تعيش عائلة الهذالين المكونة من 14 فرداً في خربة أم الخير بمنطقة مسافر يطا جنوبي الخليل، واقعاً مأساوياً يتجاوز حدود التصور، حيث باتت أبسط الاحتياجات البشرية اليومية تتطلب رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر. فمنذ ما يقارب ثلاثة أسابيع، يمنع أمر عسكري صادر عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أفراد العائلة من الوصول إلى حمام منزلهم الذي لا يبعد عنهم سوى خطوات قليلة.
هذا الحصار المنزلي جاء عقب تصاعد التوترات مع المستوطنين في المنطقة، مما دفع جيش الاحتلال إلى إعلان المحيط المباشر للمنزل 'منطقة عسكرية مغلقة'. هذا الإجراء الذي يدعي الاحتلال أنه يهدف لفض الاشتباك، تحول في الحقيقة إلى وسيلة لتقييد حركة الفلسطينيين وحرمانهم من استخدام مرافقهم الصحية والخدماتية الأساسية.
وتروي إخلاص الهذالين، البالغة من العمر 42 عاماً أن المعاناة بدأت فعلياً قبل صدور الأمر العسكري الرسمي، حين قام مستوطنون بنصب منزل متنقل 'كرفان' على مسافة لا تتجاوز 100 متر من منزلهم العام الماضي. ومنذ ذلك الحين، بدأ المستوطنون بمضايقة العائلة عبر اقتحام خصوصية الحمام والعبث بنوافذه في محاولة واضحة لدفع السكان الأصليين إلى الرحيل.
ومع تحول المنطقة إلى ثكنة عسكرية، اضطر أفراد العائلة للبحث عن بدائل مهينة لقضاء حاجتهم، حيث يضطرون للتوجه إلى المركز المجتمعي في القرية أو الاستعانة بمرافق الجيران. وتصف إخلاص هذه الحالة بأنها تفوق قدرة البشر على التحمل، مشيرة إلى حجم الإحراج والمشقة التي يواجهها الأطفال والنساء وكبار السن في العائلة يومياً.
الأزمة تفاقمت بشكل حاد مطلع شهر يوليو الجاري، عندما أقدم المستوطنون على نصب أرجوحة في المساحة الفاصلة بين المنزل والحمام، وهو ما اعتبره الأهالي استفزازاً مباشراً يهدف للاستيلاء على الأرض. أدى هذا الفعل إلى وقوع مواجهات بين العائلة والمستوطنين، تدخلت على إثرها قوات الاحتلال لتثبيت الأمر الواقع لصالح المستوطنين عبر الإغلاق العسكري.
من جانبه، زعم جيش الاحتلال في تصريحات لمصادر صحفية أن هذا الإجراء 'مؤقت' ويهدف إلى تفريق الأطراف المعنية ومنع العنف. وادعى الجيش أن جنوده يرصدون بانتظام ما وصفها بأنشطة غير قانونية يقوم بها إسرائيليون ضد الفلسطينيين، إلا أن النتائج على الأرض تظهر أن العقاب الجماعي والقيود فُرضت حصراً على العائلة الفلسطينية.
ولا تتوقف القيود عند حدود الحمام، بل تمتد لتشمل حظيرة الأغنام التي تمثل شريان الحياة الاقتصادي الوحيد لعائلة الهذالين. فبموجب الأمر العسكري، لا يُسمح للعائلة بالوصول إلى مواشيها إلا في أوقات محددة وبتنسيق أمني، وغالباً ما يتم ذلك مرة واحدة كل ثلاثة أو أربعة أيام فقط، مما يهدد حياة القطيع ومصدر رزق العائلة.
الإحراج والمشقة في الذهاب إلى المرحاض تفوق ما يمكنكم تخيله، إنهم يريدون منا أن نغادر أرضنا.
وتشير المشاهدات الميدانية من داخل منزل العائلة إلى رفع المستوطنين للعلم الإسرائيلي فوق حظيرة الأغنام الفلسطينية، في إشارة رمزية واضحة للسيطرة والتهجير القسري. هذا المشهد يعكس حجم التواطؤ بين المنظومة العسكرية والمستوطنين الذين باتوا يتحكمون في تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين في مسافر يطا.
وفي هذا السياق، أكد أحمد الهذالين، عضو مجلس قروي أم الخير أن السكان يبذلون جهوداً قانونية وشعبية للضغط على سلطات الاحتلال لإنهاء هذا الوضع الشاذ. واعتبر الهذالين أن القرار الفعلي في المنطقة أصبح بيد المستوطنين، واصفاً الحكومة الإسرائيلية الحالية بأنها 'حكومة مستوطنين' بامتياز تسعى لتفريغ الأرض من أصحابها.
خلف منزل العائلة مباشرة، تظهر ملامح بؤرة استيطانية جديدة تتشكل بسرعة، حيث تم رصد خمسة منازل متنقلة جديدة موصولة بخطوط كهرباء حديثة. هذا التوسع الاستيطاني المتسارع يوضح أن قضية 'الحمام' ليست مجرد خلاف عابر، بل هي جزء من استراتيجية كبرى لضم المنطقة وتوسيع مستوطنة 'الكرمل' الجاثمة على أراضي المواطنين.
إن المسافة القصيرة التي تفصل أفراد عائلة الهذالين عن مرافقهم الحيوية تحولت بفعل القوة العسكرية إلى حدود دولية لا يمكن تجاوزها. هذا الواقع يجسد سياسة 'الأبرتهايد' التي تمارسها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية، حيث يتمتع المستوطن بحرية الحركة والرفاهية، بينما يُحرم الفلسطيني من الوصول إلى حمام منزله.
وتستمر عائلة الهذالين في صمودها رغم هذه الظروف القاسية، متمسكة بحقها في البقاء فوق أرضها التاريخية في مسافر يطا. وتناشد العائلة المؤسسات الحقوقية والدولية للتدخل الفوري لرفع هذا الحصار الجائر الذي ينتهك أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني والكرامة البشرية.
ويبقى مشهد الأطفال وهم يراقبون حمامهم من بعيد دون القدرة على الوصول إليه، صورة مكثفة لواقع المعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال. إنها قصة صراع على الوجود، حيث تصبح فيه 'الخصوصية' و'النظافة' و'الرزق' أدوات في معركة التهجير التي تقودها حكومة الاحتلال ضد سكان الخرب والقرى النائية.





شارك برأيك
حصار في مسافر يطا: الاحتلال يحرم عائلة فلسطينية من الوصول إلى حمام منزلها