أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأحد، عن تمكن قواته من احتلال قلعة الشقيف التاريخية الواقعة في جنوب لبنان، والسيطرة عليها بشكل كامل للمرة الأولى منذ انسحابه منها قبل نحو 27 عاماً. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي صوراً تظهر رفع علم لواء غولاني إلى جانب العلم الإسرائيلي فوق أسوار القلعة، في خطوة تعكس حجم التصعيد الميداني الحالي.
جاءت هذه التطورات بعد أيام من القصف العنيف والمتواصل الذي استهدف محيط القلعة، حيث شوهدت أعمدة الدخان تتصاعد من الموقع الاستراتيجي الذي يحمل رمزية تاريخية وعسكرية كبرى. وتعد هذه السيطرة تحولاً ميدانياً بارزاً في ظل العمليات العسكرية الموسعة التي تشنها قوات الاحتلال في المناطق الحدودية اللبنانية.
تعتبر قلعة الشقيف شاهداً حياً على قرون من الصراعات والتحولات السياسية والعسكرية التي مرت بها المنطقة، نظراً لموقعها الفريد الذي يطل على مساحات شاسعة. وقد اكتسبت القلعة أهميتها من كونها نقطة جذب للقوى الإمبراطورية المتعاقبة التي سعت دوماً للسيطرة على هذا المرتفع الحصين.
يرجع المؤرخون والباحثون في الآثار جذور بناء القلعة إلى العهد الكنعاني، قبل أن تشهد تعاقب حضارات متعددة تركت بصماتها على جدرانها. فقد تداول السيطرة عليها كل من الرومان والصليبيين والمماليك وصولاً إلى العثمانيين، مما جعلها مزيجاً معمارياً وتاريخياً فريداً في قلب الجنوب اللبناني.
في التاريخ الحديث، ارتبط اسم القلعة بشكل وثيق بالصراع العربي الإسرائيلي، حيث تحولت إلى رمز للمواجهة والصمود بين قوات الاحتلال والمقاومة اللبنانية. وكانت القوات الإسرائيلية قد احتلت الموقع عقب اجتياح عام 1982، وحولته إلى واحدة من أهم نقاط ارتكازها العسكري في المنطقة.
تقع القلعة على تلة شاهقة الارتفاع تمنح من يسيطر عليها قدرة فائقة على رصد مناطق واسعة تشمل جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة. كما تطل بشكل مباشر على سهل مرجعيون ومجرى نهر الليطاني، مما يجعلها موقعاً دفاعياً وهجومياً مثالياً من الناحية التكتيكية.
خلال سنوات الاحتلال التي استمرت نحو 18 عاماً في ما كان يعرف بالشريط الحدودي، خضعت القلعة لعمليات تحصين هندسية واسعة النطاق. واستخدمها جيش الاحتلال كمركز متقدم للقيادة والسيطرة والمراقبة الإلكترونية، نظراً لمدى الرؤية الواسع الذي توفره أسوارها العالية.
السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمنح الجيش الإسرائيلي مظلة لكل منطقة النبطية وصولاً إلى الساحل ودير الزهراني.
عقب الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، استعادت القلعة هويتها كمعلم سياحي وتراثي وطني، حيث بدأت تستقبل الزوار والباحثين من مختلف المناطق. وقد تم إدراجها ضمن المواقع المحمية دولياً بموجب اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما يضفي عليها صبغة قانونية دولية.
تكمن الخطورة العسكرية للسيطرة الحالية في أنها تفتح الطريق أمام قوات الاحتلال للتقدم نحو مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية. وهذا التقدم يمثل إنجازاً عسكرياً لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تحقيقه خلال حرب تموز عام 2006، حين حاول ضم هذه المنطقة لسيطرته الميدانية.
أفادت مصادر ميدانية بأن السيطرة على هذه المرتفعات تمنح الاحتلال مظلة نارية واستطلاعية تغطي منطقة النبطية بالكامل وصولاً إلى الطريق الساحلي. كما تتيح هذه الوضعية مراقبة التحركات في منطقة دير الزهراني والمناطق المحيطة بها، مما يضيق الخناق على التحركات الدفاعية في المنطقة.
تمتد الأهمية الاستراتيجية للقلعة لتشمل توفير إشراف عسكري باتجاه الشمال نحو مرتفعات الريحان ومنطقة جزين الجبلية. ويتذرع الاحتلال في تقدمه هذا بوجود شبكات أنفاق وبنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله في تلك المرتفعات الوعرة التي يصعب الوصول إليها برياً.
بموجب هذا التطور الميداني، سيصبح جيش الاحتلال قادراً على التحكم في الممرات الحيوية الرابطة بين جنوب الليطاني وشماله. وتوفر القلعة ميزة جغرافية تسمح برصد أي تحركات قد تستهدف المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود، مما يعزز الحزام الأمني الذي تسعى إسرائيل لفرضه.
تشرف القلعة بشكل مباشر على مستوطنات حيوية مثل 'المطلة' و'مسكاف عام'، بالإضافة إلى تجمعات استيطانية أخرى في الجليل الأعلى. وهذا الإشراف يمنح القوات الإسرائيلية قدرة على تأمين هذه المستوطنات من خلال السيطرة على المرتفعات الحاكمة التي كانت تستخدم سابقاً في عمليات القصف.
يبقى مصير القلعة كمعلم أثري مهدداً في ظل العمليات العسكرية الجارية، رغم الحماية القانونية الدولية التي تتمتع بها. وتراقب الأوساط الثقافية والسياسية بقلق تداعيات هذا الاحتلال الجديد على البنية التاريخية للقلعة التي صمدت لآلاف السنين أمام الغزاة والمحاربين.




