فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع 'سوفا 53' الإسرائيلي يبتلع 12 ألف دونم من أراضي القنيطرة السورية

تصاعدت حدة الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري، حيث لم تكتفِ قوات الاحتلال بالضربات الجوية، بل انتقلت إلى تعزيز مشاريع عسكرية برية ضخمة. هذه التحركات تمثلت في شق طرق عسكرية وإقامة تحصينات دفاعية وهجومية، مما ألحق خسائر فادحة بالأهالي والمزارعين الذين باتوا يواجهون تهديدات يومية في لقمة عيشهم وأمنهم الشخصي.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن مشروع 'خط سوفا' العسكري، الذي ينفذه جيش الاحتلال في ريف محافظة القنيطرة، تسبب في شلل شبه كامل لقطاعي الزراعة وتربية المواشي. هذا المشروع الذي أطلقته إسرائيل في عام 2022 تحت مسمى 'سوفا 53' أو 'العاصفة الكبرى'، يهدف بحسب المزاعم الإسرائيلية إلى منع هجمات الجماعات المسلحة، إلا أن آثاره التدميرية طالت المدنيين العزل بشكل مباشر.

وعلى الرغم من التغيرات السياسية الكبيرة التي شهدتها سوريا في ديسمبر 2024 وسقوط النظام السابق، إلا أن وتيرة العمل في هذا المشروع لم تتوقف بل تسارعت بشكل ملحوظ. ويمتد مسار المشروع من محيط بلدة حضر في الشمال، مروراً ببلدات جباتا الخشب والحميدية والقحطانية، وصولاً إلى نقطة الحدود الثلاثية السورية الأردنية الإسرائيلية في الجنوب.

وتتضمن الأعمال الإنشائية شق طريق عسكري بعرض يصل إلى 8 أمتار، معزز بسواتر ترابية شاهقة الارتفاع تتجاوز 5 أمتار في بعض النقاط. كما أنشأ جيش الاحتلال نقاط مراقبة ومواقع عسكرية محصنة على طول الخط الذي يسير بمحاذاة خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان المحتل، مما يغير المعالم الجغرافية للمنطقة بالكامل.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال توغلت داخل خط وقف إطلاق النار بمسافات تتراوح بين 300 و1000 متر، مستغلة حالة الفراغ الأمني والتحولات السياسية الأخيرة. هذا التوسع الميداني أدى إلى عزل آلاف الدونمات من الأراضي الخصبة، وجعلها مناطق عسكرية مغلقة يمنع على أصحابها الوصول إليها أو استثمارها زراعياً.

من جانبه، أكد محمد السعيد، المسؤول الإعلامي في القنيطرة أن المساحات المتضررة بشكل مباشر في الريفين الشمالي والأوسط بلغت نحو 12 ألف دونم. وأوضح السعيد أن الآليات الثقيلة التابعة للاحتلال تواصل حفر الخنادق العميقة وإنشاء السواتر، مما دمر البنية التحتية للري وأفسد المراعي الطبيعية التي تعتمد عليها مئات العائلات.

وأشار السعيد إلى أن الجهات المحلية حاولت التواصل مع قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك 'أندوف' لوضعها في صورة هذه الانتهاكات، إلا أن الاستجابة ظلت محدودة. كما لفت إلى وجود قيود صارمة تمنع وصول وسائل الإعلام إلى المناطق المتضررة، مما يصعب عملية توثيق الجرائم البيئية والزراعية التي ترتكبها قوات الاحتلال.

ويروي المزارع أبو صدام حسن أحمد من بلدة جباتا الخشب مأساته الشخصية، حيث فقد 10 دونمات من الأشجار المثمرة التي كانت تشكل مصدر دخله الوحيد. ولم تتوقف المعاناة عند فقدان الأرض، بل إن ابنه محتجز لدى قوات الاحتلال منذ أشهر دون معرفة مصيره، في ظل سياسة الاعتقالات العشوائية التي تنفذها الدوريات الإسرائيلية المتوغلة.

وأضاف المزارع أن قوات الاحتلال تعمدت رش مواد كيميائية مجهولة على المحاصيل الزراعية في المناطق القريبة من الخنادق، مما أدى إلى جفاف الأشجار وتلف التربة. هذه الممارسات تهدف بحسب الأهالي إلى خلق منطقة عازلة خالية من الغطاء النباتي والسكان، لتسهيل عمليات المراقبة العسكرية الإسرائيلية وحماية التحصينات الجديدة.

وفي ذات السياق، حذر مختار بلدة جباتا الخشب، محمد مازن مريود، من أن عمق الخنادق التي حفرها الاحتلال تسبب في تغيير مسارات مياه الأمطار وانجراف التربة. وأوضح مريود أن البلدة وحدها فقدت أكثر من 7 آلاف دونم، مشيراً إلى أن المشروع الإسرائيلي دمر غابات طبيعية ومحميات كانت تعد رئة المنطقة ومتنفساً بيئياً هاماً.

وأكد المختار أن التأثيرات السلبية للمشروع تمتد لتشمل كامل محافظة القنيطرة، حيث تزايدت عمليات المداهمة ونصب الحواجز الطيارة داخل الأراضي السورية. وناشد المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بالتدخل الفوري لوقف هذا الزحف العسكري الذي ينتهك السيادة السورية ويقوض سبل العيش لآلاف المدنيين في القرى الحدودية.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت أعلنت فيه إسرائيل رسمياً انهيار اتفاقية فصل القوات المبرمة عام 1974، متذرعة بتغير الظروف الميدانية على الأرض. هذا الإعلان منح جيش الاحتلال ذريعة لاحتلال المنطقة العازلة وتثبيت واقع عسكري جديد يتجاوز التفاهمات الدولية السابقة التي استمرت لعقود.

وعلى الصعيد السياسي، أشار الرئيس السوري أحمد الشرع في تصريحات سابقة إلى أن المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي تواجه عقبات كبرى وصعوبات بالغة. وأوضح الشرع أن إصرار إسرائيل على البقاء العسكري داخل الأراضي السورية وتثبيت نقاطها الجديدة يعرقل أي فرص للوصول إلى تفاهمات تضمن استقرار المنطقة.

ويبقى مزارعو القنيطرة في مواجهة مباشرة مع آليات الاحتلال التي تلتهم أراضيهم يوماً بعد يوم، في ظل غياب أي حماية دولية فعالة. ومع استمرار أعمال الحفر والتحصين، يخشى الأهالي من أن تتحول هذه الإجراءات 'المؤقتة' إلى واقع استيطاني وعسكري دائم يقتطع أجزاء جديدة من الجغرافيا السورية.

عربي ودولي

الأربعاء 06 مايو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

من 'إرنست ويل' إلى 'مشروع الحرية': كيف يستنسخ ترمب استراتيجية ريغان في مضيق هرمز؟

لا تُعد التحركات العسكرية الأخيرة التي لوّح بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مضيق هرمز، تحت مسمى 'مشروع الحرية'، سابقة فريدة في تاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فالمتابع لمسار الصراع يجد أن واشنطن تكرر نمطاً مألوفاً في اللجوء إلى القوة العسكرية لضمان تدفق الملاحة في الممرات المائية الحيوية، وهو ما يعيد للأذهان استراتيجيات حقبة الثمانينيات.

وتشير القراءات التحليلية إلى وجود تشابه لافت بين 'مشروع الحرية' وعملية 'إرنست ويل' التي أطلقها الرئيس الأسبق رونالد ريغان قبل نحو أربعة عقود. هذا التكرار التاريخي لا يقتصر على الجانب الأمريكي فحسب، بل يمتد ليشمل السلوك الإيراني الذي حافظ على أدواته التقليدية في إدارة المواجهة البحرية عبر التهديد المباشر لناقلات النفط.

خلال ما عُرف بـ 'حرب الناقلات' في القرن الماضي، تحولت السفن التجارية إلى أهداف عسكرية مباشرة، حيث تعرضت نحو 200 ناقلة لهجمات متنوعة. واعتمدت طهران حينها على تكتيكات الألغام البحرية والزوارق السريعة لتعطيل الصادرات النفطية، وهي ذات الأدوات التي تلوح في أفق التوترات الراهنة في المنطقة.

وفي عام 1987، بلغت الاستجابة الأمريكية ذروتها بعد طلب الكويت حماية ناقلاتها، حيث قامت واشنطن بإعادة تسجيل 11 ناقلة تحت علمها ونشرت أسطولاً يضم 30 سفينة حربية. كانت هذه الخطوة تهدف إلى فرض واقع عسكري جديد يمنع استهداف السفن، إلا أنها أدت في نهاية المطاف إلى تصعيد ميداني خطير ومباشر.

التصعيد العسكري في تلك الحقبة لم يمر دون خسائر فادحة، حيث نفذت الولايات المتحدة عملية 'فرس النبي' رداً على إصابة إحدى فرقاطاتها بلغم إيراني. وشهدت تلك المرحلة حوادث مأساوية، كان أبرزها إسقاط طائرة مدنية إيرانية عام 1988، مما أسفر عن مقتل 290 مدنياً، في واقعة لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية.

وعلى الجانب الآخر، دفع الجيش الأمريكي أثماناً بشرية نتيجة أخطاء ميدانية، مثل حادثة استهداف الفرقاطة 'يو إس إس ستارك' من قبل طائرة عراقية بالخطأ، مما أدى لمقتل 37 بحاراً. هذه الدروس التاريخية تضع 'مشروع الحرية' الحالي أمام تساؤلات كبرى حول احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج.

فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

القسام تكشف هوية بطل مشهد تفجير الـ 'ميركافا' من مسافة صفر في تل الهوا

أماطت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، اللثام عن هوية المقاتل الذي تصدرت مشاهده منصات التواصل الاجتماعي وهو يهاجم دبابة إسرائيلية من طراز 'ميركافا' من مسافة انعدام في حي تل الهوى. وأكدت الكتائب أن البطل هو الشهيد كريم أبو عرجة، الذي ارتقى شهيداً في وقت لاحق خلال المواجهات المستمرة مع قوات الاحتلال في مناطق متفرقة من قطاع غزة.

وجاء هذا الإعلان ضمن إصدار مرئي جديد حمل عنوان 'أقمار الطوفان'، وهو سلسلة توثيقية تهدف إلى تخليد سيرة مقاتلي النخبة الذين استشهدوا خلال معركة طوفان الأقصى. واستعرض الفيديو تفاصيل دقيقة من حياة الشهيد أبو عرجة، بدءاً من مراحل إعداده العسكري المكثف وصولاً إلى مشاركته الفاعلة في جولات الرباط المتقدمة على خطوط التماس.

وسلط الإصدار الضوء بشكل خاص على العملية التي جرت في شهر يناير من العام 2024، حيث ظهر الشهيد وهو يتقدم بثبات نحو الآلية العسكرية المتمركزة في أزقة حي تل الهوى جنوبي مدينة غزة. وقام أبو عرجة بوضع عبوة من نوع 'الشواظ' أسفل الدبابة مباشرة قبل أن ينسحب من المكان بلحظات، مما أدى إلى تدميرها واشتعال النيران فيها بشكل كامل.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الكشف عن هوية المنفذ جاء ليجيب على تساؤلات واسعة النطاق أثيرت منذ انتشار المقطع الأول للعملية، حيث اعتبر المحللون العسكريون آنذاك أن المشهد يمثل ذروة الجرأة القتالية. وقد تداول الناشطون والمتابعون صور الشهيد وسيرته الذاتية بكثافة، مشيدين بالروح القتالية التي أظهرها في مواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية.

وتضمن الفيديو أيضاً لقطات حية للشهيد وهو يخوض معارك ضارية في محيط مستشفى القدس، وهي المنطقة التي شهدت اشتباكات عنيفة من مسافات قريبة جداً. وتعكس هذه المشاهد طبيعة التكتيكات التي تتبعها المقاومة في حرب الشوارع، حيث يعتمد المقاتلون على عنصر المفاجأة والالتحام المباشر لتعويض الفارق في الإمكانيات التكنولوجية.

وعبر منصات التواصل الاجتماعي، استذكر المغردون الرمزية الكبيرة التي تركها هذا المشهد في الوجدان الفلسطيني والعربي، معتبرين أن توثيق هذه اللحظات يساهم في بناء الرواية الوطنية الفلسطينية. وأكد المتابعون أن الكشف عن الأسماء خلف هذه البطولات يعزز من حالة الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة في ظل استمرار العدوان على القطاع.

ختاماً، يرى مراقبون أن نشر مثل هذه الإصدارات في هذا التوقيت يحمل رسائل معنوية قوية للشارع الفلسطيني وللمقاتلين في الميدان على حد سواء. وتستمر كتائب القسام في توثيق عملياتها النوعية التي نفذتها على مدار أشهر الحرب، مؤكدة أن ذاكرة المقاومة ستبقى حية من خلال تخليد أسماء أبطالها الذين سطروا ملاحم ميدانية غير مسبوقة.

اسرائيليات

الأربعاء 06 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ربع قرن على 'القسام الأول'.. كيف تحول غلاف غزة إلى استنزاف دائم للاحتلال؟

تحيي الأوساط الإسرائيلية هذه الأيام مرور خمسة وعشرين عاماً على انطلاق الشرارة الأولى لسلاح الصواريخ من قطاع غزة، حيث أُطلق أول صاروخ 'قسام' في أبريل 2001 باتجاه مستوطنة سديروت. هذا الحدث الذي بدا حينها غامضاً وفريداً، تحول على مدار عقدين ونصف إلى تهديد استراتيجي غير ملامح الصراع وأعاد صياغة مفهوم الأمن في مناطق الغلاف.

منذ ذلك التاريخ وحتى هجوم السابع من أكتوبر 2023، شنت قوات الاحتلال نحو 17 حرباً وعملية عسكرية واسعة ضد القطاع، بمعدل يقترب من مواجهة شاملة كل عام. ورغم كثافة النيران والعمليات، يرى خبراء عسكريون أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة فشلت في إجراء أي نقاش استراتيجي جاد حول مستقبل المنطقة أو تقديم بدائل سياسية.

أفادت مصادر تحليلية بأن الحرب بين المقاومة والاحتلال في غزة لم تكن وليدة اللحظة في أكتوبر 2023، بل هي امتداد لسلسلة طويلة من الإخفاقات التي بدأت قبل فك الارتباط عام 2005. وتؤكد القراءات العسكرية أن الجمود السياسي وغياب الرؤية العميقة ساهما في وصول الوضع إلى طريق مسدود ينذر بانفجارات متكررة.

شهد عام 2007 تحولاً جذرياً في المشهد الأمني مع سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، مما دفع الاحتلال لإطلاق سلسلة من العمليات العسكرية بأسماء رمزية متعددة. ومن أبرز هذه العمليات 'أيام التوبة' و'الرصاص المصبوب' و'عمود السحاب' و'الجرف الصامد'، وصولاً إلى 'حارس الأسوار' و'الدرع والسهم' التي سبقت المواجهة الكبرى الأخيرة.

تشير الإحصائيات إلى إطلاق أكثر من 30 ألف صاروخ وقذيفة هاون من القطاع باتجاه مستوطنات الغلاف منذ عام 2001، مما جعل حياة المستوطنين رهينة لجولات التصعيد المستمرة. هذا الواقع فرض ضغوطاً هائلة على صانع القرار الإسرائيلي الذي اكتفى بسياسة 'إدارة الصراع' بدلاً من البحث عن حلول جذرية للأزمة.

لم تقتصر المواجهات على العمليات العسكرية التقليدية، بل شملت أشكالاً أخرى من المقاومة الشعبية والحدودية مثل مسيرات العودة في عام 2018. كما برزت أدوات استنزاف جديدة مثل الطائرات الورقية والبالونات المتفجرة والحرائق، التي أضافت أعباءً أمنية ونفسية كبيرة على سكان مناطق غلاف غزة.

انتقد الخبير العسكري آفي دبوش بشدة تعامل القيادة الإسرائيلية مع ملف غزة، معتبراً أن المشكلة تكمن في عقلية صانعي القرار بالدرجة الأولى. وأشار إلى أن الوزراء المتعاقبين لم يمنحوا رفاهية النقب الغربي أو حل النزاع مع حماس الأولوية اللازمة، بل ظل التعامل مع القطاع كقضية ثانوية ومجرد 'صداع' عابر.

في المقابل، وُجهت معظم الاستثمارات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي نحو الجبهتين الإيرانية واللبنانية، معتبرين غزة ساحة استنزاف يمكن احتواؤها. هذا التقدير الخاطئ سمح للمقاومة بتطوير قدراتها العسكرية وحفر شبكة أنفاق معقدة تتجاوز الخطوط الدفاعية للاحتلال، مما فاجأ المنظومة الأمنية في لحظة الحقيقة.

استذكر المحللون تصريحات وزير الأمن الأسبق موشيه يعلون عقب معركة 2014، حين دعا للاستعداد لجولة عسكرية كل عامين كقدر محتوم. هذا المنطق يعكس التسليم الإسرائيلي بفشل الردع وعدم القدرة على حسم المعركة نهائياً، مما جعل الغلاف يعيش في دوامة لا تنتهي من الترقب والخوف.

وعلى الصعيد السياسي، يبرز إخفاق بنيامين نتنياهو الذي وعد في عام 2009 بالقضاء على سلطة حماس، لكن سياسته الفعلية أدت إلى تعزيز الانقسام وتثبيت حكم الحركة. ويرى مراقبون أن سياسة 'الهدوء مقابل المال' التي اتبعها نتنياهو انفجرت في وجه الاحتلال بشكل مدوٍ في السابع من أكتوبر، محطمة أوهام الاستقرار الزائف.

الوضع الإنساني المتدهور في غزة كان دائماً وقوداً للانفجار، حيث يعيش مئات الآلاف من اللاجئين في فقر مدقع وظروف معيشية قاسية. غياب الأفق السياسي والتعليمي الفعال للأجيال الناشئة في القطاع ساهم في ترسيخ عقيدة المقاومة، حيث بات الجيل الجديد أكثر إصراراً على مواجهة الاحتلال.

تؤكد التقارير أن حماس استغلت سنوات الهدوء النسبي في التدريب وبناء القوة العسكرية وحفر الأنفاق الهجومية خلف 'الخط الأصفر'. هذا التطور النوعي جعل من غزة الجبهة الأكثر خطورة وتعقيداً، متجاوزة في تهديدها المباشر جبهات أخرى كانت تعتبر أكثر استراتيجية في نظر الاستخبارات الإسرائيلية.

إن غياب أي اقتراح سلام إسرائيلي أو حتى اتفاقات طويلة الأمد جعل من المواجهة العسكرية الخيار الوحيد المتاح على الطاولة طوال ربع قرن. وبدون تصحيح فوري وعميق في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة، فإن كل المؤشرات تدل على أن الهدوء الحالي ليس سوى مرحلة مؤقتة تسبق انفجاراً جديداً قد يكون أكثر عنفاً.

في الختام، يظل 'صاروخ القسام الأول' علامة فارقة في تاريخ الصراع، حيث أسس لمرحلة جديدة من توازن الرعب رغم الفوارق العسكرية الهائلة. وتبقى معضلة غزة شاهدة على عجز القوة العسكرية وحدها عن حسم صراعات تمتد جذورها إلى قضايا الأرض واللجوء والحقوق الوطنية المسلوبة.

عربي ودولي

الأربعاء 06 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

الدلافين العسكرية في مضيق هرمز: هل تدخل الثدييات البحرية صراع النفوذ بين واشنطن وطهران؟

أثارت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، جدلاً واسعاً حول طبيعة الأسلحة المستخدمة في مضيق هرمز، بعدما رفض نفي أو تأكيد امتلاك واشنطن لـ 'دلافين انتحارية'. وجاءت هذه الإحاطة في مقر البنتاغون رداً على تساؤلات حول التهديدات الإيرانية الأخيرة باستخدام أسلحة غير تقليدية ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.

وتزامنت هذه التصريحات مع تقارير نشرتها صحيفة 'وول ستريت جورنال' تشير إلى أن طهران قد تلجأ لاستخدام غواصات متطورة أو ثدييات بحرية مدربة كأدوات هجومية في الممرات المائية الحيوية. هذا التصعيد الكلامي فتح الباب أمام مراجعة تاريخ البرامج العسكرية التي تعتمد على الكائنات البحرية في تنفيذ مهام استخباراتية وقتالية.

تمتلك الولايات المتحدة برنامجاً رسمياً عريقاً يُعرف باسم 'برنامج الثدييات التابع للبحرية الأمريكية'، وهو متخصص في تدريب الدلافين وأسود البحر. يهدف هذا البرنامج إلى الاستفادة من القدرات الفطرية لهذه الحيوانات في حماية السفن والموانئ، بالإضافة إلى الكشف عن الألغام البحرية التي يصعب على الرادارات رصدها.

يعود تاريخ هذا البرنامج إلى عام 1960، حيث بدأ كدراسة علمية على الدلافين البيضاء بهدف تطوير التكنولوجيا البشرية ومحاكاة قدراتها الملاحية. ومع حلول عام 1962، أدركت القيادة العسكرية الأمريكية ذكاء هذه الكائنات، مما أدى لتأسيس وحدة متخصصة للبحث عن الأجسام المفقودة في أعماق المحيطات.

في عام 1965، برز الدولفين الشهير 'تافي' كأحد أوائل المجندين البحريين، حيث نجح في نقل الأدوات والرسائل للغواصين على عمق يصل إلى 60 متراً. وبسبب النجاحات المتتالية، قررت الإدارة الأمريكية في عام 1967 تحويل البرنامج إلى مشروع سري للغاية تحت إشراف مركز أنظمة الفضاء والحرب البحرية.

تتوزع المهام العسكرية للثدييات البحرية على خمس فرق رئيسية، لكل منها تخصص دقيق يبدأ من الاستطلاع وينتهي بالدفاع المباشر. وتضم هذه الفرق مزيجاً من الدلافين وأسود البحر المدربة على العمل في ظروف بيئية قاسية وتحت ضغوط عسكرية مرتفعة.

تتولى الفرقة 'MK 4' والفرقة 'MK 7' مسؤولية الكشف عن الألغام البحرية، سواء كانت عائمة أو مستقرة في قاع البحر، مما يوفر حماية قصوى للقطع البحرية الكبرى. بينما تعمل الفرقة 'MK 8' على تأمين الممرات المائية وتحديد المسارات الآمنة قبل تنفيذ عمليات الإنزال العسكري على الشواطئ المعادية.

أما المهام الدفاعية المباشرة فتقع على عاتق الفرقة 'MK 6'، التي تستخدم الدلافين وأسود البحر لحماية الموانئ من المتسللين والسباحين غير المصرح لهم. وفي المقابل، تتخصص الفرقة 'MK 5' في استعادة المعدات العسكرية الحساسة التي تسقط في المحيط أثناء التجارب الجوية أو البحرية.

تاريخياً، شاركت هذه الفرق في نزاعات كبرى، حيث نُشرت الفرقة 'MK 6' خلال حرب فيتنام في السبعينيات لحماية أرصفة الذخيرة الأمريكية. كما تواجدت هذه الدلافين في مياه البحرين خلال الثمانينيات لتأمين الأسطول الخامس الأمريكي وسط توترات الحرب العراقية الإيرانية.

وفي عام 2003، أثبتت الدلافين العسكرية كفاءتها في الخليج العربي، حيث ساهمت في تحييد عشرات الألغام البحرية التي كانت تهدد حركة الملاحة الدولية. وتعتبر هذه العمليات دليلاً على الاعتماد الاستراتيجي المستمر على هذه الكائنات في الحروب البحرية الحديثة.

في المقابل، تكتنف القدرات الإيرانية في هذا المجال الكثير من الغموض، رغم وجود تقارير تشير إلى شراء طهران لدلافين مدربة من الاتحاد السوفيتي السابق. وبحسب مصادر إعلامية، فإن إيران حصلت في عام 2000 على مجموعة من الحيوانات البحرية المدربة عسكرياً من المدرب الروسي بوريس جوريد.

ورغم عدم معرفة العدد الدقيق للدلافين التي تمتلكها إيران حالياً، إلا أن البرنامج السوفيتي السابق كان يشمل أيضاً أسود البحر والفقمات. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة طهران على تطوير هذه التكنولوجيا الموروثة لتشكل تهديداً حقيقياً في مضيق هرمز الاستراتيجي.

اسرائيليات

الأربعاء 06 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تعتيم إسرائيلي على 'أزمة نفسية' حادة: تسريح آلاف الجنود بسبب أهوال الحرب في غزة

يمتنع الجيش الإسرائيلي عن الإفصاح عن البيانات الكاملة المتعلقة بأعداد الجنود الذين جرى تسريحهم من الخدمة العسكرية لأسباب نفسية منذ بدء الحرب على قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة في سياق ما وصفته تقارير صحفية عبرية بأنه مخالفة صريحة لقانون حرية المعلومات، وسط اتهامات من ضباط كبار بتعمد تغييب الحقائق لتجنب المساس بصورة المؤسسة العسكرية.

