أقلام وأراء

الثّلاثاء 14 يوليو 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة الجديدة... إعادة إعمار أم إعادة تعريف للقضية الفلسطينية؟

في الحروب، لا تكون المعركة الأخيرة هي التي تنتهي بوقف إطلاق النار، بل بِتلك التي تبدأ بعده.! واليوم، بينما تتسارع النقاشات حول ترتيبات "اليوم التالي" في غزة، لم يعد الجدل يقتصر على إعادة الإعمار أو إدارة المساعدات، بل امتد إلى المرجعيات السياسية والقانونية التي ستحدد شكل القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، أثار إعلان نشره "مجلس السلام" عبر حسابه على منصة X في مطلع تموز/يوليو 2026، وجاء فيه أنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، نقاشا واسعا تجاوز مستقبل وكالة دولية إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بطبيعة النظام الذي يراد بناؤه في غزة بعد الحرب، وبالمرجعيات التي ستدير القطاع وقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وجاء ذلك بالتزامن مع تقارير إعلامية تناولت اجتماعات عقدت في قبرص لبحث ترتيبات الإدارة المدنية وإعادة الإعمار والحوكمة في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما أعطى هذا النقاش بعداً سياسيا يتجاوز الإطار الإنساني والخدماتي.
ولا تكمن أهمية هذا التطور في التصريح ذاته، بل في توقيتهِ وسياقه. فغزة تدخل مرحلة قد يعاد فيها رسم العلاقة بين الإدارة والشرعية، وبين الإغاثة والحقوق، وبين المؤسسات الإنسانية والإطار السياسي الذي تعمل في ظله. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل يجري البحث عن أدوات أكثر كفاءة لإدارة القطاع، أم عن إعادة صياغة المرجعيات التي ارتبطت بالقضية الفلسطينية منذ النكبة؟
من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على أي نقاش يدعو إلى تطوير أداء المؤسسات الدولية أو تعزيز الشفافية والرقابة عليها. فالأونروا، شأنها شأن أي مؤسسة دولية، ليست فوق التقييم والمراجعة. لكن الفارق كبير بين إصلاح مؤسسة أممية وبين استبدالها أو تهميشها في سياق سياسي شديد الحساسية.
وقد أنشئت الأونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (IV) الصادر في 8 كانون الأول/ديسمبر 1949، لتقديم خدمات الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم. كما جددت الجمعية العامة ولايتها مرات متتالية، وآخرها حتى 30 حزيران/يونيو 2029. وأكدت الوكالة في بياناتها الرسمية أن ولايتها تستند إلى تفويض صادر عن الجمعية العامة، وأن أي تطوير لعملها يجب أن يتم ضمن هذا الإطار الأممي.
ولذلك، فإن إنهاء ولاية الأونروا ليس قراراً تملكه أي دولة أو مبادرة سياسية، وإنما يبقى من اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بإنهاء الولاية قانونيا، بل بإمكانية تقليص دور الوكالة ميدانياً أو استبدالها بترتيبات بديلة. ولا يترتب على أي ترتيبات إدارية جديدة إسقاط المركز القانوني للاجئين الفلسطينيين أو الالتزامات الدولية المرتبطة بهم، ما لم يصدر قرار أممي يغير الإطار القانوني القائم.
وقد يرى مؤيدو إنشاء هياكل جديدة لإدارة غزة أن المرحلة المقبلة تتطلب مؤسسات أكثر قدرة على قيادة إعادة الإعمار، وأكثر ارتباطاً بمفاهيم الحوكمة والتنمية والاستدامة، وأن الانتقال من إدارة الإغاثة إلى إدارة التنمية يمثل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة المقبلة.
في المقابل، يرى معارضو هذا الطرح أن خصوصية الأونروا لا تكمن في طبيعة الخدمات التي تقدمها، بل في كونها إحدى المؤسسات التي ارتبط وجودها بقرار دولي يعكس استمرار الاعتراف بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وأن أي تراجع في دورها قد ينعكس على البعد السياسي والقانوني للقضية، حتى وإن بقيت ولايتها القانونية قائمة.
