عربي ودولي

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 6:07 مساءً - بتوقيت القدس

مؤشرات على تصعيد إسرائيلي مرتقب ضد إيران عقب تعزيز الحراسة على الوزراء

تشهد الساحة الإقليمية حالة من الترقب الشديد عقب تواتر إشارات ترجح إمكانية انخراط إسرائيل بشكل مباشر في المواجهة العسكرية الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران. وأفادت مصادر مطلعة بأن هناك تحركات ميدانية وسياسية داخل تل أبيب تشير إلى أن التصعيد القادم قد يتجاوز حدود المناوشات الحالية ليصل إلى مواجهة شاملة.

وفي تطور لافت، كشفت معلومات مسربة عن تعزيز الإجراءات الأمنية والحراسة حول منازل عدد من الوزراء الإسرائيليين، من بينهم وزيرة مراقبة في الكابينت الأمني والسياسي. وتأتي هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها نتيجة 'زلة لسان' من مقربين، لتعطي انطباعاً بأن القيادة الإسرائيلية تتحسب لردود فعل انتقامية أو تستعد لشن ضربات تتطلب رفع التأهب الأمني.

الوزيرة المعنية، غيلا غامليئيل، تُعرف بمواقفها المتشددة تجاه الملف الإيراني، وقد سبق لها عقد لقاءات مع شخصيات من المعارضة الإيرانية في الخارج وولي عهد الشاه المخلوع. ويرى مراقبون أن تشديد الحراسة على أعضاء الكابينت يعد بروتوكولاً متبعاً قبيل تنفيذ عمليات عسكرية كبرى أو عند توقع هجمات نوعية من الجانب الإيراني.

على الصعيد الأمريكي، اتخذ المشهد منحىً أكثر خطورة بعد إرسال الرئيس دونالد ترمب إخطاراً رسمياً إلى الكونغرس يبلغه فيه بدخول البلاد حالة حرب مفتوحة مع طهران. هذا الإجراء القانوني يمنح الإدارة الأمريكية صلاحيات واسعة لاستخدام القوة الضاربة دون العودة للبرلمان في كل خطوة، مما يمهد الطريق لعمليات عسكرية غير مسبوقة.

وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الهجمات المتبادلة، حيث شنت واشنطن غارات مكثفة رداً على استهداف سفن تجارية في مضيق هرمز تتهم طهران بالوقوف خلفها. وفي المقابل، لم تتوانَ إيران عن قصف منشآت عسكرية تابعة للولايات المتحدة في عدة دول عربية، مؤكدة قدرتها على الوصول إلى القواعد الأمريكية في المنطقة.

يذكر أن المواجهة المباشرة كانت قد اندلعت في فبراير الماضي عندما نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية هجوماً مشتركاً على أهداف إيرانية، مما استدعى رداً إيرانياً طال العمق الإسرائيلي ودولاً خليجية. ورغم التوصل لاتفاق تهدئة في أبريل 2026، إلا أن الانهيار الأخير لوقف إطلاق النار أعاد الصراع إلى نقطة الصفر وبوتيرة أعنف.

حتى اللحظة، لم يصدر بيان رسمي يؤكد نية إسرائيل شن هجوم واسع، إلا أن التحركات على الأرض تشير إلى استعدادات فعلية لمواجهة كافة السيناريوهات. ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه الإجراءات مجرد تدابير احترازية أم أنها ساعة الصفر لانطلاق مرحلة جديدة من الحرب الإقليمية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 5:22 مساءً - بتوقيت القدس

تعثر في 'المناطق التجريبية': مفاوضات روما تبحث الانسحاب الإسرائيلي وسط تباين الأولويات

انطلقت في العاصمة الإيطالية روما، اليوم الثلاثاء، أعمال الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، في خطوة تهدف إلى اختبار مدى جدية تنفيذ التفاهمات المبرمة سابقاً. وتأتي هذه الجولة في وقت حساس يشهد فيه الجنوب اللبناني استمراراً لعمليات التدمير الممنهجة، مما يضع مصداقية المسار الدبلوماسي على المحك أمام الرأي العام الدولي والمحلي.

وأعرب وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن تفاؤله الحذر بشأن إمكانية تحقيق تقدم ملموس خلال هذه المباحثات، لا سيما فيما يتعلق بانسحاب قواته من 'منطقتين تجريبيتين'. وأشار ساعر في تصريحات صحافية من القدس إلى أن الجانب الإسرائيلي يبدي استعداداً للمضي قدماً في هذا المسار، شريطة ضمان الترتيبات الأمنية التي تطالب بها تل أبيب في المناطق الحدودية.

من جانبها، أكدت مصادر رسمية لبنانية أن الوفد المفاوض يضع تثبيت وقف إطلاق النار الشامل على رأس أولوياته في هذه الجولة. ويسعى لبنان إلى الإسراع في تفعيل المناطق التجريبية وتحديد المهام الدقيقة لفرق العمل المشتركة التي ستضم ممثلين عن لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل، لضمان انتقال أمني سلس ومنظم في المناطق المستهدفة.

وتشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى وجود فجوة واسعة في المواقف، حيث تربط مصادر مطلعة تأخير تطبيق التفاهمات بتعنت إسرائيلي واضح. وتطالب سلطات الاحتلال بانتشار الجيش اللبناني في مناطق لا تزال خارج نطاق الاحتلال الفعلي كمرحلة أولية، وهو ما تعتبره بيروت محاولة للالتفاف على الاتفاق الإطاري الذي ينص على انسحاب إسرائيلي متزامن.

وفي سياق متصل، تبدي إسرائيل تشدداً كبيراً في مقاربة ملف الانسحاب، حيث لا يزال الخلاف قائماً حول تحديد النقاط الجغرافية التي سيبدأ منها التراجع العسكري. وتتمسك تل أبيب بمناطق يؤكد الجانب اللبناني أن وحدات الجيش اللبناني منتشرة فيها بالفعل، مما يعقد عملية التنسيق الميداني ويؤخر تنفيذ الخطوات العملية المتفق عليها في واشنطن.

وأفادت مصادر إعلامية بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يبدو مستعجلاً لإنهاء المفاوضات الجارية، حيث يسود اعتقاد لدى القيادة العسكرية بأن إطالة أمد التفاوض تخدم أهدافها في تدمير البنية التحتية للقرى الحدودية. هذا التوجه يثير مخاوف لبنانية من أن تكون المفاوضات مجرد غطاء لاستكمال العمليات العسكرية وتغيير الواقع الجغرافي على الأرض قبل أي انسحاب نهائي.

وعلى صعيد التعديلات المقترحة، يعتزم الوفد اللبناني المطالبة بتغييرات جوهرية في الاتفاق الإطاري، خاصة فيما يتعلق بالبند الذي يمنح القوات الإسرائيلية إمكانية إعادة الدخول للمناطق المنسحب منها. ويرفض لبنان بشكل قاطع التفسير الإسرائيلي الذي يمنح الاحتلال حق 'التحقق الأمني' بعد انتشار الجيش اللبناني، معتبراً ذلك خرقاً فاضحاً للسيادة الوطنية.

وتشدد بيروت على أن مسؤولية تقييم أداء الجيش اللبناني وحصر النشاط الأمني في الجنوب يجب أن تكون من اختصاص الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية فقط. ويأتي هذا الموقف رداً على انتقادات داخلية واسعة طالت الصيغة السابقة للاتفاق، والتي اعتبرها البعض تمنح إسرائيل دوراً رقابياً غير مقبول على الأراضي اللبنانية بعد وقف العمليات القتالية.

كما يسعى المفاوض اللبناني إلى إدراج جدول زمني واضح وملزم لتنفيذ كافة بنود الاتفاق، لتفادي حالة المماطلة التي اتسمت بها الأسابيع الماضية. ويرى الجانب اللبناني أن غياب المهل الزمنية المحددة في الصيغة الحالية سمح للاحتلال بالتهرب من التزاماته، مما أدى إلى بقاء الوضع الميداني على ما هو عليه دون تغيير حقيقي يذكر.

ختاماً، تبقى نتائج جولة روما رهينة بمدى قدرة الوسطاء الدوليين على تقريب وجهات النظر بين مطالب لبنان بالسيادة الكاملة واشتراطات إسرائيل الأمنية. وفي ظل استمرار التحليق المكثف والقصف في بعض المناطق، يظل الترقب سيد الموقف لما ستسفر عنه الساعات القادمة من قرارات قد تحدد مصير الاستقرار في المنطقة الحدودية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 5:07 مساءً - بتوقيت القدس

خلف ستار المستطيل الأخضر.. الحقائق المنسية وراء 'حرب كرة القدم' بين السلفادور وهندوراس

في مساء الرابع عشر من يوليو عام 1969، شهدت منطقة أمريكا الوسطى انفجاراً عسكرياً مفاجئاً حين شنت القوات الجوية السلفادورية غارات مكثفة على أهداف داخل هندوراس. هذا الهجوم الجوي تزامن مع زحف بري واسع النطاق عبر الحدود المشتركة، ليفتتح واحدة من أقصر الحروب في التاريخ الحديث وأكثرها إثارة للجدل.

عُرف هذا النزاع تاريخياً باسم 'حرب كرة القدم'، نظراً لاندلاعه عقب سلسلة من المباريات المشحونة بين منتخبي البلدين ضمن تصفيات كأس العالم 1970. ورغم أن العمليات العسكرية لم تتجاوز مئة ساعة، إلا أن ذكراها ظلت محفورة في الوجدان الشعبي كنموذج لتحول الرياضة إلى ساحة للقتال الدامي.

بدأت التوترات الرياضية في يونيو 1969، حيث تبادل الفريقان الانتصارات في أجواء اتسمت بالترهيب والاعتداءات المتبادلة بين المشجعين. وفي المباراة الفاصلة التي أقيمت في المكسيك، تمكنت السلفادور من حسم التأهل، لكن الفوز الرياضي كان قد سبقه بليلة واحدة قرار سياسي حاسم بقطع العلاقات الدبلوماسية.

تشير القراءات التاريخية المعمقة إلى أن المباريات لم تكن سوى القشرة الخارجية لأزمة بنيوية عميقة الجذور كانت تنهش في استقرار البلدين. فقد كانت السلفادور تعاني من انفجار سكاني هائل وضيق في المساحات الزراعية التي سيطر عليها كبار الملاك، مما دفع الآلاف للهجرة نحو الجارة هندوراس.

مع حلول عام 1969، كان نحو 300 ألف سلفادوري يعيشون ويعملون في هندوراس، وهو ما خلق حساسية اجتماعية واقتصادية بالغة. واعتبر المهاجرون في نظر الفلاحين الهندوراسيين منافسين شرسين على الأرض والرزق، مما جعلهم هدفاً سهلاً للتحريض السياسي والاجتماعي.

استغلت السلطات في هندوراس وجود المهاجرين السلفادوريين كـ 'كبش فداء' لصرف الأنظار عن المطالب الشعبية بالإصلاح الزراعي وتفاوت توزيع الثروات. وبدأت حملات طرد قسرية وعنيفة ضد العائلات السلفادورية، مما أدى إلى تدفق آلاف اللاجئين المذعورين نحو حدود بلادهم الأصلية.

هذا التدفق المفاجئ للمهجرين شكل ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن للسلفادور تحمله، مما وضع القيادة السياسية هناك في مأزق حرج. ووجدت الحكومة السلفادورية نفسها مضطرة للتحرك عسكرياً لإثبات قدرتها على حماية مواطنينها وتصدير أزمتها الداخلية إلى الخارج عبر مواجهة قومية.

إلى جانب أزمة الهجرة، كان هناك نزاع حدودي مزمن حول مناطق غير مرسمة بدقة بين الدولتين، مما أدى لتكرار الحوادث الحدودية. هذه الخلافات الترابية وفرت الوقود اللازم لتحويل أي احتكاك بسيط، حتى لو كان في ملعب كرة قدم، إلى مبرر لشن حرب شاملة.

خلال أيام القتال الأربعة، سقط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح من الجانبين، وتضررت البنية التحتية للمطارات والمواقع الحيوية بشكل كبير. ولم تتوقف المدافع إلا بعد تدخل ضاغط من منظمة الدول الأمريكية التي فرضت وقفاً لإطلاق النار في الثامن عشر من يوليو.

انسحبت القوات السلفادورية في مطلع أغسطس 1969، لكن الجروح التي خلفتها الحرب لم تندمل بسهولة، حيث بقيت العلاقات مقطوعة لأكثر من عقد. وتأثرت حركة التجارة البينية والسوق المشتركة لأمريكا الوسطى بشكل كارثي نتيجة هذا التمزق في النسيج الإقليمي.

يرى المحللون أن تسمية 'حرب كرة القدم' استمرت لأنها تقدم حبكة درامية بسيطة وجذابة لوسائل الإعلام العالمية، بعيداً عن تعقيدات السياسة. فمن الأسهل تصوير الحرب كنزاع بسبب مباراة بدلاً من شرح أزمات الإصلاح الزراعي والنزاعات الطبقية المعقدة.

حتى الوثائق الرسمية الأمريكية التي أرخت للنزاع، حذرت من أن هذا المسمى الرياضي هو 'ستار مضلل' يحجب الأسباب الحقيقية. فالحرب كانت نتاجاً لضغوط ديموغرافية واقتصادية انفجرت في لحظة احتقان وطني وفرتها ملاعب الكرة.

في عام 1980، وقع الطرفان معاهدة سلام شاملة في مدينة ليما، وبعدها بسنوات حسمت محكمة العدل الدولية النزاع الحدودي بقرار نهائي عام 1992. ورغم الحل القانوني، إلا أن الأسباب الاجتماعية التي أدت للحرب ظلت قائمة دون معالجة جذرية.

انتهت الحرب وبقيت أزمة الأرض والفقر تلاحق السلفادور، حيث عاد عشرات الآلاف من المهاجرين ليجدوا أنفسهم بلا مأوى أو عمل. هذا الفشل في معالجة الجذور الاقتصادية مهد الطريق لاحقاً لدخول البلاد في أتون حرب أهلية طاحنة استمرت لسنوات طويلة.

فلسطين

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 4:36 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يغلق المسجد الأقصى ويشن حملة اعتقالات واسعة في الضفة والقدس

أقدمت شرطة الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الثلاثاء، على إغلاق كافة أبواب المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، مانعةً المصلين من الدخول إلى الحرم القدسي الشريف. وأكدت محافظة القدس في بيان لها أن هذا الإجراء التعسفي جاء تحت ذرائع واهية تدعي تنفيذ تدريبات عسكرية داخل ساحات المسجد، مما أدى إلى توتر شديد في محيط البلدة القديمة.

وفي سياق متصل، شهدت بلدة كفل حارس شمال غرب مدينة سلفيت اقتحاماً واسعاً من قبل أكثر من 100 مستوطن متطرف تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال. وقام المستوطنون بتنفيذ أعمال تخريبية استهدفت ممتلكات المواطنين، شملت تكسير مركبات ومحاولات للاعتداء على المنازل السكنية، مما أثار حالة من الذعر بين الأهالي في ساعات الفجر الأولى.

ولم تتوقف اعتداءات المستوطنين عند سلفيت، بل امتدت لتطال بلدة بورين جنوب مدينة نابلس، حيث هاجمت مجموعات مسلحة المنشآت الزراعية التابعة لجمعية أرض وزرع التعاونية. وأفادت البلدية بأن المعتدين قاموا بتدمير وتخريب بيوت بلاستيكية زراعية تقع على الشارع الرئيسي، في خطوة تهدف لضرب صمود المزارعين الفلسطينيين في أراضيهم.

وعلى صعيد المداهمات الميدانية، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة النطاق في مختلف مدن وبلدات ومخيمات الضفة الغربية والقدس المحتلة. وأفاد نادي الأسير الفلسطيني بأن عدد المعتقلين وصل إلى ثلاثين مواطناً، جرى اقتيادهم إلى مراكز التحقيق بعد اقتحام منازلهم والعبث بمحتوياتها بشكل همجي وتنكيلهم بعائلاتهم.

وتخللت هذه الاقتحامات مواجهات عنيفة في عدة مناطق، أطلقت خلالها قوات الاحتلال وابلاً من قنابل الغاز السام والمسيل للدموع باتجاه المواطنين، مما أدى لوقوع إصابات وحالات اختناق عديدة. كما تعمدت قوات الاحتلال إعاقة العمل الإنساني، حيث منعت طواقم الإسعاف من الوصول إلى حالة مرضية طارئة في بلدة بيت فوريك شرق نابلس نتيجة إغلاق الحواجز العسكرية المحيطة.

وفي إجراء قمعي آخر يستهدف الرموز الدينية، أفادت مصادر بأن سلطات الاحتلال قررت إبعاد مفتي فلسطين عن المسجد الأقصى المبارك لمدة أسبوع كامل. وجاء هذا القرار رداً على قيام المفتي بالدعاء للشهداء والأسرى خلال خطبه وصلواته، وهو ما اعتبره الاحتلال تحريضاً يستوجب الإبعاد عن الحرم القدسي الشريف.

تأتي هذه التصعيدات المتزامنة في القدس والضفة الغربية لتؤكد سعي الاحتلال لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى وتضييق الخناق على الفلسطينيين عبر سياسة الاعتقالات الجماعية وحماية اعتداءات المستوطنين. وتستمر هذه الانتهاكات وسط مطالبات فلسطينية بضرورة توفير حماية دولية عاجلة للمقدسات والمواطنين العزل أمام آلة القمع الإسرائيلية.

فلسطين

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 3:22 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة في جباليا: استشهاد مدير مركز الشرطة وعدد من الضباط في غارة إسرائيلية

ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، حيث استهدفت طائرات مسيرة نقطة تابعة للشرطة الفلسطينية في منطقة الفالوجا. وأسفر الهجوم عن استشهاد ثمانية مواطنين، من بينهم العقيد محمد مروان سالم، مدير مركز شرطة المخيم، بالإضافة إلى عدد من الضباط والأفراد وسيدة كانت في المكان.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الغارة وقعت في محيط مدرسة شادية أبو غزالة، وهي منطقة تكتظ بخيام النازحين ومراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الأمان. وقد تسبب القصف في حالة من الذعر الشديد بين العائلات النازحة، فيما حاولت فرق الإسعاف انتشال جثامين الشهداء والمصابين من تحت الأنقاض وسط ظروف أمنية معقدة.

وفي جنوب القطاع، واصلت الطائرات المسيرة الإسرائيلية استهداف خيام النازحين، حيث استشهد المواطن حسام محمد رمضان الشافعي وأصيب ثلاثة آخرون بجروح متفاوتة. ووقع الهجوم في محيط أبراج طيبة غرب مدينة خان يونس، مما يشير إلى تصعيد متعمد ضد التجمعات المدنية التي تم تصنيفها سابقاً كـ 'مناطق آمنة'.

كما شهدت منطقة مواصي رفح جريمة أخرى تمثلت في إطلاق نار مباشر من قبل جيش الاحتلال، مما أدى إلى استشهاد الطفل معتز أبو شعر. وتأتي هذه الحادثة في سياق استهداف القناصة والآليات العسكرية لكل ما يتحرك في المناطق الحدودية والساحلية لجنوب القطاع، ضاربة بعرض الحائط كافة التفاهمات الدولية.

وفي سياق متصل، أعلنت المصادر الطبية عن استشهاد الشاب باسم مسعد ارميلات، متأثراً بجراحه الخطيرة التي أصيب بها في قصف سابق استهدف مخيم القادسية. وتواجه المنظومة الصحية صعوبات بالغة في التعامل مع الحالات الحرجة بسبب نقص المستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل غرف العمليات والعناية المكثفة.

ميدانياً، لم تتوقف المدفعية الإسرائيلية عن قصف المناطق الشمالية الشرقية لمخيم البريج وسط قطاع غزة، مما أدى إلى تدمير واسع في ممتلكات المواطنين. وأفادت مصادر محلية بأن القصف العشوائي طال أراضٍ زراعية ومنازل مأهولة، مما دفع عشرات العائلات للنزوح مجدداً نحو عمق المخيم بحثاً عن ملاذ أكثر أمناً.

ووفقاً للتقرير الإحصائي اليومي لوزارة الصحة، فقد ارتفعت حصيلة ضحايا حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ أكتوبر 2023 إلى 73 ألفاً و233 شهيداً. كما سجلت الوزارة إصابة أكثر من 173 ألف مواطن، مؤكدة أن آلاف الضحايا لا يزالون تحت الركام وفي الطرقات الوعرة التي يصعب على طواقم الدفاع المدني الوصول إليها.