وأفادت مصادر صحفية بأن المؤسسة العسكرية تواصل المماطلة في الاستجابة لطلبات رسمية قُدمت منذ شهر يونيو/حزيران من العام الماضي للحصول على إحصائيات دقيقة. ورغم انقضاء المهل القانونية التي يحددها القانون بـ 120 يوماً كحد أقصى، لا يزال الجيش يتجنب تقديم إجابات وافية، مكتفياً ببيانات جزئية لا تعكس حجم الأزمة الحقيقي.

ونقلت التقارير عن ضباط خدموا في قسم القوى البشرية ووحدة المتحدث باسم الجيش قولهم إن هناك توجهاً مؤسسياً لتعطيل نشر أي معلومات تُصنف بأنها 'غير مشرفة'. وأكد هؤلاء الضباط أن التعتيم يهدف بالأساس إلى حماية الروح المعنوية العامة ومنع تعميق حالة الانقسام الداخلي التي قد تنتج عن الكشف عن حجم الإصابات النفسية.

وفي كشف مثير للجدل، أكد ضابط احتياط وجود خبراء متخصصين داخل قسم القوى البشرية تتركز مهامهم في التلاعب بالنسب المئوية وصياغة الأرقام بطريقة تخدم السردية الرسمية فقط. وأوضح الضابط أن هؤلاء الخبراء يمتلكون القدرة على إخفاء حجم الضائقة النفسية، بينما يستنفرون لتوفير أي معلومة تدحض الادعاءات الصحفية أو السياسية في غضون ساعات.

ورغم محاولات الإخفاء، أجبرت الضغوط القضائية الجيش على تسليم بيانات جزئية أظهرت أرقاماً وُصفت بأنها الأعلى في تاريخ إسرائيل. حيث كشفت المعطيات عن تسريح 7241 جندياً وضابطاً بشكل نهائي من الخدمة لأسباب نفسية، وهو رقم يعكس حجم الصدمة التي تعرضت لها القوات القتالية خلال المواجهات.

وإلى جانب التسريح النهائي، نُقل آلاف الجنود من الخدمة النظامية في الوحدات القتالية إلى أدوار إدارية وخلفية نتيجة الاستنزاف والانهيار النفسي الحاد. كما أشارت المصادر إلى تضاعف حالات الانتحار بين الجنود، وهي بيانات حرصت الرقابة العسكرية على إبقائها طي الكتمان بعيداً عن التداول الإعلامي حتى نهاية عام 2024.

وتعزو مصادر طبية داخل قسم الصحة النفسية في الجيش هذه الأزمة غير المسبوقة إلى 'الأهوال' التي عاينها المقاتلون في غلاف غزة وخلال المعارك الضارية داخل القطاع. وأكد مقاتلون شاركوا في العمليات البرية عدم قدرتهم المطلقة على العودة إلى الميدان، مما استدعى توسيع منظومة ضباط الصحة النفسية وافتتاح مراكز علاجية جديدة.

من جهته، زعم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الطلبات المقدمة للحصول على المعلومات لا تزال 'قيد المعالجة'، مدعياً التزام المؤسسة بالشفافية الكاملة. إلا أن الوقائع الميدانية والالتماسات القضائية المستمرة تفند هذه الادعاءات، وتؤكد وجود فجوة كبيرة بين ما يعلنه الجيش وبين الواقع النفسي المتدهور لجنوده.

اسرائيليات

الأربعاء 06 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات الأمن الخليجي: إعادة رسم الخرائط بعيداً عن الرهان على إسرائيل

أحدثت المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة تحولاً جذرياً في مفاهيم الأمن القومي لدول الخليج العربي، حيث وجدت هذه الدول نفسها في قلب صراع لم تكن طرفاً فيه. وقد أدى اهتزاز الثقة بفعالية المظلة الأمريكية إلى تصاعد القناعة بأن الاعتماد على الهيمنة الإسرائيلية لا يجلب الاستقرار المنشود، بل يفتح أبواباً لمخاطر أمنية واقتصادية غير مسبوقة.

وأفادت مصادر تحليلية بأن الاختبار الحقيقي للضمانات الأمنية جاء مع اندلاع الحرب التي عارضتها الحكومات الخليجية بشدة، حيث سارعت طهران للرد باستهداف منشآت حيوية تشمل مطارات وموانئ ومحطات تحلية مياه. ورغم التدخل الأمريكي لاعتراض بعض الهجمات، إلا أن صورة المنطقة كبيئة آمنة للاستثمار تعرضت لهزة عنيفة أربكت حسابات النمو الاقتصادي.

ولم تقتصر التداعيات على الضربات المباشرة، بل امتدت لتشمل شل حركة الملاحة في مضيق هرمز، مما أدى إلى عرقلة صادرات دول مثل البحرين والكويت وقطر. هذا الضغط الاقتصادي وضع الحكومات الخليجية أمام واقع جديد يتطلب إعادة النظر في الركائز الثلاث التي اعتمدت عليها طوال عقد من الزمن لضمان أمنها واستقرارها.

وترى عواصم المنطقة أن الافتراضات الأمريكية حول دمج الخليج في بنية أمنية تقودها إسرائيل باتت غير مقبولة، خاصة وأن إسرائيل تسعى للحفاظ على تفوق عسكري ساحق يمنحها حرية الحركة عبر الحدود. وأوضحت الحرب أن الطموحات الإسرائيلية تخدم مصالح تل أبيب الخاصة دون اكتراث كافٍ بحسابات الجيران أو استقرارهم الأمني.

ورغم أن اتفاقيات التطبيع كانت تهدف لدمج بعض الدول في شبكة أمنية إقليمية، إلا أن الموقف الخليجي التقليدي ظل مرتبطاً بضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة. وقد أظهرت الأحداث أن المكاسب التكنولوجية والعسكرية التي وعدت بها واشنطن لم تكن كافية لتحصين المنطقة من تداعيات المواجهة المباشرة مع إيران.

وتشير التقارير إلى أن قادة الخليج بات لديهم دليل واضح على عدم تطابق مصالحهم مع الأجندة الإسرائيلية، خاصة بعد دفع المنطقة نحو مواجهة لم تكن ترغب فيها. وبات يسود اعتقاد بأن دول الخليج تُركت وحيدة لتحمل الكلفة الباهظة لحرب استنزاف طويلة، رغم كل محاولات التقارب السابقة مع طهران.

وانقسمت المواقف الخليجية تجاه الأزمة إلى مسارات متباينة، حيث تمسكت سلطنة عمان بنهج ضبط النفس والوساطة رغم تعرض منشآتها لضربات. وفي المقابل، اتجهت الإمارات نحو سياسة أكثر صرامة تجاه طهران مع تعميق التعاون الدفاعي مع واشنطن، بينما اتخذت السعودية والكويت وقطر مواقف وسطية توازن بين التصعيد والهدوء.

وأكدت مصادر أن الضربات الإيرانية دفعت هذه الدول للتفكير بجدية في بناء منظومة أمنية خليجية أكثر استقلالاً تعتمد على القدرات الذاتية. فالمعادلة القديمة القائمة على تبادل الطاقة مقابل الحماية الأمريكية لم تعد مضمونة، خاصة مع تزايد المخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي الاستراتيجي تجاه المنطقة.

ويعود القلق الخليجي من تراجع الدور الأمريكي إلى سنوات طويلة، لكن غياب بديل دولي قادر على توفير البنية الدفاعية الكاملة يجعل الخيارات ضيقة. وتظل الحاجة قائمة لمنظومات التسليح والطيران المتقدمة التي توفرها واشنطن، مما يمنع دول المنطقة من فك الارتباط الأمني بشكل كامل في الوقت الراهن.

وبعد هدوء المعارك، يبرز تحدي التعامل مع المطالب الإيرانية بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وهو ما ترفضه دول الخليج بسبب استمرار التهديدات الإيرانية. وتتجه التوقعات نحو تبني سياسة أكثر صرامة في احتواء النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، مع الحفاظ على قنوات تواصل تمنع الانفجار الشامل.

وفي الوقت ذاته، لا يعني التشدد تجاه إيران ارتماءً في أحضان المخططات الإسرائيلية، حيث ينظر قادة الخليج لنتنياهو بوصفه تهديداً لا يقل خطورة. فالمشاريع الإسرائيلية الرامية لتغيير ميزان القوى ومد خطوط أنابيب عبر الجزيرة العربية لا تبدو مقنعة لدول ترى في إسرائيل مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي.

ويستند هذا التصور الخليجي إلى اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية واستمرار احتلال الأراضي في لبنان وسوريا، فضلاً عن الجرائم المرتكبة في غزة. هذه الوقائع جعلت من إسرائيل شريكاً يصعب الوثوق به لبناء نظام أمني مستقر، وهو ما عبر عنه بوضوح مسؤولون خليجيون في تصريحات علنية مؤخراً.

ودفع هذا الواقع الجديد دول المنطقة نحو تنويع شراكاتها العسكرية والتكنولوجية بعيداً عن الاحتكار الأمريكي، حيث تم إبرام صفقات مع تركيا وباكستان وكوريا الجنوبية. وبدأت المنطقة تنظر إلى بدائل تشمل المسيرات التركية وأنظمة الدفاع الجوي الآسيوية، في محاولة لتقليل الاعتماد الكلي على واشنطن المرتبطة وثيقاً بتل أبيب.

وفي الختام، يبدو أن الاستقلال الأمني الخليجي سيمر عبر بناء بنية دفاعية مشتركة تقوم على تنسيق الرادارات والدفاعات الجوية وتطوير الصناعات المحلية. لقد كشف العام الماضي هشاشة الفرضية التي تربط بين الأمن الإسرائيلي والخليجي، مؤكداً أن الفجوة بين تطلعات العرب ومشروع نتنياهو باتت أوسع من أن تُردم.

فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

مئات المسؤولين الأوروبيين يطالبون بروكسل بوقف 'الضم غير القانوني' للضفة الغربية

وجهت مجموعة واسعة تضم 448 من الوزراء والسفراء والمسؤولين الأوروبيين السابقين نداءً عاجلاً إلى قيادة الاتحاد الأوروبي، تطالب فيه بضرورة التدخل الفوري لوقف سياسات الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وشددت الرسالة المفتوحة التي صدرت يوم الأربعاء على خطورة مشروع 'إي1' الاستيطاني، واصفة إياه بالخطوة غير القانونية التي تقوض فرص السلام وتدمر الترابط الجغرافي للأراضي الفلسطينية.

تضمنت قائمة الموقعين شخصيات سياسية بارزة، من بينهم جوزيب بوريل، نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق، وغي فيرهوفشتات، رئيس الوزراء البلجيكي الأسبق. وأكد هؤلاء المسؤولون أن على بروكسل والدول الأعضاء، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، مسؤولية أخلاقية وقانونية لاتخاذ إجراءات ملموسة تمنع إسرائيل من المضي قدماً في خططها الرامية للسيطرة الكاملة على مناطق استراتيجية في العمق الفلسطيني.

ويعد مشروع 'إي1' الذي تمت المصادقة عليه في أغسطس 2025 من أخطر المخططات الاستيطانية، حيث يهدف لبناء آلاف الوحدات السكنية على مساحة تصل إلى 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس. وحذرت مصادر دبلوماسية من أن تنفيذ هذا المشروع سيؤدي فعلياً إلى شطر الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين، مما يجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً في المستقبل.

وطالب الموقعون بضرورة التحرك قبل حلول الأول من يونيو المقبل، وهو الموعد المقرر لطرح الحكومة الإسرائيلية مناقصات تفصيلية لتطوير المنطقة المستهدفة. ودعت الرسالة مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي، في اجتماعه المرتقب منتصف مايو، إلى إقرار عقوبات محددة تشمل حظر منح تأشيرات الدخول للأفراد المتورطين في الأنشطة الاستيطانية، ومنع أي تعاملات تجارية مع الجهات الداعمة لهذه المشاريع داخل الاتحاد الأوروبي.

وتشير البيانات الميدانية إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها، حيث تم إقرار بناء 54 مستوطنة جديدة خلال عام 2025 وحده. ووفقاً لتقارير حقوقية، فإن هذا الرقم يمثل ذروة تاريخية في النشاط الاستيطاني، حيث تجاوز إجمالي الوحدات المصادق عليها منذ عام 2022 كافة المعدلات المسجلة في العقد الأخير.

وفي تطور ميداني متصل، كشفت تقارير إعلامية عن تخصيص الحكومة الإسرائيلية ميزانية ضخمة تتجاوز مليار شيكل، أي ما يعادل 270 مليون دولار، لتعزيز البنية التحتية للمستوطنات. وتهدف هذه الميزانية المقرة في مطلع مايو 2026 إلى شق طرق التفافية جديدة تربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض، مما يرسخ الوجود الإسرائيلي الدائم في قلب الأراضي المحتلة.

يُذكر أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية قد قفز إلى نحو 750 ألف شخص، يعيشون في مستوطنات تعتبرها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي غير شرعية. وتأتي هذه الطفرة الاستيطانية في ظل سياسة ممنهجة تتبعها الحكومة الحالية لتفتيت التجمعات الفلسطينية، وفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يصعب التراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية.

فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

النضال الشعبي: مصادقة الاحتلال على ميزانية لشق طرق لمستوطنات جديدة بالضفة جزء من منظومة أمنية متكاملة لإعادة رسم الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة الغربية

اعتبرت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني مصادقة حكومة الإحتلال الفاشية  على ميزانية تقدر بأكثر من مليار شيكل لشق طرق تؤدي إلى مستوطنات جديدة في الضفة الغربية المحتلة، حسبما أعلن وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش ووزيرة المواصلات ميري ريغيف، بأنها تأتي في سياق سرقة المزيد من أراضي الدولة الفلسطينية بالإضافة الى أنها ضمن مخطط الضم التدريجي الصامت .
وقال عضو المكتب السياسي للجبهة سكرتير دائرة الاعلام المركزي حسني شيلو ، تقوم حكومة الاحتلال الفاشية بعملية هندسية للضم الضفة الغربية لتقطيع التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية وربط شبكة الطرق بالمستوطنات .
وتابع ، أن شق الطرق الاستيطانية هو جزء من منظومة أمنية متكاملة ، تشمل جدار الفصل العنصري والحواجز والبوابات العسكرية هدفها ربط مستوطنات الضفة بما يسمى "العمق الإسرائيلي" وتحويل القرى الفلسطينية إلى معازل وكنتونات والحد من عملية التوسع فيها .
مشيرا كافة اجراءات الاحتلال التي تتم تستهدف الوجود الفلسطيني وفرض إعادة ترتيب للجغرافيا وتفكيك الحيّز الفلسطيني ليتحول إلى جزر منفصلة ، وتضييق الخناق على المواطن الفلسطيني والدفع باتجاه التهجير .
وأوضح شيلو، أن السياسات الاستيطانية في الضفة حيث تشهد الاطماع الاستيطانية تسارعًا غير مسبوق، ضمن سياسة ممنهجة قديمة تستهدف فرض واقع جديد على الأرض، مشددا على هذه المشاريع ليست عشوائية، بل تأتي في سياق مخطط استراتيجي طويل الأمد للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ورأى شيلو ان أبرز ملامح هذه السياسة يتمثل في إنشاء شبكة من الطرق الالتفافية الاستيطانية التي تعزل المدن والبلدات الفلسطينية، وتوسيع البؤر الاستيطانية وتحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى مساحات تخدم التوسع الاستيطاني، مع تسريع وتيرة المصادقة على مشاريع استيطانية جديدة.
وتابع ان هذه الممارسات تشكل جزءًا من مشروع استيطاني شامل يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة الغربية، ويشمل ذلك تهجير التجمعات البدوية، وهدم المنازل الفلسطينية، وفرض قيود مشددة على حركة الفلسطينيين، ما يعكس تصعيدًا خطيرًا يهدد بمحو فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

إرهاب المستوطنين!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

بينما ينشغل العالم بتداعيات الحرب على إيران، التي ما زال جمرها يومض تحت الرماد، ينشغل المستوطنون بتسريع وتيرة مخططاتهم وفق "خطة الحسم"، التي يمارسونها كل يومٍ بعمليات القتل والترويع ومصادرة الأراضي وإحراق الممتلكات، يرومون من خلالها إلى تهجير الناس من أرضهم، بعد تحويلها إلى مناطق غير قابلة للحياة.
الصمت الدولي على تلك الجرائم هو المغذي لها، والمحفز على ارتكاب المزيد منها.
الشهيد الشاب نايف سمارو ليس الأول، ولن يكون الأخير، في متوالية التقتيل التي يمارسها الإرهابيون، مطمئنين بقدرتهم على الإفلات من العقاب.
توحّش المستوطنين يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً يتجاوز الكلمات المتقاطعة، ورطانة الإعراب عن القلق، التي تفتح شهية القتلة أكثر مما تردعهم وتكبح جماح توحشهم.

فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

التحشيدات العسكرية على غزة.. مخاوف من عودة الإبادة ومخططات التهجير

د. أحمد رفيق عوض: تكرار الادعاءات الإسرائيلية بشأن استعداد "حماس" لجولة قتال جديدة يُستخدم ذريعة للدفع نحو تحركات ميدانية بحثاً عن "نصر" سياسي
طلال عوكل: ما يجري يعكس إصراراً إسرائيلياً على الحسم العسكري وتجاهل المسارات السياسية ما ينذر بمزيد من التصعيد والتدهور بغزة خلال المرحلة المقبلة
هاني أبو السباع: التغيرات داخل قيادة حركة حماس بما في ذلك عودة مشعل قد تعكس توجهاً نحو معالجة أزمات القطاع عبر المسار السياسي
د. عقل صلاح: هذه التحشيدات لا تعني قرب اندلاع حرب شاملة بل لاستخدامها كأداة ردع ووسيلة ضغط مع الحفاظ على جاهزية عسكرية لسيناريوهات أوسع
ماجد هديب: طريقة الإعلان عن التحشيد وتسويقه ضمن حرب نفسية تستهدف أهالي القطاع وحماس بهدف إحداث حالة من الإرباك والانقسام الداخلي
سري سمور: طبيعة التدخل الأمريكي ستحدد شكل التصعيد سواء أكان حرباً واسعة قد تصل لمستوى الإبادة الجماعية أم مجرد ضربات تكتيكية ومناورات عسكرية


رام الله - خاص بـ"القدس"-

 مع توجه الاحتلال الإسرائيلي نشر ست فرق عسكرية في محيط قطاع غزة، في خطوة تعكس استعدادات ميدانية غير مسبوقة، تتصاعد المخاوف من إمكانية اتساع العدوان إلى حرب شاملة وعودة حرب الإبادة الشاملة على القطاع، وربما العودة إلى سيناريوهات التهجير واحتلال القطاع، ما يشكل معاناة أخرى للأهالي.
وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، فإن ذلك التحشيد يأتي بالتوازي مع خطاب سياسي وإعلامي متشدد يروّج لاحتمالات المواجهة، ما يعزز الانطباع بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً في طبيعة العمليات العسكرية منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، الذي يشهد خروقات يومية أصلاً.
وترافقت هذه التعزيزات بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، مع إجراءات ميدانية مشددة، شملت توسيع نطاق السيطرة على الأرض، وتشديد الحصار، وتقليص تدفق المساعدات الإنسانية، إلى جانب تعطيل أي ترتيبات دولية لإدارة القطاع، حيث يشير ذلك إلى توجه نحو فرض واقع جديد عبر أدوات عسكرية وضغوط متعددة المستويات، تتجاوز مجرد الاستعدادات الدفاعية.
في المقابل، يرون أن هذه التحشيدات قد ترتبط بحسابات سياسية داخلية يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل سعي لتحقيق مكاسب انتخابية وسياسية وأمنية.
ويلفتون إلى أنه بين سيناريوهات التصعيد التدريجي أو العمليات المحدودة، تبقى غزة أمام احتمالات مفتوحة تنذر بتطورات ميدانية معقدة خلال الفترة المقبلة.

توجه جدي نحو استئناف العمليات العسكرية

يرى الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن التحشيد الإسرائيلي المتصاعد حول قطاع غزة يعكس توجهاً جدياً نحو استئناف العمليات العسكرية، في ظل حملة تحريض واسعة تقودها حكومة وجيش ووسائل الإعلام الإسرائيلية، إلى جانب بعض قادة الأحزاب الإسرائيلية، الذين يروّجون لرواية مفادها بأن حركة حماس استعادت قوتها، وتعمل على تجنيد عناصر جدد، وتسيطر على الحياة اليومية، وتصادر المساعدات، وترفض تسليم السلاح.
ويوضح عوض أن هذا التحريض يترافق مع خطوات ميدانية خطيرة، من بينها ما يسمى تحديد "الخط البرتقالي"، الذي يوسّع نطاق السيطرة الإسرائيلية إلى ما بعد "الخط الأصفر"، ما يعني احتلال أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة.
ويشير عوض إلى أن إسرائيل أعلنت منع "قوة الاستقرار" واللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع، في سياق تكريس السيطرة الكاملة على مختلف مفاصل الحياة.

إسرائيل تتحكم فعلياً بغزة

ويبيّن عوض أن إسرائيل تتحكم فعلياً بكافة الجوانب الإنسانية والمعيشية في غزة، بدءاً من إغلاق المعابر وتقييد حركة الأفراد، وصولاً إلى تقليص دخول المساعدات بشكل حاد، حيث انخفض عدد الشاحنات من نحو 600 إلى أقل من 50 شاحنة، ما يعكس سياسة تضييق ممنهجة.
ويؤكد عوض أن تكرار الادعاءات الإسرائيلية بشأن استعداد حماس لجولة قتال جديدة يُستخدم كذريعة لدفع المؤسسة العسكرية نحو تحركات ميدانية، بحثاً عن "نصر" سياسي، خاصة في ظل ضغوط داخلية على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه انتقادات لعدم تحقيق إنجاز ملموس في غزة، مع بقاء حماس لاعباً رئيسياً في إدارة القطاع.
ويرجّح عوض أن أي تصعيد مقبل قد لا يكون على شاكلة الحروب السابقة، بل ربما يتخذ طابع "الضربات الانتقائية" أو العمليات السريعة، معتبراً أن هذا التحشيد ينطوي على مخاطر كبيرة واحتمالات مفتوحة لتصعيد واسع.

محاولات تسجيل نصر قبيل الانتخابات المقبلة

ويشير عوض إلى أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز البعد العسكري، لتشمل السعي لتسجيل "نصر" قبل الانتخابات المقبلة، والتفكير بإعادة الاستيطان في غزة، إلى جانب مصالح اقتصادية واستثمارية مرتبطة بممرات تجارية ومشاريع إقليمية قد تكون غزة جزءاً محورياً فيها.
ويعتقد عوض أن إسرائيل تسعى أيضاً إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، ومنع تدويل القضية، عبر إبقاء القطاع تحت سيطرتها المباشرة وتحويله إلى مسألة داخلية، محذراً من أن هذه المؤشرات قد تنذر بأيام صعبة قادمة، في ظل مخططات قد تشمل تهجير السكان وإعادة فرض السيطرة الكاملة على القطاع.

