تتصاعد معاناة الفلسطينيين العائدين إلى أرض الوطن عبر معبر الكرامة (جسر الملك حسين)، حيث تحولت رحلة العودة إلى جحيم حقيقي بفعل الاكتظاظ الشديد والظروف القاسية. وقد تفاعلت الأوساط الشعبية مع تقارير حول سوء الخدمات، مما دفع بوزير الداخلية الأردني مازن الفراية لتنفيذ جولة ميدانية عاين خلالها التحديات التي يواجهها المسافرون في ظل درجات حرارة مرتفعة.
وأوعز الوزير الأردني خلال زيارته بضرورة تحسين الخدمات المقدمة داخل خيام الانتظار وتطوير البنية التحتية للجسر بشكل عاجل. وأكد الفراية أن الجسر يمتلك خصوصية تختلف عن باقي المراكز الحدودية كونه يخضع لإجراءات الجانب الإسرائيلي، مشيراً إلى أن ضغط السفر الحالي يرتبط بمواسم الصيف وعودة المغتربين والطلاب.
من جانبه، توجه وزير الداخلية الفلسطيني زياد هب الريح إلى العاصمة الأردنية عمان لعقد مباحثات طارئة مع نظيره الأردني لبحث سبل التخفيف عن المواطنين. وتهدف هذه اللقاءات إلى تنسيق الجهود الفنية والإدارية لضمان انسياب حركة المسافرين ومنع تكدسهم في القاعات المخصصة للانتظار.
وأوضح الناطق باسم وزارة الداخلية الفلسطينية، محمد التميمي أن الأزمة ناتجة بشكل أساسي عن تقليص الاحتلال لساعات العمل اليومية بشكل حاد. فبعد أن كان المعبر يعمل على مدار الساعة، أصبح يغلق أبوابه عند الساعة الواحدة ظهراً، مما خلق فجوة كبيرة بين أعداد المسافرين والقدرة الاستيعابية المسموح بها.
وأشار التميمي إلى أن المنصة الإلكترونية المخصصة للحجز لا تستوعب سوى 4000 مسافر يومياً، في حين يتجاوز عدد الراغبين في العبور 10 آلاف شخص. هذا التفاوت الكبير أدى إلى بقاء آلاف الفلسطينيين عالقين في الجانب الأردني، غير قادرين على العودة إلى منازلهم في الضفة الغربية.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر رسمية عن تفشي ظواهر سلبية نتيجة الأزمة، من بينها محاولات ابتزاز وطلب رشاوى وصلت في بعض الأحيان إلى 500 دينار أردني مقابل تسهيل المرور. ودعت وزارة الداخلية المواطنين إلى عدم التعاطي مع هذه الابتزازات وإبلاغ الجهات المختصة فوراً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وعلى الصعيد القانوني، أعلن المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص عن تقديم دعوى قضائية أمام المحكمة المركزية الإسرائيلية ضد سلطات الاحتلال. وتطالب الدعوى بإلزام سلطة المطارات الإسرائيلية بزيادة ساعات العمل وتوفير خدمات تليق بكرامة الإنسان، استناداً إلى الاتفاقيات الدولية الموقعة.
ما يحدث على المعبر كارثة يومية تتحول إلى مأساة بحق المواطنين، والحل الجذري يتمثل في زيادة ساعات العمل كحق أساسي في حرية التنقل.
وشدد رئيس الاتحاد العام للصناعات، نصار نصار، على أن القيود المفروضة ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي مساس مباشر بحرية الحركة وحق التنقل. وأكد أن هذه التضييقات تلحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الوطني الفلسطيني وتعرقل حركة الصادرات والواردات عبر المنفذ البري الوحيد.
شعبياً، أطلق نشطاء وحركات مجتمعية دعوات لتغيير اسم المعبر من 'الكرامة' إلى 'جسر العذاب' تعبيراً عن سخطهم من الواقع المرير. ووصف أكاديميون صراخ الأطفال والنساء في طوابير الانتظار بأنه نداء استغاثة يتطلب تدخلاً دولياً لوقف سياسة التنكيل الممنهجة التي يمارسها الاحتلال.
كما انطلقت مبادرات شبابية تحت مسمى 'حراك مقاطعة الجسر'، دعت الفلسطينيين للامتناع عن السفر غير الضروري خلال الأسبوع الجاري. ويهدف الحراك إلى تشكيل ضغط شعبي موحد لرفض سياسات 'الإذلال' والمطالبة بحلول جذرية تضمن كرامة المسافر الفلسطيني.
وتشير التقارير إلى أن مواعيد الحجز عبر المنصة الإلكترونية قد اكتملت تماماً حتى منتصف شهر تموز المقبل، مما دفع الكثيرين لإلغاء رحلاتهم. هذا الانسداد في أفق السفر زاد من حالة الاحتقان الشعبي تجاه الإجراءات المتبعة على جانبي الحدود، وسط مطالبات برقابة صارمة على شركات النقل.
وأكدت مصادر فلسطينية أن المقاربة الرسمية مع الأردن موحدة، وتتركز على ضرورة العودة لنظام العمل المعمول به قبل السابع من أكتوبر 2023. وتعتبر الحكومة الفلسطينية أن حرية التنقل حق أصيل وليس منة، وأن استمرار إغلاق المعبر في وقت مبكر يعد جريمة بحق الإنسانية.
وفي ظل هذه الأجواء، ترأس وزير الداخلية الأردني اجتماعاً موسعاً لكافة الجهات العاملة على الجسر لوضع خطة طوارئ للتعامل مع الاكتظاظ. وتضمنت التعليمات الجديدة ضرورة توفير مظلات إضافية ومرافق صحية لائقة، مع تسريع عمليات التدقيق الأمني لتقليل زمن الانتظار قدر الإمكان.
يبقى الحل الجذري للأزمة مرهوناً بمدى استجابة سلطات الاحتلال للضغوط السياسية والقانونية لفتح المعبر على مدار الساعة. وحتى يتحقق ذلك، يظل الفلسطيني يدفع ثمن الحصار والقيود من كرامته ووقته وماله، في رحلة عودة يفترض أن تكون ميسرة إلى وطنه.





شارك برأيك
أزمة معبر الكرامة تتفاقم: تحركات رسمية فلسطينية أردنية ودعوات شعبية للمقاطعة