وعلى صعيد خروقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في أكتوبر 2025، كشفت البيانات الرسمية عن استشهاد 1110 فلسطينيين وإصابة نحو 3600 آخرين منذ ذلك التاريخ. وتوضح هذه الأرقام حجم الانتهاكات المستمرة التي يمارسها الاحتلال رغم وجود اتفاقات دولية تهدف للحد من التصعيد العسكري وحماية المدنيين.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية في قطاع غزة طال نحو 90% من المنشآت الحيوية والمدنية. وتقدر المنظمة الدولية تكلفة إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية بنحو 70 مليار دولار، في ظل استمرار الحصار الذي يعيق دخول المواد الأساسية اللازمة للترميم والبناء.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 2:58 مساءً - بتوقيت القدس

حين يصبح الانتماء مرمى آخر


قبل أن تلمس الأقدام الكرة في نصف نهائي المونديال بين فرنسا وإسبانيا، كانت جملة واحدة قد هزت الشباك خارج الملعب. كتب رئيس الوزراء الإسباني الأسبق ماريانو راخوي أن المنتخب الفرنسي يملك تشكيلة رفيعة المستوى، «لكن من دون فرنسيين». كلمات قليلة نقلت الموعد الكروي من حسابات التكتيك والنتيجة إلى استفتاء على معنى المواطنة في أوروبا.
فاللاعبون الذين استهدفتهم العبارة فرنسيون بالجنسية والانتماء، ومعظمهم بالميلاد والنشأة، وصنعتهم مدارس فرنسا وأكاديمياتها. لكن أصولهم الأفريقية والمغاربية أعادتهم، في خطاب قديم يتجدد كلما ارتفعت حرارة السياسة، إلى قفص اتهام، كأن عليهم أن يثبتوا في كل مرة براءتهم من الغربة. وهنا ظهر السؤال الأشد حساسية: هل تكفي الجنسية والولادة والانتماء، أم أن لون البشرة واسم العائلة ما زالا شرطين خفيين للاعتراف الكامل؟
جاء الرد الفرنسي حادا من الحكومة والاتحاد الكروي وأطياف سياسية مختلفة، رأت في الكلام إنكارا لهوية لاعبين يحتفى بهم كفرنسيين حين يسجلون، ثم يعاملون كغرباء حين يبدأ النقاش حول المجتمع. وفي إسبانيا تحول التصريح إلى سجال بين الحكومة والحزب الشعبي، فلم تعد القضية نتيجة مباراة، بل صورة بلد أمام العالم. كان جدلا سياسيا وإعلاميا صاخبا، لا أزمة دبلوماسية رسمية، لكن المسافة بين الاثنين بدت أضيق من خط التماس.
التوقيت نفسه كان جزءا من الرسالة. فالسياسي الذي يثير قضية الهوية عشية مباراة كبرى لا يخاطب جمهورا باردا، بل ملايين مشحونة بالعلم والنشيد والرغبة في الانتصار. وبذلك تمنح الكرة رسالته انتشارا لا توفره المنابر الحزبية: طرف يقدم المنتخب رمزا للوحدة، وآخر يجعله دليلا على تبدل الأمة، وثالث يقتنص اللحظة لتسجيل نقاط انتخابية.
وليست السياسة ضيفا جديدا على الملاعب؛ فمواجهات إنجلترا والأرجنتين ظلت محاطة بظلال الفوكلاند، ومباريات البلقان تحمل ذاكرة الحروب والانقسامات. الجديد هو سرعة الاشتعال: عبارة واحدة تكفي لإطلاق معركة عابرة للحدود قبل صافرة البداية.
لكن المنتخبات الحديثة مرايا لا تكذب. تنوع فرنسا صورة لمجتمعها، وإسبانيا التي يمثلها لامين يامال ونيكو ويليامز تعكس واقعا تعدديا جديدا. لذلك بدا قول يامال إن كرة القدم أداة للاندماج دفاعا عن جيل أوروبي يرفض أن تبقى هويته معلقة على ملامحه.
في المونديال المعاصر لا تتنافس المنتخبات وحدها، بل تتصارع معها روايات الدول عن نفسها. وقد تنتهي المباراة بفائز وخاسر، لكن المفارقة تبقى: يدخل اللاعب الملعب ليدافع عن مرمى بلاده، ثم يخرج منه مطالبا بالدفاع عن حقه في الانتماء إليها. فالهوية حق، لا اختبار دائم في الدم.

فلسطين

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 2:56 مساءً - بتوقيت القدس

شيلو: ندعو إلى تأسيس “مجموعة أصدقاء الصين حول العالم” لتعزيز التعاون الإعلامي والفكري والحوار بين الحضارات

في إطار سلسلة اللقاءات التي يجريها وفد جبهة النضال الشعبي الفلسطيني خلال زيارته إلى جمهورية الصين الشعبية بدعوة من دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، التقى الوفد برئيس دائرة الإعلام والمعلومات في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني شو مين، حيث جرى بحث آفاق التعاون الإعلامي والفكري، ودور وسائل الإعلام ومراكز الدراسات في تعزيز الحوار بين الشعوب.

وأكد حسني شيلو، عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وسكرتير دائرة الإعلام المركزي، وممثل مركز فلسطين لدراسات مبادرة الحضارة العالمية والحوار الديمقراطي، أن الثورة الرقمية والتطورات المتسارعة في تكنولوجيا الإعلام والاتصال تفرض بناء شراكات إعلامية وفكرية أكثر فاعلية، تقوم على تبادل الخبرات والمعلومات، بما يعزز التفاهم بين الشعوب ويخدم قضايا السلم والتنمية والتعاون الدولي.

وأشار شيلو إلى أن مواجهة التحديات التي يشهدها قطاع الإعلام تتطلب تنسيقاً أوسع بين المؤسسات الإعلامية ومراكز الفكر والجامعات، مع التركيز على إعداد الكفاءات الإعلامية الشابة، وتطوير القدرات المهنية والتقنية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة وتعزيز التواصل الحضاري.

كما أشاد بالتجربة الصينية الرائدة في القضاء على الفقر وتحقيق التنمية الشاملة، مؤكداً أن ما حققته الصين يمثل تجربة إنسانية وتنموية جديرة بالدراسة والاستفادة، لما تضمنته من سياسات تنموية متكاملة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وأضاف أن الحزب الشيوعي الصيني استطاع أن يقدم نموذجاً متميزاً في التكامل بين الإعلام والبحث العلمي والأوساط الأكاديمية، الأمر الذي أسهم في إنتاج المعرفة وصياغة السياسات وتعزيز الحوار الفكري، بما يخدم مسيرة التنمية والتحديث.

وفي ختام اللقاء، أعرب شيلو عن تقديره للحزب الشيوعي الصيني ولدائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية على حفاوة الاستقبال وحسن التنظيم، مثمناً جهودها في تعزيز التواصل مع القوى السياسية ومراكز الدراسات والمؤسسات البحثية حول العالم.

ودعا إلى تأسيس “مجموعة أصدقاء الصين حول العالم”، تضم إعلاميين وباحثين وأكاديميين ومراكز دراسات من مختلف القارات، لتكون منصة دائمة لتبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز العمل المشترك، وإطلاق مبادرات إعلامية وفكرية تسهم في ترسيخ الحوار بين الحضارات، وتعميق التفاهم بين الشعوب، وبناء شراكات تخدم السلام والتنمية والعدالة الدولية.

فلسطين

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 2:37 مساءً - بتوقيت القدس

استشهاد مدير شرطة جباليا وضباط آخرين في مجزرة إسرائيلية شمال غزة

أفادت مصادر ميدانية باستشهاد العقيد محمد مروان سالم، مدير مركز شرطة مخيم جباليا، برفقة عدد من ضباط وأفراد الشرطة الفلسطينية إثر غارة جوية نفذها طيران الاحتلال الإسرائيلي. واستهدفت الغارة نقطة أمنية تقع في منطقة الفالوجا بمحيط مدرسة شادية أبو غزالة غربي المخيم شمال قطاع غزة، مما أدى إلى تدمير الموقع وسقوط من فيه بين شهيد وجريح.

وأسفرت هذه المجزرة الجديدة عن ارتقاء ستة شهداء، من بينهم سيدة كانت في محيط الموقع المستهدف، بالإضافة إلى إصابة عدد من المواطنين بجروح متفاوتة الخطورة. وتأتي هذه العملية في إطار استهداف الاحتلال الممنهج للكوادر الشرطية والخدماتية التي تعمل على تنظيم الأوضاع الداخلية في شمال القطاع، مواصلاً بذلك خرقه لكافة المواثيق الدولية لليوم الـ 277 للعدوان.

وفي جنوب القطاع، واصلت قوات الاحتلال استهداف تجمعات النازحين، حيث استشهد الطفل معتز أبو شعر جراء إطلاق نار من آليات الاحتلال استهدف منطقة مواصي رفح التي تكتظ بالخيام. كما شنت طائرة مسيرة إسرائيلية غارة استهدفت خيمة للنازحين بمحيط أبراج طيبة غربي مدينة خان يونس، مما أدى لاستشهاد المواطن حسام محمد رمضان الشافعي البالغ من العمر 36 عاماً، وإصابة ثلاثة آخرين بينهم امرأة وطفل.

وفي سياق متصل، أعلنت المصادر الطبية عن ارتقاء المواطن باسم مسعد ارميلات، متأثراً بجراح بالغة كان قد أصيب بها قبل يومين نتيجة قصف إسرائيلي استهدف مخيم القادسية. وتواجه الطواقم الطبية صعوبات بالغة في التعامل مع أعداد المصابين المتزايدة في ظل النقص الحاد في المستلزمات الطبية وخروج معظم المستشفيات في المناطق المستهدفة عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي.

أما في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، فقد جددت مدفعية الاحتلال قصفها العنيف منذ ساعات الصباح الأولى، حيث تركز القصف على المناطق الشمالية الشرقية لمخيم البريج للاجئين. وأحدثت القذائف المدفعية دماراً واسعاً في البنية التحتية وممتلكات المواطنين، فيما سُمعت أصوات انفجارات متتالية ناتجة عن عمليات القصف المستمرة التي تهدف إلى ترهيب السكان ودفعهم للنزوح القسري.

عربي ودولي

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 1:22 مساءً - بتوقيت القدس

14 يوليو 1958.. اليوم الذي أعاد رسم خارطة العراق من الملكية إلى الجمهورية

شهدت الساعات الأولى من صباح 14 يوليو 1958 تحولاً دراماتيكياً في تاريخ العراق الحديث، حيث تحركت وحدات من الجيش كانت في طريقها للأردن لتنفيذ انقلاب عسكري داخل بغداد. سيطرت القوات على الإذاعة والمواقع الحساسة، معلنة نهاية حكم الأسرة الهاشمية الذي استمر منذ عام 1921، وبداية عهد جمهوري جديد.

انتهى العهد الملكي بنهاية دموية في قصر الرحاب، حيث قُتل الملك فيصل الثاني والوصي السابق عبد الإله، وتبعهما رئيس الوزراء نوري السعيد الذي قُتل في اليوم التالي. هذا الحدث لم يغير فقط رأس السلطة، بل اقتلع جذور نظام سياسي ارتبط لسنوات طويلة بالنفوذ البريطاني وطبقة كبار الملاك.

تأسست المملكة العراقية عقب الحرب العالمية الأولى تحت الانتداب البريطاني، ورغم الاستقلال الرسمي عام 1932، ظلت لندن محتفظة بنفوذ واسع. هيمنت شبكة من السياسيين التقليديين على مقاليد الأمور، مما خلق فجوة متزايدة بين القصر وتطلعات الشارع العراقي المتأثر بالمد القومي.

مثّل نوري السعيد الركيزة الأساسية للنظام الملكي في مراحله الأخيرة، حيث سعى لتعزيز موقع العراق الإقليمي عبر التحالف مع الغرب. إلا أن انضمام العراق لـ 'حلف بغداد' عام 1955 زاد من عزلة الحكومة، واعتبره المعارضون محاولة لاحتواء النفوذ السوفيتي على حساب القضايا العربية.

رغم النجاحات الاقتصادية التي حققها مجلس الإعمار بفضل عائدات النفط، إلا أن ثمار التنمية لم تصل إلى الفئات الفقيرة والمتوسطة بشكل عادل. أدى سوء توزيع الأراضي الزراعية وتركزها في يد فئة قليلة إلى تنامي السخط الشعبي، خاصة في أوساط الفلاحين وسكان المدن المكتظة.

تأثر ضباط الجيش العراقي بتجربة 'الضباط الأحرار' في مصر عام 1952، وشكلوا خلايا سرية داخل المؤسسة العسكرية. زادت أزمة السويس عام 1956 من حدة الاحتقان، حيث وقف النظام الملكي ضد جمال عبد الناصر، بينما كان الشارع العراقي يغلي تأييداً للموقف المصري.

جاء إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958 ليزيد الضغط على الملكيتين في العراق والأردن، اللتين ردتا بتأسيس 'الاتحاد العربي'. ومع تصاعد الأزمات الإقليمية في لبنان، استغل الضباط المتآمرون أوامر تحريك القوات لدعم الأردن لتنفيذ خطتهم في قلب العاصمة بغداد.

قاد عبد السلام عارف القوة التي اقتحمت العاصمة وأعلنت البيان الأول للثورة، بينما كان عبد الكريم قاسم يراقب الموقف مع قواته خارج المدينة. انهارت مؤسسات الحكم الملكي بسرعة فائقة، ولم تجد الحركة العسكرية مقاومة تذكر من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام القديم.

تولى عبد الكريم قاسم رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع، ليصبح الرجل القوي في النظام الجديد، بينما عُين عارف نائباً له. أعلن الدستور المؤقت أن العراق جمهورية مستقلة والشعب مصدر السلطات، معترفاً لأول مرة بالشراكة بين العرب والأكراد في إطار الدولة الواحدة.

انتقل العراق فوراً من المعسكر الغربي إلى سياسة 'الحياد الإيجابي'، حيث انسحب من حلف بغداد عام 1959 وأنهى الاتحاد مع الأردن. عززت الجمهورية الجديدة علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، مما أثار قلق واشنطن ولندن من تمدد الانقلابات القومية في المنطقة.

على الصعيد الاجتماعي، صدر قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1958 لتقويض سلطة الإقطاع وتوزيع الأراضي على الفلاحين. كما صدر قانون الأحوال الشخصية رقم 188 عام 1959، الذي وحد القواعد القانونية للأسرة وعزز حقوق المرأة، ليصبح من أبرز تشريعات العهد الجمهوري.

شهد قطاع الطاقة تحولاً جوهرياً بصدور القانون رقم 80 عام 1961، الذي استعاد معظم مناطق الامتياز غير المستثمرة من الشركات الأجنبية. كانت هذه الخطوة بمثابة التمهيد الفعلي لعمليات تأميم النفط التي جرت في عقود لاحقة، لتعزيز سيادة الدولة على مواردها الطبيعية.

سرعان ما دبت الخلافات بين قادة النظام الجديد حول هوية الجمهورية والعلاقة مع الجمهورية العربية المتحدة. أدى الصراع بين قاسم والشيوعيين من جهة، وعارف والقوميين والبعثيين من جهة أخرى، إلى سلسلة من الاضطرابات الدامية في الموصل وكركوك ومحاولات اغتيال فاشلة.

لم تدم تجربة عبد الكريم قاسم طويلاً، حيث أطاح به انقلاب بعثي في فبراير 1963 انتهى بإعدامه، ليدخل العراق دوامة من الانقلابات العسكرية. ورغم مرور عقود، يظل 14 يوليو تاريخاً منقسماً في الذاكرة العراقية بين من يراه ثورة تحررية ومن يراه انقلاباً أسس لحكم العسكر.

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

مفاوضات روما: اختبار حاسم لآليات الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت سيادة لبنان

انطلقت في العاصمة الإيطالية روما، اليوم الثلاثاء، أعمال الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، في خطوة تهدف إلى نقل التفاهمات الورقية إلى حيز التنفيذ الميداني. وتأتي هذه الجولة في توقيت حساس، حيث يسعى الوسطاء الدوليون إلى تثبيت دعائم الاستقرار على الحدود الجنوبية للبنان ومنع انزلاق الأوضاع نحو تصعيد عسكري جديد.

أفادت مصادر مطلعة بأن النقاشات في روما تتركز حالياً على اختبار مدى جدية الأطراف في تنفيذ البنود المتفق عليها سابقاً، مع وجود تباين واضح في وجهات النظر حول آلية الانسحاب الإسرائيلي. ويسعى الجانب اللبناني إلى انتزاع جدول زمني محدد يضمن خروج القوات الإسرائيلية من المناطق الحدودية بشكل تدريجي ومنظم.

دخلت الدولة اللبنانية هذه الجولة بموقف رسمي موحد، حيث أصدر الرئيس جوزيف عون توجيهات صارمة للوفد المفاوض بضرورة التمسك بخطوات تنفيذية واضحة لا تقبل التأويل. وتتضمن الرؤية اللبنانية البدء بانسحاب إسرائيلي من مناطق جغرافية محددة تُعتمد كنموذج أولي، ليحل مكانها الجيش اللبناني فوراً لضمان الأمن والسيادة.

من جانبها، أوضحت مصادر رسمية أن اجتماعات روما ستشهد تشكيل لجان عمل متخصصة تتولى معالجة التعقيدات التقنية والقانونية والأمنية المرتبطة بالاتفاق. وتهدف هذه اللجان إلى صياغة مسودة نهائية تتضمن المواعيد الدقيقة لإعادة انتشار القوات، وذلك تحت إشراف مباشر من الإدارة الأمريكية التي ترعى هذا المسار التفاوضي.

في المقابل، تظهر إسرائيل مواقف أكثر تشدداً فيما يخص ملف الانسحاب من الجنوب، حيث تربط تحركاتها الميدانية بضمانات أمنية تتجاوز ما ورد في نص الاتفاق الأصلي. وتطالب تل أبيب بترتيبات خاصة تتعلق بآليات الرقابة الدولية وانتشار الجيش اللبناني، بالإضافة إلى إثارة ملف السلاح غير الشرعي كشرط أساسي للتقدم.

لا يزال الخلاف قائماً حول تحديد 'نقطة البداية' للانسحاب، إذ تتمسك إسرائيل بالبقاء في مناطق يدعي لبنان أن جيشه الوطني ينتشر فيها بالفعل ولا مبرر للوجود الإسرائيلي فيها. هذا التباين في قراءة الخرائط الميدانية يمثل العقبة الأبرز التي تحاول لجان العمل التقنية تفكيكها خلال المداولات الجارية في العاصمة الإيطالية.

وعلى الصعيد السياسي، يعول الرئيس اللبناني جوزيف عون بشكل كبير على الدور الذي يمكن أن تلعبه واشنطن في ممارسة ضغوط حقيقية على الجانب الإسرائيلي. وأبدى عون عزمه التواصل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لحثه على إلزام تل أبيب بتنفيذ تعهداتها، مؤكداً أن التفاوض هو السبيل الوحيد لتحقيق أمن مستدام.

يرى مراقبون سياسيون أن هامش المناورة المتاح أمام المفاوض اللبناني يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الولايات المتحدة على التحول من دور 'مدير الأزمة' إلى 'صانع الحل'. ويشير محللون إلى أن واشنطن وتل أبيب تلتقيان عند ضرورة بسط سيادة الدولة اللبنانية، مما يجعل ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية حاضراً بقوة في كواليس المفاوضات.

وضع الجيش اللبناني من جهته خطوطاً حمراء واضحة تتعلق بطبيعة مهامه الميدانية القادمة، حيث يرفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال التنسيق المباشر مع القوات الإسرائيلية. كما أكدت القيادة العسكرية اللبنانية رفضها القيام بأي عمليات مداهمة لمنازل المدنيين، معتبرة أن دورها ينحصر في حماية الحدود وحفظ الأمن الوطني وفق القوانين المحلية.

تتجه الأنظار حالياً إلى ما يُعرف بـ 'المناطق التجريبية' التي اقترحتها واشنطن لتكون منطلقاً لتنفيذ الاتفاق، وهي مناطق تثير تساؤلات حول طبيعتها القانونية والميدانية. وسيكون نجاح الأطراف في التوافق على هذه المناطق الاختبار الحقيقي الأول لقدرة مفاوضات روما على تحقيق خرق ملموس ينهي حالة التوتر الحدودي المستمرة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

في عشق الساحرة المستديرة!