الحرب التي لم تتوقف على غزة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن إسرائيل لم توقف حربها على قطاع غزة، بل واصلت سياساتها الرامية إلى إفشال ما يُعرف بـ"خطة ترمب"، وتعطيل تنفيذ استحقاقات مرحلتها الأولى، رغم إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة عليها في وقت سابق.
ويوضح عوكل أن موافقة نتنياهو على الخطة لم تكن سوى خطوة تكتيكية، إذ كان واضحاً أنه يراهن على إفشالها، ويعمل على تقويض أي مسار قد يحد من حرية إسرائيل في التصرف داخل القطاع.
ويشير عوكل إلى أن نتنياهو يتمسك بسياسة "الحرب الدائمة" كنهج ثابت، في محاولة لتحقيق انتصار عسكري لم يتمكن من تحقيقه في أي من الجبهات التي تنقل بينها خلال الفترة الماضية.
ويعتقد عوكل أنه في ظل حالة الهدوء النسبي على الجبهات الأخرى، يسعى نتنياهو إلى تصعيد الأوضاع في غزة، من خلال رفع وتيرة العمليات تدريجياً، بدءاً من الاغتيالات وتشديد الحصار، وصولاً إلى مرحلة قد تقترب من "حرب إبادة".
ويلفت عوكل إلى أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت أن مهمة نزع سلاح "حماس" والقضاء عليها ستُسند إلى الجيش الإسرائيلي، في تأكيد على التوجه نحو الحسم العسكري.
ويبيّن عوكل أن إسرائيل رفضت السماح بدخول اللجنة الوطنية المعنية بإدارة غزة، وكذلك ممثلي قوات حفظ الاستقرار، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي ترتيبات دولية أو إقليمية قد تُقيّد تحركاتها أو تفرض عليها التزامات ضمن إطار الخطة المطروحة.
ويشير إلى أنه رغم أن بعض التقديرات ترى أن نتنياهو يستغل انشغال الولايات المتحدة والوسطاء بالتطورات في منطقة الخليج، لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى "تواطؤ أمريكي"، يتيح لإسرائيل التحرك بحرية في القطاع دون قيود فعلية.
ويؤكد عوكل أن هذا المسار يشير إلى أن التصعيد بات قريباً، وأن الهدف النهائي يتمثل في فرض السيطرة الكاملة على قطاع غزة، باعتبار ذلك "الانتصار الوحيد" الذي يمكن لنتنياهو تسويقه داخلياً.
ويحذر من أن تحقيق هذا الهدف من شأنه أن يقوّض أي أفق سياسي يتعلق بإقامة دولة فلسطينية، مشيراً إلى أن هذا التوجه يشكّل هدفاً مركزياً لدى مختلف أطياف المشهد السياسي الإسرائيلي.
ويعتقد عوكل أن استمرار هذه السياسات يعكس إصراراً إسرائيلياً على حسم الصراع عسكرياً، مع تجاهل المسارات السياسية، ما ينذر بمزيد من التصعيد وتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة.

تفعيل "أمر 8"

يرى الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن هناك جملة من المؤشرات الميدانية والسياسية توحي باقتراب عودة القتال في قطاع غزة، في ظل تصاعد المطالب داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باستئناف العمليات، وعقد عدة جلسات داخل "الكابينت" لبحث هذا الخيار.
ويوضح أن من أبرز هذه المؤشرات ما تداولته مواقع إخبارية عبرية بشأن إعادة تفعيل "أمر 8" الخاص باستدعاء قوات الاحتياط، إلى جانب دعوات أطلقتها وزيرة الاستيطان في الحكومة الإسرائيلية لبدء إنشاء مستوطنات جديدة داخل القطاع، في خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً يتجاوز مجرد العمليات العسكرية إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في غزة.
ويشير أبو السباع إلى أن الإعلام العبري عاد مؤخراً للحديث عن "تعاظم قوة المقاومة"، مدعياً أنها نجحت في تجنيد آلاف العناصر وإعادة ترميم جزء من شبكة الأنفاق، رغم سيطرة الجيش الإسرائيلي على نحو 59% من مساحة القطاع، واستمرار الحصار المشدد المفروض عليه.

محاولة منع "الأوكسجين" عن المقاومة

ويلفت أبو السباع إلى أن رد المقاومة الأخير في الثاني من مايو / أيار الحالي، والذي رفضت فيه تسليم سلاحها مقابل إعادة الإعمار وتأجيل هذا الملف إلى الحل النهائي، اعتُبر من قبل إسرائيل خرقاً لاتفاق التهدئة ومبرراً للعودة إلى القتال، خاصة في ظل مواقف متشددة داخل الحكومة، حيث عبّر كل من بن غفير وسموتريش عن رفضهما للتهدئة، واعتبرا أنها تمنح "الأوكسجين" للمقاومة.
ويشير أبو السباع إلى وجود تقديرات تفيد بأن التغيرات داخل قيادة حركة حماس، بما في ذلك عودة خالد مشعل المعروف عنه بالدبلوماسية السياسية إلى رئاسة الحركة، قد تعكس توجهاً نحو معالجة أزمات القطاع عبر المسار السياسي، وهو ما تدعمه تصريحات الناطق باسم الحركة حازم قاسم، الذي أكد أن المقاومة لن تكرر تجربة عام 1982 في لبنان، حين تم تسليم السلاح وتعرضت المخيمات لاحقاً لمجازر.
ويؤكد أبو السباع أن احتمالات استئناف الحرب تبقى قائمة، بل تمثل رغبة لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن تطورات إقليمية، وعلى رأسها احتمال تجدد المواجهة مع إيران، قد تؤدي إلى تأجيل هذا السيناريو.

محاولات محو تداعيات السابع من أكتوبر

ويشير أبو السباع إلى أن القطاع، بعد توقف إطلاق الصواريخ منذ أكثر من نصف عام، واستمرار الحصار من مختلف الجهات، لم يعد يشكل تهديداً مباشراً، غير أن الحكومة اليمينية الإسرائيلية ترى أن تداعيات السابع من أكتوبر 2023، لا يمكن محوها إلا عبر تصعيد جديد، قد يأخذ شكل عمليات عسكرية واسعة تحمل مزيداً من الدمار والخسائر.

التحشيد كأداة حرب نفسية

يشدد الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د.عقل صلاح على أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لم تتوقف فعلياً، لكنها اتخذت أشكالاً وأدوات مختلفة، مشيراً إلى استمرار القصف والاغتيالات واستهداف مراكز ودوريات الشرطة، إلى جانب تنفيذ عمليات خاصة، ووجود "ميليشيات متعاونة" تنفذ مهام ميدانية بدعم وحماية من الطيران الإسرائيلي.
ويوضح صلاح أن التحشيد العسكري الإسرائيلي المتصاعد حول القطاع يمثل أداة حرب نفسية، تهدف إلى ممارسة ضغط عسكري للحصول على تنازلات سياسية من حركة حماس، خصوصاً في ملف نزع سلاح المقاومة، وهو الهدف الذي لم تنجح إسرائيل في تحقيقه خلال الحرب.
ويشير صلاح إلى أن هذه التحشيدات تسعى إلى دفع حركة حماس للقبول بالشروط الأمريكية-الإسرائيلية، مع التلويح بأن جميع الخيارات، بما فيها التصعيد العسكري، تبقى مفتوحة في حال الرفض.

إضعاف قدرات المقاومة

ويلفت صلاح إلى أن هذه التحشيدات قد تستخدم لتنفيذ هجوم متعدد المسارات في وقت واحد، بهدف إضعاف قدرات المقاومة، بالتوازي مع دعم المليشيات المتعاونة لتنفيذ عمليات اغتيال داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس، تجنباً لمخاطر تعرض قوات الاحتلال لعمليات أسر أو استهداف مباشر في مناطق نفوذ المقاومة.
ويوضح صلاح أن هذه التحشيدات تحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى موجهة للمجتمع الإسرائيلي لإظهار جاهزية الجيش لخوض حرب جديدة رغم الانخراط في جبهات أخرى، والثانية موجهة للمجتمع الدولي لتهيئته لاحتمال استمرار الحرب أو تصعيدها.
ويلفت صلاح إلى أن هذه التحشيدات لا تعني بالضرورة قرب اندلاع حرب شاملة، بل يمكن أن تستخدم كأداة ردع ووسيلة ضغط مع الحفاظ على جاهزية عسكرية لسيناريوهات أوسع.
ويربط صلاح بين هذه التحشيدات والحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، معتبراً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بحاجة إلى تحقيق إنجازات ملموسة، في ظل تراجع شعبيته بعد الإخفاقات في جبهات أخرى مثل لبنان وإيران.

محاولة لتعزيز الرصيد السياسي

ويشير صلاح إلى أن التوجه نحو غزة، بوصفها الجبهة الأضعف، قد يشكّل محاولة لتعزيز الرصيد السياسي، إلى جانب الحفاظ على تماسك الائتلاف اليميني، بما يشمل شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، يرى صلاح أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في رفض حماس لمطلب نزع السلاح، لما يحمله من أبعاد سياسية ووطنية، ما سيدفع إسرائيل إلى تنفيذ عمليات عسكرية برية محدودة ومحسوبة، تهدف إلى زيادة الضغط عبر توغلات مؤقتة، مدعومة بضربات جوية ومدفعية مكثفة تستهدف "بنك أهداف" تم تحديثه بعد مرحلة التهدئة الحالية.

تحسين شروط التفاوض

ويبيّن صلاح أن هذا النمط من العمليات يهدف إلى تحسين شروط التفاوض وفرض ترتيبات أمنية جديدة، معتبراً أن التحشيد العسكري يشكّل "ورقة ضغط" مركزية، واختباراً حقيقياً لقدرة حماس على الصمود سياسياً وعسكرياً.
ويؤكد صلاح أن استمرار هذا النهج يعني بقاء دائرة التصعيد مفتوحة، معتبراً أن الحل الوحيد يكمن في إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، والتوصل إلى هدنة طويلة الأمد، وإلا فإن المنطقة ستبقى عرضة لموجات متكررة من التصعيد، في ظل اعتماد إسرائيل على "العصا الغليظة" والخطاب السياسي المتشدد لتحقيق أهدافها دون الانزلاق إلى حرب شاملة في المرحلة الراهنة.

احتمالية التحضير لحرب طويلة الأمد

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن التحشيد العسكري الإسرائيلي الأخير لا يمكن اعتباره إجراءً روتينياً، بل يمثل إشارة استراتيجية متعددة الأبعاد، تنطوي على رسائل عسكرية وسياسية ونفسية.
ويوضح هديب أن الدلالة العسكرية لهذا التحشيد قد تعكس استعداداً فعلياً لتنفيذ اجتياح بري للقطاع، أو انتقالاً في العقيدة الإسرائيلية من إدارة الصراع مع حركة حماس إلى محاولة حسمه وإنهاء وجودها، إضافة إلى احتمالية التحضير لحرب طويلة الأمد قد تمتد إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية داخل إسرائيل.
ويشير هديب إلى أن هذا التحشيد يوجّه رسائل إلى ثلاث جهات رئيسية؛ أولها حركة حماس، في إطار الضغط عليها خلال المفاوضات الجارية، وثانيها الجمهور الإسرائيلي، لإظهار أن الجيش لا يزال يحتفظ بقدرته على الردع ولم يتأثر بما يُثار عن إخفاقات، وثالثها وما يُعرف بمحور المقاومة، كإشارة إلى استعداد إسرائيل لخوض مواجهات على عدة جبهات، في محاولة لترسيخ صورة "الجيش الذي لا يُقهر".

حرب نفسية تستهدف أهالي غزة وحماس

ويلفت هديب إلى أن البعد الإعلامي والنفسي يشكّل ركناً مهماً في هذا التحشيد، إذ إن طريقة الإعلان عنه وتسويقه تدخل في إطار حرب نفسية تستهدف أهالي قطاع غزة وحركة حماس على حد سواء، بهدف إحداث حالة من الإرباك وربما الانقسام الداخلي، سواء على المستوى الشعبي أو داخل بنية الحركة، خاصة في ظل تنامي أصوات تنتقد استمرار الحرب وتشكك في جدواها.

الجاهزية العسكرية

ويطرح هديب ثلاثة مسارات رئيسية بشأن السيناريوهات المحتملة، الأول "سيناريو الضغط"، حيث تُبقي إسرائيل قواتها في حالة جاهزية مع تنفيذ ضربات جوية محدودة أو عمليات نوعية، بهدف تحقيق مكاسب سياسية أو أمنية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، خاصة في ظل إدراكها لتعقيدات ما بعد أي اجتياح بري من استحقاقات سياسية قد تكون مكلفة، فضلاً عن تحفظات دولية، لا سيما من جانب الولايات المتحدة، في ظل استمرار طرح "خطة ترمب".

إمكانية تنفيذ عملية عسكرية محدودة

أما السيناريو الثاني، فيتمثل وفق هديب، في تنفيذ عملية عسكرية محدودة، تشمل توغلات برية موضعية في بعض المناطق، يقابلها انسحاب من مناطق أخرى، مع استمرار الضربات الجوية وعمليات الاغتيال واستهداف منشآت تعتبرها إسرائيل تهديداً محتملاً.
ويهدف هذا السيناريو، بحسب هديب، إلى إعادة ترميم قوة الردع، خصوصاً في ظل اعتقاد إسرائيل بأن حماس تحاول إعادة تنظيم صفوفها وتعزيز سيطرتها على مفاصل الحياة في القطاع.

إمكانية اندلاع حرب شاملة

ويشير هديب إلى السيناريو الثالث، وهو الأخطر، الذي يبقى مرتبطاً باحتمال اندلاع حرب شاملة تؤدي إلى احتلال كامل لقطاع غزة، إلا أن هديب يستبعد هذا الخيار في المرحلة الحالية، مرجحاً أن يتحقق فقط في حال انهيار المفاوضات بشكل كامل، وتراجع دور الوسطاء، وارتفاع مستوى الضغط الداخلي في إسرائيل، إلى جانب حدوث تصعيد ميداني كبير.
ويلفت هديب إلى أن المؤشرات الميدانية الحالية لا تدعم فرضية التوجه نحو حرب شاملة، موضحاً أن غياب إجراءات مثل إخلاء مستوطنات غلاف غزة، أو استدعاء واسع لقوات الاحتياط، أو تشغيل المستشفيات الميدانية، يدل على أن الأمور لا تزال ضمن نطاق السيطرة، ما يعزز ترجيح سيناريو "الضغط دون حرب" بوصفه الخيار الأقرب في المرحلة الراهنة.

عودة الحرب مرهونة بالموقف الأمريكي

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن التهديدات الإسرائيلية المتواصلة تجاه قطاع غزة، والتي يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى جانب قيادات سياسية وعسكرية، تأتي في سياق محاولة فرض ما يسمى "نزع السلاح"، مشيراً إلى أن ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه ميدانياً تسعى لفرضه عبر المفاوضات، ومع فشل ذلك تعود للتهديد باستئناف العدوان، "الذي لم يتوقف فعلياً".
ويوضح سمور أن مسألة شن حملة عسكرية موسعة على غزة تبقى مرهونة بقرار الإدارة الأمريكية، متسائلاً عما إذا كانت ستمنح إسرائيل الضوء الأخضر لاجتياح شامل أو تكتفي بالسماح بعمليات محدودة.
ويلفت سمور إلى أن طبيعة التدخل الأمريكي ستحدد شكل التصعيد، سواء كان حرباً واسعة النطاق قد تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية كما حدث سابقاً، أو مجرد ضربات تكتيكية ومناورات عسكرية.

الانتقال للمرحلة الثانية دون تنفيذ استحقاقات الأولى

ويشير سمور إلى عدة سيناريوهات محتملة بينها إمكانية أن تكون التهديدات الحالية أداة ضغط على طاولة المفاوضات لدفع الجانب الفلسطيني إلى القبول بالشروط الإسرائيلية والانتقال إلى المرحلة الثانية دون تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، وبما يتماشى مع ما يُعرف بـ"خطة ترامب".
ويلفت سمور إلى احتمال توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية، مستنداً إلى تصريحات رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير حول توقع اندلاع حرب متعددة الجبهات في عام 2026، تشمل غزة ولبنان وإيران وسوريا، إضافة إلى الضفة الغربية.
كما طرح سمور سيناريو ثالثاً يتمثل في أن تضبط الولايات المتحدة إيقاع التصعيد، عبر منع حرب شاملة والاكتفاء بتكثيف عمليات الاغتيال ورفع وتيرتها لفترة محدودة، رغم ما قد تحمله من آثار مدمرة على السكان في قطاع غزة.

الميدان قد يحمل مفاجآت

وفيما يتعلق بقدرة المقاومة على المواجهة، يعتبر سمور أن الصورة لا تزال غير واضحة، مؤكداً أن الميدان غالباً ما يحمل مفاجآت.
ويشدد سمور على أن إسرائيل دأبت على استهداف المدنيين، خاصة النازحين في ظروف إنسانية قاسية، مع نقص حاد في المياه والغذاء، ما يجعل أي تصعيد جديد ذا كلفة إنسانية مرتفعة.
ويشير سمور إلى أن التقدير الإسرائيلي يقوم على انشغال العالم بملفات أخرى، خصوصاً مع إيران، ما قد يخفف الضغوط الدولية على أي عملية عسكرية جديدة في غزة.
ويستبعد سمور أن تقدم المقاومة على تقديم تنازلات جوهرية، لعدم وجود ضمانات حقيقية، خاصة أن إسرائيل "تبحث دائماً عن ذرائع لمواصلة العدوان".
ويرى سمور أن التصعيد قد يبقى محدوداً إذا شهدت جبهات أخرى تطورات دراماتيكية، مثل توسع المواجهة مع إيران أو لبنان، ما قد يدفع إسرائيل إلى إعادة توزيع قواتها والتركيز على جبهات أخرى، مع إبقاء الضغط على غزة ضمن حدود معينة.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

أسطول الصمود.. إرادة في مواجهة الإبادة



جاء أسطول الصمود الأخير الذي تكوّن من عشرات السفن ومئات المتضامنين الأجانب تعبيراً عن إرادة الشعوب الحرة في مواجهة البربرية والابادة الجماعية التي مارسها جيش الاحتلال بحق شعبنا في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر من العام 2023.
لقد وصفت محكمة العدل الدولية ممارسات الاحتلال بالإبادة الجماعية، وأدرجت حرب التجويع في إطارة أيضاً.
واعتبرت محكمة الجنايات الدولية أن دولة الاحتلال تمارس جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وقد أصدرت مذكرتي توقيف تجاه كل من نتياهو وغالانت، وقد أصبحا مطلوبين للعدالة الدولية.
وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية بقرارها الاستشاري في يونيو من العام 2024 أن ممارسات الاحتلال منذ عام 1967 إلى لحظة إصدار القرار بأنها غير شرعية، وقد تم توصيف الاحتلال بالعسكري والاستيطاني، ويمارس التمييز العنصري، وفي أكتوبر من عام 2025 إضافة جريمة الإبادة الجماعية.
وأصدرت العديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية العديد من البيانات والمواقف التي أكدت تورط دولة الاحتلال بجريمة الإبادة الجماعية.
تم ذلك بسبب دور منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني التي كشفت ممارسات الاحتلال، وقامت بعمل مهني مميز، من خلال التوثيق ورفع القضايا والنشاط الإعلامي، واستخدام وسائل الضغط والتأثير على أعضاء البرلمانات والحكومات في العديد من بلدان العالم.
لقد تعزز دور منظمات حقوق الإنسان من خلال قوى التضامن الشعبي الدولي المكونة من طيف واسع من المنظمات الأهلية والحقوقية والنقابية والسياسية والإعلامية.
لعبت هذه المكونات، ومنها الحركة الطلابية، خاصة بالجامعات الأمريكية، دوراً مميزاً بتعزيز الرواية الوطنية الفلسطينية وتفكيك الرواية الصهيونية والعنصرية.
إن اعتراض العديد من حملات سفن كسر الحصار عبر عمليات القرصنة من قبل بحرية الاحتلال، والعمل على اعتقال البعض من النشطاء والتنكيل بهم، لم يثن مناضلين آخرين عن إعادة المحاولة مرة تلو الأخرى بهدف كسر الحصار وفضح ممارسات الاحتلال أمام الرأي العام بوصفه معادياً للديمقراطية ولحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ويفرض عقاباً جماعياً عليه.
يتميز أسطول الصمود الأخير، الذي اعترضتة البوارج البحرية الاحتلالية بالقرب من سواحل اليونا، بأنه أتى في الوقت الذي تنشغل به وسائل الإعلام بالحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران والحرب الإسرائيلية علي لبنان، في محاولة لاستغلال الانشغال الإعلامي باستكمال العمل على تصفية القضية الفلسطينية عبر الاستمرار بالحصار والعدوان على غزة، واستمرار الاستيطان مصحوباً بهجمات المستوطنين بالضفة الغربية.
وإن رد الفعل العنيف الذي قامت بة بوارج الاحتلال البحرية بحق أسطول الصمود عبر اقتحام السفن والاعتداء على المتضامنين واعتقال البعض منهم والتحقيق معهم يعكس قلق دولة الاحتلال من هذا الحراك النوعي والمميز، الذي ضم نشطاء ودبلوماسين وإعلاميين وأعضاء برلمان ونقابيين وغيرهم.
لقد أظهرت دولة الاحتلال ليس أنها لا تكترث فقط بالقانون الدولي، لكنها لاتكترث أيضاً بردود أفعال الدول التي أتى منها هؤلاء النشطاء، وهي دول وازنة ومؤثرة بالعلاقات الدولية، الأمر الذي يعكس مدى العزلة التي تعيشها دولة الاحتلال بوصفها دولة مارقة وتعمل على تجاوز منظومة حقوق الإنسان بصورة منهجية ومنظمة.
إن عدوان الاحتلال على أسطول الصمود يجب أن يدفع دول العالم لفرض إجراءات من المقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات على دولة الاحتلال، التي أصبحت تشكل خطراً على المنظومة الحقوقية والإنسانية العالمية، وليس فقط على الشعب الفلسطيني.
إن التردد بإلغاء اتفاقية الشراكة الأوروبية مع دولة الاحتلال ووقف العلاقات العسكرية والتجارية، إضافة إلى استمرار الدعم الأمريكي غير المحدود، يشجعان دولة الاحتلال على الاستمرار بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق  الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
لقد بات مطلوباً البناء على الإنجاز الذي حققة نشطاء أسطول الصمود من خلال الاستمرار بفضح زيف الرواية الصهيونية والمساهمة بعزلها عالمياً.
إن نشاط قوى التضامن الشعبي الدولي مع قضية شعبنا يُعدّ عاملاً حاسماً ومفصلياً باتجاه وقف كل محاولات الإدارة الأمريكية الرامية لتقويض دور القضاء الدولي، عبر تهديد القضاة والمفوضة السامية لحقوق الإنسان بسبب مواقفهم المبدئية والأخلاقية المنددة بجرائم الاحتلال والمنتصرة لحقوق شعبنا عبر ضمان حقة في تقرير المصير وفق القانون الدولي.
إن إعمال آليات المساءلة والمحاسبة يُعدّ أحد المحاور المهمة التي نجحت بها منظمات حقوق الإنسان في كشف عنصرية وفاشية الاحتلال، وعززت بالمقابل من عدالة قضية شعبنا.
كل التحية لنشطاء أسطول الصمود الذين شكلوا نموذجاً بالتضحية والكفاح من أجل قيم الحرية والكرامة التي يُعبّر عنها شعبنا بصموده وتضحياته ونضاله المستمر.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

