لم يعد المثل الشعبي القائل 'يخلق من الشبه أربعين' مجرد عبارة للمواساة أو التعجب، بل تحول في العصر الرقمي إلى استراتيجية اقتصادية متكاملة. ففي لبنان، برز الشاب محمود عياش الذي يحمل ملامح تطابق المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، ليتحول هذا الشبه المربك إلى مادة ساخرة ومصدر دخل يقرش بالدولار، حيث يضع تسعيرة محددة لظهوره الإعلامي.
هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة، بل هي امتداد لتاريخ طويل كان فيه الشبيه أداة سلطة وخداع. ففي اليابان الإقطاعية، ظهر مفهوم 'الكاغيموشا' أو محارب الظل الذي يحل محل القائد لإرباك الأعداء، بينما شهدت روما القديمة ظهور 'أشباه نيرون' الذين استغلوا حنين الناس وغموض موت الإمبراطور لادعاء أحقيتهم بالعرش.
خلال الحرب العالمية الثانية، تحول الشبه إلى سلاح استخباراتي فتاك ضمن 'عملية كوبرهيد'. حيث استعان البريطانيون بالممثل كليفتون جيمس لتقمص شخصية الجنرال مونتغمري، وخضع لتدريبات قاسية لمحاكاة مشيته وسلوكه بهدف تضليل الجواسيس الألمان وإقناعهم بأن العمليات العسكرية ستتركز في المتوسط بعيداً عن سواحل فرنسا.
وفي سجلات الديكتاتوريات الحديثة، تبرز قصة فيليكس داداييف الذي ادعى لسنوات أنه كان الدوبلير الرسمي لجوزيف ستالين. داداييف، الذي كان فناناً وراقصاً، أكد أنه خضع لعمليات تعديل بالمكياج وزيادة في الوزن ليظهر في المناسبات العامة التي كان يُخشى فيها على حياة الزعيم السوفياتي، وسط سرية تامة فرضها النظام آنذاك.
أما في العراق، فقد ظلت قضية أشباه الرئيس الراحل صدام حسين مادة دسمة للجدل العالمي. فبينما أكد خبراء طب شرعي ألمان وجود فروقات في صور ومقاطع فيديو تشير لثلاثة بدلاء على الأقل، نفى طبيبه الخاص علاء بشير هذه الروايات جملة وتفصيلاً، معتبراً إياها مبالغات تفتقر للأدلة الحاسمة في ظل نظام مغلق.
وبعيداً عن السياسة، تحولت ملامح الثائر تشي غيفارا إلى أيقونة عالمية تجاوزت الجسد لتصبح قالباً جاهزاً للاستنساخ. لم يعد الناس يبحثون عن شبيه حقيقي بقدر ما يبحثون عن الرموز البصرية المرتبطة به، حيث انتصر الرمز على الملامح الأصلية، وصارت القبعة واللحية كافيتين لاستحضار روحه الثورية في الفعاليات السياحية.
وفي الولايات المتحدة، أنجبت شخصية دونالد ترامب صناعة كاملة من الأشباه والمقلدين المحترفين. جون دي دومينيكو، أحد أشهر هؤلاء، حول تقمص شخصية ترامب إلى وظيفة بدوام كامل، مستخدماً الباروكة الشقراء ونبرة الصوت المتضخمة ليظهر في برامج وإعلانات تجارية تدر مبالغ طائلة، مستفيداً من قابلية الشخصية للتداول الإعلامي.
في عصر المنصات الرقمية، لم يعد الوجه قدراً بيولوجياً فحسب، بل تحول إلى مشروع تجاري ومهنة تعيد إنتاج الغياب بأسعار محددة.
العائلات الملكية لم تكن بمنأى عن هذه الظاهرة، حيث بنت جانيت تشارلز مسيرة مهنية امتدت لأربعة عقود كشبيهة للملكة إليزابيث الثانية. والمفارقة أن بعض هؤلاء الأشباه، مثل هايدي آغان شبيهة كايت ميدلتون، وجدوا أنفسهم في قلب نظريات المؤامرة الحديثة، مما يضطرهم أحياناً لنفي وجودهم في أماكن معينة لتبرئة ساحة الشخصيات الأصلية.
وفي عالم الفن، انتقل الشبيه من غرف العمليات الاستخباراتية إلى خشبات المسرح والاحتفالات. وكالات عالمية متخصصة تعرض اليوم خدمات شبيهي إلفيس بريسلي ومايكل جاكسون ومادونا بأسعار محددة، حيث لم تعد المهمة حماية الأصل من الاغتيال، بل حماية الجمهور من الملل عبر تقديم نسخة 'أرخص' وأكثر قرباً من النجم البعيد.
الرياضة أيضاً لها نصيب وافر، حيث تسبب الإيراني رضا برستش بفوضى عارمة في الشوارع بسبب شبهه الكبير بليونيل ميسي. وفي مصر، ظهر أحمد بهاء كنسخة مطابقة لمحمد صلاح، لدرجة أن النجم العالمي التقى به في لقطات شهيرة، مما منح الشبيه شرعية انتشار واسعة حولته إلى وجه إعلاني مطلوب في الفعاليات الكروية.
لكن الشبه قد يكون لعنة قاسية في أحيان كثيرة، خاصة عندما يرتبط بشخصيات مكروهة أو مثيرة للرعب. يروي العراقي لطيف يحيى قصة إجباره على العمل كبديل لعدي صدام حسين، وكيف تحول وجهه إلى قناع قسري لرجل كان يخشاه الجميع، مما يبرز الجانب المظلم من 'الوصمة بالارتباط البصري' التي يدفع ثمنها الأبرياء.
سيميولوجياً، يعتبر الشبيه علامة تمشي على قدمين، فهو يحمل معاني وتاريخ الشخصية الأصلية أينما حل. فظهور شبيه لشخصية عسكرية معادية في بيئة متوترة يستدعي ذاكرة الحرب والتهديد، مما يجعل الضحك الناتج عن رؤيته مزيجاً من الارتباك والخوف، حيث يستحضر الوجه صاحبه حتى في غيابه الجسدي.
من الناحية القانونية، تثير هذه الظاهرة نقاشات حول 'حق الشهرة' ومدى أحقية الشخص في استثمار ملامحه إذا كانت تشبه شخصية عامة. وبينما تنظم القوانين الغربية الاستخدام التجاري للصورة، لا تزال هذه الممارسات في المنطقة العربية تدار بمنطق العرف، وسط تداخل كبير بين السخرية المشروعة والانتحال المضلل.
ختاماً، يثبت عصر المنصات أن الوجه لم يعد قدراً بيولوجياً ثابتاً، بل مادة مرنة قابلة لإعادة الإنتاج والربح. فالشبيه اليوم لا يحتاج إلى اعتراف رسمي بقدر ما يحتاج إلى خوارزمية ذكية، ليتحول من مجرد 'قرين' في الظل إلى نجم مستقل يعيش على صدى شهرة الآخرين وينافسهم في حضورهم الرقمي.





شارك برأيك
اقتصاد الملامح: كيف تحول الشبه من سلاح استخباراتي إلى مهنة تدر الدولارات؟