أقل الكلام


مع اكتمال أضلاع المربع الذهبي في المونديال العالمي المثير للجدل، برصيدٍ يمتد لسبعة ألقابٍ تاريخية، تشتعل المنافسة، ويرتفع منسوب "الأدرينالين" لدى المشجعين في المدرجات، وفي الصالونات المفتوحة على الشاشات؛ صالوناتٌ باتت جزءاً أصيلاً من الاستادات المشتعلة بصخبها، وانفعالاتها، وعلامات الدهشة والذهول المرتسمة على وجوه المتابعين المنقادين وراء شغف اللعبة، والمتعبين من خساراتٍ لم تكن مستحقة، تماماً كما جرى للمنتخب المصري أمام راقصي التانغو.
ومع اقتراب المنافسات من فصولها الختامية، حرصتُ على متابعتها برفقة العائلة، حيث تتوفر الخدمات السريعة والإمدادات اللوجستية الكريمة من زوجتي الحبيبة؛ وهي التي لا ناقة لها ولا جمل في كرة القدم، لكنها تحرص على رصد انفعالات الزوج والأبناء، لا سيما البنات الحبيبات اللاتي انتقل إليهن شغف المتابعة بالعدوى، وفي ظل هذه "اللمة" الجميلة التي تضفي أجواءً من البهجة والتصفيق للأهداف، خاصة إذا ما وُقِّعَت بأقدامٍ عربية.
يُعيدني هذا المشهد إلى مونديال عام 1986، حين كتبتُ مقالاً بعنوان "أمي وكأس العالم"؛ فقد كانت -طيّب الله ثراها- تحفظ أسماء نجوم تلك الحقبة كما تحفظ أسماء أبنائها: مارادونا، وزيكو، وسقراط، وبلاتيني. وأذكر أنها بكت بحرقةٍ حينها لخسارة المغاربة أمام الألمان في ثمن النهائي، كما تألمت لإصابة الحارس الجزائري نصر الدين دريد خلال المواجهة الشرسة مع الإسبان.
لقد سبقتْ أمي تقنية "الفار" بعقود؛ فكانت تحتج بحرارةٍ على أخطاء اللاعبين الخفية عن أعين الحكام، لكنها فرحت لـ"يد مارادونا الإلهية" التي سجلت هدفاً في الشباك الإنجليزية في الدور ربع النهائي من البطولة، وكان يروق لها رأي المدرب البرازيلي الفيلسوف "سانتانا" في دعوته لإلغاء الركلات الترجيحية واستبدالها بإعادة المباريات.. (يتبع).


أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

التأسيس الثالث لفلسطين: في مواجهة هندسة التفكك

تجاوزت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة مجرد كونها حربًا تستهدف الأرض والإنسان، أو مجرد محاولة عسكرية لفرض وقائع جديدة عبر القتل والتدمير والتجويع والتهجير، إلى مستوى أكثر عمقًا وخطورة، الأمر الذي يكشف عن تَحَوُّل في طبيعة الاستراتيجية الصهيونية ذاتها، من مفهوم استراتيجية إدارة الصراع الذي حكم السياسة الإسرائيلية لعقود، إلى محاولة هندسة التفكك الفلسطيني وإعادة تشكيل الحالة الفلسطينية، بما يخدم أهدافًا تتجاوز اللحظة العسكرية، نحو إعادة صياغة شروط الوجود الفلسطيني السياسي والاجتماعي.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التناقضات المتراكمة التي تواجه المشروع الصهيوني؛ إذ أن استمرار التفوق العسكري لم ينتج حسمًا تاريخيًا، كما أن القدرة على السيطرة لم تتحول إلى قدرة على إنهاء حضور الشعب الفلسطيني أو تجاوز قضيته. فبعد عقود من الاحتلال والاستيطان، ورغم ما امتلكته إسرائيل من قوة عسكرية ودعم سياسي واسع، خاصة من واشنطن ومن يدور في فلكها، بقي الفلسطيني حاضرًا كهوية وطنية وفاعلًا سياسيًا وتاريخيًا، كما بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي.
ومن هنا، فإن الانتقال من محاولة الحسم إلى محاولة التفكك لضمان الحسم لا يعكس فائضًا في القوة بقدر ما يكشف عن مأزق استراتيجي للمشروع الصهيوني. فعندما تعجز القوة عن إنتاج استسلام سياسي، يصبح الرهان على إنهاك حامل القضية ذاته؛ أي المجتمع الفلسطيني عبر إضعاف شروط تماسكه، وتقويض مؤسساته، وتشويه وعيه الجمعي، وتعميق تناقضاته الداخلية وتحويلها إلى بديل عن المواجهة مع الاحتلال ومنظومة السيطرة الاستعمارية. وهنا يجب التوقف أمام اتساع ظواهر تضخيم واشعال التباينات الثانوية وتحولها إلى حالة احتراب إعلامي تملأ الفضاء العام، لا سيما في ظل تراجع المشترك وغياب قيادة تمتلك رؤية جامعة وثقة متبادلة مع شعبها ومع المجتمع، لتُبقي البوصلة دومًا في مواجهة استراتيجيات الإبادة والتهجير.
إن مفهوم “هندسة التفكك” لا يعني مجرد الاستفادة من واقع الانقسام الفلسطيني فقط، بل يشير إلى محاولة تحويل هذا الانقسام إلى مسار دائم يعيد تشكيل الواقع الفلسطيني من داخله. فالمطلوب ليس فقط منع الوحدة السياسية، وإنما إضعاف القدرة على إنتاج وحدة وطنية ذات معنى، بحيث يصبح الفلسطينيون منشغلين بإدارة أزماتهم الداخلية أكثر من قدرتهم على مواجهة المشروع الذي وَلَّد هذه الأزمات واستثمر فيها.
تأتي هذه الاستراتيجية في سياق مأزق أوسع يواجه المشروع الصهيوني نفسه. فقد ذهب عدد من الباحثين، ومن بينهم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، إلى أن المشروع الصهيوني يواجه أزمة بنيوية قد تهدد استمراره بصيغته الحالية. ولا يعني ذلك بالضرورة انهيارًا وشيكًا، وإنما يشير إلى أن التناقض بين منطق السيطرة الدائمة وبين استحالة إنهاء الوجود الفلسطيني يضع المشروع أمام أسئلة تاريخية عميقة حول مستقبله.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم سياسات التهجير والتفتيت والضم والاستيطان ومنع إعادة الإعمار، ليس فقط كأدوات للسيطرة على الحاضر، بل كمحاولات لتشكيل المستقبل، عبر إضعاف الطرف الذي يمثل التحدي التاريخي الأكثر جوهرية للمشروع الصهيوني، وهو استمرار وجود شعب فلسطيني يمتلك هوية وطنية وذاكرة جماعية وحقًا سياسيًا غير قابل للمحو
لقد أصبح الانقسام الفلسطيني أكثر من مجرد واقع تستفيد منه إسرائيل؛ فقد تحول إلى عنصر وظيفي في استراتيجية أوسع. فهي تدرك أن الحد الأدنى من وحدة الفلسطينيين، سياسيًا ومؤسساتيًا ومجتمعيًا، قادر على إعادة تقديم القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية وتقرير المصير، وليس باعتبارها نزاعًا داخليًا بين قوى فلسطينية متنافسة.
لكن الخطر الأعمق لا يكمن في الانقسام السياسي وحده، بل في محاولة نقله إلى مستوى تفكيك النسيج الوطني والاجتماعي. فالمشروع الصهيوني لا يستهدف المؤسسات والقيادات فقط، بل يستهدف المجال الوطني الجامع نفسه؛ عبر التهجير، وتقطيع الجغرافيا، ومنع إعادة الإعمار، وتسريع الاستيطان والضم، وإضعاف الروابط التي تجعل الفلسطينيين شعبًا واحدًا رغم تعدد أماكن وجودهم.
ومن هنا يمكن فهم محاولات تغذية النعرات الجهوية والعائلية والفئوية، وتعميق فقدان الثقة بين مكونات المجتمع، ودفع الحالة الفلسطينية نحو ما هو أخطر من الانقسام: نحو التآكل الداخلي. فحين تتقدم الهويات الجزئية على الهوية الوطنية، وحين يتحول الألم المشترك إلى مجال إضافي للتنافس والانقسام، يكون الاحتلال قد حقق أحد أخطر أهدافه؛ ليس فقط السيطرة على الأرض، بل إضعاف القدرة على إنتاج معنى مشترك للمستقبل.
فالمجتمعات لا تنهزم فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد شعورها الجماعي بوحدة مصيرها، وبقدرتها على تجاوز خلافاتها، وبحقها في إنتاج مشروع جامع. ولهذا فإن التفكك ليس مجرد حالة سياسية عابرة، بل عملية تاريخية يمكن أن تعيد تشكيل الوعي والعلاقات الاجتماعية إذا لم تتم مواجهتها.
إن مواجهة هذه الاستراتيجية لا تبدأ فقط بإنهاء الانقسام، ولا الاكتفاء بالدعوة إلى الوحدة الوطنية كشعار أخلاقي مجرد، بل تبدأ بإعادة بناء الأساس الذي يمنح الوحدة معناها، وهي الفكرة الوطنية الفلسطينية. فالمشروع الوطني، مهما بلغت أهميته، ليس أصل الحكاية؛ بل هو التعبير السياسي والمؤسساتي عن فكرة أعمق سبقت نشوءه ومنحته شرعيته؛ فكرة الشعب الفلسطيني الواحد، صاحب الحق في تقرير مصيره، والقادر على تجاوز محاولات اقتلاعه وتجزئته.
لقد كانت الفكرة الوطنية الفلسطينية هي التي منعت النكبة من تحويل الفلسطينيين إلى مجرد مجموعات من اللاجئين المنفصلين عن وطنهم وقضيتهم، وهذا ما يمكن اعتباره بالتأسيس الأول لهذه الفكرة. أما التأسيس الثاني فقد تمثل بنشأة الحركة الوطنية المعاصرة ومؤسساتها وأطرها التمثيلية التي أعادت للشعب الفلسطيني حضوره كفاعل تاريخي، والتي يبدو أنها تستنفد دورها.
أما اليوم، فإن التحولات العميقة التي فرضتها حرب الإبادة تفرض تأسيسًا ثالثًا للفكرة الوطنية الفلسطينية؛ تأسيسًا لا يلغي التجربة السابقة، بل يستخلص دروسها ويعيد بناء المجال الوطني على أسس أكثر رسوخًا؛ الشراكة بدل الإقصاء، والديمقراطية بدل الاحتكار، والمواطنة بدل العصبيات، والشرعية الشعبية بدل شرعية الأمر الواقع.
فالتحدي الحقيقي ليس فقط إعادة بناء المشروع الوطني، بل حماية الفكرة التي تمنحه الحياة والمعنى. فالمشاريع السياسية يمكن أن تتعثر أو يعاد تشكيلها، أما إذا تآكلت الفكرة الوطنية الجامعة، فإن القدرة على إعادة البناء تصبح أكثر صعوبة.
لقد انتقلت الاستراتيجية الصهيونية من إدارة الصراع إلى هندسة التفكك الفلسطيني، لأن إنهاء القضية بالقوة لم يعد ممكنًا، ولأن استمرار وجود شعب فلسطيني موحد في هويته ووعيه وحقوقه يمثل التحدي التاريخي الأعمق للمشروع القائم على الإقصاء والهيمنة.
ولذلك فإن أولويات المرحلة لا تقتصر على مقاومة الاحتلال أو إعادة بناء المشروع الوطني، بل تبدأ بإعادة تأسيس الفكرة الوطنية الفلسطينية نفسها؛ الفكرة التي تجعل من فلسطين قضية شعب، لا مجرد أرض متنازع عليها، ومن الوحدة ضرورة تاريخية لا خيارًا سياسيًا عابرًا. فالمعركة اليوم ليست فقط على غزة أو الضفة، ولا فقط على شكل النظام السياسي القادم، بل على معنى فلسطين نفسها؛ هل تبقى قضية شعب واحد يحمل مشروعًا تاريخيًا للتحرر، أم تتحول إلى مجموعة قضايا مجزأة تديرها الوقائع التي يفرضها الاحتلال؟
وإذا كان الاحتلال يسعى إلى هندسة التفكك، فإن الرد التاريخي يجب أن يكون إعادة بناء الوحدة على أساس جديد؛ شرعية شعبية، وشراكة وطنية، ومواطنة جامعة، وقيادة مؤتمنة على الألم والتضحيات الكبرى الفلسطينية، وكذلك على المستقبل والمصير الوطنيين.
فالفكرة الوطنية هي التي أنجبت المشروع الوطني، وهي وحدها القادرة على تجديده وحمايته من التآكل، وتحويل الصمود الفلسطيني من مجرد بقاء إلى قوة تاريخية قادرة على صناعة الحرية والعدالة والاستقلال الوطني الناجز.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

اقتصاد فلسطيني... أم اقتصادان؟


بقلم: د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة
في بداية عام 2026، توقعت سلطة النقد الفلسطينية والجهاز المركزي للإحصاء نمو الاقتصاد الفلسطيني بنسبة تراوحت بين 4.1% و4.5%. لكن بعد ستة أشهر فقط، كشفت البيانات الرسمية نفسها عن انكماش بلغ 8%، وتراجع نصيب الفرد من الناتج إلى 545 دولارًا فقط. وبين الرقمين لا تكمن مجرد فجوة إحصائية، بل قصة اقتصاد يتغير أسرع من قدرة التوقعات على اللحاق به.
توقّع مبني على افتراضات، لا على تعافٍ فعلي
السيناريو الذي بُني عليه هذا التوقع لم يكن توقعًا بتحسن جوهري، بل افتراض بـ"استمرار الأوضاع القائمة دون تغيرات جوهرية" — بقاء القيود على الحركة والمعابر كما هي، واستمرار محدودية النشاط في غزة ضمن نطاق المساعدات الإنسانية، مع تعطل جزء كبير من العمالة عن سوق العمل الإسرائيلي. بمعنى آخر، كان نموًا هامشيًا محسوبًا من قاعدة منخفضة جدًا بعد انكماش غزة الذي تجاوز 80% عام 2024.
المشكلة أن حتى هذا التوقع المتواضع لم يصمد أمام بيانات الربع الأول، حيث سجل اقتصاد الضفة الغربية وحده تراجعًا بنسبة 8%، رغم أنه المنطقة الأقل تضررًا مباشرة من الحرب. وهذا يعني أن الانكماش لم يعد محصورًا في القطاع الأكثر دمارًا، بل امتد إلى الاقتصاد الذي كان يُفترض أن يقود التعافي.
هل ما زلنا نتحدث عن اقتصاد فلسطيني واحد؟
الاقتصاد الفلسطيني اليوم لم يعد اقتصادًا واحدًا بالمعنى العملي، بل اقتصادين يختلفان في بنية النشاط، ومستويات الأسعار، وسوق العمل، ومعدلات الفقر، وحتى في ديناميكيات النمو والانكماش. فمعدل التضخم في فلسطين سجل تقلبات حادة خلال العام الماضي، وصلت إلى ارتفاع سنوي بنسبة 10.5% إجمالًا لعام 2025، لكن بتفاوت صارخ بين المناطق: استقرار شبه تام في الضفة الغربية (-0.11%)، مقابل ارتفاع صادم في غزة بلغ 21.93% نتيجة ندرة السلع وانهيار سلاسل الإمداد. الأمر ذاته ينطبق على سوق العمل: بطالة بلغت 28.7% في الضفة نهاية 2025، مقابل ما يتجاوز 80% في غزة، وعلى الفقر: 11.5% في الضفة مقابل 63.6% في غزة.
هذا التفاوت يعني أن الحديث عن "اقتصاد فلسطيني واحد" أصبح تبسيطًا مضللًا؛ فما يحدث في الضفة لا يعكس بالضرورة ما يحدث في غزة، وهو ما يستدعي مراجعة منهجية العرض الإحصائي نفسه، بحيث تُقدَّم بيانات المنطقتين بشكل منفصل بدل دمجها في رقم وطني واحد قد يخفي أكثر مما يكشف.
فجوة السبب: لماذا لم يتحقق السيناريو؟
الفارق بين التوقع والواقع لا يعكس خطأً في المنهجية الإحصائية بقدر ما يعكس تغيّرًا في المتغيرات نفسها. فبينما افترض التقرير استقرارًا نسبيًا في القيود، شهدت الأشهر التالية تصعيدًا في احتجاز أموال المقاصة التي تشكل نحو 70% من الإيرادات العامة، واستمرار القيود على تحويلها لأكثر من عام، إضافة إلى تفاقم أزمة السيولة المصرفية المرتبطة بتكدس الشيكل. كما سجل مؤشر الإنتاج الصناعي، وهو مقياس تشغيلي مباشر بعيدًا عن الاستهلاك المموّل بالمساعدات، تراجعًا إضافيًا بنسبة 1.15% في أيار/مايو 2026، وهو ما يوثق أن الانكماش اتجاه مستمر لا حدث عابر في ربع واحد.
ويُشار إلى هذه الفجوة في الأدبيات الاقتصادية بمفهوم "خطأ التنبؤ الاقتصادي" (Forecast Error)، أي الفارق بين النتائج المتوقعة والنتائج الفعلية، وهو فارق يتسع عادة في الاقتصادات المعرضة للصدمات السياسية والأمنية المتكررة.
ولا يقتصر أثر الانكماش على تراجع الإنتاج، بل يمتد إلى إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار وتراجع حاد في تكوين رأس المال الثابت في ظل حالة عدم اليقين السياسي والأمني. كما ينعكس ذلك على القطاع المصرفي، حيث تتزايد الضغوط على السيولة، وترتفع المخاطر الائتمانية، وتتراجع شهية التمويل، بما يحول الأزمة من تباطؤ اقتصادي إلى دورة انكماش مالي واقتصادي متبادلة التأثير. وهذا يعني أن آثار الأزمة لن تتوقف عند عام 2026، بل ستمتد إلى القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني لسنوات لاحقة، لأن الاستثمار المؤجل اليوم يتحول إلى طاقة إنتاجية مفقودة غدًا.
نمط متكرر في الاقتصادات الهشة
ولا تُعد الفجوة بين التوقعات والنتائج أمرًا استثنائيًا في الاقتصادات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، حيث تُراجع توقعات النمو بصورة متكررة مع تغير الظروف الميدانية. إلا أن خصوصية الحالة الفلسطينية تكمن في أن المتغيرات السياسية والمالية تتبدل بوتيرة أسرع من قدرة النماذج التقليدية على استيعابها، ما يجعل التوقعات عرضة للتجاوز خلال أشهر قليلة.
لماذا هذه الفجوة مهمة لصانع القرار وللمانحين؟
قد يبدو الفارق بين توقع رسمي وواقع فعلي مسألة تقنية بحتة، لكنه يحمل دلالة أعمق: فالسيناريوهات الرسمية تُستخدم كأساس لتخطيط الموازنة العامة وتصميم برامج الدعم الدولي. حين يكون التوقع الأساسي أعلى من الواقع بفارق يقارب 12 نقطة مئوية، يصبح أي تخطيط مبني عليه عرضة لخلل في التمويل والتنفيذ منذ اليوم الأول.
وحين تُبنى خطط التمويل الدولية على سيناريو يفترض تعافيًا تدريجيًا، بينما تكشف البيانات الفصلية استمرار الانكماش، تصبح فجوة التمويل نتيجة طبيعية لهذا التباين، وليست مجرد نقص في حجم المساعدات المقدَّمة في مؤتمرات كمؤتمر المانحين الذي عُقد مؤخرًا في بروكسل. وهذه الفجوة لا تُقاس نظريًا فقط؛ فالدين العام الذي تجاوز 15.4 مليار دولار يعكس كيف تحوّلت فجوة التمويل غير المرصودة إلى اقتراض متراكم تتحمله الأجيال المقبلة.
خلاصة: أهمية القراءة النقدية للأرقام الرسمية
لا يعني هذا التحليل التشكيك في مهنية سلطة النقد أو الجهاز المركزي للإحصاء، فكلاهما يعملان ضمن منهجيات علمية معترف بها دوليًا، والتنبؤات الاقتصادية بطبيعتها احتمالية مبنية على افتراضات قابلة للتغير، لا سيما في اقتصاد يعمل تحت قيود سياسية خارجة عن إرادته. إن الاقتصاد الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى تمويل أكبر، بل إلى نظام إنذار اقتصادي مبكر، يُحدّث التوقعات بصورة ربع سنوية، ويمنح صانع القرار والمانحين صورة أقرب إلى الواقع. فحين تتغير الظروف بوتيرة أسرع من أدوات القياس، يصبح تحديث البيانات جزءًا من إدارة الأزمة، لا مجرد عمل إحصائي دوري. وفي اقتصاد يتغير بهذه السرعة، تصبح مرونة التوقعات جزءًا من جودة الحوكمة الاقتصادية، لا مجرد مسألة فنية. فالفجوة الأخطر ليست بين التوقع والواقع، بل بين السياسات التي تُبنى على أرقام تجاوزها الواقع بالفعل.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

