أقلام وأراء

الخميس 23 يوليو 2026 5:34 مساءً - بتوقيت القدس

الزراعة الفلسطينية... من ركيزة للتحرير إلى ساحة الصراع على السيادة الاقتصادية

ليست أزمة الزراعة الفلسطينية أزمة مواسم، ولا أزمة مناخ، ولا حتى أزمة تمويل. إنها، في جوهرها، أزمة سياسية واستراتيجية تعكس طبيعة الصراع على الأرض والاقتصاد والسيادة. فمنذ إنشاء السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، لم تتراجع الزراعة بفعل عوامل اقتصادية فقط، بل نتيجة تفاعل مركب بين سياسة إسرائيلية ممنهجة هدفت إلى تقويض مقومات الإنتاج الفلسطيني، وبين سياسات فلسطينية أخفقت في تحويل الزراعة إلى ركيزة أساسية في مشروع بناء الدولة والاقتصاد الوطني.

فالزراعة لم تكن تاريخيًا مجرد نشاط اقتصادي للفلسطينيين، بل كانت إحدى أهم أدوات التمسك بالأرض والحفاظ على العلاقة بين الإنسان والمكان. ولذلك فإن استهدافها لم يكن استهدافًا لقطاع إنتاجي فقط، بل مساسًا بأحد مقومات الوجود والصمود الوطني.

ولعل أخطر ما أفرزته المرحلة التي أعقبت أوسلو لم يكن فقط إعادة تقسيم الأرض الفلسطينية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، بل إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الفلسطيني نفسه. فقد انتقل الاقتصاد تدريجيًا من اقتصاد يسعى إلى الإنتاج، رغم محدودية الإمكانات، إلى اقتصاد مقيد يعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد والخدمات والمساعدات، بينما تراجعت القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة.

لقد أدركت إسرائيل مبكرًا أن السيطرة على الأرض لا تكتمل بالجدران والحواجز فقط، وإنما بإضعاف قدرة الفلسطيني على استثمار أرضه والبقاء فيها. ولذلك لم تكن السياسات الإسرائيلية تجاه القطاع الزراعي إجراءات متفرقة، بل جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا والاقتصاد معًا.

فمصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والسيطرة على الموارد المائية، وتقييد وصول المزارعين إلى أراضيهم، والتحكم في المعابر والأسواق، جعلت القطاع الزراعي يعمل داخل بيئة تفتقر إلى مقومات السيادة الاقتصادية. ولم تتوقف أدوات الضغط عند الأرض والمياه، بل امتدت إلى مختلف حلقات العملية الإنتاجية.

فالزراعة تبدأ قبل الحصاد؛ تبدأ بالبذور والأسمدة والمبيدات والمعدات والتكنولوجيا، ولا تنتهي إلا بالتصنيع والتسويق والتصدير. وفي حين يعمل القطاع الزراعي الإسرائيلي ضمن منظومة متقدمة من البحث والتطوير والرقابة والدعم التقني، يعمل المزارع الفلسطيني غالبًا في بيئة أكثر هشاشة، تتسم بارتفاع التكاليف وضعف الخدمات وتفاوت جودة بعض المدخلات الزراعية.

ويشير العديد من المزارعين إلى تراجع فاعلية بعض المدخلات الزراعية، مثل المبيدات والأسمدة والبذور، وارتفاع أسعارها مقارنة بعائد الإنتاج. وهذه القضية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها شكوى فردية، بل باعتبارها مؤشرًا على الحاجة إلى منظومة وطنية متكاملة للرقابة والفحص والاعتماد تضمن جودة المدخلات الزراعية وتحمي المزارع والمنتج والمستهلك.

ولا تقتصر آثار هذه الإشكالية على انخفاض الإنتاجية، بل تمتد إلى زيادة مخاطر خسارة المواسم الزراعية، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وتراجع القدرة التنافسية للمنتج الفلسطيني في الأسواق المحلية والخارجية. فالفجوة بين الزراعة الفلسطينية والإسرائيلية لا تكمن فقط في نوع المدخلات المستخدمة، بل في المنظومة الإنتاجية بأكملها؛ من البحث العلمي وتطوير الأصناف والمختبرات والإرشاد الزراعي، إلى التكنولوجيا والتمويل والتصنيع والتسويق.

ثلاثة عقود من التراجع البنيوي

تكشف المؤشرات الاقتصادية حجم التحول الذي أصاب مكانة الزراعة الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد تراجعت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 13% في منتصف التسعينيات إلى حوالي 6% في السنوات الأخيرة. كما انخفضت نسبة العاملين في القطاع الزراعي من مستويات تراوحت بين 12% و16% خلال السنوات الأولى للسلطة الفلسطينية إلى نحو 6%-7% في السنوات الأخيرة.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تغيرات اقتصادية، بل تكشف تحولًا أعمق في موقع الزراعة داخل الاقتصاد الفلسطيني؛ إذ انتقلت من قطاع إنتاجي مركزي إلى قطاع فقد جزءًا من وزنه الاستراتيجي نتيجة القيود السياسية والاقتصادية، وضعف الاستثمار، وغياب رؤية تنموية متكاملة.

