أحدثت المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة تحولاً جذرياً في مفاهيم الأمن القومي لدول الخليج العربي، حيث وجدت هذه الدول نفسها في قلب صراع لم تكن طرفاً فيه. وقد أدى اهتزاز الثقة بفعالية المظلة الأمريكية إلى تصاعد القناعة بأن الاعتماد على الهيمنة الإسرائيلية لا يجلب الاستقرار المنشود، بل يفتح أبواباً لمخاطر أمنية واقتصادية غير مسبوقة.
وأفادت مصادر تحليلية بأن الاختبار الحقيقي للضمانات الأمنية جاء مع اندلاع الحرب التي عارضتها الحكومات الخليجية بشدة، حيث سارعت طهران للرد باستهداف منشآت حيوية تشمل مطارات وموانئ ومحطات تحلية مياه. ورغم التدخل الأمريكي لاعتراض بعض الهجمات، إلا أن صورة المنطقة كبيئة آمنة للاستثمار تعرضت لهزة عنيفة أربكت حسابات النمو الاقتصادي.
ولم تقتصر التداعيات على الضربات المباشرة، بل امتدت لتشمل شل حركة الملاحة في مضيق هرمز، مما أدى إلى عرقلة صادرات دول مثل البحرين والكويت وقطر. هذا الضغط الاقتصادي وضع الحكومات الخليجية أمام واقع جديد يتطلب إعادة النظر في الركائز الثلاث التي اعتمدت عليها طوال عقد من الزمن لضمان أمنها واستقرارها.
وترى عواصم المنطقة أن الافتراضات الأمريكية حول دمج الخليج في بنية أمنية تقودها إسرائيل باتت غير مقبولة، خاصة وأن إسرائيل تسعى للحفاظ على تفوق عسكري ساحق يمنحها حرية الحركة عبر الحدود. وأوضحت الحرب أن الطموحات الإسرائيلية تخدم مصالح تل أبيب الخاصة دون اكتراث كافٍ بحسابات الجيران أو استقرارهم الأمني.
ورغم أن اتفاقيات التطبيع كانت تهدف لدمج بعض الدول في شبكة أمنية إقليمية، إلا أن الموقف الخليجي التقليدي ظل مرتبطاً بضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة. وقد أظهرت الأحداث أن المكاسب التكنولوجية والعسكرية التي وعدت بها واشنطن لم تكن كافية لتحصين المنطقة من تداعيات المواجهة المباشرة مع إيران.
وتشير التقارير إلى أن قادة الخليج بات لديهم دليل واضح على عدم تطابق مصالحهم مع الأجندة الإسرائيلية، خاصة بعد دفع المنطقة نحو مواجهة لم تكن ترغب فيها. وبات يسود اعتقاد بأن دول الخليج تُركت وحيدة لتحمل الكلفة الباهظة لحرب استنزاف طويلة، رغم كل محاولات التقارب السابقة مع طهران.
وانقسمت المواقف الخليجية تجاه الأزمة إلى مسارات متباينة، حيث تمسكت سلطنة عمان بنهج ضبط النفس والوساطة رغم تعرض منشآتها لضربات. وفي المقابل، اتجهت الإمارات نحو سياسة أكثر صرامة تجاه طهران مع تعميق التعاون الدفاعي مع واشنطن، بينما اتخذت السعودية والكويت وقطر مواقف وسطية توازن بين التصعيد والهدوء.
الطموح الإسرائيلي لفرض الهيمنة الإقليمية لا يوفر الحماية للخليج، بل يجعله أكثر عرضة للخطر، لأن إسرائيل مستعدة لشن حروب استباقية تخدم مصالحها الخاصة.
وأكدت مصادر أن الضربات الإيرانية دفعت هذه الدول للتفكير بجدية في بناء منظومة أمنية خليجية أكثر استقلالاً تعتمد على القدرات الذاتية. فالمعادلة القديمة القائمة على تبادل الطاقة مقابل الحماية الأمريكية لم تعد مضمونة، خاصة مع تزايد المخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي الاستراتيجي تجاه المنطقة.
ويعود القلق الخليجي من تراجع الدور الأمريكي إلى سنوات طويلة، لكن غياب بديل دولي قادر على توفير البنية الدفاعية الكاملة يجعل الخيارات ضيقة. وتظل الحاجة قائمة لمنظومات التسليح والطيران المتقدمة التي توفرها واشنطن، مما يمنع دول المنطقة من فك الارتباط الأمني بشكل كامل في الوقت الراهن.
وبعد هدوء المعارك، يبرز تحدي التعامل مع المطالب الإيرانية بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وهو ما ترفضه دول الخليج بسبب استمرار التهديدات الإيرانية. وتتجه التوقعات نحو تبني سياسة أكثر صرامة في احتواء النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، مع الحفاظ على قنوات تواصل تمنع الانفجار الشامل.
وفي الوقت ذاته، لا يعني التشدد تجاه إيران ارتماءً في أحضان المخططات الإسرائيلية، حيث ينظر قادة الخليج لنتنياهو بوصفه تهديداً لا يقل خطورة. فالمشاريع الإسرائيلية الرامية لتغيير ميزان القوى ومد خطوط أنابيب عبر الجزيرة العربية لا تبدو مقنعة لدول ترى في إسرائيل مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي.
ويستند هذا التصور الخليجي إلى اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية واستمرار احتلال الأراضي في لبنان وسوريا، فضلاً عن الجرائم المرتكبة في غزة. هذه الوقائع جعلت من إسرائيل شريكاً يصعب الوثوق به لبناء نظام أمني مستقر، وهو ما عبر عنه بوضوح مسؤولون خليجيون في تصريحات علنية مؤخراً.
ودفع هذا الواقع الجديد دول المنطقة نحو تنويع شراكاتها العسكرية والتكنولوجية بعيداً عن الاحتكار الأمريكي، حيث تم إبرام صفقات مع تركيا وباكستان وكوريا الجنوبية. وبدأت المنطقة تنظر إلى بدائل تشمل المسيرات التركية وأنظمة الدفاع الجوي الآسيوية، في محاولة لتقليل الاعتماد الكلي على واشنطن المرتبطة وثيقاً بتل أبيب.
وفي الختام، يبدو أن الاستقلال الأمني الخليجي سيمر عبر بناء بنية دفاعية مشتركة تقوم على تنسيق الرادارات والدفاعات الجوية وتطوير الصناعات المحلية. لقد كشف العام الماضي هشاشة الفرضية التي تربط بين الأمن الإسرائيلي والخليجي، مؤكداً أن الفجوة بين تطلعات العرب ومشروع نتنياهو باتت أوسع من أن تُردم.





شارك برأيك
تحولات الأمن الخليجي: إعادة رسم الخرائط بعيداً عن الرهان على إسرائيل