عندما يحتفل الثور بالمشنقة



في احتفال (مهيب) على انقاض قرية بيت دراس المهجرة والمدمرة الى الشمال من مدينة غزة بالقرب من اسدود قدمت(ايالا) زوجة ما يسمى وزير الامن الداخلي ايتمار بن غفير هدية عيد ميلاده الخمسين الى الان يبدو الامر عاديا لكن كعكة عيد الميلاد التي تناقلتها وسائل اعلام اسرائيلية حملت رسم المشنقة وكلمتين(الاحلام تتحقق) في اشارة الى بدء سريان قانون اعدام الاسرى الذي تم التصويت عليه واصبح نافذا في الرابع من آذار الماضي باغلبية 62 صوتا من قبل كنيست الاحتلال.
الحفل الذي اقيم في فيلا ما يسمى موشاف امونيم تاسس سنة 1950 جنوب فلسطين المحتلة وموشاف كلمة عبرية تعني مستعمرة زراعية او تعاونية عمالية بينما امونيم تعني"المؤمن" حضر الحفل كبار قادة منظومة الاحتلال الامنية والشرطية ولفيف من المدعوين فمولد المتطرف بن غفير وهو من اصل عراقي في السادس من ايار(علامة فارقة) فهو الذي (لمع نجمه) في سياق حربه الشرسة على الاسرى وعلى الشعب الفلسطيني ظهر ذلك جليا خلال حرب الابادة المتواصلة وموقفه منها رافضا اي جهود للوصول الى التهدئة او وقف المجازر ثم تهديده بانسحاب حزبه "العصمة اليهودية" 6 مقاعد في الكنيست اذا اوقف نتنياهو الحرب على غزة وهو ما يعكس ما يضمر من عنصرية وكراهية حيث يرى نفسه امتدادا لطريق المتطرف الحاخام مائير كهانا ومدرسة الفكر الداعي لطرد العرب من فلسطين وترحيلهم واقامة المستعمرات الاسرائيلية في ما يطلق عليه "يهودا والسامرة" اي الضفة الغربية فيما يرى في قضية الاسيرات والاسرى ملفا شخصيا مكلف به وانجازا يتفاخر به بحكم منصبه وتوليه الامن الداخلي ما يمكنه من العمل على انتزاع قرارات هدفها كسر ارادة الحركة الاسيرة واذلالها ولصق صفة "الارهاب" بها وخير شاهد على ما يجري ما شاهده العالم امام الشاشات من اقتحام بن غفير لاقسام وزنازين الاسرى ومنها زنزانة الاسير مروان البرغوثي الذي يقبع في العزل الانفرادي وتقديم وجبات متتالية من الاعتداءات البشعة والممارسات التي يندى لها جبين الانسانية وهي تأكيد للعقلية التي يمتلكها احد اهم اقطاب حكومة الاحتلال تجاه الاسيرات والاسرى وتعامله الذي يمثل تجاوزا صارخا لابسط القيم الانسانية
بن غفير(لحسن الطالع) من برج الثور وكأن النجوم والكواكب حتى تقول بحسب المثل الشعبي (اسمه على جسمه) او اسم على مسمى هو فعلا كذلك حتى بالتصرفات والسلوك في السجون والمعتقلات يتصرف على هذا النحو ويرى فيها ملعبا يخوض فيه حربه على الضحايا الذين لا يملكون حولا ولا قوة يمارس عليهم بطولاته من قمع وتنكيل في ظل ظروف اعتقالية بالغة القسوة راح ضحيتها منذ اكتوبر 2023 90 اسيرا شهيدا ارتقوا بسبب سوء المعاملة والتعذيب المفضي للموت والتجويع ويعيد للاذهان في عيده ال 50 ويصر على الاحتفال مستحضرا قضية الاسرى بالكعكة يزينها حبل المشنقة الشعار الذي يتوسطها فهي اكثر من هدية واكثر من رمز دال عل النوايا وانما اضيف اليها "امنيات" تحقيق الحلم" الاعدام" هذا ما يتمناه الخمسيني الذي امضى ثلثي عمره منذ ان كان طفلا يتغذى على التطرف والعنصرية بل انه ذاته كان ملاحقا بتهم تتعلق بالارهاب من قبل الشرطة الاسرائيلية قبل ان يصبح وزيرا لها وجرى اعتقاله بذات التهم سابقا ليعد اليوم بهذه الطريقة وهذا الحضور انتاج الصورة الحقيقية التي يتداولها نشطاء مواقع التواصل ولا تحتاج للمزيد من التأكيد كونها صورة ناطقة تتحدث عن نفسها بنفسها كعكعة الاعدام! اي جنون هذا  واي عقل بشري يمكنه ان يصدق ذلك! اين المساءلة الدولية! اليس هذا دليل مباشر بالصوت والصورة لما يجري بحق الاسرى وحجم الانتهاكات اليومية المتواصلة بحقهم! لو كان ادنى حس بالانسانية لدى(ايالا) الزوجة التي رآها العالم سابقا تتزنر بالمسدسات على وسطها اثناء زيارة اجتماعية لزوجه نتنياهو سارة لو وجد هذا الاحساس لحملت وردا في عيد الميلاد المتعارف عليه بين بني البشر او ربما هدية اخرى ملابس او غيرها لكن ما يعشعش داخل عقل الزوجة والاسرة والمجتمع الاسرائيلي هو الحقد وانكار وجود الاخر التفكير داخلهم هو افظع بكثير من ان يهدي الورد او يقدم الازهار! كيف للربيع ان يزهر في صحراء الشرور والحقد والسادية؟
اعياد الميلاد مناسبات يجتمع فيها الاصدقاء والاحباب والاقارب يتبادلون الهدايا يسترجعون الذكريات الجميلة والتآمل لكن ماذا لدى بن غفير ليتذكر سوى القتل والافعال القبيحة؟ وكيف له ان يرى المستقبل في اسرائيل الا بذات العيون الكارهة - على جليد القلوب السوداء لا ينبت الا الشرور والمآسي والويلات لا ماء في صحراء العطش الدامي ولا امل يولد من(ثور) هائج ينطح كل  ولا يحلم الا بالموت والدمار واعواد المشانق- الى متى يستمر صمت الانسانية لتبقي على إنسانيتها.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

لجنة التكنوقراط في غزة: بين الضرورة الإنسانية وإعادة إنتاج السياسة


في توقيت بالغ الحساسية، يأتي الإعلان عن "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة" بصفتها إطارًا مهنيًا مؤقتًا، ليعكس محاولة لإعادة ترتيب الأولويات في ظل واقع إنساني ضاغط، حيث تتقدم الإغاثة وإعادة تشغيل الخدمات على ما سواهما من عناوين السياسة والصراع.
البيان الصادر عن اللجنة يضع محددات واضحة لدورها؛ فهي، وفق توصيفها، ليست كيانًا سياسيًا ولا تمثيليًا، بل أداة تنفيذية ذات طابع تكنوقراطي. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، ولا عن اللحظة التي فُرض فيها كخيار مطروح.
فطرح نموذج "الإدارة المهنية" في الحالة الفلسطينية لا يأتي من فراغ، بل غالبًا ما يكون استجابة لضغط مزدوج: داخلي ناتج عن عجز النظام السياسي المنقسم، وخارجي يرتبط بشكل مباشر بحسابات المانحين وترتيبات ما بعد الحرب. من هنا، فإن اللجنة لا تمثل فقط محاولة لتحسين الإدارة، بل تعكس أيضًا بحثًا عن صيغة "مقبولة دوليًا" لإدارة مرحلة انتقالية دون حسم سياسي واضح.
التأكيد المتكرر على "الحياد" و"عدم التمثيل الفصائلي" يكشف بقدر ما يطمئن؛ إذ إن الحياد في بيئة مشبعة بالاستقطاب ليس حالة قائمة بحد ذاتها، بل موقع يتم الطعن فيه من جميع الأطراف. وعليه، فإن اللجنة ستجد نفسها، عاجلًا أم آجلًا، في قلب التجاذب، حتى لو حاولت البقاء خارجه.
كما أن ربط نجاحها بثقة المواطنين وتعاون القوى الوطنية يضعها أمام اختبار معقد؛ لأن هذه العوامل ليست تقنية بل سياسية بامتياز. فلا ثقة تُبنى دون نتائج ملموسة، ولا تعاون يتحقق دون غطاء أو تفاهم سياسي، حتى لو كان غير معلن.
الأهم من ذلك، أن حصر دور اللجنة في الإغاثة والخدمات، رغم ضرورته، قد يتحول إلى سيف ذي حدين: فهو يمنحها فرصة للإنجاز السريع، لكنه في الوقت ذاته قد يُستخدم كمدخل لإدارة الواقع القائم بدل تغييره، أي تثبيت الانقسام بشكل غير مباشر تحت غطاء "الإدارة المهنية".
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى لجنة التكنوقراط كحل محايد بالكامل، بل كخيار سياسي يُدار بأدوات غير سياسية. هي محاولة للالتفاف على المأزق عبر الإدارة، لا لتفكيكه جذريًا.
وعليه، فإن التقدير الأقرب للواقع هو أن نجاح اللجنة -إن تحقق- سيكون نجاحًا وظيفيًا محدودًا، يخفف من حدة الأزمة الإنسانية، لكنه لن يعالج جذورها السياسية. أما فشلها، فلن يكون مجرد تعثر إداري، بل سيكون دليلًا إضافيًا على أن إدارة الانقسام لا يمكن أن تكون بديلًا عن إنهائه.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

الأولويات الوطنية والقومية ضد العدو المشترك

الحلقة الأولى

نعم نحن ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بوضوح وشجاعة وعلناً، ولكننا في نفس الوقت، وبنفس القيمة والدوافع لا نقبل الاعتداء والتطاول الإيراني على الإمارات العربية، وعلى أي بلد عربي مهما كانت الدوافع والأسباب.
نحن ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لأنها ظالمة عدوانية، ولكننا لا نقبل الرد الإيراني على الإمارات، أو على أي بلد عربي، فالاعتداء الإيراني على أي بلد عربي يؤدي إلى تمزيق عوامل التلاقي والوحدة والتوافق بين أطراف الجسم الواحد العربي الإسلامي.
إيران بلد إسلامي، نتفق مع نظامها السياسي أو نختلف، ولكننا لا نقبل التدخل والإفتراء والعدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها، فالحرب على إيران لا تستهدف تغيير النظام لصالح شعبها، من شيعي إلى سني، من نظام أحادي إلى نظام تعددي، فالشعب الإيراني هو الأدرى بمصالحه وخياراته وأولوياته، وهو الأقدر والأعرف في كيفية مواجهة نظامه السياسي إذا لم يكن مقبولاً أو متسلطاً، أو يعمل ضد مصالح بلده وشعبه.
إيران غير مقبول لها الاعتداء والتطاول على أي بلد عربي، وهي تملك اختيار الأولويات في مواجهة القوات الأمريكية المنتشرة في البحار: المتوسط، العرب، والخليج العربي، إضافة إلى ضرب مواقع المستعمرة الإسرائيلية، وعليها أن لا تستبدل حربها في مواجهة الأمريكيين والإسرائيليين، ليكون أي بلد عربي مستهدفاً من قبل إيران، بدلاً من التركيز على مواجهة من إعتدوا عليها.
مئات الآلاف من العاملين الإيرانيين لدى دولة الإمارات، التي أعلنت أنها تحترم إقامتهم، ولن تعاقبهم ولم تمس بهم على خلفية الاعتداءات الإيرانية على أراضيها وسيادتها، وهو موقف حكيم ونبيل في نفس الوقت من قبل دولة الإمارات، وعلى إيران أن تحترم ذلك وتحرص على مصالح أبناء شعبها الذين يعملون في الإمارات، وهم بذلك يخدمون عائلاتهم وبلدهم، ولهذا على القيادة الإيرانية أن تتحلى بالحكمة واليقظة واختيار الأولويات في الرد على الحرب والعدوان الأمريكي الإسرائيلي، بدون المساس بأمن وسيادة أي من البلدان العربية، الخليجية وغير الخليجية.
إيران فرضت صمودها، وهي بحاجة إلى عدم إستعداء العرب ضدها، واحترام مشاعر العرب التضامنية معها، لا أن تخلط الأوراق بين معسكر العدو، وبين معسكر الصديق، المفترض أنه صديقاً، ويجب أن نبقى في موقع الصداقة والأخوة وحُسن الجوار، وأن نتواصل على هذا الأساس المبدئي الواقعي وإستدامته، نتاج التاريخ والدين والمصالح المتداخلة.
نحن نختلف مع حكوماتنا المحلية والوطينة في الكثير من العناوين والقضايا والأولويات، ولكننا لا نسمح لأي طرف عدو أو أخ أو جارٍ للاعتداء على أمننا الوطني، وبهذا المعيار والتوجه نقف مع إيران ضد المعسكر الأمريكي الإسرائيلي، ولكننا نقف ضد إيران حينما تمس بأمن الإمارات وغيرها من بلدان الخليج العربي.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

طوق النجاة لإنقاذ المشروع الوطني: تجديد العقد الاجتماعي من خلال حوار وطني شامل



إن الدمار الذي لحق بغزة، والحرب الاقتصادية والهجمات الهمجية العنيفة في الضفة الغربية، والتحولات الأوسع في النظام الدولي، بما في ذلك الحرب الإقليمية الجارية في الشرق الأوسط، قد أفضت إلى إعادة تشكيل إقليمي عميق يتطلب مراجعة جادة للمشروع الوطني الفلسطيني. ومن المرجح أن تؤدي الحرب المستمرة في الشرق الأوسط إلى تغيرات أخرى في موازين القوى والتحالفات، ونتيجة لذلك قد لا تبقى فلسطين في مركز الاهتمام السياسي الإقليمي كما كانت في السابق في ظل بروز أولويات متنافسة عديدة.
يتعين على القيادة الفلسطينية إدراك أن النهج السلبي أو التغييرات الجزئية التدريجية القائمة على توافق هش لم تعد مجدية، فهناك خطر حقيقي يتمثل في تهميش المشروع الوطني الفلسطيني أكثر، وربما حتى نسيانه، خلال موجة إعادة التشكيل الإقليمي المقبلة.
تقدم هذه الورقة إطاراً مقترحاً لإعادة تموضع القضية الفلسطينية في هذه المرحلة الصعبة، وإعادة تسليط الضوء عليها من خلال عملية تهدف إلى تجديد منظومة الحكم الفلسطينية، بما يعيد بناء الثقة بالقيادة لدى المواطنين والشركاء الإقليميين والدوليين على حد سواء. ويهدف هذا الإطار إلى خدمة الشعب الفلسطيني بشكل أفضل، واستعادة المصداقية، وتهيئة الأرضية لتحقيق تقرير المصير الحقيقي.
ويستند الإطار المقترح إلى محاور إصلاح سياسي ومالي وإداري، وإصلاح الحوكمة والقانون بما يعزز اللامركزية والتحول الاقتصادي. كما يدعو المقترح إلى إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني شامل يضم جميع مكونات المجتمع الفلسطيني، والعودة إلى الانتخابات، مما يفضي إلى بناء نظام دولة حديث يمثل الشعب الفلسطيني ويستجيب بفعالية لاحتياجاته.

المقدمة
إن الدمار الذي لحق بغزة، وتصاعد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، والتحولات في السياسات الإقليمية، كلها عوامل فرضت إعادة النظر في الفرضيات الوطنية الراسخة منذ زمن طويل. حيث يطالب المجتمع الدولي بشكل متزايد بقيادة فلسطينية موحدة وخطة إصلاح موثوقة، والأهم من ذلك أن الفلسطينيين أنفسهم يطالبون بالتغيير بعد سنوات طويلة من الجمود السياسي والانقسام الداخلي والمعاناة الاقتصادية والشعور المتزايد بالعزلة.
تشير المقترحات الأخيرة من الولايات المتحدة وأوروبا ودول عربية رئيسية إلى اتجاه واحد، يتمثل في إعادة توحيد غزة والضفة الغربية تحت حكومة فلسطينية شرعية واحدة، ولكن بعد تنفيذ إصلاحات جدية وذات مصداقية. كما تتحدث هذه المقترحات عن مسار يمكن أن يؤدي إلى تحقيق تقرير المصير الفلسطيني بعد تنفيذ جملة من الإصلاحات.
تمثل هذه اللحظة فرصة نادرة للتجديد الحقيقي للفلسطينيين إذا تم التعامل معها بوعي وطني تقوده الوحدة والوضوح والإحساس بالحاجة الملحة للتغيير، أما الانتظار فلم يعد خياراً قابلاً للاستمرار.

سياق الحوكمة
تم إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1993 كترتيب مؤقت كان من المفترض أن يستمر ثلاث سنوات فقط تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبعد ثلاثة عقود، لم تتحقق الدولة وما زال الفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي ضمن حكم ذاتي محدود.
تتكون البنية السياسية والقانونية الفلسطينية من ثلاث مؤسسات متداخلة: منظمة التحرير الفلسطينية، ودولة فلسطين، والسلطة الوطنية الفلسطينية. وتتشارك هذه الكيانات بالقيادة والميزانيات والمؤسسات مع فقدان الوضوح في الحدود بينها، مما أضعف الحوكمة، وقلل من المساءلة، وأوجد ارتباكاً في المسؤوليات وصنع القرار، وأثقل كاهل الموازنة العامة.
لم تُجرَ انتخابات فلسطينية عامة منذ عام 2006، وتآكلت ثقة المواطنين بالقيادة والمؤسسات العامة بشكل كبير. إضافة إلى ذلك، تم شغل العديد من المناصب الحكومية والأمنية العليا على أساس الولاء السياسي بدلاً من الكفاءة المهنية، مما أدى إلى تضخم الجهاز الحكومي وزيادة الضغط على اقتصاد هش أصلاً.
كما تُدفع رواتب العاملين الأساسيين مثل المعلمين والأطباء والممرضين وأفراد الشرطة بشكل جزئي وغير منتظم منذ سنوات، مما أدى إلى تدهور حاد في جودة وانتظام الخدمات العامة وزيادة فقدان الثقة بالمؤسسات.
يشعر المواطنون بشكل متزايد بأن النظام السياسي لم يعد يعمل لصالحهم، وأنهم بعيدون عن القيادة السياسية وغير قادرين على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم، وذلك بالضرورة يعني أن مطلب التغيير يأتي من الشارع، وليس فقط من الخارج.

لماذا التجديد مهم؟ ولماذا الآن؟
يعد التجديد ضرورياً وعاجلاً لسببين رئيسيين؛ الأول داخلي حيث فقد الشعب الفلسطيني ثقته بمؤسساته والحكومة التي لا تحظى بثقة شعبها لا تستطيع قيادة مشروع وطني أو التفاوض بفعالية من أجل مستقبله. أما السبب الثاني فهو عملي، إذ إن أي محاولة لإعادة توحيد غزة والضفة الغربية تتطلب نظام حكم فلسطيني حديث وشفاف وموثوق قادر على إدارة الأمن وإعادة الإعمار وتقديم الخدمات الأساسية. وقد تم التأكيد على هذه الحاجة في النقاشات الدولية الأخيرة، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشأن غزة.
إن التجديد ليس ترفاً، بل شرط للبقاء، وبدونه سيواجه المشروع الوطني الفلسطيني خطراً يزيد من التهميش في لحظة تتسم بمعاناة كبيرة وتحولات إقليمية عميقة.

المبادئ التوجيهية لبرنامج التجديد
يجب أن يستند أي برنامج للتجديد إلى مبادئ واضحة وعملية تحمي المصلحة العامة وتعزز الوحدة الوطنية، كما ينبغي أن يكون التجديد بقيادة فلسطينية تهتم بالأولويات الوطنية، مع ضمان دعم شعبي واسع، وأن يكون شاملاً وتشاركياً، يضم الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والنساء والشباب.
أي برنامج للتجديد يجب أن يعيد إحياء الحياة الديمقراطية من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وقضاء مستقل ونزيه، وإعلام حر واحترام حرية التعبير مع إعادة بناء الثقة بالمؤسسات من خلال الشفافية والمساءلة.
إضافة إلى ذلك، يتعين على برنامج التجديد وضع الدولة على مسار الاستقرار المالي، من خلال دفع الرواتب كاملة في مواعيدها، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع الفرص الاقتصادية خاصة للشباب والنساء.

إطار التجديد
تتمثل الرؤية في الانتقال من نظام مركب متأثر بالفصائل السياسية إلى نظام دولة حديث قائم على الديمقراطية وسيادة القانون والمساءلة والكفاءة المهنية.
ستبقى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، لكنها لن تكون جزءاً من هيكل الدولة ولن تمول من ميزانية الحكومة، فيما تصبح الإدارة العامة الحوكمة مسؤولية حصرية لمؤسسات الدولة.
يرافق ذلك ضرورة الاتفاق على معالم التجديد من خلال حوار وطني شامل، يحظى بدعم الأمم المتحدة، ويستند إلى أفضل الممارسات الدولية.

مسار التنفيذ: حوار وطني شامل
يشمل الحوار الوطني الشامل الأحزاب السياسية كافة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والنساء، والشباب، والأكاديميين، وممثلين عن مختلف فئات المجتمع. ويمكن الاستعانة بالأمم المتحدة لدعم هذه العملية وضمان النزاهة والمصداقية، كما يمكن الاستناد إلى الخبرات الدولية والاستفادة منها من خلال قيام ممثلين عن حكومات خاضت تجارب مماثلة بمراقبة العملية أو توفير تدريبات تقنية مسبقة للقائمين على الحوار الوطني.
تستغرق هذه الحوارات عادة من ثلاثة إلى ستة أشهر، وتفضي إلى خطة تنفيذية لمدة عام، تبدأ بصياغة دستور جديد وتنتهي بإجراء انتخابات وطنية.

محاور الإصلاح
١-  الإصلاح السياسي وإصلاح نظام الحكم
منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ستخضع بحسب المقترح لعملية إصلاح يتم التوافق عليها في إطار الحوار الوطني. ومن القضايا الجوهرية التي ينبغي بحثها في هذا الحوار هي مسألة الإبقاء على النظام الرئاسي أو الانتقال إلى نظام برلماني.
بشكل أساسي، يجب العودة إلى الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية و العمل على عقدها خلال عام واحد من استكمال الحوار واعتماد دستور جديد. كما يجب تثبيت مواعيد الانتخابات في القانون وحمايتها من التدخلات السياسية، وإقرار يوم الاقتراع عطلة وطنية لتعزيز المشاركة الشعبية.
كما سيتحتم على الأحزاب السياسية الراغبة في المشاركة الالتزام بثلاثة مبادئ أساسية: وجود حكومة واحدة بمرجعية أمنية موحدة تحت سلطة الدولة؛ رفض جميع أشكال العنف؛ واحترام جميع الاتفاقيات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية.
٢- إصلاح العلاقات بين مستويات الحكم
يجب تقريب الحكومة من المواطنين، من خلال تمكين الهيئات المحلية من تولي مسؤوليات أكبر في تقديم الخدمات، بما يشمل التعليم، والشرطة المدنية، والخدمات الاجتماعية، وإدارة المرور.
ولتحقيق ذلك، ينبغي تمكين الهيئات المحلية من الوصول إلى موارد مالية كافية، بما في ذلك الضرائب المحلية وحصة محددة من الإيرادات الوطنية مثل ضريبة القيمة المضافة. ويتم تحديد توزيع الصلاحيات والإيرادات من خلال الحوار الوطني، استنادًا إلى تحليل دقيق وتجارب دولية.
٣- الإصلاح المالي
النموذج المالي الحالي غير قابل للاستدامة، إذ تستنزف الرواتب والمخصصات والتقاعد على الجزء الأكبر من الموازنة. وتشير المقارنات الدولية إلى أن فاتورة الأجور في الحالة الفلسطينية تفوق بكثير ما هو متوقع لاقتصاد بهذا الحجم، مما يتطلب تركيز الإصلاح على خفض الإنفاق المفرط خاصة في القطاع الأمني، حيث أدت الهياكل المتداخلة وتضخم الرتب إلى أعباء مالية كبيرة. إضافة إلى ذلك، ينبغي مواصلة إصلاحات التقاعد والأجور وفق الالتزامات القائمة، بما في ذلك برنامج عام 2024 مع المفوضية الأوروبية.
من المهم أيضاً لتحقيق الإصلاح المالي هو فصل موازنات منظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب السياسية عن موازنة الحكومة التي يتم تمويلها من أموال دافعي الضرائب الفلسطينيين.
إضافة إلى ذلك، يتطلب بروتوكول باريس الذي ينظم الترتيبات الضريبية مع إسرائيل مراجعة شاملة، إذ يسمح النظام القائم بحجز متكرر للإيرادات الفلسطينية دون وجود آلية عادلة وواضحة لتسوية النزاعات، ما يخلق حالة مزمنة من عدم الاستقرار المالي.
٤- الإصلاح الإداري وإصلاح القطاع العام
يجب أن يصبح القطاع العام أكثر كفاءة ومهنية وخضوعًا للمساءلة، ويتطلب ذلك فصلاً واضحًا بين القيادة السياسية والوظائف الإدارية أي أن معظم المؤسسات ينبغي أن تعمل ضمن هيكل حكومي موحد وواضح.
كما يجب تبسيط هياكل الخدمة المدنية، بحيث تعتمد التعيينات والترقيات على الكفاءة والأداء، وليس على العلاقات الشخصية أو الانتماءات الحزبية، وينبغي إسناد قيادة ديوان الموظفين العام إلى شخصية مهنية مرموقة وغير مسيّسة.
٥- الإصلاح القانوني والحريات
يجب أن يعزز الإصلاح استقلال القضاء، وأن يكفل الحماية الكاملة للحريات العامة، بما في ذلك حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي، إضافة إلى ضرورة حماية الإعلام الرقمي ومنظمات المجتمع المدني، وتمكينها من العمل بحرية ضمن إطار قانوني واضح. العديد من هذه الإصلاحات منصوص عليها بالفعل في الاتفاقيات مع الشركاء الدوليين، ويجب استكمالها ضمن إطار زمني محدد.
٦- التحول الاقتصادي
لا يمكن لاقتصاد حديث أن يتطور دون سيطرة أكبر على الحدود، والنظام الضريبي، والوصول إلى الأراضي والموارد، خاصة في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، لذلك يجب أن يكون هناك مسار سياسي يقود عملية الحصول على السيطرة الكاملة على المعابر والحدود بالتوازي مع عملية التنمية الاقتصادية.
كما يتعين على القطاع الخاص قيادة عملية النمو الاقتصادي، فيما يقتصر دور الحكومة على توفير البيئة التمكينية، بما يشمل الاستثمار في البنية التحتية، والطاقة، والمياه، والاتصالات، والتدريب المهني، إلى جانب تبني سياسات جاذبة للاستثمار المحلي والدولي.
٧- التنمية البشرية
تشكل قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية ركائز أساسية في بناء الدولة، بحيث يركز إصلاح التعليم على تعزيز العلوم والتكنولوجيا والتفكير النقدي، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والتاريخ الفلسطيني. كما تتطلب المدارس تحسين البنية التحتية، ويحتاج المعلمون إلى تطوير مهني مستمر، ويمكن تعزيز التعليم العالي من خلال دمج المؤسسات في عدد أقل وأكثر قوة، مع تركيز أكبر على البحث العلمي والأولويات الوطنية.
أما إصلاح القطاع الصحي، فينبغي أن يستهدف إنشاء نظام تأمين صحي وطني موحد يغطي جميع المواطنين عبر مقدمي الخدمات من القطاعين العام والخاص، مع إمكانية أن تكمل شركات التأمين الخاصة ومقدمو الخدمات الصحية الخاصة هذا النظام لتعزيز الجودة وتوسيع الخيارات.
وفيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، فيجب توحيدها ضمن نظام وطني واحد يتسم بالشفافية والعدالة، ويستند إلى معايير استحقاق واضحة، بحيث يتم توجيه الدعم إلى الأسر وفقًا لاحتياجاتها ضمن إطار وطني متماسك.