كما أدى استمرار القيود على استغلال الأراضي، خصوصًا في المناطق المصنفة (ج)، واتساع الاعتماد على الواردات الغذائية، إلى جعل الأمن الغذائي الفلسطيني أكثر هشاشة أمام الأزمات السياسية والاقتصادية.

لكن اختزال الأزمة في الاحتلال وحده، رغم مسؤوليته الأساسية، لا يعفي الجانب الفلسطيني من مسؤولية المراجعة. فبعد أكثر من ثلاثة عقود، لم تنجح السياسات الفلسطينية في تحويل الزراعة إلى أولوية وطنية حقيقية، ولم تُبنَ رؤية تجعلها جزءًا من مشروع اقتصادي متكامل يربط الزراعة بالصناعة والبحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا وسلاسل القيمة.

لقد تحول المزارع الفلسطيني في الخطاب السياسي إلى رمز للصمود، لكن الصمود لا يمكن أن يبقى شعارًا. فالمزارع يحتاج إلى منظومة إنتاج تمكنه من البقاء: مياه، وأرض، ومدخلات موثوقة، وتمويل منتج، وسوق عادلة.

إن ما جرى خلال العقود الماضية يمكن وصفه بأنه تسييس مزدوج للزراعة؛ فمن جهة، استخدمت إسرائيل الزراعة أداة للسيطرة على الأرض والسوق وإضعاف القدرة الإنتاجية الفلسطينية، ومن جهة أخرى، بقيت الزراعة الفلسطينية أسيرة إدارة الأزمات والمشاريع قصيرة الأجل، ولم تتحول إلى محور في استراتيجية التنمية الوطنية.

إن تراجع الزراعة لم يكن مجرد خسارة لقطاع اقتصادي، بل كان مؤشرًا على اختلال أوسع في النموذج الاقتصادي الفلسطيني؛ نموذج أصبح أكثر اعتمادًا على الاستيراد، وأكثر ارتباطًا بالاقتصاد الإسرائيلي، وأقل قدرة على بناء قاعدة إنتاجية مستقلة.

ومن هنا، فإن إنقاذ الزراعة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره سياسة قطاعية محدودة، بل باعتباره مدخلًا لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاج والسيادة والاعتماد على الذات. فالدول التي تواجه حصارًا أو نزاعات لا تتخلى عن قطاعاتها الإنتاجية، بل تجعلها في قلب استراتيجياتها الوطنية، لأنها تدرك أن الأمن الغذائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.

إن القضية اليوم ليست زيادة عدد البيوت البلاستيكية أو توزيع المزيد من الأشتال أو إطلاق حملات موسمية لزراعة الزيتون، على أهميتها. القضية أعمق: إنها إعادة تعريف موقع الزراعة في المشروع الوطني الفلسطيني.

فالزراعة ليست ملفًا إداريًا يخص وزارة بعينها، بل قضية سيادية تتقاطع مع الأرض والمياه والطاقة والبحث العلمي والاستثمار والأمن الغذائي.

ويتطلب ذلك الانتقال من إدارة الأزمات إلى استراتيجية إنتاجية طويلة الأمد تقوم على إنشاء صندوق وطني للاستثمار الزراعي، وتعزيز البحث العلمي الزراعي وربطه باحتياجات المزارعين، وتطوير الصناعات الغذائية وسلاسل القيمة، وبناء منظومة وطنية فعالة للرقابة على المدخلات الزراعية، والاستثمار في تقنيات الزراعة الذكية والإدارة المستدامة للمياه والطاقة.

فمستقبل الزراعة الفلسطينية لن يُحسم في الحقول وحدها، بل في طبيعة الخيارات الاقتصادية والسياسات الوطنية. فالسيادة لا تُقاس فقط بمن يرفع العلم فوق الأرض، بل أيضًا بمن يمتلك القدرة على إنتاج غذائه، وحماية موارده، وزراعة أرضه، وتحويل اقتصاده من اقتصاد استهلاكي تابع إلى اقتصاد إنتاجي قادر على الصمود.

إن إعادة الاعتبار للزراعة ليست قضية تخص المزارعين وحدهم، بل هي إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها، ولمشروع التحرر الوطني في أحد أهم تجلياته الاقتصادية. وإذا كانت العقود الثلاثة الماضية قد كشفت كيف يمكن للاحتلال أن يوظف الاقتصاد أداة للهيمنة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تثبت أن الاقتصاد المنتج، وفي مقدمته الزراعة، يمكن أن يكون أحد أهم أدوات الصمود والتحرر وبناء السيادة الفلسطينية.


دلالات

شارك برأيك

الزراعة الفلسطينية... من ركيزة للتحرير إلى ساحة الصراع على السيادة الاقتصادية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.