قانون المؤذن في مواجهة القانون الدولي

يثير مشروع القانون الذي يناقشه الكنيست الإسرائيلي لتقييد رفع الأذان عبر مكبرات الصوت موجة واسعة من الجدل، ليس لأنه يتعلق بمظهر ديني فحسب، وإنما لأنه يطرح إشكالية قانونية تتجاوز حدود التشريع الداخلي إلى نطاق القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمسألة لا تتعلق بوسيلة للإعلام بدخول وقت الصلاة، بل بإصدار تشريع يمس أحد أبرز المظاهر الدينية والثقافية المتجذرة في المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي يفرض تقييمه في ضوء قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، وقواعد حماية التراث الثقافي.
فالأذان يعد جزءا من الهوية التاريخية لفلسطين، ويرتبط بالحياة اليومية في مدنها وقراها منذ قرون سبقت قيام دولة إسرائيل، حتى أصبح عنصرا من عناصر الذاكرة الجماعية والمشهد الحضاري الذي يعكس خصوصية المكان وتنوعه الثقافي والديني. ومن ثم، فإن استهدافه بتشريع يفرض قيودا على رفعه لا يثير جدلا سياسيا فحسب، وإنما يطرح تساؤلا قانونيا حول مدى توافق هذا التشريع مع الالتزامات الدولية الواقعة على عاتق إسرائيل.
إن القانون الدولي لحقوق الإنسان يتضمن العديد من الاتفاقيات التي تكفل حرية الدين والمعتقد، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، الذي تنص المادة (18) منه على أن لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل حرية إظهار دينه وإقامة ممارساته الدينية بصورة فردية أو جماعية، علنية أو خاصة. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم (22)، أن هذا الحق يشمل الطقوس والممارسات والرموز الدينية، وأن أي قيود تفرض عليه يجب أن تفسر تفسيرا ضيقا، وألا تمس جوهر الحق أو تفرغه من مضمونه. كما تحمي المادة (27) من العهد ذاته حق الجماعات الدينية في المحافظة على هويتها وممارسة تقاليدها الدينية دون تمييز.
ولا تقف الحماية الدولية عند حدود القانون الدولي لحقوق الإنسان، بل تمتد إلى قواعد القانون الدولي الإنساني. فالمادتان (43) و(46) من لائحة لاهاي لعام 1907 تلزمان القوة القائمة بالاحتلال باحترام الحياة العامة والمعتقدات والممارسات الدينية في الإقليم المحتل، بينما تؤكد المادتان (27) و(58) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وجوب احترام معتقدات السكان وتمكين رجال الدين من أداء رسالتهم. فالاحتلال، مهما اتسعت صلاحياته، لا ينقل السيادة إلى القوة القائمة بالاحتلال، ولا يمنحها سلطة إعادة تشكيل الهوية الدينية أو الثقافية للإقليم المحتل أو تغيير ملامحه الحضارية.
وقد كرست محكمة العدل الدولية هذه المبادئ في رأيها الاستشاري بشأن الآثار القانونية لبناء الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 2004، عندما أكدت استمرار انطباق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني.
ثم عادت المحكمة، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، لتؤكد أن جميع التشريعات والإجراءات التي تتخذها سلطة الاحتلال تخضع لرقابة القانون الدولي، ولا يجوز أن تمس حقوق السكان الفلسطينيين أو تغير الطابع القانوني أو الديمغرافي أو الثقافي للأرض المحتلة. ويترتب على ذلك أن أي تشريع يستهدف أحد المظاهر الدينية المتجذرة في المجتمع الفلسطيني يثير شبهة عدم اتساقه مع المبادئ التي أكدت عليها المحكمة بشأن حظر تغيير الطابع القانوني أو الديمغرافي أو الثقافي للأرض الفلسطينية المحتلة.
وإلى جانب مكانته الدينية، يمثل الأذان أحد عناصر التراث الثقافي غير المادي للشعب الفلسطيني، إذ أصبح عبر مئات السنين جزءا من هوية المكان وذاكرته التاريخية. وتؤكد اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي أهمية حماية الممارسات والتقاليد التي تعبر عن هوية المجتمعات واستمرارها، الأمر الذي يعزز القيمة الثقافية للأذان بوصفه موروثا تاريخيا متوارثا، وليس مجرد وسيلة للإعلام بدخول وقت الصلاة.
إن خطورة مشروع القانون لا تكمن في أثره على ممارسة حق ديني فحسب، وإنما في كونه يمس أحد المكونات الأساسية للهوية الدينية والثقافية للشعب الفلسطيني، بما يثير تعارضا مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والمبادئ الدولية التي تحمي التراث الثقافي. ولذلك، فإن مشروعية هذا التشريع لا تقاس بإقراره داخل الكنيست، وإنما بمدى توافقه مع الالتزامات الدولية الملزمة لإسرائيل.
فالتشريعات الوطنية، مهما كانت السلطة التي تصدرها، لا تكتسب مشروعيتها في القانون الدولي بمجرد إقرارها داخليا، وإنما بمدى توافقها مع الالتزامات الدولية للدولة. ومن ثم، فإن أي قانون يستهدف رمزا دينيا وثقافيا ارتبط بتاريخ فلسطين وهويتها عبر مئات السنين لا يبقى شأنا تشريعيا داخليا، بل يصبح موضع مساءلة وفق قواعد القانون الدولي، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام حرية الدين، وصون الهوية الثقافية، والامتناع عن اتخاذ أي تدابير من شأنها تغيير الطابع الديني أو الحضاري للأرض المحتلة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق بالجامعة الأردنية.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يكتب رواية الحرب… ويبدأ معركة الانتخابات



لم تكن المقابلة المطولة التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قناة i24NEWS مجرد حديث إعلامي عن الحرب أو عن حياته الشخصية، بل بدت أقرب إلى وثيقة سياسية وانتخابية متكاملة. فقد جاءت بعد تثبيت موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في توقيت يصعب فصله عن الانطلاق الفعلي للحملة الانتخابية. كما أن اختيار i24NEWS، التي تخاطب الجمهور الإسرائيلي والدولي بعدة لغات، لم يكن بلا دلالة، إذ أتاح لنتنياهو توجيه رسالتين متوازيتين: الأولى إلى الناخب الإسرائيلي، والثانية إلى الرأي العام الخارجي، لتسويق روايته بشأن الحرب ونتائجها.

و لم تحمل المقابلة معطيات جديدة أو مراجعة نقدية لما جرى، كما تطالب المعارضة الإسرائيلية التي تحمل نتنياهو مسؤولية إخفاقات الحرب، بل أعادت إنتاج الخطاب الذي يردده منذ أشهر، والقائم على استعراض ما يعتبره إنجازات عسكرية واستراتيجية، من عملية رفح إلى المواجهة مع إيران، في محاولة لترسيخ صورته باعتباره القائد الذي أنقذ إسرائيل، وقادها إلى “النصر”، وغيّر موازين القوى في المنطقة. وبدا واضحاً أن الهدف لم يكن كشف حقائق جديدة أو فتح نقاش نقدي حول مجريات الحرب، بل إعادة صياغة الوعي العام استعداداً للاستحقاق الانتخابي المقبل.

وتزداد أهمية هذه القراءة بعد تثبيت موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وهو موعد يحمل دلالات سياسية وتاريخية، فهي أول انتخابات تُجرى في موعدها الدستوري منذ نحو 38 عاماً، وأول حكومة تستكمل ولايتها القانونية منذ أكثر من نصف قرن. ومن المرجح أن يقدّم نتنياهو هذا الأمر باعتباره إنجازاً سياسياً يضاف إلى رصيده، بعدما نجح في الحفاظ على تماسك ائتلافه رغم واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ إسرائيل، وفي وقت عجزت فيه المعارضة عن إسقاط حكومته أو فرض انتخابات مبكرة.

ولا يمكن فصل هذه الرسائل عن التحول الذي طرأ على خطاب نتنياهو خلال الأشهر الأخيرة. ففي بداية الحرب كان تركيزه منصباً على إدارة العمليات العسكرية، أما اليوم فقد أصبح تركيزه منصباً على إدارة رواية الحرب نفسها. إنه يسعى إلى الانتقال بالنقاش من سؤال المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر إلى سؤال آخر: ماذا حققت إسرائيل بعد ذلك؟ وبذلك يحاول استبدال صورة الإخفاق بصورة “القائد المنتصر”، وإقناع الناخب الإسرائيلي بأن نتائج الحرب هي المعيار الذي يجب أن تُقاس به قيادته، لا الأسباب التي قادت إلى اندلاعها.

وهذا التحول ليس تفصيلاً عابراً، بل يمثل جوهر الاستراتيجية الانتخابية التي يعمل عليها نتنياهو. فهو يدرك أن أحداث السابع من أكتوبر ستظل تلاحقه، وأن لجان التحقيق والانتقادات الأمنية ومطالب محاسبته لن تختفي. لذلك يحاول بناء رواية مضادة تقول إن الأخطاء التي سبقت الحرب أصبحت أقل أهمية أمام “الإنجازات” التي تحققت خلالها. إنها محاولة لإعادة ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي، بحيث يتحول النقاش من المسؤولية عن الفشل إلى القدرة على تحقيق الانتصار.

وفي المقابل، لا تبدو المعارضة الإسرائيلية قادرة حتى الآن على بناء رواية منافسة بالقوة نفسها. صحيح أن بروز شخصيات مثل غادي آيزنكوت يمنح معسكر الوسط دفعة سياسية، إلا أن هذا الصعود لا يخلو من تحديات. فمن المتوقع أن يسعى الليكود إلى تحميل آيزنكوت جزءاً من المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت الحرب، باعتباره شغل سابقاً منصب رئيس هيئة الأركان، وهو ما قد يحوله إلى هدف لحملة انتخابية تسعى إلى تقاسم مسؤولية السابع من أكتوبر بين أكثر من طرف. وعندها لن تدور المنافسة حول من يملك رؤية للمستقبل فحسب، بل أيضاً حول من يتحمل مسؤولية الماضي.

وفي الوقت ذاته، لا يخوض نتنياهو معركته ضد المعارضة وحدها، بل يواجه أيضاً تحديات داخل الليكود نفسه. فالحزب يشهد نقاشاً متصاعداً بشأن مطالبة نتنياهو بمنح نفسه صلاحية اختيار عدد من المرشحين ووضعهم في مواقع متقدمة على قائمة الحزب للكنيست المقبل، وهو ما يثير تحفظات لدى عدد من القيادات والنواب الذين يخشون خسارة مواقعهم أو تراجع نفوذهم داخل الحزب. ويعكس هذا الجدل حرص نتنياهو على تشكيل كتلة برلمانية أكثر ولاءً له، بما يضمن استقرار حكمه في المرحلة المقبلة ويحد من أي تمرد داخلي قد يواجهه بعد الانتخابات.

وتكشف هذه الخلافات أن الليكود، رغم تصدره استطلاعات الرأي، ليس كتلة متجانسة كما يبدو. فهناك صراع مبكر على المواقع، وعلى شكل القيادة المستقبلية للحزب، وعلى هوية الشخصيات التي سترافق نتنياهو في حال فوزه بولاية جديدة. ومن هنا، فإن إدارة القائمة الانتخابية لا تقل أهمية بالنسبة له عن إدارة الحملة الإعلامية، لأنها تمثل ضمانة لاستمرار نفوذه داخل الحزب والحكومة في آن واحد.

ورغم أن استطلاعات الرأي لا تزال قابلة للتغير، فإن المؤشرات الحالية تمنح نتنياهو أفضلية لا يمكن تجاهلها. فالمعارضة ما زالت مشتتة، ولم تتمكن حتى الآن من الاتفاق على قيادة موحدة أو برنامج سياسي قادر على منافسة الليكود. كما أن استمرار الحكومة حتى نهاية ولايتها، بعد سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي وتكرار الانتخابات، يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه بوصفه الزعيم الذي أعاد الاستقرار للنظام السياسي الإسرائيلي، وهي رسالة قد تجد صدى لدى شريحة واسعة من الناخبين.

ولعل أخطر ما في المرحلة الحالية هو أن الحرب نفسها باتت تتحول إلى مادة انتخابية. فكل عملية عسكرية، وكل تصريح أمني، وكل ظهور إعلامي، يجري توظيفه ضمن معركة كسب أصوات الناخبين. لذلك يصعب التعامل مع مقابلات نتنياهو أو خطاباته بوصفها مجرد تقييم للأحداث، لأنها أصبحت جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تثبيت رواية سياسية متكاملة، تجعل من نتنياهو بطلاً استطاع، وفق خطابه، أن يخلّص إسرائيل من أعدائها ويعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.

غير أن هذه الرواية، مهما بلغت قوتها الإعلامية، لا تلغي الأسئلة التي ما زالت معلقة بشأن مسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاقات التي سبقت الحرب، ولا تعفي نتنياهو من محاولات خصومه ربطه بأحداث السابع من أكتوبر. ولذلك، فإن الانتخابات المقبلة لن تكون منافسة بين برامج سياسية فقط، بل ستكون أيضًا صراعاً على الذاكرة، وعلى تفسير ما جرى، وعلى تحديد من يكتب رواية الحرب ومن يتحمل مسؤولية بدايتها.

ومع اقتراب السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، تبدو إسرائيل وقد دخلت بالفعل موسم الانتخابات. وما نشهده اليوم من مقابلات إعلامية، واستعراض للإنجازات، وإعادة إنتاج للخطاب الأمني، ليس سوى الفصل الأول في حملة انتخابية سيحاول فيها نتنياهو تحويل الحرب إلى مصدر جديد للشرعية السياسية، وتقديم نفسه بوصفه القائد الذي قاد إسرائيل من الإخفاق إلى “الانتصار”. أما ما إذا كان الناخب الإسرائيلي سيقتنع بهذه الرواية، أم ستظل ذاكرة السابع من أكتوبر حاضرة بقوة عند صناديق الاقتراع، فسيكون السؤال الحاسم الذي ستجيب عنه الانتخابات المقبلة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

الدور الفلسطيني في مناطق 48

لم يكن صدفة، أو مكرمة وان كانت كذلك، ولكن دوافع الاهتمام الأردني بفلسطينيي مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، أبناء الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، من قبل الراحل الحسين منذ بداية التسعينيات، وتواصل في عهد رأس الدولة الملك عبدالله، بتقديم الخدمات الثلاثة: 1- تأدية فريضة الحج 4500 حاج سنويا، 2-  تأدية مناسك العمرة 21000 معتمر سنويا، 3- فتح أبواب الجامعات الأردنية لأبنائهم الطلبة بهدف مواصلة تعليمهم الجامعي الأكاديمي المهني: أطباء، مهندسين، محامين، مهندسين زراعيين، معلمين، وذلك عبر منح تعليمية لكل حزب سياسي، بواقع 15 مقعداً جامعياً في عهد الراحل، وازداد لثلاثين مقعداً في العهد القائم، تقدم الى سبعة احزاب، مما ترك عبر هذه الخدمات الأردنية تأثيرها الايجابي، على المجتمع العربي الفلسطيني الذي تعرض لمحاولات التضليل، والتمييع، وفقدان الهوية، فأدت هذه الخدمات النوعية، نحو تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية، والانتماء القومي العربي، وتعميق العقيدة الإسلامية والمسيحية والدرزية في مواجهة الأسرلة والتغييب.
لقد ساهم الأردن بخدماته الثلاثة، إلى جانب دور الأحزاب التي بدأت مع الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، و ولادة الحزب الديمقراطي العربي والحركة الإسلامية، لتتواصل مع التجمع الديمقراطي والحركة العربية للتغيير والحزب القومي العربي، وغيرهم من المحاولات الحزبية السياسية المماثلة وتطلعاتها التجريبية.
لقد بات الوضوح العربي الإسلامي الفلسطيني لدى المجتمع العربي الفلسطيني في مناطق 48، بارزاً قوياً انعكس على انتخابات المجالس المحلية العربية، وانتخابات الكنيست الإسرائيلي، وفرض التمثيل الوطني القومي الإسلامي نقيضاً للأحزاب الصهيونية التي اندحر دورها وتأثيرها وحضورها بين مسامات الفلسطينيين في مناطق 48، رغم أنهم يحملون مرغمين، الجنسية الإسرائيلية.
لدى انتخابات المجالس المحلية، اندحر دور الأحزاب الصهيونية وتمثيلهم من قبل سكان المدن العربية الفلسطينية التسعة: الناصرة، كفر قاسم، أم الفحم، طمرة، رهط، شفا عمرو، سخنين، الطيبة والطيرة.
و 58 قرية عربية، وخمسة مدن مختلطة ذات أغلبية إسرائيلية يهودية: اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا، فيها أقلية عربية فلسطينية، أكثر من عشرين بالمائة من عدد السكان لكل منهم.
انتخابات الكنيست باتت نتائجها ضرورة من خلال تفعيل الدور الفلسطيني وتأثيره، وهذا يعود لسببين:
أولهما حجم التصويت الفلسطيني بالوصول إلى صناديق الاقتراع، وهو تصويت على الأغلب دون المستوى المطلوب، ولا يتجاوز 60 بالمائة إلا قليلاً، ولا يصل إلى مستوى التصويت الإسرائيلي الذي يتجاوز 80 بالمائة، ولو تم دفع الفلسطينيين نحو صناديق الاقتراع، لارتفع تمثيلهم لأكثر من 15 مقعداً.
وثانيهما إذا وقع الائتلاف بين الأحزاب العربية الفاعلة وهي أربعة أحزاب رئيسية: 1- الحركة الإسلامية، 2- الجبهة الديمقراطية، 3- التجمع الوطني الديمقراطي، 4- الحركة العربية للتغيير.
انتخابات الكنيست المقبلة في شهر تشرين أول أكتوبر في غاية الأهمية، للأسباب السياسية السائدة، ولمواجهة هيمنة الأحزاب السياسية الإسرائيلية المتطرفة، مع الأحزاب الدينية اليهودية المتشددة.
الضرورة تستوجب من قبل الأحزاب العربية التوصل إلى اتفاق نحو قائمة مشتركة مؤتلفة بين الأحزاب الأربعة، وإذا تعذر ذلك، على الأقل يصلوا إلى اتفاق فائض الأصوات، بين الأحزاب الثلاثة اليسارية والقومية من طرف، والحركة الإسلامية من طرف آخر، حتى يصلوا إلى الموقع الذي يستحقونه.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:53 صباحًا - بتوقيت القدس

الاستيطان الناعم... احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل


ليست كل أشكال الاحتلال تُفرض بالدبابات، ولا كل الخرائط تُرسم على طاولات المفاوضات. فثمة احتلال يتقدم بخطوات بطيئة، يكاد لا يُرى، لكنه يترك أثرًا أعمق من ضجيج الحروب. إنه ما بات يُعرف بـ"الاستيطان الناعم"، حيث لا يكون الهدف السيطرة على الأرض فحسب، بل إعادة تشكيلها سياسيًا وثقافيًا وتاريخيًا، حتى يصبح الواقع الجديد مألوفًا، ويغدو الاعتراض عليه مع مرور الوقت أكثر صعوبة.
هذا التحول لم يعد مجرد توصيف سياسي، بل أصبح نهجًا واضحًا في إدارة الصراع. فإلى جانب التوسع الاستيطاني، تتسارع عمليات شق الطرق، وتطوير البنية التحتية، واستثمار المواقع الأثرية، وإقامة المشاريع السياحية في الأراضي المحتلة، في إطار سياسة تتجاوز البعد العمراني إلى محاولة تثبيت رواية سياسية على الأرض. وتكشف التقارير الأخيرة عن اتساع هذا التوجه في الضفة الغربية والقدس، بما يحمله من آثار على الواقع الجغرافي والسكاني.
القدس، بطبيعة الحال، هي أكثر الأماكن تعبيرًا عن هذا التحول. فهي ليست مجرد مدينة تتنازعها السياسات، بل مدينة تختزن ذاكرة دينية وإنسانية يصعب فصلها عن حاضرها. لذلك، فإن أي تغيير يطال معالمها أو مقدساتها أو تركيبتها السكانية لا يبقى شأنًا محليًا، بل يتحول إلى قضية تمس التراث الإنساني والقانون الدولي معًا. والإجراءات التي شهدها المسجد الأقصى مؤخرًا، بما فيها القيود المفروضة على بعض الشخصيات الدينية، تأتي ضمن سياق أوسع يثير قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل المدينة وهويتها.
ما يميز الاستيطان الناعم أنه لا يسعى إلى تحقيق انتصار سريع، بل إلى صناعة واقع دائم. فهو يراهن على عامل الزمن، وعلى قدرة التغيير التدريجي على تحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق يصعب التراجع عنها. وهذه هي المفارقة الأكثر خطورة؛ إذ يصبح الزمن نفسه أداة من أدوات الصراع، ويغدو الاعتياد على المشهد الجديد جزءًا من تكريس هذا الواقع.
في المقابل، يقف المجتمع الدولي أمام اختبار يتكرر منذ عقود. فالقانون الدولي يرفض الاستيطان في الأراضي المحتلة، والقرارات الأممية تؤكد عدم شرعيته، غير أن الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني ما تزال واسعة. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس عن غياب المواقف، بل عن غياب الآليات القادرة على تحويل تلك المواقف إلى أثر ملموس يحفظ ما تبقى من الثقة بالمنظومة القانونية الدولية.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها. فالأرض قد تتغير معالمها، لكن الذاكرة الجماعية لا تُعاد صياغتها بسهولة. والهوية الوطنية لا تُقاس بعدد المباني أو أسماء الشوارع، بل بقدرة أصحابها على صون روايتهم، ونقلها إلى الأجيال، والدفاع عنها في وجه محاولات الطمس والتهميش. ولهذا، فإن الحفاظ على القدس لا يبدأ عند حدود الدفاع عن حجارتها، بل يبدأ من حماية معناها، ومن الإيمان بأنها ليست ملكًا لجيل واحد، بل إرثًا إنسانيًا تتقاسمه الذاكرة والتاريخ.
إن أخطر ما في الاستيطان الناعم أنه لا يفرض نفسه دفعة واحدة، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة حتى يبدو، بعد سنوات، وكأنه الواقع الوحيد الممكن. ولهذا، فإن مواجهته لا تكون بردود فعل موسمية، وإنما برؤية بعيدة المدى تستند إلى القانون، وتعزز صمود الإنسان الفلسطيني، وتحافظ على الرواية التاريخية، وتمنع تحويل الزمن إلى شريك في تكريس الظلم.
فالقدس، في نهاية المطاف، ليست مجرد قضية حدود، ولا مجرد عنوان في نشرات الأخبار. إنها سؤال دائم عن العدالة، وعن قدرة العالم على حماية القيم التي أعلن التزامه بها. وما بين واقع يُفرض بقوة الأمر الواقع، وحق تؤيده الشرعية الدولية، يبقى الرهان على أن التاريخ لا ينصف الأقوى دائمًا، بل قد ينصف أيضًا أولئك الذين يواصلون الدفاع عن حقهم بصبر، ويتمسكون بهويتهم رغم كل ما يحيط بها من محاولات للمحو.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة الجديدة... إعادة إعمار أم إعادة تعريف للقضية الفلسطينية؟