الفوائد المتوقعة
يساهم هذا المقترح في استعادة شرعية المؤسسات الفلسطينية وتعزيز الثقة بين المواطنين والحكومة، كما يعزز مصداقية السلطة الفلسطينية أمام الشركاء الدوليين، وسوف يؤدي إلى زيادة الدعم السياسي والمالي. كما يمكن أن يسهم في إعادة دمج قطاع غزة ضمن إطار الحكم الفلسطيني، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على المدى المتوسط

الخاتمة
في الشهر المقبل، ستعقد حركة "فتح" مؤتمرها العام الثامن، وبوصفها القوة السياسية الأكبر في فلسطين، والفاعل الأبرز في نظام الحكم، فهي الجهة الوحيدة القادرة على إحداث تغيير حقيقي والحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني. رغم حالة التراجع في الثقة لدى الفلسطينيين بحركة "فتح" وما أحدثته إدارتها للحكم من غياب للشفافية والمحاسبة وانتقال السلطة وتعزيز الديمقراطية، فإن "فتح" كحركة سياسية واجتماعية قادرة على خلق حالة تجمع كل أطياف الشعب الفلسطيني، وذلك لما تتمتع به من وسطية فكرية وقدرة على الانفتاح.
وسيسجل التاريخ ما إذا كانت "فتح"، التي قادت الحركة الوطنية لعقود، ستنهض من جديد لقيادة السفينة الفلسطينية إلى بر الأمان في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً وصعوبة في تاريخنا، أم أنها ستختار الانعزال عن الواقع والشعب وتفشل في ذلك، ليكتب التاريخ أن فتح كانت على رأس القيادة حين اجتاحت العاصفة السفينة وأغرقتها.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق قيادة "فتح" وكل من يشارك في هذا المؤتمر، لوضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، والتحلي بالشجاعة والنزاهة التي تفرضها هذه اللحظة، والتي يستحقها شعبنا الفلسطيني العظيم.
* وزير التخطيط والتعاون الدولي السابق

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

البلديات في فلسطين: هل هي خدمة أم صراع نفوذ؟

لم أدخل المجلس البلدي لأكون شاهدًا على المشهد…
بل لأكون جزءًا من تغييره. أكتب اليوم من موقع مختلف، ليس كمحلل يراقب من بعيد، بل كعضو منتخب يحمل أمانة الناس، ويعرف أن الطريق ليس مفروشًا بالوعود… بل بالتحديات.
السؤال الذي يتردد في الشارع الفلسطيني واضح وصريح: هل البلديات وجدت لخدمة الناس… أم تحولت إلى ساحات صراع نفوذ؟
هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل خلاصة تجربة طويلة عاشها المواطن، ورأى فيها كيف يمكن للخدمة أن تتراجع أمام الحسابات، وكيف يمكن للمصلحة العامة أن تُزاحمها المصالح الضيقة.
الحقيقة التي لا يجب الهروب منها: نعم… في بعض المحطات، تحولت البلديات من مؤسسات خدمة إلى مساحات شدّ وجذب، تتداخل فيها السياسة بالعائلة بالمصالح، ويضيع بينها صوت المواطن البسيط.
لكن الحقيقة الأهم… أن هذا الواقع ليس قدرًا. البلديات وُجدت أولًا وأخيرًا لتكون أقرب مؤسسة للمواطن، المكان الذي تُقاس فيه كرامة الإنسان في تفاصيل يومه: في الماء، في الشارع، في النظافة، في التنظيم، في الاحترام.
ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية. دخولنا إلى المجلس البلدي اليوم لا يجب أن يُفهم كفوز انتخابي، بل كبداية اختبار يومي. اختبار في القدرة على الفصل بين العام والخاص، بين الخدمة والنفوذ، بين القرار المهني والضغط الاجتماعي أو السياسي.
التحديات كبيرة، ولا يمكن إنكارها: موارد محدودة، ضغوط سياسية واجتماعية، توقعات عالية من الناس، وتراكمات سنوات سابقة.
لكن الأخطر من كل ذلك… أن نفشل في إدارة هذه التحديات بعقلية مختلفة.
الناس اليوم لا تريد تبريرًا…بل تريد نتيجة. لا تريد صراعًا داخل المجلس… بل تريد انسجامًا ينعكس على حياتها.
لا تريد أن ترى أعضاء المجلس يتنافسون على النفوذ… بل أن يتنافسوا على تقديم الخدمة الأفضل.
ومن هنا، أقولها بوضوح: نجاح أي مجلس بلدي لا يُقاس بعدد أعضائه، بل بقدرته على العمل كفريق واحد، بوصلة واحدة… عنوانها: المواطن أولًا.
المطلوب اليوم ليس إدارة بلدية تقليدية، بل إدارة واعية، شفافة، جريئة في اتخاذ القرار، قادرة على فتح الأبواب أمام الناس، وقادرة أيضًا على قول “لا” عندما يكون القرار في مصلحة المدينة.
كما أن المسؤولية لا تقع على المجلس وحده. المجتمع شريك في النجاح أو الفشل. حين يدعم الناس القرار الصحيح، ويحاسبون الخطأ، ويفصلون بين النقد والبناء… نكون جميعًا قد بدأنا نؤسس لمرحلة مختلفة.
في واقعنا الفلسطيني، البلدية ليست مجرد مؤسسة خدمات، بل خط تماس يومي مع صمود الناس. كل شارع يُعبد، كل خدمة تُحسن، كل معاملة تُنجز بكرامة… هي جزء من معركة البقاء على هذه الأرض.
لهذا، فإن المعركة الحقيقية داخل البلدية ليست بين أشخاص، بل بين نهجين: نهج الخدمة… ونهج النفوذ.
والقرار اليوم بأيدينا: إما أن نكون على قدر هذه الأمانة، ونعيد للبلدية دورها الطبيعي كمؤسسة تخدم الجميع، أو نسمح بإعادة إنتاج نفس الصراعات التي أنهكت الناس.
أكتب هذا الكلام التزامًا… قبل أن يكون موقفًا. لأن الثقة التي منحنا إياها الناس ليست تفويضًا مفتوحًا… بل مسؤولية تُحاسَب.
وفي النهاية… لن يتذكر الناس من كان الأقوى داخل المجلس، بل سيتذكرون شيئًا واحدًا فقط: من خدمهم بصدق… ومن خذلهم.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

وقف إطلاق النار من جانب واحد


بالنسبة إلى حكومة جرائم الحرب الإسرائيلية، كل اتفاقٍ لوقف إطلاق النار ينطبق فقط على الطرف المقابل. ... التزم حزب الله عشرة شهور بالاتفاق وخرقته إسرائيل عشرة آلاف مرّة، حتى بدأ العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران وانفجرت الحرب مجدّداً. وبعد إعلان وقف إطلاق النار الجديد، واصلت إسرائيل احتلالها وتدميرها وقصفها مئات القرى والبلدات والمدن اللبنانية، وتتواقح بالاحتجاج على أن اللبنانيين يردون على اعتداءاتها بالدفاع عن النفس.
وفي قطاع غزّة، لم يعنِ اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أميركية توقف إسرائيل عن القصف، رغم التزام دقيق به من الجانب الفلسطيني. ومنذ إعلان الاتفاق في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، خرقته إسرائيل أكثر من 2300 مرّة، وأودت بحياة ما يزيد على 820 شهيداً فلسطينياً، وجرحت أكثر من 2280. وخلال ما يسمّى "وقف اطلاق النار" واصلت إسرائيل قصف القطاع بالطائرات والمسيّرات والمدفعية وقذائف الدبابات. وعملت على توسيع المنطقة التي تحتلها، ويسمّونها "المنطقة الصفراء"، التي تتجاوز مساحتها 55% من القطاع، بل استمرّت في هدم كل بناء قائم في تلك المنطقة، منزلاً كان أو مسجداً أو عيادة طبية أو مدرسة أو روضة أطفال. ولم نسمع من الإدارة الأميركية راعية الاتفاق احتجاجاً واحداً على ما تقوم به إسرائيل، بل واصلت إدارة ترامب الصمت عن تسليح إسرائيل خمس مجموعات من العملاء ذوي السوابق الإجرامية، واستمرّت في مطالبتها بنزع ما تبقى من سلاح خفيف بيد الفصائل الفلسطينية، من دون أن تطالب إسرائيل بوقف إطلاق النار أو الانسحاب من قطاع غزّة، أو إنهاء وجود عصابات العملاء.
ولا تسلم الضفة الغربية من اعتداءات لا تتوقف، التي تُسلب أراضيها كل يوم، وتدمر منازلها وبيوتها على يد عصابات الإرهاب الاستيطانية، وجديد جرائمها ارتكاب مجزرة ضد مدرسة للأطفال في المغير، بحماية جيش الاحتلال ومشاركته. وقد وصل عدد شهداء الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر (2023) إلى 1150، وتجاوز عدد الجرحى 11 ألفاً، فيما يتعرّض الأسرى الفلسطينيون للقمع الوحشي والتجويع والتعذيب، وفي بعض الحالات للاغتصاب، وحرمانهم العلاج الطبي، ما أودى بحياة 91 أسيراً فلسطينياً في تلك الفترة وحدها.
واصلت إدارة ترامب الصمت عن تسليح إسرائيل خمس مجموعات من العملاء ذوي السوابق الإجرامية، واستمرّت في مطالبتها بنزع ما تبقى من سلاح خفيف بيد الفصائل الفلسطينية
ما هو وقف إطلاق النار إن لم يكن يعني وقفه من الجانبين؟ وماذا يعني إن لم يشمل وقف الاعتداءات والنهب والقمع والتنكيل؟... منطق حكام إسرائيل المدعوم من حلفائهم أن وقف إطلاق النار ينطبق على الفلسطينيين واللبنانيين، فيما تستمر إسرائيل بالبطش بهم وبحقوقهم، وتستمر باحتلال أراضيهم وسلبهم حقّ تقرير المصير. وهذا المنطق، بكلماتٍ أخرى، محاولة لسلب الفلسطينيين واللبنانيين أي حق في المقاومة، ومحاولة لإلغاء حقهم في مقاومة الظلم والعدوان مهما بلغت شدته.

وتحاول إسرائيل فرض المنطق الإمبريالي نفسه على كل دول المنطقة، وذلك يشمل جميع الدول العربية وتركيا وليس إيران فقط. ... منطق يذكرنا بسلوك الاستعمارين، البريطاني والفرنسي، عندما كان المقاومون يُعدمون شنقاً أو بالرصاص، لأنهم كانوا يطالبون بحرية شعوبهم ويناضلون لتحقيقها.
يمكن أن يقتل جيش الاحتلال آلاف الفلسطينيين واللبنانيين، كما جرى، لكنهم يصابون بالجنون عندما يُقتل إسرائيلي واحد، ويجعلون هذا مبرّراً لارتكاب أبشع المجازر. وإذا جرى التمعّن في جذر هذا الفكر، سيُكتشف أنه امتداد للفكر العنصري الأصولي الذي يصل إلى حدود الفاشية في نفيه واحتقاره للآخرين ولحقهم في الحياة. وجذر هذا المنطق هو أيضاً افتراض أن الطرف المقابل مهزوم وقابل بالهزيمة، وقابل بالتالي للاستسلام والتخلي عن حقوقه المشروعة، بما في هذا حقه في مقاومة الظلم.
الجوهري، الذي لا يفهمه حكام إسرائيل، أن الشعوب رافضة الهزيمة والاستسلام، ومتمسكة بحقوقها الحالية والتاريخية
لا يخلو الأمر بالطبع من وجود يائسين ومحبطين ومهزومين داخلياً، يحاولون تبرير انهزاميّتهم بلوم الضحية وتحميلها مسؤولية الجرائم التي ترتكب ضد شعبهم. ولكن الجوهري، الذي لا يفهمه حكام إسرائيل، أن الشعوب رافضة للهزيمة والاستسلام، ومتمسكة بحقوقها الحالية والتاريخية. ولذلك، أكثر من مائة عام من المؤامرات والقتل والنهب لم تكسر إصرار الشعب الفلسطيني على مواصلة النضال من أجل حقّه في الحرية والحقوق الإنسانية. ولم يؤدّ الاحتلال المتكرّر للأراضي اللبنانية إلا إلى إذكاء نضال الشعب اللبناني ومقاومته التي تنتقل من شكل إلى آخر، وجوهرها واحد، رفض الظلم والتمسّك بالحقوق. لا بل إن ما لا يفهمه المحتلون سر تحوّل قضية فلسطين لتصبح عنواناً للنضال الإنساني في كل العالم. وإلا فكيف نفسّر اندفاع الآلاف من كل انحاء المعمورة من أطباء وفنانين ومثقفين ونشطاء وبرلمانيين للمشاركة في أسطول دعم الصمود وكسر الحصار على غزة، من دون أن يعبأوا بالمخاطر التي تتهددهم.
زرتُ قبل أيام لأداء واجب العزاء جدّ الطفل الشهيد أوس النعسان، وعائلة الشهيد جهاد أبو نعيم في بلدة المغير الصامدة في وجه اعتداءات يومية. خدم والد جهاد قريته بإخلاص في المجلس القروي، وعملت والدته ممرّضة سنوات في عيادة الإغاثة الطبية، كذلك فإن شقيقته أيضاً درست التمريض، وكلتاهما كانت دائماً في المقدّمة في علاج الجرحى والمصابين وتخفيف آلام المرضى. ولم يفعل الشهيد جهاد شيئاً سوى أنه حاول إنقاذ حياة أطفال في مدرسة كانت تتعرّض لإطلاق النار من مستوطن إرهابي إسرائيلي. ... وجدّ الطفل الشهيد أوس فقد ابنه والد أوس قبل سبع سنوات، عندما استشهد برصاص جيش الاحتلال، والجد هو الذي ربى الطفل أوس ابن الـ14 عاماً بعد استشهاد والده، وجهاد أيضاً زوج ابنته. شيخ جليل فقد ابنه، وابن ابنه، وزوج ابنته، وصادر المستوطنون أرضه واقتلعوا، كما قال لي، مئات أشجار الزيتون فيها، وتحمّل الألم بصبر ولم أسمع منه كلمة شكوى أو تذمر، بل فقط كلمات تنمّ عن الإصرار والعزيمة والفخر. رغم مرضه، يؤكّد أنه سيواصل تربية باقي أبناء ابنه الشهيد وبناته ورعايتهم. في عينيه مثل عيني والد جهاد ووالدته، كان الحزن العميق مغلفاً بمظهر يصعب وصفه من الصمود والصلابة الشجاعة.
هذا ما لم يفهمه ولن يفهمه المحتلون الغارقون في أوهامهم التي لن تتحقق أبداً، لأن أصحاب الحق الشرفاء لا يستسلمون.



أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

مجتمع المستقبل المشترك: الشباب العربي والصين يعيدان إحياء روح طريق الحرير في العصر الرقمي

إفصاح: الكاتب مشارك سابق في دورات تدريبية استضافتها الصين عبر وزارة التجارة الصينية، وزار الصين ثلاث مرات بين عامَي 2014 و 2024 ضمن برامج ممولة من الحكومة الصينية. يُقرّ الكاتب بأن هذه التجربة الشخصية تشكّل جزءاً من منظوره في هذا المقال.



في غرفة سكنه الجامعي بجامعة جنوب شرق الصين (Southeast University) بمدينة نانجينغ العاصمة التاريخية القديمة - عاصمة الست سلالات -  التي باتت اليوم مركزاً تكنولوجياً وصناعياً متقدماً، يجلس الشاب اليمني محمد عبد الرقيب على سريره محاطاً بكتب الهندسة و هاتفه الذكي متصفحاً حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي ومنهمكاً في الرد على سيل الرسائل والتعليقات.

قبل سنتين،  حزم محمد حقائبه مغادراً اليمن باتجاه الصين بعد حصوله على منحة الحكومة الصينية ،حينها كان حلمه محصوراً بالحصول على شهادة الهندسة، لم يكن في حسبانه للحظة أن هذه الرحلة ستحوله إلى أحد أبرز الوجوه العربية المؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي من قلب الصين.

محمد ليس طالباً جامعياً عربياً يدرس في الصين فحسب، بل هو أيضاً سفير رقمي ينسج من غرفته الصغيرة و بعفويته الصادقة خيوطاً من الصداقة تربط بين عراقة سبأ وأصالة نانجينغ.

باستخدام هاتفه المحمول، يلتقط محمد لحظات إنسانية عفوية مفعمة بالدفء يتحدث فيها بلغة صينية مع المسنّين الذين ترتسم على وجوههم الضحكات، يقوم بتقديم يد العون للعمال في الأزقة، وينادي تلك المرأة المزارعة بـ"عمتي" والتي هي بدورها تدعوه لتناول الطعام، يشرب الشاي الأخضر مع الأجداد والجدات الجالسين بجانب الطريق، ويشارك في احتفالات عيد الربيع و مهرجان قوارب التنين وغيرها من المناسبات.

مع كل مقطع مصور ينشره محمد على حسابه في TikTok و Instagram، تتلاشى آلاف الكيلومترات الفاصلة بين جبال اليمن وبحر الصين الجنوبي، فاتحة النافذة أمام ملايين الشباب العربي للتعرف على "الصين الحقيقية".


أصل الحكاية

منذ نشأة طريق الحرير قبل 2000 عام، كانت المنطقة العربية إحدى محطاته الرئيسية، لم يكن طريق الحرير مساراً تجارياً يحمل الحرير والتوابل والأحجار الكريمة وغيرها من البضائع فحسب، بل كان فرصة للتلاقي والاخوة والتبادل الثقافي والمعرفي والعلمي وحتى الديني. فعلى سبيل المثال، انتشر الإسلام في الصين عبر طريق الحرير، ومن خلاله  ايضاً انتقلت صناعة الورق والطباعة من الصين إلى العالم العربي، وانتقلت بالمقابل المعرفة الفلكية والطبية العربية إلى الصين، لقد أنتجت صداقة طريق الحرير القديمة إرثا حضارياً وثقافياً ملهماً للإنسانية جمعاء.

اليوم ومع تقدم تكنولوجيا الانرتنت وتوسع قنوات التبادل بين الشعوب، لم تعد العلاقة بين الصين والدول العربية تروى فقط في كتب التاريخ، او في اللقاءات الدبلوماسية والرسمية فحسب، بل باتت تنسج يومياً عبر الاف المنشورات والفيديوهات القصيرة التي يصنعها الشباب عبر منصات ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وتساهم في نقلها شبكة من الاتصالات المتطورة والبنية التحتية الرقمية التي يتم تطوير جزء منها ضمن مبادرة طريق الحرير الرقمي.

وتكشف التحليلات الحديثة للمحتوى الرقمي العربي مشهداً بالغ الدلالة والأهمية: تقارباً متسارعاً وانجذاباً إيجابياً غير مسبوق من قبل الشباب العربي نحو الصين والنموذج التنموي الذي تُمثّله مدفوعاً بسيل من المنشورات والمقاطع القصيرة المليئة بالتجارب الانسانية وفرص التعليم والعمل والتبادل الثقافي والتجاري.


مدخل: كوفيد-19 — عندما تتحول المحنة إلى منحة

لم تكن جائحة كورونا عام 2020 حدثاً عابراً في العلاقات الصينية العربية،بل كانت واحدةً من أهم اللحظات المفصلية التي ساهمت في تغيير صورة الصين في عيون الشباب العربي. ففي الوقت الذي تم فيه تطبيق إجراءات العزل والاغلاق،و تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى الملجأ الوحيد للتواصل والمعرفة، وجد الشباب العربي نفسه أمام مرحلة جديدة من الصراع الدولي بين الصين والغرب، وسيل هائل من الروايات المتضاربة والمتناقضة حول المنشأ الحقيقي للفيروس والمسؤولية عنه واستجابة الدول له وما اكتنف ذلك من غموض.


كانت الدعاية الغربية الممنهجة قد سارعت إلى تحميل الصين المسؤولية المادية والمعنوية وراء انتشار هذا الفيروس الذي جعل العالم يعيش حالة من الرعب الحقيقي، في حملة إعلامية منسقة تم تصوير الصين كـتهديد في أذهان شرائح واسعة من الرأي العام العالمي. بيد أن هذه الحملة وبفعل الدبلوماسية الصينية النشطة أنتجت نتيجةً عكسيةً غير متوقعة في العالم العربي: فبدلاً من أن يقتنع الشباب العربي بهذه الرواية، دفعتهم الريبةُ من الخطاب الغربي المألوف - المشبع بتاريخ التدخل والازدواجية في المعايير-  إلى البحث المستقل والتحقق الذاتي مستفيدين من الحكمة التي تقول "لا تصدق كل ما تسمع"، خاصة بعد أن شاهدوا فاعلية الاستجابة والجهود المباشرة التي بذلتها الصين لمساعدة الدول في جميع أنحاء المنطقة لمكافحة الفيروس والتي جاءت على شكل وفود طبية ومعدات ومستلزمات وأقنعة، ودعم مالي صيني متزايد لمنظمة الصحة العالمية في ظل التخبط والعجز الغربي عن الاستجابة للوباء.

وفي قلب هذا الصراع المحتدم وسيل الاتهامات المتبادلة، برزت شخصيات استثنائية على منصة فيسبوك تصدرت المشهد الإعلامي. كان أبرزها فتاة صينية تتحدث العربية بطلاقة لافتة عرَفت عن نفسها منذ اليوم الأول بـ"عائشة الصينية" والتي باتت اليوم أحد أشهر الوجوه الشبابية الصينية الناطقة بالعربية، كانت "عائشة" تبثّ مباشرةً من بكين في خضم الجائحة، تُقدّم صورةً حيّة للحياة اليومية في المدن الصينية، الإجراءات الوقائية، والاستجابة المؤسسية، وترد بشكل ضمني على السرديات المتداولة و على تساؤلات المشاهدين بأسلوبها البسيط والعفوي. لم يقتصر تأثير هذا النموذج التفاعلي على تفنيد الرواية الغربية فحسب، بل فتح نافذة مشاهدة مباشرة سمحت للشباب العربي بمتابعة الصين من الداخل في لحظتها الأصعب، مما ساهم في تفنيد الأكاذيب. هكذا، كان تأثيرها يفوق بمراحل ما تحقق عبر ساعات من البرامج الوثائقية والتقارير الرسمية والروايات المضللة، لأنها جعلت الصين قريبةً مألوفة في عيون المشاهد العربي، لا عالماً مجهولاً، بل وجوهٌ تتكلم لغته وتحمل همومه وتجيب عن تساؤلاته.

هكذا تحوّل فيروس كوفيد — الذي كان مُفترَضاً أن يُعمّق الهوّة بين الصين والمنطقة العربية— إلى جسر عبور، وانقلب السحر على الساحر . فالأزمة حوّلت الشك في الرواية الغربية إلى دافع للبحث المعمق والمستمر، ومقاطع البث الحي إلى أداة قوة ناعمة فاقت كل توقعات صانعي السياسات. وما جرى في تلك الأشهر العصيبة وضع البذرة الأولى للتحوّل الذي رصدته الاستطلاعات والتحليلات الرقمية في السنوات التالية.


أولاً: — من الصورة النمطية إلى الواقع الرقمي

لطالما حمل الخيال العربي صوراً تقليدية نمطية عن الصين: الدولة البعيدة،  فنون القتال، المصانع والمنتجات منخفضة التكاليف، الاكتظاظ السكاني، و المجتمع المنغلق. بيد أن موجة المحتوى الرقمي الذي ينقل تفاصيل الحياة اليومية الصينية ويعرض مشاهد من الطبيعة الخلابة والبنايات الشاهقة والبنية التحتية المتطورة، والابتكارات التكنولوجية قلبت هذه الصور رأساً على عقب.

فبالاطلاع على منصات التواصل الاجتماعي المتعددة باختلاف محتوياتها، نجد تفاعلاً متصاعداً مع المحتوى المتعلق بالصين سواء المنشورات المكتوبة أو الصور أو مقاطع الفيديو. حيث يبرز المحتوى المتعلق بالسياحة الثقافية والتقدم التكنولوجي كأحد أقوى مكونات هذا المحتوى الرائج.

