فما قُدّم تاريخياً كحلول مؤقتة، من جرائم النكبة إلى الاحتلال، ومن الإدارة العسكرية إلى أوسلو، تحوّل دائماً إلى وقائع مُقَنَّنة.
واليوم، يُعاد إنتاج الخطر ذاته بصيغة “ما بعد الكارثة”؛ حيث تُستبدل المواجهة السياسية مع الاحتلال الاستعماري بمنطق إدارة الواقع تحت سقفه، أو برعاية دولية تتيح الإدارة المباشرة الأمريكية، وخاصة لترامب شخصياً، التي لا ترى في شعبنا الفلسطيني شعباً صاحب حقوق، بل عبئاً إنسانياً ينبغي ضبطه وإعادة بناء "الإنسان الفلسطيني الجديد".
الأخطر أن نموذج “إدارة غزة” لا يُطرح كاستثناء، بل كنموذج قابل للتعميم. ففي الضفة الغربية، تتقدم محاولات موازية لتفكيك الوظيفة السياسية للسلطة الوطنية، عبر ضغوطات واشتراطات وإملاءات ينشط بها الأمريكيون والبعض الأوروبي، تهدف إلى تسييس الحكم المحلي، وإعادة تحميل البلديات والهيئات المحلية أدواراً تتجاوز طبيعتها الخدمية والتنموية، تحت عناوين كـ"فشل السلطة"، أو "الإصلاح" وفق رؤيتهم، أو "اللامركزية"، أو "الانهيار المالي". هنا لا يجري الحديث عن نقل نموذج كامل، بل عن تفكيك تدريجي للتمثيل السياسي الذي غُيّبت إجراءاته لأكثر من عشرين عاماً، وإعادة توزيعه على وحدات محلية متفرقة، تُمنح شرعية وظيفية، لكنها تفتقد لأي رابط وطني سياسي جامع.
في هذا الإطار، تكتسب الانتخابات البلدية دلالة سياسية تتجاوز بعدها الخدمي وفق تعديلات القانون. فالخطر لا يكمن في مبدأ الانتخابات بوصفها حقاً ديمقراطياً أساسياً، بل في توظيفها كبديل سياسي مُقَنَّع، وتحويل الحكم المحلي إلى قناة تمثيل “مقبولة دولياً” يمكن استخدامها لاحقاً للالتفاف على السلطة، ولاحقاً لتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، لا عبر إلغائها، بل عبر إفراغها من مضمونها التمثيلي ودورها السياسي عملياً.
هكذا، يُعاد تعريف الفلسطيني لا كشعب يخوض معركة تحرر وطني، بل كسكان تُدار شؤونهم عبر شبكة إدارات محلية، لكل منها شرعية جزئية، فيما يغيب المشروع الوطني الجامع. وهو مسار لا يستهدف فصيلاً بعينه، ولا يقتصر على إضعاف السلطة، بل يطال جوهر القضية الفلسطينية نفسها، عبر نقلها من حقل التحرر إلى حقل الحوكمة تحت الاحتلال.
من هنا، فإن استحقاق المؤتمر الثامن لحركة «فتح» في أيار القادم يتجاوز مستقبل الحركة نفسها، ليطال مصير النظام السياسي الفلسطيني ككل ودور الحركة الوطنية. فإما أن تُعاد صياغة دور «فتح» كقوة تحرر وطني تقود إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية جامعة عريضة، وتفك الارتباط الوظيفي بين السلطة وأوسلو، وتعاود الاعتبار لمفهوم السلطة كأداة صمود لا كبديل عن التحرر؛ وإما أن يُترك الفراغ ليُملأ بصيغ خارجية تُفرض تحت مُسَمّيات “الإصلاح” و”الاستقرار” و”الإدارة الأكفأ”، بينما يجري تعميق السيطرة وتدوير الاحتلال.
المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة لجان أو بلديات أو صيغ إدارية قد تتحول إلى نزاعات قبلية وعشائرية بحكم نصوص النظام الانتخابي، بل هي معركة الدفاع عن المشروع الوطني التحرري، وعن إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها جبهة وطنية عريضة والإطار التمثيلي الجامع؛ بحيث يتوجب أن تساهم انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر القادم في ذلك المسار. فإما أن يبقى المشروع الفلسطيني مشروع تحرر يتمكن فيه شعبنا من الصمود دون الارتهان لشروط الهيمنة الأمريكية التي لن تطول إمبراطوريتها بفعل صعود قوى جديدة وحركة الشعوب المتصاعدة، وإما أن يُفكّك تدريجياً إلى كيانات مُدارة تبدأ من غزة وتمر بالحكم المحلي وغيرها من اللجان، ولا يُعرف أين تنتهي.
عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح.
أقلام وأراء
الأربعاء 04 فبراير 2026 10:37 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
من «فتح» إلى مُسَمّيات اللجان