في الحروب، لا تكون المعركة الأخيرة هي التي تنتهي بوقف إطلاق النار، بل بِتلك التي تبدأ بعده.! واليوم، بينما تتسارع النقاشات حول ترتيبات "اليوم التالي" في غزة، لم يعد الجدل يقتصر على إعادة الإعمار أو إدارة المساعدات، بل امتد إلى المرجعيات السياسية والقانونية التي ستحدد شكل القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، أثار إعلان نشره "مجلس السلام" عبر حسابه على منصة X في مطلع تموز/يوليو 2026، وجاء فيه أنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، نقاشا واسعا تجاوز مستقبل وكالة دولية إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بطبيعة النظام الذي يراد بناؤه في غزة بعد الحرب، وبالمرجعيات التي ستدير القطاع وقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وجاء ذلك بالتزامن مع تقارير إعلامية تناولت اجتماعات عقدت في قبرص لبحث ترتيبات الإدارة المدنية وإعادة الإعمار والحوكمة في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما أعطى هذا النقاش بعداً سياسيا يتجاوز الإطار الإنساني والخدماتي.
ولا تكمن أهمية هذا التطور في التصريح ذاته، بل في توقيتهِ وسياقه. فغزة تدخل مرحلة قد يعاد فيها رسم العلاقة بين الإدارة والشرعية، وبين الإغاثة والحقوق، وبين المؤسسات الإنسانية والإطار السياسي الذي تعمل في ظله. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل يجري البحث عن أدوات أكثر كفاءة لإدارة القطاع، أم عن إعادة صياغة المرجعيات التي ارتبطت بالقضية الفلسطينية منذ النكبة؟
من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على أي نقاش يدعو إلى تطوير أداء المؤسسات الدولية أو تعزيز الشفافية والرقابة عليها. فالأونروا، شأنها شأن أي مؤسسة دولية، ليست فوق التقييم والمراجعة. لكن الفارق كبير بين إصلاح مؤسسة أممية وبين استبدالها أو تهميشها في سياق سياسي شديد الحساسية.
وقد أنشئت الأونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (IV) الصادر في 8 كانون الأول/ديسمبر 1949، لتقديم خدمات الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم. كما جددت الجمعية العامة ولايتها مرات متتالية، وآخرها حتى 30 حزيران/يونيو 2029. وأكدت الوكالة في بياناتها الرسمية أن ولايتها تستند إلى تفويض صادر عن الجمعية العامة، وأن أي تطوير لعملها يجب أن يتم ضمن هذا الإطار الأممي.
ولذلك، فإن إنهاء ولاية الأونروا ليس قراراً تملكه أي دولة أو مبادرة سياسية، وإنما يبقى من اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بإنهاء الولاية قانونيا، بل بإمكانية تقليص دور الوكالة ميدانياً أو استبدالها بترتيبات بديلة. ولا يترتب على أي ترتيبات إدارية جديدة إسقاط المركز القانوني للاجئين الفلسطينيين أو الالتزامات الدولية المرتبطة بهم، ما لم يصدر قرار أممي يغير الإطار القانوني القائم.
وقد يرى مؤيدو إنشاء هياكل جديدة لإدارة غزة أن المرحلة المقبلة تتطلب مؤسسات أكثر قدرة على قيادة إعادة الإعمار، وأكثر ارتباطاً بمفاهيم الحوكمة والتنمية والاستدامة، وأن الانتقال من إدارة الإغاثة إلى إدارة التنمية يمثل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة المقبلة.
في المقابل، يرى معارضو هذا الطرح أن خصوصية الأونروا لا تكمن في طبيعة الخدمات التي تقدمها، بل في كونها إحدى المؤسسات التي ارتبط وجودها بقرار دولي يعكس استمرار الاعتراف بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وأن أي تراجع في دورها قد ينعكس على البعد السياسي والقانوني للقضية، حتى وإن بقيت ولايتها القانونية قائمة.
ومن هنا، فإن النقاش لم يعد يدور حول مؤسسة بعينها، بل حول المرجعية التي ستدير مرحلة "اليوم التالي". فهل ستكون إعادة الإعمار امتداداً للشرعية الدولية القائمة، أم بداية لبناء نموذج جديد يعيد توزيع الأدوار والاختصاصات بصورة مختلفة؟
وتكشف هذه التطورات أيضاً عن تحول في طبيعة النقاش الدولي. ففي كثير من مناطق النزاع، يتجه المجتمع الدولي إلى إصلاح المؤسسات القائمة وتعزيز الرقابة عليها، بينما يتخذ الجدل في الحالة الفلسطينية بعداً إضافياً يتعلق بمستقبل المؤسسة نفسها. كما تكشف مواقف الأمم المتحدة وعدد من الدول المانحة أن النقاش الدولي لا يدور بين الإبقاء على الأونروا أو إلغائها فقط، بل بين إصلاحها والحفاظ على ولايتها من جهة، وإعادة النظر في آليات عملها من جهة أخرى، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات من دون المساس بالإطار القانوني الذي تستند إليه.
ولا يقف أثر هذه التحولات عند حدود الأونروا، بل يمتد إلى بنية النظام السياسي الفلسطيني. فإذا أنشئت ترتيبات إدارية جديدة بمعزل عن المرجعيات الفلسطينية والدولية القائمة، فقد ينتقل النقاش من إعادة إعمار غزة إلى إعادة توزيع أدوار الشرعية والتمثيل، وهو تطور ستكون له انعكاسات تتجاوز القطاع إلى مجمل القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على الشرعية الدولية لا يعني رفض الإصلاح أو تجميد المؤسسات، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في الجمع بين تطوير أدوات العمل الإنساني والحفاظ في الوقت نفسه على المرجعيات القانونية والسياسية التي تنظم قضية اللاجئين الفلسطينيين.
ومن هنا، فإن التعامل الفلسطيني مع ترتيبات "اليوم التالي" لا ينبغي أن يقتصر على متابعة تفاصيل إعادة الإعمار أو إدارة المساعدات، بل يجب أن ينطلق من رؤية سياسية وقانونية متكاملة تضمن بقاء المرجعيات الوطنية والدولية حاضرة في أي صيغة مستقبلية لإدارة غزة. فالقضية لا تتعلق بمؤسسة بعينها، وإنما بالإطار الذي سيحكم العلاقة بين إعادة البناء والحقوق الوطنية، وبقدرة النظام السياسي الفلسطيني على حماية هذا الإطار، انطلاقاً من الثوابت الوطنية ودور منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ومن المرجح أن تنتقل النقاشات خلال المرحلة المقبلة من السؤال عن مستقبل الأونروا نفسها إلى سؤال أوسع: من سيدير ملف اللاجئين؟
وما المرجعية السياسية والقانونية التي ستقوم عليها مؤسسات غزة بعد الحرب؟
 وعندها لن يكون النقاش متعلقاً بمن يقدم الخدمات، بقدر ما سيكون متعلقاً بمن يملك الشرعية لإدارة واحدة من أكثر قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تعقيداً.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين الإبقاء على الأونروا أو استبدالها، بل في ضمان ألا تتحول إعادة الإعمار إلى مسار يعيد تعريف القضية الفلسطينية بعيدا عن الأسس التي أقرتها الشرعية الدولية، أو أن يصبح تحسين الإدارة مدخلاً لإضعاف الحقوق السياسية والقانونية التي ما زالت تحظى باعتراف دولي.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة: من سيدير غزة بعد الحرب؟
بل: هل ستبقى إعادة الإعمار وسيلة لتعزيز الحقوق الفلسطينية، أم ستتحول تدريجيا إلى إطار يعيد تعريف القضية الفلسطينية نفسها؟
فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الأونروا وحدها، بل قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة من القضية الفلسطينية بأسرها، وتحدد ما إذا كانت مرحلة ما بعد الحرب ستكون مدخلاً لتعزيز الشرعية الدولية، أم بداية لإعادة صياغة الأسس التي قامت عليها القضية الفلسطينية منذ أكثر من سبعة عقود.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

كيف صار التطبيع بنية لا حدثاً؟

اذا كان التطبيع قد اختزل لعقود في صورة مصافحة او اتفاق تجاري او لقاء ثقافي، فان العدوان على غزة وما صاحبه من جرائم وتوسع استيطاني في الضفة، كشف ان هذا التعريف لم يعد كافيا لفهم تحولات القضية الفلسطينية، وبات السؤال ليس من يصافح، بل كيف تحول الاحتلال الى واقع قابل للحياة يعيد انتاج نفسه؟
 بهذا المعنى، لا يعود التطبيع مجرد فعل سياسي أو ثقافي، لأن هذا هو المستوى السطحي او الاستعراضي منه، بل هو عملية ترويض وبنية متكاملة تعيد تشكيل الوعي والاقتصاد والسياسة، وهي لا تسعى لتحسين صورة المحتل بقدر ما تحاول تحويل وجوده الى امر اعتيادي، لينتقل النقاش من انهاء الاحتلال الى ادارته، ومن التحرير الى تحسين شروط الحياة، وهنا تكمن اخطر وظائف التطبيع، لانه يجعل البقاء تحت الاحتلال خيارا "عقلانيا"، وبهذا المعنى ايضا يكون تطبيع الاستهلاك عبر خلق الاعتمادية والاعتيادية، فدخول المنتج الاسرائيلي للسوق الفلسطيني يتجاوز بيع بضاعة الى بيع فكرة، تجعل المستهلك وكيلا يروج لوجود الاحتلال في بيته ومحيطه، ويصبح شراء المنتج فعلا سياسيا يجعل المحتل جزءا من دورة حياتك الاقتصادية، يسلبك استقلالك الاقتصادي ويجعلك ممولا لمشروعه.
 لقد ساهم مسار أوسلو في ترسيخ هذا التحول بدرجات متفاوتة، فالاتفاق المرحلي لم ينته بدولة، وتحول مع الوقت لمنظومة إدارية واقتصادية، تدير السكان اكثر مما تواجه بنية الاحتلال، ونتيجة لذلك، اصبح جزء كبير من الحياة اليومية الفلسطينية مرتبطا بمنظومة يتحكم الاحتلال بمفاتيحها، عبر الحركة والتجارة والمعابر، او الموارد والضرائب وسوق العمل، وبالتالي فاذا كان التحرر يعني فك الارتباط، فقد بات التطبيع شرطا للبقاء، وهكذا نشأت علاقة تبعية جعلت الانفصال اكثر كلفة بمرور الوقت، ووقعنا في فخ العقلانية، الذي خلق انقساما وهميا بين الفلسطيني "العقلاني" الذي يقبل هذا الواقع، و"اللاعقلاني" الذي يرفضه.
 ولا يقتصر الأمر على الاقتصاد او الادارة، بل يمتد الى المجال النفسي والاجتماعي، فالانسان الذي يعيش واقعا يفتقر الى أفق سياسي، يعيد ترتيب أولوياته بحثا عن الاستقرار الفردي ولو كان ذلك على حساب المشروع الوطني، ومع الزمن، تتحول لغة الحقوق الى لغة الخدمات، ولغة التحرر الى لغة ادارة الازمات، والحفاظ على الحد الادنى من الحياة اليومية هدفا بديلا لتغيير الواقع، وهذا ليس نتيجة لخيار فردي بقدر ما هو انعكاس لظروف تنتج ما يسميه علماء الاجتماع بالتكيف مع البنية المسيطرة.
 ان اخطر مستويات التطبيع هو استعارة قاموسه الأمني لتفسير الواقع الفلسطيني، واستخدام ذات المصطلحات داخليا، أو تبنى تعريفه لما هو "خطر" و"آمن"، وبذلك تُسلّم له بالسيادة على وعيك، وينجح عندما يجعل هوسه الأمني هاجسك اليومي، جاعلا منك حارسا -لا إراديا- على مصالحه تحت مسمى الحفاظ على النظام العام.
 وفي المقابل، لعب المجتمع الدولي دورا ملتبسا، فرغم اتساع الانتقادات الدولية لسياسات الاحتلال، والتحركات القانونية، فما زالت آلياته عاجزة عن فرض كلفة سياسية وقانونية تناسب حجم الانتهاكات، وبدلا من معالجة الجذور ينصرف جهده لاحتواء تداعياته الانسانية ومنع انفجاره، ما يخلق مفارقة تُقدّم ادارة الازمات على حلها.
 ومع ذلك، فان قراءة التطبيع كبنية لا تعني ان الواقع قدر لا يمكن تغييره، فهذه البنية يمكن تفكيكها اذا توفرت رؤية وطنية تعيد بناء عناصر الصمود تدريجيا، تبدأ بتعزيز الاقتصاد الوطني وتقليل التبعية حيثما أمكن، وترسيخ الرواية الفلسطينية في الفضاء الثقافي والاعلامي، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي بوصفهما أداتي مقاومة طويلة المدى، ومراجعة نقدية للتجربة الفلسطينية بعيدا عن التخوين والتقديس، لأن من لا يراجع أخطاءه، يعيد إنتاجها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية: بين الواقع القانوني والتأثيرات الجيوسياسية

بدأ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، التي تُعرف فلسطينياً بالضفة الغربية المحتلة، عقب حرب حزيران/يونيو عام 1967، عندما فرضت إسرائيل سيطرتها على المنطقة. ومنذ ذلك الحين، أقامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية ضمن سياسات توسعية متواصلة حظيت بدعم سياسي واقتصادي وأمني.
وتشير التقديرات الحديثة إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يتراوح بين 500 ألف و780 ألف مستوطن، موزعين على ما بين 150 و192 مستوطنة رسمية، إضافة إلى مئات البؤر الاستيطانية. وقد أصبح الاستيطان أحد أكثر الملفات تعقيداً وتأثيراً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، نظراً لارتباطه بالأبعاد القانونية والديموغرافية والاقتصادية والأمنية والسياسية.
يحظى الموقف القائل بعدم شرعية المستوطنات بإجماع دولي واسع، استناداً إلى القانون الدولي الإنساني، وتحديداً المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر على الدولة المحتلة نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال. وفي هذا السياق، اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وطالبت إسرائيل بوقف الأنشطة الاستيطانية وإنهائها. كما نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 لعام 2016 على أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تملك أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
في المقابل، ترفض إسرائيل هذا التوصيف القانوني، وتعتبر الضفة الغربية «أرضاً متنازعاً عليها» وليست «أرضاً محتلة»، مستندة إلى تفسيرات قانونية وسياسية خاصة بها وإلى تقارير داخلية، أبرزها تقرير ليفي الصادر عام 2012. غير أن هذه المواقف لا تحظى باعتراف المجتمع الدولي، الذي ما زال يعتبر الاستيطان عقبة أساسية أمام أي تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين.
وعلى أرض الواقع، أحدث الاستيطان تحولات عميقة في الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة الغربية. وتشير تقارير حقوقية إلى أن المستوطنات والبنى التحتية المرتبطة بها تسيطر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، خصوصاً في مناطق وادي الأردن ومحيط القدس والكتل الاستيطانية الكبرى مثل «غوش عتصيون» و«معاليه أدوميم». كما شهدت الأعوام الأخيرة، ولا سيما بين 2023 و2026، تسارعاً ملحوظاً في عمليات التوسع الاستيطاني من خلال بناء وحدات سكنية جديدة أو عبر شرعنة البؤر الاستيطانية التي كانت تُعد سابقاً غير قانونية حتى وفق القانون الإسرائيلي.
وقد ساهمت الطرق الالتفافية والمناطق العسكرية المغلقة في زيادة عزلة التجمعات الفلسطينية، خاصة في المنطقة (C) التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. ويؤدي هذا الواقع إلى تقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني، ما يجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً أكثر صعوبة وتعقيداً، ويحد من فرص نجاح أي تسوية سياسية مستقبلية.
أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فقد أدى التوسع الاستيطاني إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومصادر المياه، الأمر الذي حدّ من فرص التنمية الاقتصادية الفلسطينية. كما يواجه الفلسطينيون قيوداً مشددة على البناء والحركة والوصول إلى أراضيهم الزراعية، في حين تفاقمت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة اعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية، ما أدى في بعض الحالات إلى تهجير عائلات ومجتمعات كاملة من مناطق سكنها. وأسهم الاستيطان كذلك في إضعاف قطاعات الإنتاج الفلسطينية، ولا سيما الزراعة والصناعة، وزاد من مستويات التبعية الاقتصادية للاقتصاد الإسرائيلي.
وفي الجانب الإسرائيلي، ورغم ما يراه مؤيدو الاستيطان من مكاسب سياسية وأمنية، فإن المشروع الاستيطاني يفرض أعباء مالية وأمنية كبيرة. فحماية المستوطنات وتأمين الطرق المؤدية إليها تتطلب تخصيص موارد عسكرية وأمنية ضخمة، إضافة إلى الدعم الحكومي المستمر للبنية التحتية والخدمات والإسكان. ويرى عدد من الخبراء أن العديد من المستوطنات تعتمد بصورة كبيرة على الإعانات الحكومية، ما يجعل استدامتها الاقتصادية محل نقاش في حال تراجع هذا الدعم مستقبلاً.
ويرى مؤيدو الاستيطان أن وجود المستوطنات، خاصة في المناطق المرتفعة والاستراتيجية، يوفر عمقاً أمنياً لإسرائيل ويسهم في تعزيز قدرتها الدفاعية. إلا أن عدداً من الخبراء العسكريين الإسرائيليين، بمن فيهم جنرالات متقاعدون، يعتقدون أن استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني يسهمان في تأجيج التوتر والعنف، ويستنزفان الموارد الأمنية والعسكرية، ويؤديان إلى تعقيد البيئة الاستراتيجية لإسرائيل.
سياسياً، يُنظر إلى الاستيطان باعتباره إحدى أبرز العقبات أمام أي عملية تفاوضية جادة. فكل توسع استيطاني جديد يقلص من فرص التوصل إلى تسوية قائمة على حل الدولتين، ويدفع نحو واقع سياسي أكثر تعقيداً قد يتجه إلى نموذج الدولة الواحدة ثنائية القومية، أو إلى أنماط من الفصل والتمييز التي وصفتها بعض المنظمات الحقوقية الدولية بأنها أقرب إلى نظام الفصل العنصري.
لقد تجاوز الاستيطان كونه قضية مرتبطة بالأرض أو الحدود، ليصبح مشروعاً يعيد تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ورغم الإدانات الدولية المتكررة، فإن استمراره يعكس توازنات سياسية وأيديولوجية مؤثرة داخل المجتمع الإسرائيلي ومؤسسات صنع القرار. ومن هنا، فإن تحقيق سلام مستدام يتطلب معالجة جذرية لهذا الملف، سواء من خلال تجميد حقيقي للاستيطان، أو عبر ترتيبات تفاوضية تضمن الحقوق الفلسطينية وتحفظ الأمن لجميع الأطراف.
ويبقى الاستيطان أحد أبرز التحديات أمام القانون الدولي وفرص السلام في المنطقة، إذ إن استمرار التوسع الاستيطاني يهدد بتآكل إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية عادلة، ويزيد من احتمالات التصعيد وعدم الاستقرار. لذلك فإن أي مقاربة جادة للمستقبل يجب أن تنطلق من احترام الحقوق الوطنية الفلسطينية والالتزامات القانونية الدولية، باعتبار أن الحلول السياسية العادلة وحدها القادرة على كسر دائرة الصراع الممتدة منذ عقود.

