حين تستدعي الذاكرة التاريخ إلى الحاضر، فإن المقارنة لا تكون مجرد استذكار، بل لفهم ما يُراد إعادة إنتاجه في ظروف جديدة. هنا، تبرز اتفاقية فاركيزا في اليونان عام ١٩٤٤، بوصفها تجربة غنية بالدروس لما يُطرح اليوم من خطة أميركية إسرائيلية لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني في غزة وفي كامل أراضي دولة فلسطين المحتلة.
بعد انسحاب الاحتلال النازي على إثر دور المقاومة الشعبية في تحرير معظم الأراضي اليونانية، وجدت البلاد نفسها أمام تسوية فرضها الحلفاء خصوصا بريطانيا، التي رأت في الاتفاق وسيلة لتقويض القوة الشعبية وتثبيت عودة النخب الموالية للغرب وتمكين دورها بالمنطقة. الاتفاق نص على حل المقاومة الشعبية وتسليم السلاح مقابل الاعتراف بالحريات السياسية. هذا التدخل العسكري البريطاني لاحقا أدى إلى حرب أهلية مدمرة. فقد رفض قائد المقاومة الشعبية عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني، "أريس فيلوخيوتيس"، الاتفاق لأنه اعتبره خيانة لمبادئ التحرر الوطني، فواصل القتال حتى استُشهد، واضطر بعدها الحزب الشيوعي إلى عقود طويلة ليعيد الاعتبار لموقفه الثوري الواقعي بعد ان كان قد اتخذ قرارا باستبعاده من الحزب.
اليوم، وفي غزة التي ما زالت تشهد محرقة القرن ٢١، يعيد ترامب ونتنياهو أصحاب فكر التطهير العرقي إنتاج مشهد مشابه. المؤتمر الصحفي الأخير أمس الأول بينهما كشف عن تشكيل ما سُمّي بـ"مجلس سلام غزة"، ومنحه صلاحية إعلان حكومة فلسطينية مستقلة للقطاع برئاسة ترامب، بالتوازي مع إعطاء تفويض مطلق لمجرم الحرب نتنياهو باستخدام القوة ضد شعبنا المثقل بالجراح إذا رُفضت الخطة من أجل استمراره بتدمير غزة. إنها صيغة تُشبه اتفاقية فاركيزا باليونان، إطار سياسي يُصنع خارج الإرادة الوطنية، يمنح شرعية بديلة مصطنعة، ويضع القوى الفلسطينية أمام خيار التسليم أو المواجهة بالقوة العسكرية من جهة، والاستبعاد السياسي من جهة أخرى.
اليوم فان الخطر مزدوج، فمن جهة، تهميش منظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني وصاحبة الولاية السياسية والجغرافية، وإعادة تعريف الشرعية الفلسطينية من الخارج عبر قوى مدعومة أمريكيا وإسرائيليا وربما من البعض الإقليمي الذي لم يتمسك يوما بقراراته ولم يتخذ موقفا جريئا في مواجهة فكر الاستعمار فأبقى نفسه ذليلا تابعا دون ادراك مصادر قوته امام لقائه مع ترامب. ومن جهة أخرى، إعادة تدوير مشاريع "السلام الاقتصادي"، بما يعني فصل غزة عن عمقها الفلسطيني واستبدال القضية الوطنية بمقاربة إدارية–إنسانية بإشراف بلير مدمر العراق.
اليوم، يجب أن ندرك أننا أمام مرحلة فلسطينية مفصلية جديدة، حيث تحاول القوى الدولية والإقليمية التي شاركت بلقاء ترامب قبل ايام طي صفحة التاريخ الطويل للثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير كحركة تحرر وطني، وشطب أي دور لحماس في إدارة غزة، وكذلك تهميش السلطة الوطنية تحت شعار "تجديد" أو "إعادة تأهيل".
ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية لشعبنا تقتضي وحدة فلسطينية حقيقية لا تستثني أحدا بعد ضرورة وعي الجميع بأهميتها وبأهمية تنفيذ مقررات جلسات الحوار الوطني السابقة التي وقع عليها الجميع، تبدأ فورا بوقف المفاوضات المنفردة مع الأمريكان من جانب حماس، وبتشكيل حكومة توافق وطني أو إنقاذ وطني عريضة تقوم بالمهمة، وتعزيز برنامج سياسي جامع في إطار منظمة التحرير التي تحتاج بقرار وطني مستقل الى التفعيل والتجديد والأستنهاض الديمقراطي يقطع الطريق على مشاريع الاحتواء والتطويع والتفتيت والتجزىة والتوسع الكولنيالي من خلال الإسراع في محاولات تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، ويحول دون إعادة إنتاج السيطرة الخارجية على الشعب الفلسطيني.
صحيح ان الأولوية العاجلة اليوم هي الإنسان الفلسطيني في غزة ووقف المجزرة المستمرة، والتخفيف من معاناة شعبنا الذي صمد وقدم التضحيات ورفض التهجير حتى في ظل التجويع. إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون ذريعة لتقويض السيادة الوطنية أو إنشاء حكومة فلسطينية لغزة "مُفصلة على المقاس الامريكي الأسرائيلي". المطلوب اليوم هو تعزيز الوحدة الوطنية الواسعة، إعادة الاعتبار لمفهوم ومبدأ القيادة الفلسطينية المستقلة والجامعة وفق التقاليد التاريخية لثورتنا المعاصرة وتراث الفدائيين، ترشيد السلطة بشفافية عالية وتقديم أدوات وطنية مخلصة تُقربنا من الناس ولا تُبعدنا عنها، وتمهد بشكل سريع للانتخابات العامة الرئاسية والبرلمانية بموازاة عقد اجتماع طارئ للمجلس الوطني أو المركزي للمنظمة التحرير بعضوية تبتعد عن مراكز النفوذ والمحاصصات وبمشاركة كافة الفصائل التي يجب ان تدرك المصلحة والمسؤوليات التاريخية في ذلك، من اجل مراجعة نقدية جادة لمسار الحركة الوطنية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو ومن اجل الوصول بارادة سياسية ورؤية واضحة كفاحية وديمقراطية عابرة للفصائلية، تعزز دور الشباب والمرأة والمستقلين الوطنيين والمجتمع الاهلي والكفاءات المختصة، حتى تبقى جذوة السردية الفلسطينية التاريخية وثوابتها حية، وبما يمنع تكرار مأساة فاركيزا اليونانية بنسخة فلسطينية مأساوية.
وعلى حماس وكل فصائل المقاومة في غزة أن تدرك اليوم أن الانخراط في هذا المسار الوحدوي ليس خيارا أو ترفاً، بل مسؤولية وواجب وطني تقتضيه مصلحة شعبنا وقضيتنا التحررية بما يتطلب التوقف عن المفاوضات المنفردة وفك الارتباط بالجهات الخارجية والتخلص من اشتراطات قد أعاقت سابقا مسار مضمون التحرر الوطني من الاحتلال الاستعماري والوحدة الوطنية التي وصفها القائد المناضل مروان البرغوثي بأنها قانون الانتصار، حال شروط انتصار كافة حركات التحرر العالمية. اشتراطات كانت قد قدمت لنا وفُرضت علينا فقط مقابل وعود سرابية واهية لم تثمر عن شيء. كل ذلك أصبح ولو متأخرا ضرورة وطنية لتأكيد القرار الوطني المستقل وحماية حقوق شعبنا الفلسطيني من أي مشاريع خارجية تهدف إلى التفتيت أو الإخضاع او الاحتواء بمسميات مستحدثة، وضمان ألا تُترك الساحة للمغامرين والمطبعين والمصنعين الدوليين ليعيدوا كتابة تاريخنا من جديد وفق مصالحهم.





شارك برأيك
من فاركيزا اليونانية إلى غزة الفلسطينية .. دروس التاريخ وضرورة الوحدة الوطنية