تحليل

الأربعاء 01 أكتوبر 2025 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو وخداع السلام: لماذا تبدو خطة ترمب لغزة وهماً سياسياً

واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات

تكشف القراءة الدقيقة لموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خطة "السلام" المقترحة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة، عن أن الخطة ليست أكثر من مناورة سياسية تهدف إلى كسب الوقت وتلميع صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي. فعلى الرغم من ترويجها كخارطة طريق نحو إنهاء الحرب وتحقيق "حل شامل للصراع"، بحسب ما جاء في تصريحات ترمب، فإن بنودها تبدو منحازة بشكل سافر لمصالح إسرائيل، في حين لا تقدم للفلسطينيين شيئاً حقيقياً فيما يتعلق بالسيادة أو العدالة أو الحق في تقرير المصير.

تتضمن الخطة وقفًا تدريجيًا لإطلاق النار، وانسحابًا مشروطًا لقوات الاحتلال الإسرائيلية، ونزع سلاح حماس وإبعادها عن الحكم في غزة. إلا أن هذه البنود تُفرغ من مضمونها عندما يُنظر إلى شروط التنفيذ والتصريحات العلنية لنتنياهو، الذي لا يزال يرفض مبدأ إقامة دولة فلسطينية. فرغم إعلانه دعم الخطة، يصرّ على إبقاء السيطرة الأمنية الكاملة لإسرائيل في غزة ومحيطها، وهو ما يعني عملياً أن أي تسوية ستكون تحت غطاء الاحتلال الإسرائيلي، وليس اتفاقاً عادلاً أو متوازنًا.

ويرى العديد من المحللين أن قبول نتنياهو بالخطة لا ينبع من قناعة بحل سياسي، وإنما من حاجته لتخفيف الضغوط السياسية التي يتعرض لها في الداخل الإسرائيلي بسبب الاحتجاجات المتواصلة وتراجع شعبيته، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الدولية للعدوان الإسرائيلي على غزة. في هذا السياق، تمنح الخطة نتنياهو مظهر القائد المنفتح على الحلول، دون أن تطلب منه تنازلات فعلية. فهي تشدد على الشروط المفروضة على الفلسطينيين، وتُبقي في الوقت ذاته على الهيمنة الإسرائيلية العسكرية والسياسية.

ما يزيد من هشاشة هذه الخطة هو إقصاء الفلسطينيين الكامل من صياغتها. لم تُستشر أي جهة فلسطينية رسمية أو فصائلية في إعدادها، ما دفع حركة حماس وعددًا من الفصائل الفلسطينية إلى اعتبارها مبادرة منحازة لا ترقى لمستوى مبادرة سلام. كذلك، أثارت الخطة المعدلة استياء شديدًا في صفوف عدد من الدول العربية، التي عبّرت عن قلقها من غياب أية ضمانات تحمي الحقوق الفلسطينية أو تضع حدًا لعمليات التهجير والعدوان المستمر على غزة منذ عامين.

وقد كشفت تقارير إعلامية، أبرزها ما نشره موقع "أكسيوس"، أن النسخة التي أعلن عنها ترمب في البيت الأبيض يوم 29 أيلول 2025 تختلف بشكل كبير عن تلك التي تم تداولها مع عدد من القادة العرب خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 23أيلول على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبحسب التسريبات، كانت النسخة الأصلية تتضمن ضمانات بعدم ضم الضفة الغربية المحتلة، بالإضافة إلى إشارات إلى إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً. إلا أن التعديلات التي تم إدخالها لاحقاً، بطلب مباشر من نتنياهو ووزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر، ألغت هذه البنود كليًا، وركزت بدلًا من ذلك على قضايا مثل وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وتفكيك حكم حماس ونزع سلاحها.

أثارت هذه التعديلات المفاجئة غضباً واسعاً بين الحلفاء العرب، الذين رأوا فيها تنكرًا للتفاهمات الأولية وتراجعًا خطيرًا عن المبادئ التي طالما شكلت الأساس لأي تسوية عادلة، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبحسب صحيفة "نورث ستار"، حذّرت قطر البيت الأبيض من إعلان الخطة بصيغتها المعدلة دون الرجوع إلى الدول الشريكة، وطلبت تأجيل الإعلان، إلا أن الإدارة الأميركية تجاهلت هذه المطالب ومضت قدمًا في طرح الخطة التي رُسمت وفق مقاس المطالب الإسرائيلية.

وفي تطور أكثر إثارة للجدل، لم تتضمن الخطة النهائية أي إشارة إلى إقامة دولة فلسطينية، بل أمهلت حركة حماس فترة زمنية قصيرة للقبول بشروطها، في ما يشبه الإنذار النهائي تحت تهديد "عواقب وخيمة" في حال الرفض. هذا التحول في اللهجة والمضمون أعاد إلى الواجهة الشكوك القديمة حول ما إذا كانت "خطط السلام" الأميركية أدوات ضغط سياسية تهدف إلى إعادة ترتيب الوقائع الميدانية بما يخدم المصالح الإسرائيلية، لا بوصفها مبادرات جدية لحل الصراع.

في ظل غياب أي معالجة للقضايا الجوهرية—مثل إنهاء الاحتلال، وحق العودة، ومساءلة إسرائيل عن جرائم الحرب—لا يمكن النظر إلى خطة ترمب إلا بوصفها محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج الوضع القائم. فخلف الخطاب الدبلوماسي المضلّل، تختبئ نوايا لإدامة الحرب وتكريس الهيمنة، وليست خريطة طريق نحو سلام عادل، كما يُروّج لها. وهكذا، تُطرح تساؤلات جدية حول مصداقية أي مبادرة لا تنطلق من اعتراف واضح بالحقوق الفلسطينية، ولا تضع نهاية للصراع. 

دلالات

شارك برأيك

نتنياهو وخداع السلام: لماذا تبدو خطة ترمب لغزة وهماً سياسياً

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.