وتتنوع مصادر إنتاج هذا المحتوى بين افراد او مؤسسات، فعلى الصعيد الفردي تساهم شخصيات عربية تزور الصين لغايات السياحة أو العلاج ، بجانب شخصيات عربية مقيمة في الصين مثل الطلاب والتجار، في إثراء هذا المحتوى ونقل التجارب الشخصية، ويقابل ذلك ايضاً شخصيات صينية تتقن اللغة العربية وتنقل واقع الصين وأحداثها بكل حرفية وتميز.

وعلى صعيد موازٍ وبصورة ممنهجة ومتكاملة، تساهم منظومة إعلامية رسمية صينية ناطقة بالعربية في رفد هذا المحتوى بمواد عالية الجودة  تتصدرها قناة CGTN عربية التابعة لمجموعة التلفزيون الصيني الدولي، ووكالة شينخوا بالعربية التي تضطلع بدور محوري في نشر التقارير المصوّرة والمحتوى الإخباري، و صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني ، فضلاً عن صفحات السفارات الصينية في الدول العربية التي تمزج بين الأحداث الدبلوماسية والموروث الثقافي والإنجازات التنموية. حيث تُغذّي هذه الحسابات مجتمعةً المنصات المختلفة بمحتوى منتظم ومتجدد، مما يضمن لها حضوراً دائماً في الفضاء الرقمي العربي.


ثانياً: القوة الناعمة الرقمية — الدراما والمحتوى كجسور ثقافية

إن أكثر ما يلفت النظر في هذه الموجة الرقمية هو التنوع الهائل في قنواتها. فعلى منصة  TikTok التي يقضي فيها المُستخدِم العربي في السعودية والإمارات ومصر ما يتجاوز 90 دقيقة يومياً وفق تقرير Digital 2024، يبرع صنّاع المحتوى العرب المقيمون في الصين في بناء جسور من الثقة والمعرفة تجاه الصين بأدواتهم البسيطة وكلماتهم الصادقة، حيث يحوّلون تجاربهم اليومية (في الجامعات والاسواق والمطاعم ووسائل النقل) إلى قصص مؤثرة تلامس اهتمامات الشباب العربي وتثير فضوله لاكتشاف هذا البلد عن قرب.

"عنود" صانعة محتوى ومُعلمة لغة صينية من أصل فلسطيني، درست في الصين لمدة 7 سنوات، توثق رحلاتها الى المدن الصينية المختلفة و تشارك مع متابعيها على منصة TikTok  و Instagram مقاطع  قصيرة من الحياة اليومية في الصين تستعرض فيها تفاصيل الحياة الجامعية والبيئة الآمنة، وأنشطة التسوق في الأسواق الشعبية إلى تجربة المواصلات العامة المتقدمة استمراراً باستعراض الاختراعات والمنتجات الغريبة والذكية في الأسواق الصينية وصولاً الى توثيق تجاربها مع الاكل الشعبي الصيني، تحظى "عنود" بمتابعة مئات الآلاف ممن ينجذبون لمحتواها عن الصين سواء اولئك المهتمين بالسفر للصين للدراسة او التجارة او السياحة، او حتى ممن لديهم الفضول المعرفي لاكتشاف هذا البلد، يحصد كل مقطع من هذه المقاطع  مئات الآلاف من المشاهدات والمشاركات وتسجيلات الإعجاب.

"جو حطاب"  صانع محتوى اردني، يعرف برحلاته حول العالم واستكشافه لثقافات وحضارات غريبة ومميزة بأسلوب وثائقي ممتع ، زار "جو" الصين عام 2025 وقام بمشاركة 3 فيديوهات عن هذه الزيارة من خلال قناته في Youtube  وقد حصدت هذه الفيديوهات أكثر من 74 مليون مشاهدة ومئات آلاف تسجيلات الإعجاب.


في الوقت ذاته، شقّ المحتوى الترفيهي الصيني المُترجَم طريقه إلى قلوب المشاهدين العرب. فمسلسلات مثل "الهجرة الى السعادة" و "كل شيء على ما يرام" بعد ترجمتها للعربية حققت شعبية واسعة، لأنها لمست وتراً إنسانياً مشتركاً: تماسك الأسرة، واحترام الأجداد، والسعي نحو حياة أفضل.

أبعد من ذلك، يتجلى الإعجاب العربي بالإنجازات التقنية الصينية في متابعة مستمرة للشركات والابتكارات الصينية التي باتت تكسر الاحتكار الغربي : هواوي في مجال الـ5G، وBYD في السيارات الكهربائية،  Tencent  في مجال الألعاب وأخيراً Qween و DeepSeek في مجال الذكاء الاصطناعي. لقد كانت الأخبار التكنولوجية القادمة من الصين مذهلة وسريعة الإيقاع.

 

ثالثاً: الثقافة واللغة جسراً حضارياً

شهدت السنوات الأخيرة توسعاً لافتاً في انتشار معاهد كونفوشيوس في عواصم ومدن عربية عديدة، من القاهرة إلى الرباط ومن عمّان إلى أبوظبي، لتتحوّل هذه المعاهد - والتي يزيد عددها عن 20 معهداً  موزعة على 13 دولة عربية- من مجرد مراكز لتعليم اللغة إلى فضاءات للتبادل الحضاري الحي، تُقدّم الفلسفة والفنون والأدب الصيني بأسلوب تفاعلي مشوق ومثير للحماس .

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد شهدت السنوات الأخيرة ايضاً تحولاً ملحوظاً في النظم التعليمية العربية تجاه اللغة الصينية، حيث لم يعد تعليمها مجرد مبادرات تجريبية، بل تحول إلى توجه استراتيجي مرتبط بالرؤى الاقتصادية والسياسية طويلة المدى. إذ باتت اللغة الصينية مادةً دراسية معتمدة في عدد متزايد من المدارس الحكومية والخاصة في دول كمصر ،والإمارات والمغرب والسعودية  فيما فتحت جامعات عربية كبرى تجاوز عددها ال 40 جامعة أقساماً مستقلة لتدريس اللغة الصينية وآدابها وترجمتها، مُدركةً أن الماندرين لم تعد لغة ثقافية ترفيهية بل لغة المستقبل.

فقد كانت الإمارات العربية المتحدة أول دولة عربية تدمج اللغة الصينية في المناهج الدراسية، بدءًا من 100 مدرسة في عام 2018. وقد نما هذا العدد ليصل إلى 158 مدرسة و54000 طالباً  اليوم. أما في السعودية فقد وصل عدد المدارس التي تدرس اللغة الصينية عام 2025 الى  174 مدرسة، كما وشهد العام 2025 ابتعاث 100 معلم سعودي إلى الصين لدراسة اللغة الصينية في جامعة بكين للغات والثقافة، والتعاقد مع 171 معلمًا ومعلمة من الصين لتعليم اللغة الصينية في مدارس التعليم العام في المملكة. وتستهدف وزارة التعليم تدريس اللغة الصينية لأكثر من 600 ألف طالب وطالبة في المرحلتين المتوسطة والثانوية بحلول عام 2030.


رابعا: أصوات من الميدان — حين تصبح الرحلة رواية

تبقى أقوى الشهادات تلك التي تنبع من تجربة شخصية ومن قلب واقع معاش.

الباحث في شبكات التواصل الاجتماعي لن يجد صعوبة في العثور على مئات الشهادات الحية التي تعبر عن الاعجاب بالصين، وأبرز تلك الشهادات هي شهادات المشاركين في الدورات التدريبة التي ترعاها الحكومة الصينية ممثلة بوزارة التجارة، حيث تستضيف الصين وبشكل مجاني مئات المشاركين ضمن هذه الدورات كل عام،

فعلى المستوى الشخصي، لقد كنت محظوظاً بأن أتيحت لي الفرصة أن أكون أحد المشاركين في هذه الدورات التدريبية، كانت مشاركتي الاولى في العام 2014 في زيارة استمرت حوالي 40 يوماً، تنقلنا خلالها بين بكين وشنغهاي وشنيانغ، زرنا فيها سور الصين العظيم، والمدينة المحرمة، ومعبد السماء. تذوقنا الأطعمة والأطباق الصينية التقليدية، تدربنا على ممارسة فنون التاي تشي، شاهدنا الأبراج وناطحات السحاب، واحتفلنا بعيد الفطر مع إخواننا المسلمين في مساجد بكين، تعرفنا على كرم الشعب الصيني ومحبته للضيوف ومساعدته للآخرين. لم تكن هذه الرحلة مجرد دورة تدريبية، بل كانت نقطة البداية للتعلق في الصين.

كل من يزور الصين مرة يشعر بالحنين إليها والرغبة الجامحة في زيارتها مراراً وتكراراً، وبدافع هذا الحنين حظيت بفرصة أخرى لزيارة الصين في الأعوام 2017 و 2024، زرنا خلالها منطقة نينغشيا ذاتية الحكم ذات الاغلبية المسلمة، اطلعنا على المشاريع التنموية التي نفذتها الحكومة الصينية في تلك المنطقة لمحاربة الفقر وتحسين واقع السكان ومكافحة التصحر، مثل مشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع البنية التحتية والنقل, ومشاريع التنمية الزراعية المتكاملة كالري الاستصلاح الزراعي، ومشاريع الاقتصاد الرقمي والحوسبة، ومشاريع التعاون الدولي. لقد نقلت هذه المشاريع المنطقة من وضعها التاريخي كإحدى أفقر المناطق في الصين وأقل الأماكن صلاحية للسكن البشري بسبب التحديات الجغرافية والمناخية  إلى واجهة للتنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر محولة تلك الصحاري الى مزارع خضراء مشكلة نموذجاً للاقتصاد الأخضر الرقمي، والمتكامل مع مبادرة "الحزام والطريق" .

في كل مرة ازور فيها الصين ازداد اعجاباً بهذا البلد وازداد تعلقاً بهذا البلد وازداد حنيناً لهذا البلد الذي لا أبالغ إن قلت أنني أمضيت فيه أجمل أيام حياتي.


لم تكن شهادتي حول  الصين هي الوحيدة،  ففي حسابها على شبكة Facebook وصفت الصحفية الفلسطينية "رانيا" التي أمضت 4 شهور في الصين خلال مشاركتها في  الدورة التدريبية التي تنظمها الجمعية العامة للدبلوماسية الصينية للعام 2024:  "كل ما عليك أن تدركه وأنت تتجول بين متاحف الصين وحدائقها ومصانعها ومعارضها أنك في حضرة حضارة زاخرة منذ آلاف السنين، فهناك رغم كل هذه الحداثة التكنولوجية شيء أصيل لا يشعرك بثقل هذه الحداثة على عقلك، فهناك توازن صارخ بين التاريخ وثقافة البلاد وحضارتها وبين هذا الزخم التكنولوجي والصناعي، وهذا ما يميز الصين عن كافة دول الغرب ، بالاضافة إلى أن تجارب بناء الدول وخروجها من ويلاتها وحروبها وكوارثها تمثل بالنموذج الصيني ، الذي يقدم تجربة ملهمة لكل الدول النامية."

أما الرسام اللبناني "نزار داهر" الذي زار الصين 7 مرات خلال 7 سنوات ضمن مشاركته بنشاط "الإحساس بروح الصين"  فقال في مقابلة مع CGTN  بالعربية  أكتوبر / 2022  : "في الصين، قضيت أجمل أيام عمري الفني، واكتشفت عالم اللون الأخضر من أقصى درجات الألوان الحارة الى أقصى درجات الألوان الباردة، أتوقع من الصين الجمال أكثر والمتقن اكثر والتطلع نحو البشرية أكثر".

المحامي الأردني "زيد" و بعد زيارة استمرت لعشرة أيام لجمهورية الصين الشعبية في يناير 2026 فقال في حسابه على منصة Facebook : "الشعب الصيني شعب طيب وبسيط و مثابر وذكي. وهم يرحبون بالضيف ببساطة وبدون تكلف، المدن الصينية مدن نظيفة و منظمة ومخططة، الدولة تهتم بالبيئة والمحافظة عليها والتقدم التكنولوجي هائل وموجود في كل مكان، في عام 1981 كان عدد الفقراء في الصين 800 مليون. الان تم القضاء على الفقر بسبب السياسة الحصيفة للدولة وللحزب الشيوعي. وهذا يمثل قصة من أنجح قصص التنمية الحديثة. الآن لا فقراء في الصين."


خامساً: الصين في مرآة الجيوسياسة — الشريك المثالي

ليس التحول في النظرة إلى الصين مجرد انبهار عاطفي بالحضارة أو الإنجاز، بل هو موقف جيوسياسي مُحكَم البنيان. يُشير المحللون إلى خمسة محاور تُفسّر هذه الشعبية الصاعدة: أولها الموقف الصيني الداعم للقضية الفلسطينية في مجلس الأمن وجهود الوساطة عام 2024. وثانيها نموذج التنمية الاقتصادية الاستثنائي الذي أخرج مئات الملايين من الفقر في عقود قليلة. وثالثها حضور المنتجات الصينية مثل هواتف هواوي وشاومي، وشركات البنية التحتية الصينية في قلب الحياة العربية (في الموانئ والمطارات وسكك الحديد ومحطات للطاقة المتجددة) وما توفره من فرص عمل وتبادل للخبرات . ورابعها خطاب "عدم التدخل" الذي يقدم الصين كشريك يحترم السيادة الوطنية دون شروط سياسية. أما الخامس فهو المحتوى الرقمي المُوجَّه عبر القنوات الصينية الرسمية الناطقة  بالعربية وبرامج التبادلات الثقافية.

وتُجسّد أرقام الاستطلاعات هذه الحقيقة بجلاء. فقد كشف استطلاع ASDA’A BCW  للشباب العربي لعام 2023 — وهو الأوسع من نوعه، إذ يشمل 3,600 شاب وشابة من 18 دولة عربية ، أن 80% من الشباب العربي يرون الصين صديقاً وشريكاً رئيسياً لبلدانهم، متقدمةً على الولايات المتحدة التي جاءت في المرتبة السابعة. ويعكس هذا التحول قراءةً عميقة، تجمع بين المصلحة الاقتصادية والموقف السياسي والبديل الحضاري الذي تقدمه بكين.

وفي تقرير المؤشر العربي (2024-2025) الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي تم تنفيذه من خلال استطلاع ميداني شامل هو الأضخم من نوعه، شمل 15 دولة عربية عبر مقابلات مباشرة مع عينة ضخمة بلغت 40,130 مستجيباً ومستجيبة، لضمان أعلى مستويات الدقة في تمثيل توجهات الشارع العربي، فقد عبر 53% من المستجيبين عن رأي إيجابي تجاه السياسات الصينية، في مقابل %28 وصفوها بأنها سلبية. وكانت نسبة الذين أجابوا بـ "لا أعرف" أو رفضوا الاجابة هي 19%.


و بالاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل المنشورات والتعليقات العربية حول الصين - خاصة الشبابية/السعودية كونها الأكثر نشاطاً -  على منصة X (تويتر سابقا) خلال 2025 نجد أن نظرتهم الى الصين إيجابية جداً بشكل عام، وقد بينت النتائج أن غالبية المنشورات والتفاعلات المأخوذة كعينة من آلاف المنشورات الشائعة ترى في الصين نموذجاً للتنظيم والتقدم والشراكة الاقتصادية، وليست عدواً أو تهديداً.

واستناداً إلى عينة شملت 100 منشور عام باللغة العربية تم جمعها من منصة فيسبوك لعام 2025، تظهر النتائج توجهاً إيجابياً غالباً بنسبة 55% نحو الصين، خاصة في مجالات الاقتصاد والتجارة، السياسة والدبلوماسية، التكنولوجيا والابتكار، والسياحة والثقافة. في حين انحصرت النبرة النقدية في 15% من المنشورات  التي ركزت على قضايا مثل التنافس الجيوسياسي مع الغرب، أو مخاوف من الهيمنة التكنولوجية، أو قضايا حقوقية واجتماعية.

غير أن هذا التحول في جوهره لم يكن وليد الصدفة، بل هو حصيلة رؤية استراتيجية متكاملة وسلسلة من السياسات والإجراءات المُحكَمة التي رسمتها الصين بقيادة الحزب الشيوعي الصيني على مدى عقود. وفي قلب هذه المنظومة يقف الرئيس شي جين بينغ محركاً فكرياً وسياسياً بامتياز؛ إذ تشكّل أفكاره — من مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية — نبراساً هاماً ينير الطريق بين الصين و الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب منهم.

ففي ديسمبر 2022، حضر الرئيس شي جين بينغ القمة الصينية العربية الاولى في الرياض، مُطلقاً "الأعمال الثمانية المشتركة للتعاون العملي بين الصين والدول العربية " ومن بينها تطوير الشباب. ثم جاء انعقاد الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي في بكين. ليُعلن عن إنشاء "المركز الصيني العربي لمبادرة الحضارة العالمية" ومنتدى تطوير الشباب الصيني-العربي  والتحالف الجامعي الصيني-العربي.

إن هذه الخطوات هي تجسيد واضح لرؤيةً مستقبلية قائمة على المنفعة المتبادلة والكسب المشترك والاحترام المتساوي، لا على الوصاية والإملاء. فما يشهده الشباب العربي اليوم من انجذاب نحو الصين ليس سوى الانعكاس الطبيعي لسياسة خارجية مُصمَّمة على أساس الشراكة الاستراتيجية التي تتجاوز الأنماط التقليدية، مشكلة نموذجاً ملهماً لمجتمع المستقبل المشترك للبشرية في العصر الجديد.


وفي ذات السياق جاء قرار الصين في عام 2025 القائم على إعفاء جميع مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الست من تأشيرة الدخول؛ وهو قرار لم يكن مجرد إجراء بيروقراطي، بل كان رسالةً استراتيجية واضحة تُقرأ على أكثر من مستوى: الاقتصادي والسياسي والشعبي في آنٍ واحد. وقد جاءت النتائج فورية ومعبّرة؛ إذ تجاوز عدد مواطني دول الخليج الداخلين إلى الصين خلال العام 2025  150,000 مسافر، مُسجِّلاً ارتفاعاً مذهلاً بلغت نسبته 100.78% مقارنةً بعام 2024. هذا التدفق البشري غيّر طبيعة المشهد: فلم يعد الشباب الخليجي يكتفي بمتابعة الصين عبر شاشاته، بل بات يطأ أرضها بأقدامه، يرى بعينيه ما لم تستطع أي رواية أن تُقنعه بها، ويعود حاملاً رواية شخصية تتحوّل بدورها إلى محتوى رقمي يُشاهده الملايين. هكذا تتحوّل السياسات إلى قناعات، والإجراءات إلى جسور.


سادساً: شينجيانغ — قراءة في سرديات متعددة

لا يمكن لأي قراءة محايدة في هذه العلاقة  أن تتجاوز الملف الأكثر حساسيةً: وضع مسلمي شينجيانغ.

فقد شهدت منطقة "شينجيانغ" في الصين سلسلة من الهجمات الإرهابية المرتبطة بحركات انفصالية متطرفة تسعى لاستقلال منطقة "شينجيانغ" ذاتية الحكم، أدت إلى خسائر بشرية كبيرة على مدار عقود، إذ تشير البيانات الرسمية الصينية إلى حدوث تصاعد ملحوظ في وتيرة هذه العمليات بين عامي 1990 و 2016، حيث وقعت آلاف الهجمات التي أسفرت عن مقتل المئات من المدنيين ورجال الأمن. ومن أبرزها: هجوم محطة قطار كونمينغ في مارس 2014، الذي راح ضحيته 31 قتيلاً وأكثر من 140 مصاباً نتيجة هجوم بالسكاكين، وهجوم سوق أورومتشي في مايو 2014 الذي استهدف سوقاً شعبياً بسيارات مفخخة وأدى إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 90 آخرين. كما سجلت السلطات حوادث أخرى مثل هجوم محطة قطار أورومتشي في أبريل 2014 الذي خلف 3 قتلى و79 مصاباً، العاصمة بكين لم تسلم هي الاخرى من الهجمات الارهابية اذ تم تنفيذ هجوم إرهابي في ميدان تيانانمن في بكين عام 2013 الذي أسفر عن 5 قتلى و40 مصاباً.

على إثر ذلك، وفي رد ضروري لمواجهة التطرف الديني والإرهاب، وللحفاظ على الأمن القومي، قامت الحكومة الصينية بتنفيذ إجراءات امنية صارمة وبرامج لمكافحة التطرف مصحوبةً ببرامج تنمية اقتصادية شاملة رفعت مستوى المعيشة وصانت الهوية الثقافية الأويغورية.

وكعادتها على مدى السنوات الماضية، لم تدخر وسائل الإعلام الغربية الجهد في سبيل تشويه صورة الصين عبر شن هجمات دعائية ممنهجة تستهدف الصين مستخدمة في ذلك العديد من الملفات، حيث كانت قضية المسلمين الصينيين في اقليم شينجيانغ أحد هذه الملفات.

غير أن هذه الادعاءات والحملات المغرضة لم تجد لها آذاناً صاغية في العالم العربي والإسلامي، فقد اتسم الموقف الرسمي العربي والإسلامي من قضية الإيغور في الصين بكونه متحفظاً أو داعماً للصين في معظم الأحيان، وهو ما يتباين بشكل حاد مع المواقف الدولية الغربية،  بل ذهبت العديد من الدول العربية والإسلامية إلى دعم موقف بكين في المحافل الدولية (مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة). حيث رأت الدول العربية أن الإجراءات في شينجيانغ هي تدابير أمنية ضرورية لمواجهة التطرف والانفصال والإرهاب، وليس اضطهاداً دينياً أو عرقياً. كما تمسكت بمبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واعتبرت قضية الإيغور شأناً صينياً داخلياً، وعبرت عن رفضها لاستغلال هذه القضية "كأداة ضغط سياسي" من قبل القوى الغربية.

وللدلالة على هذا الموقف فقد شهدت بكين زيارات ميدانية متعددة لوفود عربية وإسلامية، ولا سيما وفد جامعة الدول العربية في يونيو 2023 الذي ضم 34 عضواً، وجاب أورومتشي وكاشغر ورفض في نهاية زيارته ادعاءات "الإبادة العرقية" رفضاً قاطعاً.

في أواخر أغسطس 2025 ، قاد الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس مجلس المجتمعات المسلمة العالمية، وفداً من علماء وشخصيات دينية من دول مختلفة  إلى منطقة شينجيانغ بشمال غرب الصين، شملت مدن أورومتشي والتاي وكاشغر، حيث كانت هذه زيارته الثالثة للمنطقة، بعد رحلات سابقة في عامي 2019 و2023.   وأكد في مقابلة مع  Global Times أن ما يُروَّج غربياً من روايات عن "الاضطهاد" هو "توظيف سياسي بحت" لا يعكس الواقع الذي عاشه مباشرةً.

وجاء في مقابلته: "زرنا المساجد وصلّينا فيها مع المحليين، وزرنا المعاهد الإسلامية والمؤسسات الدينية. ما رأيناه لا يتطابق مع ما تروّجه وسائل إعلام غربية بعيدة عن الميدان".

الصحفي الفلسطيني علي السنتريسي وفي مقالة نشرها بعد عودته من زيارة شينجيانغ أيضاً في أغسطس  2025  ضمن أعمال  مؤتمر "الشمول الديني ومناهضة التمييز من منظور مبادرة الحضارة العالمية GCI  قال: "كعربي مسلم، لفت انتباهي بشكل خاص العدد الكبير من المساجد والمعابد، والكتابة بالأحرف العربية على اللافتات والمباني والمؤسسات والمتاجر، مما يعكس الاحترام العميق للتنوع الديني والثقافي، إن الاهتمام الكبير الذي يوليه الحزب الشيوعي الصيني لهذه المنطقة الحدودية جعل منها مركز جذب سياحي وتنموي، وسمح بمواجهة التحديات الأمنية والإرهاب الذي ضرب المنطقة سابقًا نتيجة تدخلات خارجية".



 

خاتمة: حين يكتب الشباب العربي روايته الخاصة

في العصر الرقمي الذي لم يعد الإعلام فيه حكراً على الصحفيين و المراسلين والمحررين، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعباً رئيسياً في تشكيل الرأي العام و التوجهات والميول بعد أن كانت الأخبار تُصنع حصراً في غرف التحرير التقليدية وشاشات الفضائيات ومحطات التلفزةٍ.

 وفي ظل ما يشهده العالم من واقع معقد وخطير, يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ، و تحتدم في النزاعات الجيوسياسية ، تواصل الصين التمسك بسياسة الانفتاح على الخارج كخيار استراتيجي أساسي وإظهار مسؤوليتها كقوة رئيسية في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار والتنمية، والتأكيد على الالتزام بمبادئ التعايش السلمي، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون الدولي، فضلاً عن مبدأ الموازنة بين التنمية والأمن.