فلسطين

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

واقعة التسعين دقيقة... "زنوتا" تفضح جرائم المستوطنين وتغذي سرديات المتعاطفين

د. رائد أبو بدوية: التجربة المباشرة لمسؤول أمريكي مع عنف المستوطنين تمنح القضية ثقلاً أكبر لأنها تجربة شخصية يصعب تجاهلها أو التقليل من دلالاتها
داود كُتّاب: ما جرى مع رو خانا رغم أهميته لن يؤدي في المرحلة الحالية إلى لجم المستوطنين في ظل الأجواء الانتخابية الإسرائيلية المحتدمة
د. سعد نمر: استهداف شخصية سياسية أمريكية يمثل رسالة بأن المستوطنين يتصرفون ضمن قناعة بقدرتهم على فرض إرادتهم حتى على أقرب حلفاء إسرائيل
د. سعيد شاهين: الحادثة ليست الأولى من نوعها بل تندرج ضمن سلسلة من الاعتداءات التي طالت وفوداً وشخصيات أجنبية ومواطنين أمريكيين بمختلف مواقعهم
طلال عوكل: التجربة التي مر بها النائب الأمريكي قد تدفعه إلى تبني مواقف وسياسات أقل دعماً لإسرائيل والمستوطنين وأكثر تفهماً للواقع الذي يعيشه الفلسطينيون
د. فادي جمعة: الحديث عن الاستيطان وعنف المستوطنين بات يعتمد على مشاهدة مباشرة لأعضاء في الكونغرس ما قد يغير طبيعة النقاش داخل واشنطن


رام الله - خاص بـ"القدس"-


يشكّل احتجاز النائب الأمريكي الديمقراطي والمرشح المحتمل للرئاسة رو خانا من قبل مستوطنين مسلحين خلال زيارته قرية زنوتا جنوب الخليل، محطة لافتة تعيد ملف اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية إلى واجهة الاهتمام، بعدما طالت الحادثة هذه المرة مسؤولاً أمريكياً رفيع المستوى.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الواقعة تتجاوز كونها حادثة ميدانية عابرة، إذ تعكس تنامي جرأة المستوطنين واتساع نطاق اعتداءاتهم، كما قد تدفع باتجاه نقاش أوسع داخل الولايات المتحدة بشأن انعكاسات الاستيطان والعنف في الضفة الغربية على المصالح الأمريكية والعلاقات مع إسرائيل.
وفي الوقت الذي يُرجحون فيه أن تضيف الحادثة زخماً للانتقادات والدعوات المطالبة بتشديد الإجراءات بحق المستوطنين، فإنهم يرون أن تأثيرها العملي سيظل محدوداً ما لم يقترن بضغوط سياسية وإجراءات فعلية تكفل وقف الاعتداءات ووضع حد للتوسع الاستيطاني.

مؤشر على تحولات مهمة

يؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية أن ما تعرض له النائب الأمريكي والمرشح الديمقراطي المحتمل للانتخابات الرئاسية عام 2028، رو خانا خلال زيارته إلى قرية زنوتا جنوب الخليل لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد احتكاك بين مستوطنين ووفد أجنبي، وإنما بوصفه مؤشراً على التحولات التي شهدتها الضفة الغربية في طبيعة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والحركة الاستيطانية.
ويوضح أبو بدوية أن سلوك المستوطنين في هذه الحادثة يعكس مستوى عالياً من الثقة، إذ لم يتصرفوا كجهة خارجة عن القانون، بل باعتبارهم قادرين على فرض الأمر الواقع، في ظل ثقتهم بوجود حماية أو تسامح رسمي، أو بقدرتهم على تجاوز سلطة الدولة في بعض الحالات.

الحادثة تطول شخصية رفيعة

ويشير أبو بدوية إلى أن الأهمية السياسية للحادثة لا تقتصر على تفاصيلها، وإنما ترتبط أيضاً بهوية الشخص الذي تعرض لها، إذ إن الرواية صادرة عن نائب في الكونغرس الأمريكي، وليس عن فلسطيني أو منظمة حقوقية يمكن التشكيك في شهادتها.
ويؤكد أبو بدوية أن التجربة المباشرة لمسؤول أمريكي مع عنف المستوطنين تمنح القضية ثقلاً أكبر داخل الولايات المتحدة، لأنها تنقلها من إطار التقارير والاتهامات إلى تجربة شخصية يصعب تجاهلها أو التقليل من دلالاتها.
ويرى أبو بدوية أن الحادثة تكشف أيضاً أن عنف المستوطنين لم يعد قضية محلية مرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي فحسب، بل بدأ يمس مصالح الدول الحليفة لإسرائيل، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاهتمام الدولي بهذه الظاهرة.

عنصر جديد بمسار الضغوط على المستوطنين

وفي ما يتعلق بإمكانية أن تسهم الحادثة في لجم المستوطنين، يوضح أبو بدوية أنها قد تضيف عنصراً جديداً إلى مسار الضغوط المتزايدة على الحركة الاستيطانية، لكنها لن تكون وحدها كافية لإحداث تحول جذري، لأن السياسات لا تتغير بسبب حادثة واحدة، بل نتيجة تراكم الوقائع وتأثيرها في إدراك صناع القرار.
ويرى أبو بدوية أن الواقعة قد تتحول إلى مرجع إضافي داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية لإثبات أن عنف المستوطنين لم يعد يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل أصبح يمثل تحدياً للاستقرار الإقليمي وقد يطال المصالح الأمريكية، الأمر الذي قد يمنح زخماً للدعوات المطالبة بفرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال العنف، وتشديد الرقابة على استخدام المساعدات العسكرية الأمريكية.
ويؤكد أبو بدوية أن التأثير الفعلي للحادثة سيظل مرتبطاً بمدى استعداد واشنطن للانتقال من بيانات القلق إلى ممارسة ضغط سياسي حقيقي على الحكومة الإسرائيلية، معتبراً أن أهميتها تكمن في أنها تضيف دليلاً جديداً يصعب تجاهله في النقاش الأمريكي المتنامي حول حدود الدعم غير المشروط لإسرائيل ومسؤوليتها في كبح عنف المستوطنين.

استمرار نهج التطرف

يوضح الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن ما تعرض له عضو الكونغرس الأمريكي البارز والمرشح المحتمل للرئاسة عن الحزب الديمقراطي رو خانا يحمل أهمية كبيرة، ليس لأن الحادثة غير مسبوقة، وإنما لأن المستهدف هذه المرة شخصية سياسية أمريكية رفيعة، وهو ما يمنح الواقعة أبعاداً سياسية تتجاوز الاعتداءات المعتادة التي تستهدف الفلسطينيين أو الزوار الأجانب.
ويرى كُتّاب أن الحادثة تعكس استمرار نهج التطرف الذي تمارسه مجموعات من المستوطنين، إلى جانب أفراد من جيش الاحتلال، معتبراً أن استهداف شخصية أمريكية بهذا المستوى قد يلفت اهتماماً دولياً أكبر إلى طبيعة ممارسات الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية.

الحادثة وأجواء الانتخابات الإسرائيلية

وبحسب كُتّاب، فإن الحادثة، رغم أهميتها، لن تؤدي في المرحلة الحالية إلى لجم المستوطنين، في ظل الأجواء الانتخابية الإسرائيلية المحتدمة، حيث تتسم المنافسة السياسية بالشراسة، ويواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السعي للبقاء في السلطة وتوسيع قاعدة مؤيديه لتجنب الملاحقة القضائية، الأمر الذي يدفعه إلى استقطاب مختلف القوى الداعمة له، بما فيها التيارات المؤيدة للاستيطان.
ويعتقد كُتّاب أن أي محاولات جدية للحد من نفوذ المستوطنين قد تُرجأ إلى ما بعد الانتخابات، عندما تتضح تركيبة الحكومة الائتلافية الجديدة وطبيعة القوى المشاركة فيها.

المستوطنون لا يميزون بين فلسطيني أو أجنبي

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د.سعد نمر أن احتجاز عضو الكونغرس الأمريكي والمرشح الديمقراطي المحتمل للرئاسة رو خانا خلال زيارته للضفة الغربية يسلط الضوء بصورة غير مسبوقة على طبيعة سلوك المستوطنين وأفكارهم والممارسات التي ينفذونها بحق الفلسطينيين.
ويعتبر نمر أن استهداف شخصية سياسية أمريكية يمثل رسالة واضحة بأن المستوطنين لا يميزون بين فلسطيني أو أجنبي، وأنهم يتصرفون انطلاقاً من قناعة بقدرتهم على فرض إرادتهم حتى على أقرب حلفاء إسرائيل.

طبيعة الفكر الذي يحكم الحركة الاستيطانية

ويوضح نمر أن الحادثة تكشف عن عقلية قائمة على الاعتقاد بأن المستوطنين يمثلون "الشعب المختار"، وأن الجميع يجب أن يخضع لإرادتهم، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تعد الداعم الأكبر لإسرائيل.
ويشير نمر إلى أن هذه الواقعة تعكس طبيعة الفكر الذي يحكم الحركة الاستيطانية، لافتاً إلى أنه إذا كان هذا هو الأسلوب المتبع مع نائب أمريكي، فإن ما يتعرض له الفلسطينيون يومياً يكون أكثر قسوة.
ويوضح نمر أن هذه القناعة ليست جديدة، مستشهداً بتصريحات صدرت سابقاً عن مسؤولين إسرائيليين دعوا فيها إلى عدم الاكتراث بالموقف الأمريكي، معتبراً أن ذلك ينسجم مع الذهنية التي تقف وراء سلوك المستوطنين في الضفة الغربية.

أهداف مباشرة للمستوطنين

ويلفت نمر إلى الاعتداء الذي تعرض له طاقم شبكة CNN خلال تغطيته في الضفة الغربية، قائلاً إن المستوطنين هاجموا الفريق بالحجارة والعصي والسكاكين، رغم وضوح هويتهم كصحفيين أمريكيين، الأمر الذي يعكس أن أي شخص يحاول توثيق ما يجري في الضفة الغربية قد يصبح هدفاً مباشراً لاعتداءات المستوطنين، بغض النظر عن جنسيته أو صفته.
ويرى نمر أن تلك الحوادث قد تؤدي إلى فضح سياسات المستوطنين أمام الرأي العام الأمريكي والدولي، بما يعزز الانتقادات الشعبية لإسرائيل إذا حظيت بتغطية إعلامية واسعة داخل الولايات المتحدة، إلا أنه يستبعد أن ينعكس ذلك على الموقف الرسمي الأمريكي، في ظل استمرار الدعم السياسي الذي تقدمه الإدارات الأمريكية لإسرائيل.
ويؤكد نمر أن السياسة الأمريكية، ولا سيما في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، قدمت دعماً واضحاً لإسرائيل من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لها، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، فضلاً عن تصريحات تدعو إلى توسع إسرائيل، معتبراً أن هذه السياسات تعكس استمرار الدعم الرسمي للمشروع الاستيطاني.

سياسة إسرائيلية رسمية تدعم الاستيطان

ويشدد نمر على أن المشكلة لا تقتصر على مجموعات المستوطنين، بل ترتبط بسياسة إسرائيلية رسمية تدعم الاستيطان وتحميه، بمشاركة مؤسسات الدولة والجيش.
ويعتبر نمر أن أي إجراءات تقتصر على فرض عقوبات على عدد محدود من المستوطنين أو بعض المنظمات الاستيطانية تبقى غير كافية، مشدداً على أن المسؤولية تقع على الحكومة الإسرائيلية التي توفر الغطاء السياسي والأمني لاستمرار الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية.

تصاعد التغول المدفوع بأيديولوجية عنصرية

يؤكد أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د.سعيد شاهين أن ما تعرض له عضو الكونغرس الأمريكي والمرشح الديمقراطي المحتمل للرئاسة الأمريكية رو خانا، يأتي في سياق تصاعد التغول الإسرائيلي المدفوع بأيديولوجية عنصرية تتبناها الحكومة الإسرائيلية، بهدف تنفيذ مخططاتها التوسعية الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين، ومنع أي صوت يسعى إلى كشف أو مواجهة الانتهاكات التي تشهدها الضفة الغربية.
ويوضح أن الحادثة ليست الأولى من نوعها، بل تندرج ضمن سلسلة طويلة من الاعتداءات التي طالت وفوداً وشخصيات أجنبية، إضافة إلى مواطنين أمريكيين بمختلف مواقعهم، مستشهداً بحوادث سابقة شملت الناشطة الأمريكية راشيل كوري، والصحفية شيرين أبو عاقلة، وطواقم إعلامية بينها شبكة CNN، ومتضامنين أجانب، وصولاً إلى حادثة رو خانا.
ويشدد شاهين على أن هذه الوقائع تعكس عدم اكتراث المستوطنين وقوات الاحتلال التي توفر لهم الحماية بأي وفود أو شخصيات أجنبية، مشيراً إلى أن ذلك يجري في ظل سياسات وتوجهات يتبناها مسؤولون إسرائيليون، كما ينتقد موقف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، معتبراً أنه لا يوفر الحماية الكافية حتى للمواطنين الأمريكيين.

استمرار الصمت الدولي

ويؤكد شاهين أن استمرار الصمت الدولي إزاء الانتهاكات الجسيمة في الضفة الغربية، وغياب المحاسبة والإجراءات العقابية بحق مرتكبيها، يسهمان في تصاعد وتيرة الاعتداءات، في ظل غياب تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي ما يتعلق بتداعيات احتجاز رو خانا، يرى شاهين أن الحادثة لن تشكل حرجاً أو مصدر قلق للحكومة الإسرائيلية الحالية، لأنها تشعر بأنها تحظى بغطاء سياسي من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ويشير شاهين إلى أن الجرائم التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية بلغت مستويات غير مسبوقة، ومع ذلك لا يقابلها أي تحرك دولي فاعل لردعها، الأمر الذي يشجع على استمرار الاعتداءات، حتى عندما تستهدف شخصيات رسمية أو برلمانية أو وفوداً أجنبية.

تاريخ طويل من ممارسات المستوطنين

يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن حادثة احتجاز النائب الديمقراطي الأمريكي والمرشح المحتمل للرئاسة المقبلة، رو خانا، من قبل مستوطنين إسرائيليين مسلحين ببنادق أمريكية الصنع، خلال زيارته إلى قرية زنوتا جنوب الخليل، قبل الإفراج عنه بعد تدخل قوات الاحتلال والشرطة الإسرائيلية، تمثل تطوراً لافتاً قد تكون له تداعيات سياسية تتجاوز حدود الحادثة نفسها، ولا سيما على مستوى المواقف الأمريكية من الاستيطان.
ويوضح عوكل أن ما تعرض له خانا ليس حادثة معزولة أو الأولى من نوعها، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من حالات المنع والمضايقات والإهانات التي يمارسها المستوطنون، غالباً تحت أنظار جيش الاحتلال، مشيراً إلى أن هذه الممارسات لا تستثني أحداً، سواء كان مسؤولاً سياسياً أو دبلوماسياً أو حقوقياً أو إعلامياً أو يحمل جنسية أجنبية.

غياب الحصانة عن المسؤولين والزوار الأجانب

ويشير عوكل إلى أن الوقائع السابقة تؤكد غياب أي حصانة فعلية للمسؤولين والزوار الأجانب، مستشهداً بالطريقة التي تعاملت بها السلطات الإسرائيلية مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، وكذلك بحادثة إطلاق جيش الاحتلال النار باتجاه وفد دبلوماسي أوروبي حاول زيارة مدينة جنين للاطلاع على الأوضاع الميدانية.
ويرى عوكل أن التجربة التي مر بها النائب الأمريكي قد تدفعه إلى تبني مواقف وسياسات أقل دعماً لإسرائيل والمستوطنين، وأكثر تفهماً للواقع الذي يعيشه الفلسطينيون.
ويعتبر عوكل أن الحادثة تطرح تساؤلات حول ما إذا كان يتعين على المسؤولين الدوليين التعرض مباشرة لمثل هذه الانتهاكات حتى يدركوا حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون منذ عقود.
ويؤكد عوكل أن ما جرى من شأنه أن يسهم في توسيع وتعميق التحولات المتزايدة داخل الحزب الديمقراطي والمجتمع الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، مرجحاً أن يعزز الدعوات لاتخاذ إجراءات وعقوبات أكثر صرامة بحق المستوطنين، في ظل تزايد الانتقادات الدولية لممارسات الاحتلال والمستوطنين التي تشهدها الضفة الغربية.

تزايد ثقة المستوطنين بجرائمهم

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية د.فادي جمعة أن ما تعرض له عضو الكونغرس الأمريكي والنائب الديمقراطي رو خانا من احتجاز على يد مستوطنين مسلحين خلال زيارته للضفة الغربية لا يمكن قراءته باعتباره حادثة أمنية منفصلة، وإنما يأتي في سياق مشهد متواصل تشهده الضفة الغربية منذ سنوات، تصاعد بصورة غير مسبوقة بعد أحداث السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، مع ازدياد عنف المستوطنين واتساع نطاق اعتداءاتهم بحق الفلسطينيين.
ويوضح أن التطورات الميدانية خلال الأشهر الماضية، أظهرت ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى ثقة المستوطنين بما يفعلوه، الأمر الذي دفعهم إلى تنفيذ ممارسات أكثر جرأة، بالتوازي مع تسارع التوسع الاستيطاني وعمليات تهجير الفلسطينيين، خاصة في مناطق جنوب الخليل، والأغوار، ومسافر يطا، مشيراً إلى أن هذه المظاهر بدأت تمتد أيضاً إلى مناطق أخرى مثل جنين.
ويؤكد جمعة أن ما يمنح الحادثة أهمية خاصة هو أن الشخص الذي تعرض للاحتجاز ليس ناشطاً فلسطينياً أو صحفياً أو عضواً في وفد محلي، وإنما نائب في الكونغرس الأمريكي يمثل الدولة الحليف الأبرز لإسرائيل، معتبراً أن ذلك يعكس مستوى الثقة الذي باتت تتحرك به مجموعات المستوطنين، إلى درجة أنها لم تتردد في اعتراض وفد أمريكي وهي تحمل أسلحة، في مشهد يشبه ممارسات العصابات، لكنه يتم في ظل شعور بوجود غطاء يسمح بمثل هذه التصرفات.

تحول مهم داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي

ويشدد جمعة على أن رواية النائب الأمريكي، التي تحدث فيها عن أن تدخل القوات الإسرائيلية لم يكن فورياً، تمنح الحادثة بعداً إضافياً، حيث إن تأخر التدخل أتاح للمستوطنين الاستمرار في احتجاز الوفد مدة 90 دقيقة، وهو ما يعكس طبيعة البيئة الميدانية التي تتحرك فيها هذه المجموعات.
ويعتبر جمعة أن الواقعة قد تمثل تحولاً مهماً داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، موضحاً أن الحديث عن الاستيطان وعنف المستوطنين كان في السابق يعتمد بصورة أساسية على تقارير المنظمات الحقوقية والوثائق الدبلوماسية، أما اليوم فإن أعضاء في الكونغرس أصبحوا يشاهدون هذه الوقائع بصورة مباشرة، وهو ما قد يغير طبيعة النقاش داخل واشنطن، لأن التجربة الشخصية تكون أكثر تأثيراً من التقارير المكتوبة.

حادثة مهمة لكنها لا تحد من عنفهم

وفي تقييمه لاحتمالات أن تسهم الحادثة في الحد من عنف المستوطنين، يرى جمعة أنها قد تضيف زخماً جديداً للضغوط السياسية، لكنها لن تكون كافية بمفردها لإحداث تغيير فعلي.
ويشير جمعة إلى أن الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية فرضت خلال الفترة الماضية عقوبات على بعض المستوطنين، وأصدرت تقارير تتناول الاعتداءات والتهجير القسري في الضفة الغربية، إلا أن تلك الإجراءات لم تفض إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ويلفت جمعة إلى أن ما يميز هذه الواقعة هو أن المتضرر منها نائب في الكونغرس الأمريكي، الأمر الذي قد يمنحها وزناً أكبر داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، وقد تُستخدم في النقاشات المتعلقة بالدعم الأمريكي السياسي والاقتصادي لإسرائيل، إلا أنه يستبعد أن يؤدي ذلك وحده إلى لجم المستوطنين.
ويشدد جمعة على أن وقف اعتداءات المستوطنين يتطلب في الأساس قراراً سياسياً إسرائيلياً، معتبراً أن الحادثة قد تشكل نقطة مفصلية في تطور الخطاب الأمريكي تجاه ما يجري في الضفة الغربية، لكنها لن تكون كافية لتغيير سلوك المستوطنين ما لم تتوافر إرادة سياسية داخل إسرائيل، وهو أكثر تعقيداً من أن تحسمه حادثة واحدة، مهما بلغت أهميتها السياسية والإعلامية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري في هرمز: واشنطن تلوح بغزو بري وإيران تغلق المضيق

تشهد المنطقة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، حيث شنت القوات الأميركية سلسلة هجمات استهدفت مواقع إيرانية رداً على ما وصفته باستهداف سفن تجارية في مضيق هرمز. وفي المقابل، ردت طهران بقصف منشآت عسكرية تابعة لواشنطن في عدة دول عربية، مما ينذر بانزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة.

