أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 3:53 صباحًا - بتوقيت القدس

المقاومة في النظام الإقليمي الجديد: تحولات القوة وصياغة المشروع الحضاري

تظل المقاومة ركيزة أساسية في المشهد الإقليمي طالما استمرت مبررات وجودها المتمثلة في إكراهات الهيمنة ومحاولات الإخضاع. وفي فلسطين ولبنان، تكتسب هذه المقاومة زخماً متصاعداً لكونها تواجه النموذج الأمريكي الصهيوني، الذي يمثل ذروة الاستعمار الحديث، مستندة إلى ثقافة التحرر والعدالة.

إن المقاومة لا تُختزل في مقاربة جزئية أو عسكرية بحتة، بل هي منظور حضاري شامل يرصد التحولات الكبرى ويقيم الشرعيات. وقد اختارت القوى المقاومة في لبنان معيار الصعود الحضاري كمنهج لتطوير الخطاب والفعل التحرري، بما يضمن سلب العدو أي ادعاء بمشروعية أفعاله الهيمنية.

عندما نتحدث عن البعد الحضاري للمقاومة، فإننا نعني قيمة عليا تنطلق من الواقع المادي لتصل إلى المثال الروحي والإنساني. فهي علم متعدد الطبقات لا ينفصل عن سيرورة الحقائق الموضوعية، وعلى رأسها الحق الأصيل في التحرر من التبعية والاحتلال.

لا يمكن عزل النضال من أجل الأرض والشعب عن التفاعل الإنساني الواسع مع كافة الشعوب المناهضة للظلم. هذه الرؤية الترابطية هي التي نقلت المقاومة من إطارها المحلي إلى جبهة متحدة في المنطقة، مما ساهم في تشكيل أرضية صلبة لجبهة عالمية تتحدى القطبية الواحدة.

لقد أثبتت سنوات المواجهة الأخيرة أن أوهام السلام الأمريكي الإسرائيلي قد تبددت أمام صمود القوى الحية. وانتقلت المقاومة من مرحلة مواجهة التهديد الوجودي إلى مرحلة تثبيت المكانة والتأثير الإقليمي، مما أربك حسابات العدو الاستراتيجية والسياسية بشكل غير مسبوق.

الصمود الأسطوري الذي شهدته المنطقة أحدث هزة في الوعي العالمي، وأدى إلى انطلاق مسار جديد في البناء المعرفي الدولي. هذا التحول دفع العديد من القوى والأنظمة إلى إعادة تقييم تموضعاتها وتوقعاتها في ظل تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المطلقة.

نحن اليوم أمام عالم جديد تتقدم فيه مسوغات المقاومة، مما يفتح آفاقاً وفرصاً لم تكن متاحة في العقود الماضية. وهذا يتطلب هندسة خطاب اتصالي وبناء جسور انتقالية نحو العالم، لصياغة تصورات جديدة لاستقرار المنطقة بعيداً عن الوصاية الخارجية.

الحرب الأمريكية على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، كشفت بوضوح حدود القوة العسكرية التقليدية وتآكل الهيمنة العالمية. لقد سقطت نظرية الردع الكلاسيكية ولم تعد صالحة لزماننا الحالي، حيث أصبحت كلفة الحروب تفوق العوائد المتوقعة لقوى الاستعمار.

انتهى زمن الحسم العسكري وفق التعريفات الأمريكية والإسرائيلية القديمة، ودخلنا مرحلة فرض قواعد اشتباك جديدة تزيد من تقييد العدو. هذا الواقع الجديد يفرض إنتاج أنماط وأساليب صراع تعتمد على استنزاف قدرات الخصم وإفقاده المبادرة الاستراتيجية.

أثبتت أدبيات المقاومة جدارتها في نزع الشرعية عن مفاهيم الهيمنة، وأسست لصعود وعي شعبي يرفض التبعية. المعادلة المقبلة تسير نحو بناء سيادة فعلية وثقافة استقلال حقيقي للدول، بما يضمن حماية المجتمعات من التدخلات الخارجية المستمرة.

يتطلب استقرار المنطقة إعادة نظر شاملة في النظام الإقليمي ليكون بضمانات عربية وإسلامية مشتركة في المقام الأول. إن التكامل بين قوى كبرى مثل مصر وتركيا وباكستان وإيران والسعودية والعراق هو السبيل الوحيد لإنهاء حقبة التفتيت والفتن.

توزيع الأدوار بين هذه الدول المركزية سيؤدي إلى بناء رؤية موحدة قادرة على مواجهة التحديات المشتركة وتجاوز الهواجس التاريخية. حينها فقط، ستحقق قوى المقاومة أبرز أهدافها في حماية الوجود والسيادة واستعادة المكانة الجماعية للإقليم العربي الإسلامي.

لقد فشلت محاولات إقصاء المقاومة التي انتهجتها بعض الأطراف، وتبين أن هذا الإقصاء أدى فقط إلى إضعاف التوازنات الداخلية للدول. واليوم، تحظى المقاومة باهتمام وإعجاب واسع حتى في الأوساط الشعبية الغربية التي بدأت تدرك عدالة القضية.

في الختام إن بناء نظام إقليمي جديد يختلف في قيمه عن إرث 'سايكس بيكو' هو الضرورة التاريخية الراهنة. ومع تعزز مناعة المجتمعات، ستنتقل الأزمة بشكل كامل إلى داخل الكيان الصهيوني، ليصبح الحديث عن سلاح المقاومة جزءاً طبيعياً من منظومة الدفاع السيادي للدول.

دلالات

شارك برأيك

المقاومة في النظام الإقليمي الجديد: تحولات القوة وصياغة المشروع الحضاري

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.