ومن هنا، فإن النقاش لم يعد يدور حول مؤسسة بعينها، بل حول المرجعية التي ستدير مرحلة "اليوم التالي". فهل ستكون إعادة الإعمار امتداداً للشرعية الدولية القائمة، أم بداية لبناء نموذج جديد يعيد توزيع الأدوار والاختصاصات بصورة مختلفة؟
وتكشف هذه التطورات أيضاً عن تحول في طبيعة النقاش الدولي. ففي كثير من مناطق النزاع، يتجه المجتمع الدولي إلى إصلاح المؤسسات القائمة وتعزيز الرقابة عليها، بينما يتخذ الجدل في الحالة الفلسطينية بعداً إضافياً يتعلق بمستقبل المؤسسة نفسها. كما تكشف مواقف الأمم المتحدة وعدد من الدول المانحة أن النقاش الدولي لا يدور بين الإبقاء على الأونروا أو إلغائها فقط، بل بين إصلاحها والحفاظ على ولايتها من جهة، وإعادة النظر في آليات عملها من جهة أخرى، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات من دون المساس بالإطار القانوني الذي تستند إليه.
ولا يقف أثر هذه التحولات عند حدود الأونروا، بل يمتد إلى بنية النظام السياسي الفلسطيني. فإذا أنشئت ترتيبات إدارية جديدة بمعزل عن المرجعيات الفلسطينية والدولية القائمة، فقد ينتقل النقاش من إعادة إعمار غزة إلى إعادة توزيع أدوار الشرعية والتمثيل، وهو تطور ستكون له انعكاسات تتجاوز القطاع إلى مجمل القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على الشرعية الدولية لا يعني رفض الإصلاح أو تجميد المؤسسات، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في الجمع بين تطوير أدوات العمل الإنساني والحفاظ في الوقت نفسه على المرجعيات القانونية والسياسية التي تنظم قضية اللاجئين الفلسطينيين.
ومن هنا، فإن التعامل الفلسطيني مع ترتيبات "اليوم التالي" لا ينبغي أن يقتصر على متابعة تفاصيل إعادة الإعمار أو إدارة المساعدات، بل يجب أن ينطلق من رؤية سياسية وقانونية متكاملة تضمن بقاء المرجعيات الوطنية والدولية حاضرة في أي صيغة مستقبلية لإدارة غزة. فالقضية لا تتعلق بمؤسسة بعينها، وإنما بالإطار الذي سيحكم العلاقة بين إعادة البناء والحقوق الوطنية، وبقدرة النظام السياسي الفلسطيني على حماية هذا الإطار، انطلاقاً من الثوابت الوطنية ودور منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ومن المرجح أن تنتقل النقاشات خلال المرحلة المقبلة من السؤال عن مستقبل الأونروا نفسها إلى سؤال أوسع: من سيدير ملف اللاجئين؟
وما المرجعية السياسية والقانونية التي ستقوم عليها مؤسسات غزة بعد الحرب؟
 وعندها لن يكون النقاش متعلقاً بمن يقدم الخدمات، بقدر ما سيكون متعلقاً بمن يملك الشرعية لإدارة واحدة من أكثر قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تعقيداً.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين الإبقاء على الأونروا أو استبدالها، بل في ضمان ألا تتحول إعادة الإعمار إلى مسار يعيد تعريف القضية الفلسطينية بعيدا عن الأسس التي أقرتها الشرعية الدولية، أو أن يصبح تحسين الإدارة مدخلاً لإضعاف الحقوق السياسية والقانونية التي ما زالت تحظى باعتراف دولي.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة: من سيدير غزة بعد الحرب؟
بل: هل ستبقى إعادة الإعمار وسيلة لتعزيز الحقوق الفلسطينية، أم ستتحول تدريجيا إلى إطار يعيد تعريف القضية الفلسطينية نفسها؟
فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الأونروا وحدها، بل قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة من القضية الفلسطينية بأسرها، وتحدد ما إذا كانت مرحلة ما بعد الحرب ستكون مدخلاً لتعزيز الشرعية الدولية، أم بداية لإعادة صياغة الأسس التي قامت عليها القضية الفلسطينية منذ أكثر من سبعة عقود.

دلالات

شارك برأيك

غزة الجديدة... إعادة إعمار أم إعادة تعريف للقضية الفلسطينية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.