وأفادت مصادر مطلعة في واشنطن بأن هناك قناعة متزايدة لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي بأن أزمة مضيق هرمز لا يمكن حلها إلا عبر عملية برية جزئية. وتعمل القيادة الوسطى الأميركية حالياً على تنفيذ خطة تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية الإيرانية بشكل تدريجي، تمهيداً لاحتمالية اقتحام المناطق الإستراتيجية المحيطة بالممر المائي الدولي.

وفي خطوة تصعيدية، أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب إخطاراً رسمياً إلى الكونغرس يؤكد فيه دخول البلاد في حالة حرب مفتوحة مع إيران منذ السابع من يوليو الجاري. هذا الإجراء القانوني يمنح الإدارة الأميركية صلاحيات واسعة لاستخدام القوة الضاربة والتحرك العسكري دون العودة للقيود التقليدية، مما يعزز فرضية العمل العسكري الوشيك.

وتعتزم الإدارة الأميركية تشديد الخناق على طهران عبر فرض حصار بحري شامل على موانئها، بهدف إضعافها اقتصادياً وعسكرياً ومنعها من تمويل عملياتها. ومع ذلك، يبدي الجناح الديمقراطي تخوفاً كبيراً من أن تتحول العملية البرية إلى مغامرة غير محسوبة النتائج، قد تكبد الجيش الأميركي خسائر بشرية ومادية فادحة لا يمكن تداركها.

على الصعيد الاقتصادي، حذر مركز الدراسات الإستراتيجية في واشنطن من التداعيات المالية الكارثية لهذا التصعيد، حيث قُدرت تكلفة الحصار والوجود العسكري بنحو نصف مليار دولار يومياً. ويرى مراقبون أن هذا الاستنزاف المالي سيؤثر بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطن الأميركي، وقد يلقي بظلاله على حظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة.

من جانبه، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل وحتى إشعار آخر، مؤكداً منع مرور أي سفينة عبر هذا الممر الحيوي. وجاء هذا القرار رداً على ما وصفته طهران بالتدخلات الأميركية المستمرة، مشيرة إلى أن استهداف إحدى السفن مؤخراً جاء نتيجة سلوكها مساراً غير معتمد داخل المياه الإقليمية.

وفي سياق متصل، حذرت وزارة الخارجية الإيرانية من أن طهران لن تلتزم بأي مذكرات تفاهم سابقة إذا استمرت الولايات المتحدة في نقض تعهداتها الدولية. وأوضح المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي أن بلاده ستعتمد مبدأ المعاملة بالمثل في التعامل مع الالتزامات، محذراً من أن استمرار الضغوط الأميركية سيؤدي إلى ردود فعل مماثلة.

وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن طهران تمتلك قدرة عالية على امتصاص الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية لفترات طويلة، وهو ما يضع الإدارة الأميركية أمام معضلة حقيقية. فبينما تراهن واشنطن على الحصار، يخشى الخبراء من أن طول أمد الحرب قد يؤدي إلى استنزاف المليارات من الخزينة الأميركية دون تحقيق حسم عسكري ناجز.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

القرآن: مرآة الإنسان في الميزان الإلهي

القرآن: مرآة الإنسان في الميزان الإلهي

التنزيل الإلهي بوصفه الحد الأقصى لتعريف الإنسان من خالقه

منذ أن بدأ الإنسان يعي وجوده، ظل يواجه السؤال الأكثر عمقًا في رحلته: من أنا؟

لم يكن هذا السؤال بحثًا عن اسم أو هوية أو وصف خارجي، بل كان بحثًا عن الحقيقة الكامنة وراء وجوده: ما طبيعته؟ ما قدراته؟ ما حدوده؟ وما الغاية التي تمنح حياته معناها؟

لقد استطاع الإنسان أن يكتشف الكثير عن العالم من حوله. فهم قوانين الطبيعة، وسبر أغوار المادة، وبنى الحضارات، وطور أدوات هائلة جعلته قادرًا على التأثير في محيطه. لكنه، رغم كل هذا التقدم، بقي أمام السؤال الأصعب: هل استطاع الإنسان أن يعرف نفسه كما عرف الأشياء من حوله؟

فالإنسان يحاول أن يعرف ذاته وهو جزء من هذه الذات. يدرس عقله بعقله، ويحلل نفسه بأدوات هي نفسها جزء من تكوينه، ولذلك تبقى معرفته بنفسه محدودة مهما بلغت من التقدم. يستطيع أن يعرف بعض مظاهره، لكنه لا يستطيع أن يحيط بكل أبعاده؛ لأنه ليس مجرد وجود مادي، بل كائن مركب يجمع بين الجسد والعقل والروح والإرادة والمعنى.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى معرفة تأتي من خارج حدود الإنسان، معرفة صادرة عن الذي أوجد الإنسان ويعلم حقيقته.

وهنا يأتي القرآن الكريم.

فالقرآن ليس مجرد كتاب يقدم للإنسان مجموعة من الأحكام أو التوجيهات، بل هو خطاب إلهي يكشف للإنسان من هو. إنه ليس تعريفًا بالإنسان صادرًا عن الإنسان، بل تعريف صادر عن خالق الإنسان.

فالله تعالى هو العالم بما خلق:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

ولهذا فإن القرآن يمثل التعريف الأعلى للإنسان من قبل خالقه؛ لأنه التعريف الذي لا يقوم على الملاحظة البشرية المحدودة، بل على العلم الإلهي المحيط بحقيقة الإنسان.

فالقرآن يكشف للإنسان أصله، وطبيعته، وضعفه، وقدراته، ومسؤوليته، وغايته. لا يراه مجرد كائن يعيش في العالم، بل كائنًا له مكانة ورسالة؛ كائنًا خُلق قادرًا على المعرفة والاختيار والتزكية وحمل الأمانة.

ومن هنا يمكن النظر إلى القرآن باعتباره مرآة الإنسان في الميزان الإلهي.

فالإنسان حين يقف أمام القرآن لا يرى الصورة التي رسمها لنفسه، ولا الصورة التي صنعها المجتمع عنه، بل يرى الصورة التي يكشفها له خالقه. يرى أنه مكرم، لكنه مسؤول. قادر، لكنه محدود. حر، لكنه محاسب. يمتلك القدرة على الارتقاء، لكنه يحمل أيضًا قابلية السقوط.

لكن هذه المرآة لا تكشف الإنسان فقط، بل تكشف أيضًا طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق.

فالقرآن هو خطاب إلهي مطلق من حيث مصدره، لكنه نازل إلى إنسان محدود من حيث قدرته على التلقي. ولذلك فإن من خصائص هذا التنزيل أنه جاء على قدر الإنسان.

وهنا يجب فهم المعنى بدقة؛ فليس المقصود أن القرآن محدود بحدود الإنسان، فالله تعالى وكلامه منزهان عن حدود المخلوقات، وإنما المقصود أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يصل الخطاب الإلهي إلى الإنسان بالصورة التي يستطيع الإنسان أن يستقبلها ويفهمها ويتفاعل معها.

فالخالق سبحانه يعلم طبيعة المخلوق الذي يخاطبه. يعلم قدرته على الإدراك، وطاقة عقله، واستعداد قلبه، وحدود احتماله. ولذلك جاء الوحي في صيغة تخاطب الإنسان بلغته، وتراعي تجربته، وتفتح له آفاقًا من المعرفة دون أن تحمله ما لا يستطيع حمله.

ومن هنا فإن مستوى التنزيل يكشف مستوى المخلوق المخاطَب.

فكون الإنسان مخاطبًا بكلام الله، ومطالبًا بفهمه، ومدعوًا إلى التدبر فيه، يكشف عن مكانته الخاصة في الميزان الإلهي. فالإنسان ليس مجرد مخلوق مادي، بل مخلوق أُعطي القدرة على استقبال الخطاب الإلهي والتفاعل معه.

وبقدر ما كشف الله تعالى للإنسان من خلال القرآن، تتحدد حدود الإدراك الإنساني الممكنة. فالقرآن هو المساحة التي التقى فيها العلم الإلهي المطلق بالقدرة الإنسانية المحدودة.

إن الله تعالى لم يكشف للإنسان كل شيء، لأن الإنسان لا يحتمل كل شيء، ولم يحجب عنه ما يحتاجه، لأن الغاية من الوحي هي الهداية وبناء الإنسان.

وهذا المعنى يظهر في قصة سيدنا موسى عليه السلام عندما طلب رؤية الله تعالى:

﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾

فالقضية ليست غياب القدرة الإلهية على الكشف، وإنما حدود قابلية المخلوق على التلقي. فالمحدود لا يحيط بالمطلق، والمخلوق لا يستوعب حقيقة الخالق كما هي.

وهكذا يكشف القرآن للإنسان أمرين في وقت واحد: يكشف له قدرته على المعرفة، ويكشف له حدود هذه المعرفة.

إنه يمنحه طريق الاقتراب، لكنه يذكره دائمًا بأنه مخلوق وليس مطلقًا.

ولهذا فإن القرآن هو الحدود القصوى لتعريف الإنسان من قبل خالقه؛ فهو ليس كل العلم الإلهي عن الإنسان، لأن علم الله لا يحده شيء، لكنه أقصى مقدار من التعريف الذي أُعطي للإنسان في صورة يمكنه أن يتلقاها.

فالقرآن يعرف الإنسان بأصله حتى لا يتكبر، ويعرفه بضعفه حتى لا ييأس، ويعرفه بكرامته حتى لا يذل، ويعرفه بمسؤوليته حتى لا يعيش بلا غاية.

ومن هنا نفهم اختلاف الناس في فهم القرآن؛ فالكتاب واحد، لكن الإنسان الذي يقف أمامه مختلف. وكل إنسان يأخذ من هذا البحر بقدر سعته. فكلما ارتقى الإنسان في وعيه وتزكيته، أصبح أكثر قدرة على رؤية نفسه في هذه المرآة الإلهية.

إن القرآن لا يكشف فقط ما يريد الله من الإنسان، بل يكشف الإنسان كما هو في علم الله.

ولهذا فإن القرآن ليس مجرد كتاب أُرسل إلى الإنسان، بل هو كتاب الإنسان كما يعرفه الله.

إنه المرآة التي وضعها الخالق أمام مخلوقه ليرى حقيقته، وحدوده، وقدره، وغايته في الميزان الإلهي.

فالإنسان لا يكتمل حين يعرف العالم من حوله فقط، بل حين يعرف نفسه كما عرّفه خالقه.



عربي ودولي

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 8:37 صباحًا - بتوقيت القدس

نذر انهيار الهدنة في اليمن: تصعيد متبادل وتحركات دولية لاحتواء الأزمة

تخيم حالة من الترقب الحذر على المشهد اليمني في ظل تصعيد ميداني وسياسي متسارع يهدد بتقويض حالة الهدوء النسبي المستمرة منذ سنوات. وجاءت هذه التطورات عقب سلسلة من الغارات الجوية التي استهدفت مطار صنعاء الدولي، وما تلاها من تحركات عسكرية متبادلة أثارت مخاوف الأوساط الدولية من عودة الصراع إلى مربعه الأول.

وأعلنت جماعة الحوثي رسمياً عن تنفيذ هجمات استهدفت مطار أبها في المملكة العربية السعودية باستخدام رشقات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وأكدت الجماعة أن هذا التحرك يأتي في إطار الرد المباشر على القصف الذي طال مطار العاصمة صنعاء، مشددة على أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفته بالاستهداف الجوي لمنشآتها الحيوية.

في المقابل، وجهت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً اتهامات حادة لجماعة الحوثي وإيران، محملة إياهما المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع الأمنية. واعتبرت الحكومة أن رصد هبوط طائرات إيرانية في مطار الحديدة يمثل خرقاً صريحاً للسيادة الوطنية، مؤكدة عزمها التعامل بحزم مع أي محاولات لفرض واقع جديد عبر الملاحة الجوية غير القانونية.

وتشير تقارير ميدانية نقلتها مصادر مطلعة إلى أن مطار الحديدة شهد هبوط طائرتين إيرانيتين في أوقات متفرقة، حيث كانت إحداهما تقل وفداً حوثياً عائداً من طهران. هذا التطور زاد من حدة الاحتقان السياسي، ودفع الأطراف المتصارعة إلى تبادل البيانات التحذيرية التي تنذر بجولة جديدة من المواجهات العسكرية المباشرة على مختلف الجبهات.

وعلى الصعيد التحذيري، طالبت جماعة الحوثي شركات الطيران العالمية بتجنب عبور الأجواء السعودية، داعية إياها إلى أخذ هذه التهديدات على محمل الجد. وأوضحت الجماعة أنها ماضية في إجراءات ما وصفته بـ 'فك الحصار' عن مطار صنعاء، وهو ما يضع الملاحة الجوية في المنطقة أمام تحديات أمنية جسيمة خلال المرحلة المقبلة.

من جانبه، كثف المبعوث الأممي إلى اليمن من تحركاته الدبلوماسية لإجراء اتصالات عاجلة مع مختلف القوى السياسية والعسكرية الفاعلة. وتهدف هذه الجهود إلى الحفاظ على مكتسبات هدنة عام 2022 ومنع انزلاق البلاد نحو حرب شاملة، حيث دعا المبعوث جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتغليب لغة الحوار على التصعيد العسكري.

ورغم هذه المساعي الدولية والعربية لاحتواء الأزمة، إلا أن المؤشرات الميدانية لا تزال توحي بصعوبة الموقف وتعقيداته المتزايدة. فالفجوة بين الأطراف المتنازعة تتسع مع كل خرق جديد، مما يجعل الهدنة الهشة أمام اختبار حقيقي قد يحدد مصير الاستقرار في اليمن والمنطقة المحيطة بها خلال الأيام القليلة القادمة.

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 6:37 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري واسع: ضربات أمريكية تطال العمق الإيراني وطهران تستهدف قاعدة الجفير بالبحرين

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) اليوم الثلاثاء، عن تنفيذ موجة جديدة ومكثفة من الضربات العسكرية ضد أهداف تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وأوضحت المصادر أن القوات الأمريكية استخدمت ذخائر متطورة ودقيقة التوجيه لضرب منشآت دفاعية وعسكرية حيوية، في إطار ما وصفته بالرد على التهديدات المستمرة للملاحة الدولية.

واستمرت العمليات الجوية الأمريكية لمدة خمس ساعات متواصلة، حيث تركزت الهجمات على مواقع استراتيجية في عدة مناطق إيرانية شملت بوشهر، وتشابهار، وجاسك، وكنارك. كما طالت الضربات جزيرة أبو موسى ومدينة بندر عباس الساحلية، مما يشير إلى اتساع رقعة الاستهداف الأمريكي للقدرات العسكرية الإيرانية على طول الساحل.

من جانبه، أكد الحرس الثوري الإيراني شن هجمات مضادة واسعة النطاق باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، استهدفت بشكل مباشر منشآت عسكرية أمريكية في مملكة البحرين. وجاء هذا الإعلان بعد وقت قصير من إطلاق صافرات الإنذار في المنامة، حيث دعت السلطات البحرينية المواطنين والمقيمين إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر والتوجه إلى الملاجئ.

وأفادت مصادر إعلامية إيرانية بأن القصف استهدف تحديداً قاعدة الجفير، حيث طالت الضربات مستودعات للدعم اللوجستي العسكري ومركزاً متطوراً للاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية. كما أشار البيان الإيراني إلى إصابة المبنى السكني المخصص للقوات الأمريكية في البحرين، في تصعيد غير مسبوق يطال القواعد الدائمة لواشنطن في المنطقة.

وفي سياق متصل، أعلن الحرس الثوري عن تعطيل ناقلتي نفط عملاقتين أثناء عبورهما مضيق هرمز، بدعوى مخالفتهما لقواعد الملاحة الدولية وتجاهل التحذيرات المتكررة. وزعمت طهران أن السفن المستهدفة أغلقت أنظمة التتبع الخاصة بها وحاولت المرور عبر مسارات وصفتها بأنها 'ملغومة'، مما استدعى التدخل العسكري المباشر لوقفهما.

واتهمت طهران الولايات المتحدة بتحريض السفن التجارية على سلوك ممرات غير قانونية في المضيق، محذرة من أن استمرار هذا التعاون مع 'القوى المعتدية' سيؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية. وحذر البيان الإيراني من أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى تأخير طويل في إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة الطبيعية، مما يهدد استقرار الأسواق الدولية.

على الجانب الأمريكي، شددت القيادة المركزية على أن ضرباتها استهدفت بشكل دقيق أنظمة الدفاع الجوي الساحلية ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ التي تهدد أمن المنطقة. وأكدت واشنطن أن هذه التحركات تأتي لحماية المصالح الأمريكية وحلفائها، مشيرة إلى وجود أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي في حالة تأهب قصوى بمختلف أنحاء الشرق الأوسط.

ويأتي هذا الصدام المباشر بعد سلسلة من الهجمات المتبادلة في مياه الخليج ومضيق هرمز، حيث تتبادل واشنطن وطهران الاتهامات بخرق القوانين الدولية. وبينما تصر الولايات المتحدة على أن عملياتها دفاعية للرد على استهداف السفن التجارية، ترى إيران في التحركات الأمريكية عدواناً يستوجب رداً عسكرياً في العمق والقواعد الإقليمية.

تحليل

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 6:32 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تشن حملة شاملة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية: تصعيد جديد في معركة السيادة والقانون الدولي

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 14/7/2026

في تصعيد غير مسبوق لموقفها من المحكمة الجنائية الدولية، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إطلاق حملة حكومية شاملة تهدف إلى تقويض المحكمة وعزلها دبلوماسياً، معتبرة أنها تشكل "تهديداً مباشراً للسيادة الأميركية". وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين واشنطن والمحكمة على خلفية سعي الأخيرة إلى ملاحقة مسؤولين وعسكريين أميركيين، فضلاً عن تحقيقاتها المتعلقة بحلفاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم إسرائيل.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، إن الإدارة الأميركية أطلقت "حملة واسعة تقودها وزارة الخارجية، وتشارك فيها مختلف مؤسسات الحكومة، من أجل تفكيك التهديد الذي تمثله المحكمة الجنائية الدولية للسيادة الأميركية"، مؤكداً أن "جميع الخيارات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مطروحة لضمان ألا تتمكن المحكمة من استهداف الولايات المتحدة أو مواطنيها".

وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن الحملة لا تقتصر على فرض مزيد من الضغوط على المحكمة، بل تشمل أيضاً تحركاً دبلوماسياً واسع النطاق يستهدف الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي، المؤسس للمحكمة، بهدف إقناعها بالانسحاب منه ووقف أي دعم مالي أو سياسي للمؤسسة القضائية الدولية.

وأوضح المسؤول أن وزير الخارجية ونائبه والسفراء الأميركيين وكبار مسؤولي الإدارة بدأوا بالفعل اتصالات مكثفة مع حكومات حول العالم لحشد تأييد دولي ضد المحكمة، والعمل على عزلها سياسياً، بما يمنعها من ممارسة اختصاصها بحق مسؤولين أو جنود أميركيين.

وتدرس الإدارة الأميركية، وفق المسؤول ذاته، مجموعة واسعة من الإجراءات التصعيدية، تشمل فرض حظر سفر وإلغاء تأشيرات لمسؤولي المحكمة والعاملين معها، وتوسيع العقوبات الاقتصادية لتشمل مؤسسات وأفراداً يتعاونون معها، إضافة إلى ممارسة ضغوط مباشرة على الحكومات التي تستمر في دعم المحكمة أو التعاون معها.

كما أوضح المسؤول أن واشنطن تدعو الدول غير المنضمة إلى المحكمة، مثل الولايات المتحدة، إلى استخدام نفوذها الدبلوماسي للانضمام إلى هذه الحملة، فيما تطالب الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية أو تعتمد على المظلة الأمنية الأميركية بإعلان رفضها الصريح لاختصاص المحكمة بمحاكمة المسؤولين والعسكريين الأميركيين.

وحذرت وزارة الخارجية، بصورة غير مباشرة، من أن الدول التي تواصل الاعتماد على الدعم الأمني الأميركي، وفي الوقت نفسه ترفض معارضة المحكمة، قد تواجه "تدقيقاً متزايداً" في علاقاتها مع واشنطن، في إشارة فسرها مراقبون على أنها تنطوي على احتمال استخدام أدوات الضغط السياسي أو الاقتصادي لإجبار تلك الدول على إعادة النظر في موقفها.