وفي ذات الوقت يقف الشباب العربي في طليعة التعاون بين الصين والدول العربية في المجالات الثقافية والتجارية والتكنولوجية وغيرها، مشكلين قوة حيوية تدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكلا الطرفين. لقد أعاد الشباب العربي اليوم اكتشاف الصين عبر شاشات صغيرة تحمل قصصاً وأحلاماً كبيرة، مجددين روح طريق الحرير القديم من جديد، حاملين رسالة هذا الطريق التي تخترق الاختلافات في الأيديولوجيات والأنظمة الاجتماعية والثقافات، وتلهم الناس على الاندماج والتطور من خلال التواصل والتبادل والتفاعل المستمر على أساس الثقة المتبادلة والمصير المشترك والمصالح الشاملة للبشرية جمعاء. لقد أدرك الشباب العربي إن السير جنباً إلى جنب مع الصين هو السير جنباً إلى جنب مع الفرص، والإيمان بالصين هو الإيمان بالغد.



أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو: فعلوها مرة ويفعلونها مجدداً

كل أربعاء

دائماً الموسم الانتخابي في إسرائيل يبدأ مبكراً وساخناً.. مازالت هناك ستة أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية للكنيست، لكن الساحة السياسية تشهد حراكًا كثيفًا ما بين تحالفات وانشقاقات يسارًا ويمينًا .. ربما هذا ما يميّز النظام السياسي الإسرائيلي حيث عدم الاستقرار سيد الموقف، فمثلا على مدار تاريخ الدولة العبرية القصير لم يستطع أي حزب الفوز بالأغلبية المطلقة (61 من أصل 120 مقعداً) في الكنيست لتشكيل حكومة  مستقرة، حيث إن تركيبة نظامهم الانتخابي تتيح مجالاً واسعاً لتشكيل أحزاب صغيرة والحصول على مقاعد في الكنيست، ما يسهل عملية الانقسامات المتكررة في الحزب الواحد. وعليه فإن مسألة تشكيل الحكومة تكاد تكون مستحيلة دون عقد ائتلافات مع الأحزاب الصغيرة ، وفي نفس الوقت فإنه يجعل عملية انهيار الحكومة واردة جدا عند الخلاف حول أية نقطة صغيرة.
ولأن هوس إسقاط  بنيامين نتنياهو بات الهدف الأساسي لقادة المعارضة في إسرائيل منذ عقد من الزمان وحتى اليوم فلا خلافات ايديولوجية واضحة أو حتى بدائل لخطط سياسية وأمنية، فإن الحدث الأبرز والأكثر قوة في المشهد هو التحالف الذي حصل بين قطبي المعارضة نفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ويائير لابيد ليشكلوا حزباً واحداً باسم "معاً" . وهو أمر ليس بجديد بين الرجلين. فقد حدث مسبقاً في العام 2022 حين شكل بينيت الحكومة الإسرائيلية  والتي كانت تضم توليفة عجيبة متناقضة لخصوم سياسيين مختلفين في كل شيء عدا هدف واحد هو نفسه سبب التحالف الحالي: اسقاط بنيامين نتنياهو. هذه الحكومة حملت اسباب فشلها منذ اليوم الأول بسبب التناقضات الفكرية الجوهرية بين أقطابها.. العجيب أنّ أبرز أسباب سقوطها هو انسحاب نواب من حزب " بينيت" نفسه وانضمامهم للمعارضة مع نتنياهو.
 الجديد هذه المرة هو تزايد براغماتية "نفتالي بينيت"، حيث يبدو من الواضح أنّ العامين الذين قضاهما بعيداً عن السياسة قد درس فيهما جيدا كيف يمكن تفادى السقوط مرة أخرى أمام رئيسه وحليفه القديم نتنياهو. يعلم بينيت جيدا أنه ليس سهلاً هزيمة ثعلب كنتنياهو استطاع أن يسجل اسمه بين أهم الزعماء الصهاينة قاطبة، فتاريخه السياسي يوازي ربع تاريخ اسرائيل منذ إنشائها المنكوب. خلق نتنياهو حالة سياسية في المجتمع الإسرائيلي من يرفضها أكثر ممّن يقبلها ولكن الجميع لا يجد لها بديلاً.  فهو الزعيم النخبوي الشعبوي المهووس بالإعلام، الذي يخاطب النفسية اليهودية عند جمهور اليسار واليمين، ويعرف كيف يتلاعب بالاوتار التي تمس اللاوعي اليهودي ومجموعة العقد التي يحملها انطلاقاً من مبدأ ارفع من شأن المخاطر لتحافظ على العرش.
يحاول بينيت أن يسد الثغرات أمام الثعلب نتنياهو ويغازل الناخبين من شتى الاتجاهات، فقام بالاعلان عن أربعة ركائز اساسية سيفعلها فور نجاحه في تشكيل الحكومة المقبلة:
أولاً: الحكومة يمينية صهيونية وعليه فلن تضم عربا من الداخل لأنهم ليسوا صهاينة.  
ثانياً: إعادة لهيكلة النظام السياسي الإسرائيلي بحيث يتم تحديد مدة ولاية رئيس الحكومة بثماني سنوات أو ولايتين على أقصى تقدير، لكسب أصوات من لا يريدون نتنياهو الأطول حكماً في تاريخ الدولة القصير.
ثالثاً: تشكيل لجنة تحقيق في أحداث 7 أكتوبر. وهو السلاح الذي يعول عليه في انهاء الحياة السياسية لنتنياهو حيث يسود اعتقاد أن الحكومة الحالية بزعامة نتنياهو تحاول طمس الحقائق وتجنب تكلفة الاسئلة السياسية حول الإخفاقات الأمنية في أحداث 7 أكتوبر وأن تأجيل التحقيق معناه عدم التحقيق أبداً.    
رابعاً قضية التجنيد: وهي القضية المعقدة التي تشعل الازمة الداخلية وتحدث إنقساما في المجتمع الإسرائيلي وتدور بين الاحزاب الدينية " الحريديم" من جهة وباقي الشرائح المجتمعية من جهة أخرى،  فالأولى ترفض التجنيد والخدمة العسكرية من منطلق ضروة تقسيم الأعباء فمن يدرس التوراة ويدعو لليهود ولنصرة إسرائيل -من وجهة نظرها- لا يجوز له أن يتحمل عبئاً إضافياً  ويحارب، فيما يرى الباقي أن هذا تهرب من الخدمة العسكرية يؤدي الى ارهاق جنود الاحتياط ومضاعفة الضغط عليهم وتعرضهم للخطر في الجبهات المشتعلة.  
بينيت يريد الحصول على اصوات الجنود وعائلاتهم أعلن مبدأ "العطاء مقابل الأخذ" بمعنى كل من يتهرب من الخدمة لايحق له الحصول على أيّ امتيازات مالية أو دعم حكومي من ميزانية الدولة. وقد عزز رؤيته دينياً واستشهد بنصوص العهد القديم حيث النبي موسى امر طلاب التوراة بالمشاركة في القتال.  
اللافت أن نتنياهو رد بتهكم على تحالف بينيت/ لابيد بشعار رفعه:  فعلوها مرة ويفعلونها مجدداً، والحقيقة أن لسان حاله يقول فشلوا مرة وسيفشلون مجدداً. نتنياهو يلعب لعبته مرة أُخرى يريد أن يحصر الانتخابات بين فريقين: يمين وطني بقيادته ويسار خائن بقيادة بينيت.

فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بيروت تتحفظ على 'لقاء القمة' مع نتنياهو: ضغوط أمريكية ومخاوف من فتنة داخلية

تتعامل الدوائر الرسمية في بيروت بحذر بالغ وتحفظ واضح مع الطروحات الأمريكية الداعية إلى عقد لقاء مباشر يجمع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية التي ترافق مسار المفاوضات المتعثر برعاية واشنطن، وسط خشية لبنانية من انفجار الانقسامات الداخلية.

وتسعى الإدارة الأمريكية إلى الدفع نحو مفاوضات سياسية وأمنية بوتيرة متسارعة، إلا أن القيادة اللبنانية ترى أن أي لقاء مبكر في ظل استمرار العدوان العسكري واحتلال مناطق واسعة في الجنوب سيكون بمثابة انتحار سياسي. وتؤكد مصادر مطلعة أن التريث هو سيد الموقف حالياً لتجنب منح الاحتلال مكاسب دبلوماسية دون مقابل ملموس على الأرض.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر أن السفير الأمريكي لدى بيروت، ميشال عيسى، حاول الترويج لفكرة عقد لقاء ثلاثي يجمع عون ونتنياهو بحضور الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض. ويهدف هذا المقترح إلى إيجاد مدخل مباشر لإطلاق مفاوضات شاملة، إلا أن الرد اللبناني جاء مشروطاً بإنهاء المظاهر العسكرية العدوانية أولاً.

وكانت السفارة الأمريكية قد ربطت في وقت سابق بين حصول لبنان على ضمانات دولية لسيادته الكاملة وبين عقد هذا اللقاء المباشر. واعتبر الجانب الأمريكي أن مثل هذا الاجتماع قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وحدودية نهائية، بالإضافة إلى تدفق الدعم الإنساني وأموال إعادة الإعمار بضمانة مباشرة من واشنطن.

من جانبه، سارع الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى وضع سقف واضح لهذه الطروحات خلال لقاءاته السياسية في قصر بعبدا، مؤكداً أن الأولوية القصوى هي لوقف الاعتداءات. وأوضح عون أن بلاده ماضية في مسار المفاوضات لعدم وجود خيارات بديلة، لكنه شدد على أن الهدف هو الانسحاب الكامل وإعادة الأسرى وتثبيت الاستقرار.

ويرى مراقبون سياسيون أن المفاوضات لم تنطلق فعلياً بعد، وما جرى حتى الآن لا يتعدى كونه جلسات تحضيرية بين السفراء في واشنطن. وتخشى بيروت من أن يؤدي أي لقاء غير مدروس إلى منح نتنياهو إنجازاً سياسياً مجانياً لم يتمكن من تحقيقه عبر الآلة العسكرية في الميدان الجنوبي.

وتشير التحليلات إلى أن الدولة اللبنانية تتخوف من أن يؤدي القفز نحو لقاءات قمة إلى توترات داخلية خطيرة قد تفتح الباب أمام فتنة أمنية. لذا، تتمسك الحكومة بضرورة أن يكون أي لقاء رفيع المستوى تتويجاً لمسار تفاوضي ناجح يحقق انسحاباً كاملاً، وليس مجرد صورة بروتوكولية تخدم أجندات خارجية.

كما تلتزم بيروت في خطابها الدبلوماسي بالمبادرة العربية للسلام التي أقرت في قمة بيروت عام 2002، والتي تربط التطبيع بالانسحاب الشامل من الأراضي العربية المحتلة. هذا الالتزام يمثل حائط صد أمام الضغوط التي تحاول جر لبنان إلى مسارات منفردة بعيداً عن الثوابت القومية والوطنية المستقرة.

وفي محاولة لإيجاد مخرج دبلوماسي، تُبحث حالياً مقترحات لتفادي اللقاء المباشر عبر عقد اجتماعات ثنائية منفصلة للرئيسين اللبناني والإسرائيلي مع الرئيس الأمريكي. هذا السيناريو يهدف إلى تجنب إحراج الرئيس عون داخلياً والحفاظ على تماسك الجبهة السياسية اللبنانية بانتظار نضوج التفاهمات الأمنية الأولية.

وعلى الصعيد الفني، يجري التحضير لجولة ثالثة من اللقاءات على مستوى السفيرة اللبنانية ندى حمادة والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليت في العاصمة الأمريكية. وتهدف هذه الجولات إلى وضع إطار تقني للمفاوضات المباشرة على مستوى الوفود العسكرية، بعيداً عن الأضواء السياسية الضاغطة التي قد تعرقل المسار.

ميدانياً، تواصل قوات الاحتلال خرق الهدنة المعلنة منذ منتصف أبريل الماضي، حيث تستمر عمليات القصف الدموي وتدمير المنازل في القرى الحدودية. هذا التصعيد الميداني يزيد من تعقيد الموقف اللبناني ويجعل من فكرة الجلوس مع نتنياهو أمراً غير مقبول شعبياً وسياسياً في الوقت الراهن.

وتجد الدولة اللبنانية نفسها أمام خيارات صعبة في ظل اختلال موازين القوى والدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمدنيين. ومع ذلك، يبقى الرهان الأساسي على قدرة المفاوض اللبناني على انتزاع وقف لإطلاق النار دون تقديم تنازلات سياسية تمس بالسيادة الوطنية أو تشرعن الاحتلال.

من جهة أخرى، يبرز موقف حزب الله الرافض بشكل قاطع لأي شكل من أشكال التفاوض المباشر، معتبراً إياه تنازلاً يصب في مصلحة تل أبيب. ورغم هذا الرفض، يبدي الحزب دعماً للمسارات الدبلوماسية التي تقودها الدولة بشرط أن تؤدي إلى وقف العدوان وتطبيق اتفاقات واضحة تحفظ كرامة البلاد.

ختاماً، تؤكد السلطات اللبنانية أن الانفتاح على التفاوض لا يعني بأي حال من الأحوال التوجه نحو التطبيع، بل هو ضرورة لإنهاء الحرب. ويبقى السقف اللبناني ثابتاً بضرورة الفصل بين المسار الأمني التقني وبين الخطوات السياسية الكبرى التي تتطلب إجماعاً وطنياً وظروفاً إقليمية مغايرة تماماً لما هو قائم حالياً.

عربي ودولي

الأربعاء 06 مايو 2026 8:23 صباحًا - بتوقيت القدس

حاملة الطائرات 'جورج بوش' في بحر العرب: ذراع واشنطن لفرض حصار بحري على إيران

أعلنت القيادة المركزية الأميركية عن تحرك عسكري لافت في منطقة بحر العرب، حيث عبرت حاملة الطائرات 'يو إس إس جورج إتش دبليو بوش' المنطقة الاستراتيجية. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي واشنطن لتعزيز تواجدها العسكري وفرض ما تسميه حصاراً بحرياً على إيران، يغطي المساحة الممتدة من خليج عُمان وصولاً إلى مضيق هرمز.

تعتبر هذه الحاملة من أضخم القطع البحرية في الأسطول الأميركي، إذ يبلغ طولها حوالي 330 متراً وتستوعب طاقماً ضخماً يصل إلى 6 آلاف عسكري. كما تحمل على متنها ترسانة جوية متطورة تضم أكثر من 60 طائرة مقاتلة جاهزة لتنفيذ مهام متنوعة في ظروف قتالية مختلفة.

تعتمد الحاملة في تشغيلها على مفاعلين نوويين، مما يمنحها ميزة استراتيجية تتمثل في القدرة على العمل لفترات طويلة جداً دون الحاجة للتزود بالوقود التقليدي. وتندرج السفينة ضمن فئة 'نيميتز' الشهيرة، وهي النسخة العاشرة والأخيرة في هذه الفئة المتطورة التي دخلت الخدمة رسمياً في عام 2009.

منذ أواخر شهر مارس الماضي، كثفت الولايات المتحدة من دفع تعزيزاتها العسكرية نحو الشرق الأوسط لمواجهة التوترات المتزايدة مع طهران. ومع دخول الحاملة 'جورج بوش' حيز التنفيذ الفعلي لمهامها في 23 أبريل، ارتفع عدد حاملات الطائرات الأميركية العاملة في المنطقة إلى ثلاث قطع بحرية كبرى.

تتركز المهمة الأساسية لهذه القوة البحرية في تأمين الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، الذي يعد شريان الحياة لإمدادات الطاقة العالمية. وتهدف واشنطن من خلال هذا الانتشار إلى ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري على الجانب الإيراني ومنع أي تهديدات محتملة لحركة السفن التجارية.

صُممت الحاملة بتقنيات تكنولوجية متقدمة تهدف إلى تقليل بصمتها الرادارية، مما يجعل رصدها أكثر صعوبة مقارنة بالجيل السابق من السفن. كما تمتلك سطح طيران متطوراً يسمح بإقلاع وهبوط أحدث أنواع المقاتلات الأميركية، مما يعزز من قدراتها الهجومية والدفاعية في آن واحد.

تاريخياً، لا يعد هذا التواجد هو الأول للحاملة في المنطقة، حيث سجلت حضوراً بارزاً في عام 2011 ضمن انتشار واسع شمل الأسطولين الخامس والسادس. واستمرت مهامها في ذلك الوقت لنحو سبعة أشهر، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها واشنطن لبحر العرب كمنطقة نفوذ عسكري دائم.

يأتي هذا التحرك العسكري في توقيت حساس تشهد فيه المنطقة صراعاً على توازن القوى والسيطرة البحرية. وتراقب القوى الإقليمية والدولية هذا الانتشار باهتمام بالغ، كونه يمثل تصعيداً في الأدوات العسكرية المستخدمة لفرض الإرادة السياسية في الممرات المائية الحيوية.

اقتصاد

الأربعاء 06 مايو 2026 6:54 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع الدولار وهبوط أسعار النفط وسط مؤشرات على تهدئة بين واشنطن وطهران

سجلت أسواق الصرف العالمية تراجعاً ملحوظاً في قيمة الدولار الأمريكي أمام سلة من العملات الرئيسية خلال تعاملات يوم الأربعاء. جاء هذا الهبوط مدفوعاً بتلميحات رسمية من واشنطن حول قرب التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران، مما خفف من حدة التوترات الجيوسياسية التي كانت تدعم العملة الخضراء كملاذ آمن.

وفي سياق متصل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قرار بوقف عمليات مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بشكل مؤقت، معتبراً أن هذه الخطوة تأتي في ظل تقدم ملموس نحو إبرام اتفاق شامل مع الجانب الإيراني. وقد انعكست هذه التصريحات فوراً على أسواق الطاقة، حيث شهدت العقود الآجلة للنفط تراجعاً حاداً تجاوز الدولارين للبرميل الواحد.

من جانبه، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن الإدارة الأمريكية تمكنت من تحقيق الأهداف المرسومة لحملتها العسكرية، مشدداً على أن بلاده لا تسعى إلى أي تصعيد إضافي في المنطقة. هذه النبرة التهدئة ساهمت في تهدئة مخاوف المستثمرين، مما أدى إلى انخفاض سعر خام غرب تكساس الوسيط ليصل إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل وفقاً لما نقلته مصادر صحفية.

وعلى صعيد العملات الأوروبية، استقر اليورو عند مستوى 1.1714 دولار، بينما حقق الجنيه الإسترليني مكاسب طفيفة ليصل إلى 1.35685 دولار، بزيادة بلغت نحو 0.2 بالمئة لكل منهما. وفي الوقت نفسه، واصل الين الياباني مسار الهبوط مقترباً من مستويات حرجة قد تدفع البنك المركزي في طوكيو للتدخل المباشر لحماية العملة الوطنية من مزيد من الانهيار.

أما في أسواق أوقيانوسيا، فقد انتعش الدولار الأسترالي بنسبة 0.4 بالمئة ليصل إلى 0.7208 دولار، وتبعه الدولار النيوزيلندي بارتفاع قدره 0.3 بالمئة. وتعكس هذه التحركات رغبة المتداولين في العودة إلى العملات المرتبطة بالنمو الاقتصادي والسلع، في ظل تراجع مؤشر الدولار العام بنسبة طفيفة استقرت عند 98.299 نقطة.

ويرى محللون اقتصاديون أن الموقف الأمريكي الحالي يشير بوضوح إلى رغبة في تجنب استئناف العمليات القتالية المباشرة، وهو ما يمنح الأسواق فترة من الاستقرار النسبي. ومع ذلك، حذر خبراء من أن استمرار إغلاق بعض الممرات الملاحية قد يبقي الضغوط التصاعدية على أسعار الطاقة قائمة، مما قد يثير قلق المستثمرين مجدداً في المدى المنظور.

فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 6:23 صباحًا - بتوقيت القدس

فورين بوليسي: خطة ترمب في غزة تواجه طريقاً مسدوداً وحلقة مفرغة من الشلل السياسي

رسمت مجلة "فورين بوليسي" صورة قاتمة لمستقبل قطاع غزة، واصفة الوضع الراهن بأنه مأزق سياسي وأمني كامل يهدد ببقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الدائم. وأشار التحليل الذي نشره الكاتب جون هالتيوانغر إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تنجح حتى الآن في تقديم رؤية واضحة لتجاوز حالة الجمود التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار الهش، مما جعل العملية السياسية تدور في حلقة مفرغة.

وسلط المقال الضوء على الأزمة المتفاقمة التي تواجه خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خاصة بعد تمسك حركة حماس بموقفها الرافض لنزع السلاح قبل تحقيق انسحاب كامل لجيش الاحتلال الإسرائيلي من القطاع. هذا التعارض الجذري في الرؤى أدى إلى شلل تام في تنفيذ بنود الخطة الأمريكية المكونة من 20 نقطة، والتي تم الإعلان عنها في سبتمبر الماضي، مما وضع القطاع أمام حالة جمود خطيرة.

ووفقاً للتحليل، فإن تحدي نزع السلاح تحول إلى العقبة الكأداء التي تمنع أي تقدم ميداني، حيث تسيطر الحركة على أجزاء من القطاع بينما يواصل الاحتلال تواجده في مناطق واسعة أخرى. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى إستراتيجية بديلة للتعامل مع هذا الواقع، لا سيما مع انشغال واشنطن المتزايد بملفات إقليمية أخرى وعلى رأسها التصعيد مع إيران.

من جانبه، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أن جوهر الاتفاق يرتكز بشكل أساسي على تجريد حماس من قدراتها العسكرية، معتبراً إياها القضية المركزية للحل. ورغم محاولات روبيو إشاعة أجواء من التفاؤل عبر الحديث عن وجود مؤشرات واعدة، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى عكس ذلك تماماً، حيث ترفض حماس التخلي عن سلاحها إلا بعد استكمال مراحل الانسحاب الإسرائيلي.

في المقابل، تتبنى الحكومة الإسرائيلية موقفاً متصلباً يرفض أي انسحاب عسكري قبل التأكد من نزع سلاح الفصائل الفلسطينية بشكل كامل، وهو ما يخلق فجوة من انعدام الثقة يصعب جسرها. هذا التناقض الصارخ في الشروط المسبقة جعل من المستحيل الانتقال إلى مراحل متقدمة من التسوية، مما يترك المدنيين في غزة يدفعون ثمن هذا الانسداد السياسي المستمر.

وعززت شيرا إيفرون، المسؤولة في مؤسسة "راند" الأمريكية، هذا الطرح بوصفها للوضع بأنه يتحرك خطوة للأمام مقابل خطوتين للخلف، مشيرة إلى غياب الإرادة الحقيقية لدى الأطراف المعنية. وترى إيفرون المقيمة في تل أبيب أن إسرائيل وحماس وحتى السلطة الفلسطينية لا يسعون فعلياً لنجاح الخطة بقدر ما يحاولون تجنب لوم الفشل وتحميله للطرف الآخر.

وكان من المفترض أن تدخل الخطة مرحلتها الثانية في يناير الماضي، والتي تتضمن تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية والبدء الفعلي في عمليات إعادة الإعمار الواسعة. إلا أن أياً من هذه الأهداف لم يجد طريقه للتنفيذ، حيث لم تبدأ الحكومة عملها ولم تنطلق عجلة الإعمار، رغم تنفيذ بعض الجوانب المحدودة من المرحلة الأولى المتعلقة بتبادل المحتجزين.

ومع استمرار هذا الشلل، تتصاعد التحذيرات الدولية والأممية من إمكانية انهيار الهدنة الهشة وعودة القتال بشكل أوسع وأكثر ضراوة. ويحذر مسؤولون في الأمم المتحدة من أن الفشل في حسم ملف نزع السلاح قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع مجدداً، مما يضع غزة عند مفترق طرق حاسم يهدد بتجدد الصراع الشامل في أي لحظة.

فلسطين

الأربعاء 06 مايو 2026 5:53 صباحًا - بتوقيت القدس

وفاة والدة الناشط البرازيلي تياغو أفيلا خلال اعتقاله لدى سلطات الاحتلال

فقد الناشط البرازيلي البارز تياغو أفيلا والدته، في وقت لا يزال فيه مغيباً خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي، عقب اعتقاله ضمن حملة استهدفت المتضامنين في أسطول الصمود. وأعرب الفريق المتابع لحسابات أفيلا على منصات التواصل الاجتماعي عن صدمته من هذا النبأ الأليم، مشيراً إلى حجم المعاناة النفسية التي ستواجه الناشط عند علمه بالخبر وهو في الأسر. ووجه الفريق نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي لتعزيز التضامن والمطالبة بالإفراج الفوري عن تياغو وزميله سيف أبو كشك لتمكينهما من وداع ذويهم.

وفي سياق الإجراءات القانونية، قررت محكمة تابعة للاحتلال يوم الثلاثاء تمديد احتجاز الناشطين أفيلا وأبو كشك حتى يوم الأحد المقبل، بناءً على طلب الأجهزة الأمنية. وأفاد المركز الحقوقي الموكل بالدفاع عنهما بأن هذا التمديد يأتي في إطار التضييق على النشطاء الدوليين الذين حاولوا الوصول إلى قطاع غزة بحراً. وتواجه هذه الإجراءات انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ترى في الاحتجاز استهدافاً للعمل الإنساني السلمي.

وكانت قوات الاحتلال قد نفذت عملية اعتقال واسعة طالت نحو 175 ناشطاً من جنسيات متعددة يوم الخميس الماضي، أثناء تواجدهم على متن سفن أسطول الصمود. ويهدف الأسطول، الذي يتكون من نحو 20 سفينة، إلى كسر الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة وإيصال المساعدات الإغاثية الضرورية للسكان. وتأتي هذه التحركات الشعبية الدولية في ظل استمرار القيود المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال على دخول المواد الأساسية والطبية إلى القطاع المحاصر.

يُذكر أن عملية اعتراض الأسطول تمت في مياه دولية قبالة جزيرة كريت اليونانية، على مسافة تبعد مئات الكيلومترات عن السواحل الفلسطينية المحتلة. ويمثل هذا الإجراء تصعيداً لافتاً في ملاحقة المتضامنين الدوليين، حيث جرت الاعتقالات في نقطة أبعد بكثير مقارنة بعمليات اعتراض الأساطيل السابقة. وتستمر المطالبات الحقوقية بضرورة حماية النشطاء وضمان سلامتهم، مع التأكيد على حقهم في التعبير عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية ورفض الحصار غير القانوني.

اقتصاد

الأربعاء 06 مايو 2026 5:23 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع أسعار النفط عالمياً عقب تلميحات ترامب باتفاق وشيك مع إيران

سجلت أسواق الطاقة العالمية تراجعاً ملحوظاً في أسعار النفط لليوم الثاني على التوالي خلال تعاملات يوم الأربعاء، وذلك في ظل ترقب المستثمرين لآفاق استئناف تدفق الإمدادات من منطقة الشرق الأوسط. وجاء هذا الهبوط مدفوعاً بتصريحات مفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ألمح فيها إلى إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية تنهي حالة الحرب القائمة مع إيران، مما خفف من مخاوف انقطاع الإمدادات الطويلة.

وعلى صعيد التداولات، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت القياسي تسليم شهر يوليو بنسبة 1.38% لتستقر عند مستوى 108.35 دولار للبرميل، مواصلة بذلك نزيف النقاط بعد خسارة بلغت 4% في الجلسة السابقة. وفي ذات السياق، تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 1.47% ليصل إلى 100.77 دولار للبرميل، وسط حالة من التفاؤل الحذر في الأوساط الاقتصادية الدولية.

وأفادت مصادر بأن الرئيس الأمريكي أعلن بشكل غير متوقع عن تجميد مؤقت لعمليات مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، مبرراً ذلك بوجود تقدم حقيقي في مسار المفاوضات الرامية لإبرام اتفاق شامل. ورغم هذه الإشارات الإيجابية، لم يقدم البيت الأبيض تفاصيل دقيقة حول بنود الاتفاق المرتقب، كما لم يصدر أي تعليق رسمي من الجانب الإيراني حتى اللحظة.

وفي الوقت الذي أبدى فيه ترامب مرونة بشأن حركة الملاحة في المضيق، شدد في الوقت ذاته على أن البحرية الأمريكية ستواصل فرض حصارها المشدد على الموانئ الإيرانية لضمان الالتزام بالمسارات الدبلوماسية. ويعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط والغاز في العالم، وقد شهد اضطرابات واسعة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في أواخر فبراير الماضي.

يُذكر أن أسعار النفط كانت قد بلغت مستويات قياسية الأسبوع الماضي، هي الأعلى منذ عام 2022، نتيجة النقص الحاد في المعروض العالمي الناجم عن إغلاق الممرات المائية الحيوية. ويرى محللون أن أي انفراجة في الملف الإيراني قد تؤدي إلى إعادة التوازن للسوق النفطية، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تفرضها العمليات العسكرية المستمرة وتأثيرها على سلاسل التوريد العالمية.

منوعات

الأربعاء 06 مايو 2026 5:09 صباحًا - بتوقيت القدس

9 توائم يدخلون التاريخ.. أطفال المالية حليمة سيسي يحتفلون بعامهم الخامس

أحيت عائلة من دولة مالي، يوم الإثنين، الذكرى الخامسة لولادة تسعة توائم دفعة واحدة، في واقعة وصفت بأنها الأكثر استثنائية في سجلات الطب الحديث. وقد لفتت هذه المناسبة أنظار العالم مجدداً نحو العائلة التي دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد نجاح جميع الأطفال في البقاء على قيد الحياة.

وتعود تفاصيل هذه القصة التاريخية إلى الرابع من مايو عام 2021، حينما وضعت السيدة حليمة سيسي أطفالها التسعة عبر عملية قيصرية دقيقة. وقد احتضنت عيادة عين بورخا في مدينة الدار البيضاء المغربية هذا الحدث الطبي العالمي، الذي تطلب استنفاراً طبياً كبيراً لضمان سلامة الأم وأجنتها.

ووفقاً لتوثيق موسوعة غينيس للأرقام القياسية، فإن حالة أطفال حليمة سيسي تمثل سابقة تاريخية لم تحدث من قبل في أي مكان حول العالم. إذ لم يسبق أن سُجلت حالة ولادة لتسعة توائم استطاعوا جميعاً تجاوز الساعات والأيام الأولى الحرجة بعد الولادة والوصول إلى مرحلة الطفولة المستقرة.

وبهذا الإنجاز، كسرت العائلة المالية الرقم القياسي السابق الذي كانت تحتفظ به السيدة الأمريكية نادية سليمان، المعروفة بلقب 'أوكتوموم'. وكانت سليمان قد أنجبت ثمانية أطفال في عام 2009، وظل رقمها صامداً لأكثر من عقد من الزمان حتى ظهور حالة التوائم التسعة في المغرب.

وبالنظر إلى الجانب الطبي، فقد وُلد التوائم في الأسبوع الثلاثين فقط من الحمل، وهو ما جعل أوزانهم ضئيلة جداً عند الخروج للحياة. وتراوحت أوزان الرضع في ذلك الوقت بين نصف كيلوغرام وكيلوغرام واحد فقط، مما استوجب وضعهم تحت عناية فائقة ومركزة لفترات طويلة.

اليوم، وبعد مرور خمس سنوات، يظهر الأطفال التسعة في حالة صحية جيدة تعكس حجم الرعاية الطبية والجهد العائلي المبذول. ويحتفل الوالدان، عبد القادر عربي وحليمة سيسي، بهذه المناسبة وسط أجواء من الفرح والامتنان، معتبرين بقاء أبنائهم معجزة حقيقية وتحدياً كبيراً تم تجاوزه بنجاح.

من جانبها، شاركت موسوعة غينيس عبر منصاتها الرسمية مقاطع فيديو حديثة توثق تفاصيل من الحياة اليومية للأطفال التسعة داخل منزلهم. وظهر الصغار وهم يمارسون أنشطتهم المعتادة من لعب وتناول للطعام برفقة والدتهم، التي باتت تُعرف في الأوساط الإعلامية بلقب 'الأم الخارقة'.

كما كشفت اللقطات المصورة عن اندماج التوائم في حياتهم الدراسية، حيث يرتادون الفصول التعليمية جنباً إلى جنب مع أقرانهم. وتؤكد هذه المشاهد تحول هؤلاء الأطفال من حالة طبية حرجة كانت تشغل الأطباء، إلى أطفال طبيعيين يمارسون حياتهم بنمو سليم وتطور مستمر.

عربي ودولي

الأربعاء 06 مايو 2026 4:38 صباحًا - بتوقيت القدس

مصر تستأنف تنفيذ أحكام الإعدام في القضايا السياسية بعد توقف دام 4 سنوات

أفادت مصادر حقوقية بأن السلطات المصرية استأنفت فجر الأحد تنفيذ أحكام الإعدام بحق محكومين في قضايا ذات طابع سياسي، وذلك بعد فترة توقف استمرت لنحو أربع سنوات. وجرى تنفيذ الأحكام داخل سجن برج العرب بمحافظة الإسكندرية، وشملت أربعة معتقلين أدينوا في القضية المعروفة إعلامياً باسم 'أنصار بيت المقدس'.

وذكرت المصادر أن المنفذ بحقهم الحكم هم أحمد عزت محمد، وعويض سلامة عايد، وياسر محمود محمد المزيني، وأنس إبراهيم صبحي فرحات. وقد تواصلت الجهات الأمنية مع عائلات المتوفين لاستلام جثامينهم، وسط حالة من الصدمة في الأوساط الحقوقية التي كانت تأمل في تجميد هذه الأحكام نهائياً.

يأتي هذا التطور في توقيت حساس تشهد فيه الساحة المصرية دعوات متكررة لعقد مصالحة وطنية شاملة وإغلاق ملف المعتقلين السياسيين. ويرى مراقبون أن العودة لمنصة الإعدام تمثل رسالة تصعيدية من النظام الحالي، وتضعف من فرص نجاح المبادرات المطالبة بإنهاء الأزمة السياسية الممتدة منذ أكثر من عقد.

وانتقد حقوقيون بشدة غياب الشفافية في تنفيذ هذه الأحكام، حيث يتم التكتم على المواعيد الرسمية للتنفيذ دون إخطار مسبق للأهالي أو المحامين. وأشار ناشطون إلى أن القانون المصري ينص على حق المحكوم عليه في زيارة استثنائية قبل تنفيذ الحكم، وهو ما لا يتم الالتزام به في القضايا السياسية.

من جانبه، أعرب مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن مخاوفه الجدية بشأن نزاهة المحاكمات التي أفضت إلى هذه الأحكام، مشيراً إلى تقارير توثق انتهاكات في إجراءات التحقيق. وطالب المركز بوقف فوري لكافة الإعدامات المتبقية وفتح تحقيقات مستقلة تضمن معايير العدالة الدولية المتعارف عليها.

وتعود تفاصيل القضية إلى عام 2014، حيث وجهت النيابة للمتهمين تهماً بارتكاب عمليات استهدفت عناصر أمنية، وهو ما نفاه المدانون مراراً أمام المحكمة. وكانت محكمة النقض قد أيدت في نوفمبر 2021 أحكاماً نهائية بإعدام 21 شخصاً في هذه القضية، من بينهم ضباط سابقون في الجيش والشرطة.

وتشير تقارير دولية صادرة عن منظمات مثل 'هيومن رايتس ووتش' إلى أن السلطات المصرية توسعت في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لملاحقة المعارضين السياسيين. وتعتبر هذه المنظمات أن المحاكمات الجماعية تفتقر لأدنى ضمانات الدفاع، وغالباً ما تستند إلى تحريات أمنية مرسلة دون أدلة مادية قاطعة.

وربط محللون بين توقيت تنفيذ هذه الأحكام وبين الحراك السياسي الذي تقوده قوى المعارضة في الخارج، والتي دشنت مؤخراً 'المؤتمر الوطني الأول'. ويهدف هذا الحراك إلى تقديم بدائل سياسية واقتصادية للنظام الحالي، مما قد يكون دفع السلطات لاستخدام 'الحل الأمني' كأداة للردع والضغط السياسي.

وتواجه مصر انتقادات دولية واسعة بسبب تصدرها قوائم الدول الأكثر تنفيذاً لعقوبة الإعدام عالمياً خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2021، احتلت البلاد المركز الثالث عالمياً، مع تسجيل أرقام مرتفعة في تنفيذ العقوبة بحق النساء، مما يضع ملفها الحقوقي تحت مجهر المؤسسات الدولية باستمرار.

ولا يزال خطر الإعدام يهدد مئات المعتقلين الآخرين الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية وباتة من محكمة النقض، بانتظار قرار التنفيذ. ومن أبرز هؤلاء قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، صدرت بحقهم أحكام في قضية 'اعتصام رابعة'، وهو ما يثير قلقاً دولياً من احتمالية وقوع موجة إعدامات جماعية جديدة.

ويرى سياسيون أن النظام المصري يستخدم ملف المحكومين بالإعدام كـ 'ورقة ضغط' في علاقاته الخارجية، سواء مع القوى الإقليمية أو الاتحاد الأوروبي. فمن خلال التلويح بهذا الملف، يسعى النظام للحصول على دعم مالي وسياسي مقابل إظهار قدر من 'المرونة' في ملفات حقوق الإنسان عند الضرورة.

وفي سياق متصل، رصدت مؤسسات حقوقية صدور أكثر من 2500 حكم إعدام منذ يوليو 2013 وحتى منتصف عام 2021، وصفتها بأنها صدرت عن 'محاكم غير طبيعية'. وتؤكد هذه المؤسسات أن استمرار هذا النهج يعمق الانقسام المجتمعي ويزيد من تعقيد أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية في البلاد.

وعلى الصعيد الميداني، تواصل المنظمات الحقوقية إطلاق حملات تحت وسم '#أوقفوا_تنفيذ_الإعدامات' لتسليط الضوء على معاناة أهالي المحكومين. وتطالب هذه الحملات المجتمع الدولي بالتدخل للضغط على القاهرة من أجل استبدال عقوبة الإعدام بعقوبات أخرى تضمن الحق في الحياة وتفتح الباب للمراجعات القانونية.

ختاماً، تبقى عودة تنفيذ الإعدامات مؤشراً على استمرار النهج الأمني في التعامل مع المعارضة، رغم الأزمات الاقتصادية والمالية الطاحنة التي تمر بها مصر. ويظل ملف المعتقلين السياسيين العقبة الأكبر أمام أي محاولة حقيقية للإصلاح السياسي أو الاستقرار المجتمعي المنشود في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.

عربي ودولي

الأربعاء 06 مايو 2026 3:53 صباحًا - بتوقيت القدس

مواجهة 'المسيّرات الرخيصة': واشنطن تلجأ لصواريخ موجهة منخفضة التكلفة بدلاً من الباتريوت

أفرزت المواجهات العسكرية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط تحديات جسيمة أمام أنظمة الدفاع الجوي التابعة للولايات المتحدة وحلفائها، لا سيما في مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة الانتحارية. وقد كشفت التقارير الميدانية عن فجوة اقتصادية وعسكرية مقلقة، حيث تضطر القوات الأمريكية لاستخدام صواريخ دفاعية باهظة الثمن للتصدي لأهداف جوية بدائية الصنع.

ووفقاً لمصادر صحفية دولية، فإن الاعتماد على منظومات مثل 'باتريوت' لم يعد خياراً مستداماً من الناحية المالية، إذ تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد نحو 4 ملايين دولار. وفي المقابل، تعتمد طهران وحلفاؤها على طائرات مسيّرة لا تتجاوز كلفة تصنيعها 25 ألف دولار، مما يخلق حالة من استنزاف الموارد الدفاعية الأمريكية بشكل غير متكافئ.

هذا التفاوت الصارخ دفع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى تسريع البحث عن حلول بديلة تضمن الكفاءة القتالية والاستدامة المالية في آن واحد. وقد اتجهت الأنظار نحو تطوير تقنيات قديمة وإعادة توظيفها لتتناسب مع طبيعة التهديدات الجوية الحديثة والمنخفضة السرعة التي باتت تهيمن على ساحات الصراع.

وضمن هذا التوجه الاستراتيجي، برز 'نظام الأسلحة الدقيقة المتقدمة للقتل' المعروف اختصاراً بـ (APKWS) كحل مثالي لهذه المعضلة. هذا النظام يعتمد في جوهره على تحويل الصواريخ غير الموجهة إلى أسلحة دقيقة قادرة على إصابة أهدافها بدقة متناهية عبر استخدام تقنية التوجيه بالليزر.

وتعود جذور هذا السلاح إلى صاروخ قديم يُعرف باسم 'الفأر الجبار'، وهو صاروخ بسيط استخدمته القوات الأمريكية منذ حقبة الحرب الكورية. وقد خضع هذا الصاروخ لسلسلة من التطويرات عبر العقود، وصولاً إلى نسخة 'هيدرا 70' التي تشكل القاعدة الأساسية للنظام الجديد الموجه.

يتكون النظام المطور من 'طقم توجيه' مبتكر يتم تثبيته بين الرأس الحربي ومحرك الصاروخ، مما يمنحه قدرات مناورة عالية. ويحتوي هذا الطقم على أربعة أجنحة مزودة بمستشعرات بصرية تلتقط شعاع الليزر المنعكس عن الهدف، ويقوم حاسوب داخلي بتعديل المسار بدقة متناهية نحو النقطة المحددة.

وتعد التكلفة المالية هي الميزة الأبرز لهذا السلاح، حيث يُقدر ثمن الصاروخ الواحد بنحو 40 ألف دولار فقط. وهذا الرقم يمثل كسراً بسيطاً من تكلفة الصواريخ الاعتراضية التقليدية، مما يسمح للقوات الأمريكية بالتصدي لمئات المسيرات دون القلق من استنزاف الميزانيات العسكرية الضخمة.

من الناحية التقنية، يبلغ طول الصاروخ بعد إضافة طقم التوجيه نحو ستة أقدام، ويزن حوالي 35 رطلاً، مما يجعله سلاحاً خفيفاً وسهل النقل. وتسمح هذه المواصفات بإطلاقه من منصات متنوعة تشمل الطائرات المقاتلة، والمروحيات الهجومية، وحتى المنصات الأرضية المتنقلة التي توفر حماية مرنة للقواعد العسكرية.

وقد أشارت شركة 'بي إيه إي سيستمز' المصنعة إلى أنها قامت بتسليم نحو 100 ألف طقم توجيه للجيش الأمريكي حتى الآن. كما أكدت الشركة قدرتها على إنتاج 20 ألف وحدة سنوياً، مما يضمن تدفقاً مستمراً لهذا السلاح إلى مناطق التوتر الساخنة التي تشهد نشاطاً مكثفاً للمسيرات.

وبدأت البحرية الأمريكية في استخدام هذه الصواريخ فعلياً منذ عام 2011، لكن مهامها كانت تقتصر في البداية على ضرب الأهداف الأرضية بدقة. ومع تطور التهديدات، تم تحديث الصاروخ بصمامات تقارب تتيح له الانفجار بمجرد الاقتراب من الهدف الجوي، مما يرفع من احتمالية تدمير المسيرات في الجو.

وبحلول عام 2025، دخل هذا السلاح الخدمة بشكل مكثف في منطقة البحر الأحمر، حيث استخدمه سلاح الجو الأمريكي لاعتراض المسيرات التي يطلقها الحوثيون. وأثبتت هذه الصواريخ فاعلية كبيرة في حماية الممرات الملاحية والقواعد العسكرية من الهجمات الجوية منخفضة التكلفة التي كانت تشكل ضغطاً على المنظومات الكبرى.

يمثل هذا التحول في العقيدة العسكرية الأمريكية اعترافاً صريحاً بتغير طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد القوة التدميرية وحدها هي المعيار. فباتت القدرة على توفير حلول دفاعية ذكية ورخيصة الثمن هي المفتاح لمواجهة استراتيجيات 'حرب الاستنزاف' التي تتبعها القوى الإقليمية في المنطقة.

أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 3:53 صباحًا - بتوقيت القدس

المقاومة في النظام الإقليمي الجديد: تحولات القوة وصياغة المشروع الحضاري

تظل المقاومة ركيزة أساسية في المشهد الإقليمي طالما استمرت مبررات وجودها المتمثلة في إكراهات الهيمنة ومحاولات الإخضاع. وفي فلسطين ولبنان، تكتسب هذه المقاومة زخماً متصاعداً لكونها تواجه النموذج الأمريكي الصهيوني، الذي يمثل ذروة الاستعمار الحديث، مستندة إلى ثقافة التحرر والعدالة.

إن المقاومة لا تُختزل في مقاربة جزئية أو عسكرية بحتة، بل هي منظور حضاري شامل يرصد التحولات الكبرى ويقيم الشرعيات. وقد اختارت القوى المقاومة في لبنان معيار الصعود الحضاري كمنهج لتطوير الخطاب والفعل التحرري، بما يضمن سلب العدو أي ادعاء بمشروعية أفعاله الهيمنية.

عندما نتحدث عن البعد الحضاري للمقاومة، فإننا نعني قيمة عليا تنطلق من الواقع المادي لتصل إلى المثال الروحي والإنساني. فهي علم متعدد الطبقات لا ينفصل عن سيرورة الحقائق الموضوعية، وعلى رأسها الحق الأصيل في التحرر من التبعية والاحتلال.

لا يمكن عزل النضال من أجل الأرض والشعب عن التفاعل الإنساني الواسع مع كافة الشعوب المناهضة للظلم. هذه الرؤية الترابطية هي التي نقلت المقاومة من إطارها المحلي إلى جبهة متحدة في المنطقة، مما ساهم في تشكيل أرضية صلبة لجبهة عالمية تتحدى القطبية الواحدة.

لقد أثبتت سنوات المواجهة الأخيرة أن أوهام السلام الأمريكي الإسرائيلي قد تبددت أمام صمود القوى الحية. وانتقلت المقاومة من مرحلة مواجهة التهديد الوجودي إلى مرحلة تثبيت المكانة والتأثير الإقليمي، مما أربك حسابات العدو الاستراتيجية والسياسية بشكل غير مسبوق.

الصمود الأسطوري الذي شهدته المنطقة أحدث هزة في الوعي العالمي، وأدى إلى انطلاق مسار جديد في البناء المعرفي الدولي. هذا التحول دفع العديد من القوى والأنظمة إلى إعادة تقييم تموضعاتها وتوقعاتها في ظل تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المطلقة.

نحن اليوم أمام عالم جديد تتقدم فيه مسوغات المقاومة، مما يفتح آفاقاً وفرصاً لم تكن متاحة في العقود الماضية. وهذا يتطلب هندسة خطاب اتصالي وبناء جسور انتقالية نحو العالم، لصياغة تصورات جديدة لاستقرار المنطقة بعيداً عن الوصاية الخارجية.

الحرب الأمريكية على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، كشفت بوضوح حدود القوة العسكرية التقليدية وتآكل الهيمنة العالمية. لقد سقطت نظرية الردع الكلاسيكية ولم تعد صالحة لزماننا الحالي، حيث أصبحت كلفة الحروب تفوق العوائد المتوقعة لقوى الاستعمار.

انتهى زمن الحسم العسكري وفق التعريفات الأمريكية والإسرائيلية القديمة، ودخلنا مرحلة فرض قواعد اشتباك جديدة تزيد من تقييد العدو. هذا الواقع الجديد يفرض إنتاج أنماط وأساليب صراع تعتمد على استنزاف قدرات الخصم وإفقاده المبادرة الاستراتيجية.

أثبتت أدبيات المقاومة جدارتها في نزع الشرعية عن مفاهيم الهيمنة، وأسست لصعود وعي شعبي يرفض التبعية. المعادلة المقبلة تسير نحو بناء سيادة فعلية وثقافة استقلال حقيقي للدول، بما يضمن حماية المجتمعات من التدخلات الخارجية المستمرة.

يتطلب استقرار المنطقة إعادة نظر شاملة في النظام الإقليمي ليكون بضمانات عربية وإسلامية مشتركة في المقام الأول. إن التكامل بين قوى كبرى مثل مصر وتركيا وباكستان وإيران والسعودية والعراق هو السبيل الوحيد لإنهاء حقبة التفتيت والفتن.

توزيع الأدوار بين هذه الدول المركزية سيؤدي إلى بناء رؤية موحدة قادرة على مواجهة التحديات المشتركة وتجاوز الهواجس التاريخية. حينها فقط، ستحقق قوى المقاومة أبرز أهدافها في حماية الوجود والسيادة واستعادة المكانة الجماعية للإقليم العربي الإسلامي.

لقد فشلت محاولات إقصاء المقاومة التي انتهجتها بعض الأطراف، وتبين أن هذا الإقصاء أدى فقط إلى إضعاف التوازنات الداخلية للدول. واليوم، تحظى المقاومة باهتمام وإعجاب واسع حتى في الأوساط الشعبية الغربية التي بدأت تدرك عدالة القضية.

في الختام إن بناء نظام إقليمي جديد يختلف في قيمه عن إرث 'سايكس بيكو' هو الضرورة التاريخية الراهنة. ومع تعزز مناعة المجتمعات، ستنتقل الأزمة بشكل كامل إلى داخل الكيان الصهيوني، ليصبح الحديث عن سلاح المقاومة جزءاً طبيعياً من منظومة الدفاع السيادي للدول.