وفي تصريحات حملت لهجة غير مسبوقة، اعتبر بيغوت أن المحكمة الجنائية الدولية "تسعى إلى التحول إلى هيئة عالمية فوق الدول"، متهماً إياها بمحاولة فرض “نظام قانوني غير شرعي” على الولايات المتحدة، وقال إن بلاده "لا تعترف بسلطة بيروقراطيين دوليين يسعون إلى تقويض تاريخ أميركا الممتد لأكثر من 250 عاماً في الحكم الذاتي”، مؤكداً أن “السيادة الأميركية ليست ولن تكون موضع تفاوض".

وتعكس هذه الحملة تحولاً من سياسة الدفاع عن الموقف الأميركي تجاه المحكمة إلى استراتيجية هجومية تستهدف تقليص نفوذها ومكانتها الدولية. فبدلاً من الاكتفاء برفض اختصاص المحكمة، تسعى الإدارة الأميركية إلى إضعافها مؤسسياً عبر تقليص قاعدة الدول الداعمة لها وتجفيف مصادر تمويلها، بما قد يحد من قدرتها على مواصلة تحقيقاتها.

وتأتي هذه الخطوة في سياق توتر متصاعد بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية، خصوصاً بعد إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق شخصيات رفيعة في نزاعات دولية، وما رافق ذلك من تزايد المخاوف داخل الإدارة الأميركية من احتمال توسيع نطاق التحقيقات ليشمل مسؤولين أميركيين أو حلفاء مقربين للولايات المتحدة.

ويرى دبلوماسيون أن الحملة الأميركية قد تضع العديد من الحلفاء الأوروبيين أمام معادلة معقدة، إذ إن معظمهم أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية ويعتبرونها إحدى الركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي، في حين ترتبط علاقاتهم الأمنية والعسكرية بالولايات المتحدة بدرجة كبيرة، ما قد يجعلهم عرضة لضغوط متزايدة خلال المرحلة المقبلة.

وتكشف الحملة الأميركية عن صراع أعمق من مجرد خلاف قانوني مع المحكمة الجنائية الدولية؛ فهي تعكس تنافساً بين رؤيتين للنظام الدولي. الأولى، تتبناها واشنطن، وتمنح الدولة الوطنية السيادة المطلقة على مواطنيها ومؤسساتها، بينما ترى الثانية أن الجرائم الأشد خطورة ينبغي ألا تبقى بمنأى عن المساءلة الدولية مهما كانت جنسية مرتكبيها. ومن هنا، فإن المواجهة الحالية لا تستهدف المحكمة وحدها، بل تمس مستقبل العدالة الجنائية الدولية، وحدود سلطة المؤسسات متعددة الأطراف في مواجهة القوى الكبرى التي ترفض إخضاع نفسها لقضاء دولي مستقل.

ولن تقتصر الضغوط الأميركية على المحكمة وحدها، بل إلى شبكة واسعة من الحلفاء الذين يجدون أنفسهم بين التزاماتهم القانونية الدولية ومصالحهم الاستراتيجية مع واشنطن. فالدول الأوروبية، على وجه الخصوص، دعمت المحكمة منذ تأسيسها بوصفها إحدى أهم مؤسسات النظام الدولي بعد الحرب الباردة، بينما تعتمد في الوقت ذاته على المظلة الأمنية الأميركية. ومن شأن هذا التناقض أن يخلق انقسامات داخل المعسكر الغربي، ويجعل قضية المحكمة اختباراً جديداً لتوازنات التحالفات الغربية ومستقبل النظام الدولي القائم على القواعد.

وإذا نجحت واشنطن في إقناع عدد مؤثر من الدول بالانسحاب من المحكمة أو تقليص دعمها المالي والسياسي لها، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام إعادة رسم العلاقة بين القانون الدولي وموازين القوة. أما إذا فشلت الحملة، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مؤسسة دولية اكتسبت زخماً أكبر نتيجة الضغوط المفروضة عليها. وفي الحالتين، تبدو المواجهة الحالية مؤشراً على مرحلة جديدة تتزايد فيها المنافسة بين منطق القوة السياسية ومنطق المؤسسات الدولية، وسط تساؤلات متنامية حول مستقبل النظام القانوني العالمي وقدرته على الصمود أمام الضغوط الجيوسياسية.

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 6:07 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يخطر الكونغرس باستئناف الحرب ضد إيران ويهدد بتدمير منشأة نووية

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إخطاراً رسمياً إلى الكونغرس يفيد باستئناف العمليات العسكرية المباشرة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكداً أن واشنطن انتقلت إلى مرحلة متقدمة من الصدام المسلح. وجاء هذا التحرك في ظل تصعيد ميداني واسع، حيث أوضح ترامب أن القوات الأمريكية بدأت بالفعل تنفيذ سلسلة من الهجمات الجوية المكثفة التي تستهدف البنية التحتية العسكرية الإيرانية.

وهدد ترامب بشكل صريح بتدمير منشأة 'بيكاكس ماونتن'، والتي تُعرف بأنها موقع نووي حصين يقع تحت الأرض بالقرب من منشأة نطنز الشهيرة. وأشار في تصريحات إعلامية إلى أن الساعات المقبلة ستشهد موجات جديدة من الضربات العنيفة، مشدداً على أن الإدارة الأمريكية لن تتوانى عن استخدام القوة العسكرية لتعطيل القدرات النووية الإيرانية التي تشكل تهديداً للأمن القومي.

واستندت الرسالة الرئاسية المكونة من صفحتين إلى قانون صلاحيات الحرب، الذي يلزم البيت الأبيض بإبلاغ السلطة التشريعية بأي تحركات عسكرية خارج الحدود خلال 48 ساعة من انطلاقها. وأكدت الرسالة أن العمليات الحالية تقع ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، مما يمنح الجيش غطاءً قانونياً للاستمرار في القتال لمدة شهرين دون الحاجة لتفويض جديد من المشرعين.

ميدانياً، أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الأمريكية نفذت أربع موجات من القصف الجوي خلال الأسبوع المنصرم، طالت أكثر من 300 هدف استراتيجي في عمق الأراضي الإيرانية. وتأتي هذه الغارات رداً على ما وصفته واشنطن بالتحرشات الإيرانية بالسفن التجارية في الممرات المائية الدولية، وتصاعد هجمات الطائرات المسيرة التي استهدفت القواعد الأمريكية في المنطقة.

وعلى الصعيد الاقتصادي والملاحي، أعلن ترامب عزمه إعادة فرض حصار بحري شامل على مضيق هرمز الحيوي اعتباراً من يوم الثلاثاء المقبل. وطالب الرئيس الأمريكي بالحصول على نسبة 20% من قيمة كافة الشحنات النفطية والتجارية التي تعبر المضيق، وذلك كرسوم مقابل تأمين الملاحة الدولية وحماية الناقلات من التهديدات الإيرانية المستمرة.

وفي تفاصيل الرسالة الموجهة للكونغرس، شدد ترامب على أن القوات البرية الأمريكية لا تشارك بشكل مباشر في الاشتباكات حتى الآن، حيث تقتصر العمليات على القصف الجوي والصاروخي. ووصف الضربات بأنها 'محدودة ومدروسة' صُممت بعناية لتقليل الأضرار الجانبية بين المدنيين، مع التركيز الكامل على تحييد الأهداف العسكرية والمنشآت الحيوية التابعة للحرس الثوري.

وختم الرئيس الأمريكي موقفه بالتأكيد على أن هذه الإجراءات العسكرية تندرج ضمن مسؤولياته الدستورية لحماية المواطنين الأمريكيين والمصالح القومية في الخارج. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يضع المنطقة على حافة مواجهة شاملة، خاصة مع استمرار تبادل القصف الصاروخي وانهيار كافة تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة بين الطرفين.

عربي ودولي

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 6:07 صباحًا - بتوقيت القدس

انهيار وشيك لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: صراع السيطرة على هرمز يعيد شبح الحرب

دخلت مذكرة التفاهم الهشة بين الولايات المتحدة وإيران نفقاً مظلماً، حيث باتت جهود التهدئة في مهب الريح عقب تجدد الأعمال القتالية وتبادل الاتهامات بالنكوص عن الالتزامات. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صراحة انتهاء مفعول اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي، مشيراً إلى أن طهران لا تحترم التفاهمات التي تم التوصل إليها مؤخراً.

وتصاعدت حدة التوتر مع تلميح الإدارة الأمريكية إلى إمكانية فرض سيطرة عسكرية على مضيق هرمز، وهو الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة الطاقة العالمية. ويأتي هذا التصعيد ليضع حداً لآمال قصيرة الأمد ولدت مع توقيع مذكرة تفاهم من 14 بنداً في الشهر الماضي، كانت تهدف لوقف الحرب وفتح الممرات البحرية.

من جانبها، سارعت طهران إلى تحميل واشنطن مسؤولية الأزمة، حيث اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الولايات المتحدة بدفع الاتفاق نحو الهاوية عبر انتهاكات مستمرة. وترى إيران أن التحركات الأمريكية الأخيرة تمثل تراجعاً عن الوعود التي قطعت خلال جولات التفاوض غير المباشرة التي رعتها أطراف إقليمية.

ويبرز مضيق هرمز كبؤرة للصراع الميداني والقانوني، إذ تفسر طهران بنود المذكرة كاعتراف بحقها في إدارة الممر المائي بالكامل. في المقابل، ترفض واشنطن هذا التفسير جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن الاتفاق يلزم إيران بتسهيل المرور الآمن للسفن التجارية دون فرض أي قيود أو رسوم.

الميدان شهد ترجمة فعلية لهذا الخلاف، حيث أطلقت القوات الإيرانية النار على سفن تجارية بدعوى انحرافها عن المسارات المعتمدة، مما أدى لإغلاق المضيق مجدداً. وردت البحرية الأمريكية بالتأكيد على أن المسارات الملاحية الجنوبية لا تزال مفتوحة، محذرة من أي محاولات لتعطيل تدفق النفط والغاز العالمي.

الأزمة الاقتصادية عادت لتتصدر المشهد بعد قرار واشنطن في السابع من يوليو إلغاء تراخيص تصدير الخام الإيراني، وهو ما اعتبرته طهران ضربة قاضية للبند العاشر من الاتفاق. وكانت المذكرة قد وعدت بإعفاءات واسعة تشمل الخدمات المصرفية والتأمين، كمتنفس للاقتصاد الإيراني المنهك من العقوبات الطويلة.

ملف الأصول المجمدة زاد من تعقيد المشهد، خاصة فيما يتعلق بستة مليارات دولار محتجزة في حسابات قطرية. وبينما تصر طهران على حقها المطلق في التصرف بهذه الأموال، أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن واشنطن والدوحة ستشرفان على إنفاقها لضمان شرائها سلعاً إنسانية فقط.

وعلى الصعيد الإقليمي، ربطت إيران بين استقرار الاتفاق والوضع في لبنان، حيث اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني خرقاً لروح التفاهمات. وترى طهران أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملاً ليشمل الجبهات التي انخرط فيها حلفاؤها منذ مارس الماضي.

الوساطة الباكستانية تحاول جاهدة نزع فتيل الانفجار، حيث وجهت إسلام آباد نداءات عاجلة للطرفين بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات والوفاء بالالتزامات الموقعة. إلا أن غياب قنوات الاتصال المباشرة وفقدان الثقة المتبادل يجعل من مهمة الوسطاء تحدياً شبه مستحيل في الوقت الراهن.

محللون سياسيون أشاروا إلى أن الغموض الذي اكتنف صياغة مذكرة التفاهم كان سبباً رئيساً في تداعيها السريع، حيث تركت قضايا شائكة مثل البرنامج النووي لمراحل لاحقة. هذا الفراغ التفسيري سمح لكل طرف بتبني رواية تخدم مصالحه السياسية والميدانية على حساب استقرار المنطقة.

ويرى مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن المذكرة تمر بأزمة وجودية تتطلب اتفاقاً ثانوياً عاجلاً لإعادة الأمور إلى نصابها. وأكد خبراء أن هشاشة الاتفاق تعكس عمق الخلافات الجوهرية التي لم تعالجها اللقاءات السابقة، مما يجعل المنطقة عرضة لموجة جديدة من التصعيد العسكري.

التاريخ يعيد نفسه في نظر المراقبين، حيث يذكر الموقف الحالي بانسحاب ترمب السابق من الاتفاق النووي عام 2015، مما يعزز الشكوك الإيرانية تجاه أي وعود أمريكية. هذا الإرث من عدم الثقة يلقي بظلاله على أي محاولة مستقبلية لبناء إطار أمني مستدام في منطقة الخليج.

وفي ظل هذه التطورات، يبقى مصير الملاحة الدولية في مضيق هرمز معلقاً بين التهديدات الإيرانية بالإغلاق والوعيد الأمريكي بالسيطرة العسكرية. ويمثل هذا الممر المائي الذي يعبره خمس إمدادات الطاقة العالمية نقطة الارتكاز في أي مواجهة محتملة قد تتجاوز حدود الصراع السياسي إلى صدام مباشر.

ختاماً، يبدو أن مهلة الستين يوماً التي حددتها المذكرة للوصول إلى اتفاق نهائي ستنقضي دون تحقيق أي خرق دبلماسي يذكر. ومع غياب مواعيد محددة لجولات تفاوض جديدة، تتجه الأنظار نحو الميدان الذي بات يفرض إيقاعه على طاولة السياسة المتعثرة.

فلسطين

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 5:52 صباحًا - بتوقيت القدس

كاتس يتباهى بدمار غزة ويعلن خطة لإقامة بؤر استيطانية عسكرية شمال القطاع

أعرب وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن تفاخره بحجم الدمار الواسع الذي ألحقته العمليات العسكرية بشمال قطاع غزة، واصفاً المشاهد التي عاينها خلال جولة ميدانية بأنها تمنحه شعوراً بالرضا. وأكد كاتس في تصريحات صحفية أن هذا الخراب ليس عشوائياً، بل هو نتاج سياسة ممنهجة ومدروسة تهدف إلى تغيير الواقع الأمني في المنطقة بشكل جذري.

وكشف كاتس عن توجه استراتيجي جديد يتمثل في إقامة ثلاث بؤر استيطانية ذات طابع عسكري، تُعرف بـ 'نوى ناحال'، في المواقع التي كانت قائمة قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005. وتهدف هذه الخطوة، بحسب الوزير، إلى تكريس وجود يهودي دائم في شمال غزة لضمان السيطرة الأمنية ومنع عودة التهديدات العسكرية من تلك المناطق.

وفي معرض رده على تساؤلات حول مشاعره تجاه ركام المنازل الفلسطينية، أجاب كاتس بلا تردد بأن الأمر يبعث على الارتياح، زاعماً أن تدمير المربعات السكنية كان ضرورياً لإزاحة ما وصفهم بـ 'المخربين'. وأوضح أن الجيش الإسرائيلي انتقل من استراتيجية المداهمات السريعة إلى البقاء الدائم في الداخل، معتبراً أن تحويل المنازل إلى حطام هو جزء أصيل من هذه الرؤية.

وتُعد 'نوى ناحال' التي يعتزم كاتس زرعها في غزة مجموعات شبابية تجمع بين الخدمة العسكرية والعمل الاستيطاني، وهي الأداة التاريخية التي استخدمتها إسرائيل لتأسيس مستوطنات تتحول لاحقاً إلى بلدات مدنية. وادعى وزير الدفاع أن هذه الخطوة ضرورية لتعزيز الدفاع عن البلدات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع وتوفير عمق أمني جديد للقوات العاملة على الأرض.

تأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه التقارير حول سعي اليمين الإسرائيلي لفرض واقع استيطاني جديد في غزة مستغلاً الظروف الميدانية الحالية. وقد وصفت مصادر إعلامية إسرائيلية إعلان كاتس بأنه يمثل هدفاً استراتيجياً يتجاوز الأهداف المعلنة للحرب، مما يشير إلى نية واضحة لإعادة احتلال أجزاء من القطاع بصفة دائمة.

على الصعيد الميداني، تشير المعطيات إلى استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025. وأفادت مصادر طبية بأن الخروقات المتواصلة أسفرت عن سقوط مئات الضحايا بين شهيد وجريح، في ظل إصرار الاحتلال على مواصلة عملياته العسكرية وتدمير البنية التحتية المتبقية في المناطق الشمالية.

ووفقاً لأحدث الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة، فقد بلغ عدد ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق نحو 1108 شهداء، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 3500 فلسطيني بجروح متفاوتة. وتعكس هذه الأرقام، جنباً إلى جنب مع تصريحات كاتس، حجم الإصرار الإسرائيلي على المضي قدماً في سياسة الأرض المحروقة رغم التفاهمات الدولية المعلنة.

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 5:22 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يتوعد بتدمير منشأة 'جبل الفأس' النووية في إيران وسط تصعيد عسكري غير مسبوق

صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته العدائية تجاه طهران، متوعداً بتدمير ما يعرف بموقع 'جبل الفأس' (Pickaxe Mountain) الواقع في العمق الإيراني. وأكد ترمب في تصريحات إعلامية أن القوات الأمريكية تضع هذا الموقع تحت مجهر الرقابة الدقيقة، مشيراً إلى أن أي تحرك مريب سيواجه برد عسكري حاسم وفوري.

وأوضح سيد البيت الأبيض أن الولايات المتحدة تتابع النشاط في المنشأة عبر أجهزتها الاستخباراتية، لافتاً إلى أن الإيرانيين يتجنبون الحديث عن هذا الموقع خشية استهدافه. وأضاف أن واشنطن لن تتردد في قصف المنشأة كلما وردت تقارير عن أنشطة نووية مشبوهة بداخلها، في إطار استراتيجية الردع الحالية.

وتأتي هذه التهديدات في وقت تشهد فيه المنطقة تبادلاً عنيفاً للضربات الصاروخية والجوية بين واشنطن وطهران، حيث دخلت المواجهة المباشرة أياماً حاسمة. وأعلن الجيش الأمريكي عن تنفيذ جولة جديدة من الهجمات استهدفت مواقع إيرانية، معتبراً إياها رداً على استهداف السفن التجارية في الممرات المائية الدولية.

ويقع موقع 'جبل الفأس' المثير للجدل بالقرب من منشأة نطنز الشهيرة لتخصيب اليورانيوم، ويتميز بتحصينات هندسية معقدة تحت طبقات صخرية عميقة. وتفيد تقارير فنية بأن الموقع يضم مجمعات من الأنفاق المحصنة التي صُممت لتكون منيعة أمام الهجمات الجوية التقليدية، مما يجعله هدفاً استراتيجياً معقداً.

ويرى خبراء عسكريون أن تحصينات هذا الجبل قد تتجاوز قدرة أقوى القنابل الخارقة للتحصينات الموجودة في الترسانة الأمريكية الحالية. ومع ذلك، يصر الجانب الأمريكي على أن التكنولوجيا العسكرية المتاحة قادرة على تحييد هذا الخطر النووي في حال اتخاذ قرار المواجهة الشاملة.

بالتوازي مع التهديدات العسكرية، شددت الولايات المتحدة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية، حيث أعلن ترمب عبر منصة 'تروث سوشال' منع السفن الإيرانية من الملاحة. ويهدف هذا الإجراء إلى تجفيف منابع التمويل والقدرات اللوجستية لطهران في ظل استمرار العمليات القتالية التي اندلعت منذ فبراير الماضي.

من جانبها، ردت طهران بإعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية حتى إشعار آخر، مما أدى إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية. وحذر المتحدث باسم مقر 'خاتم الأنبياء' من أي تدخل أمريكي في المضيق، معتبراً أن القوات الإيرانية في حالة استنفار قصوى للرد على أي عدوان.

واتهم الرئيس الأمريكي القيادة الإيرانية بعدم الالتزام بمذكرة التفاهم التي أُبرمت مؤخراً، مما دفع واشنطن إلى العودة لخيار القوة العسكرية المفرطة. وأشار ترمب إلى أن العمليات العسكرية ستتواصل خلال الأيام المقبلة، مؤكداً أن الهدف هو ضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي يهدد المصالح الأمريكية.

وفي ظل هذا التوتر، أفادت مصادر ميدانية بوقوع ضربات متبادلة ليلة السبت إلى الأحد، حيث استهدفت طهران ما قالت إنها منشآت عسكرية أمريكية في دول عربية مجاورة. وفي المقابل، ذكرت تقارير أن بعض الهجمات الإيرانية تسببت في وقوع ضحايا مدنيين وأضرار في البنية التحتية المدنية لتلك الدول.

ورغم قرع طبول الحرب، ترك ترمب الباب موارباً أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي ينهي النزاع، واصفاً ذلك بأنه لا يزال 'ممكناً'. إلا أن الواقع الميداني يشير إلى انزلاق الطرفين نحو مواجهة شاملة قد تغير خارطة التوازنات في الشرق الأوسط بشكل جذري.