أقلام وأراء

الإثنين 06 يوليو 2026 4:56 مساءً - بتوقيت القدس

أمريكا في ذكرى تأسيسها: صراع الحلم الإنساني وسطوة الإمبراطورية

تقف الولايات المتحدة اليوم على أعتاب الاحتفال بمرور قرنين ونصف على تأسيس جمهوريتها، وهي الذكرى التي تحمل في طياتها مزيجاً معقداً من المنجزات العلمية والإخفاقات الأخلاقية. فمنذ الرابع من يوليو 1776، قدمت أمريكا للعالم أنجع الأدوية وأفتك الأسلحة في آن واحد، مرسخةً نموذجاً يجمع بين بريق الديمقراطية ووسائل تقويضها عبر التلاعب بالرأي العام.

إن تاريخ القارة الأمريكية ارتبط منذ البداية بصدمة اللقاء مع 'الزائر الثقيل' كريستوف كولومبوس، الذي غيرت رحلته مقادير السكان الأصليين الذين دفعوا وجودهم ثمناً لهذا الاكتشاف. ومنذ ذلك الحين، بدأت شعوب العالم تدفع أثماناً متفاوتة لهذا الوجود الأمريكي، تترجح بين الإعجاب بالنموذج الثقافي وبين كراهية السياسات التوسعية.

يتجلى الجانب المشرق من 'الحلم الأمريكي' في أصوات المبدعين والمناضلين الذين حاولوا استرداد إنسانية الإنسان من براثن المادية؛ أمثال مارتن لوثر كينغ في نشيده 'لدي حلم'، وتوني موريسون التي دونت آلام السود. هؤلاء المبدعون، من رواد موسيقى الجاز إلى أدباء 'جيل البيت'، فضحوا السياسات العنصرية وناصروا حقوق الأقليات المهمشة.

وعلى الرغم من تبجيل الدستور الأمريكي الصادر عام 1789 لحقوق الأفراد، إلا أن الواقع التاريخي يكشف أن تلك الحقوق كانت محصورة في الرجال البيض الملاك. وقد استمر التمييز العرقي والديني طويلاً، ولم تنل النساء حق التصويت إلا في عام 1920، مما يعكس الفجوة الكبيرة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية على الأرض.

شكل القرن العشرين مختبراً عملاقاً لما سمي بـ 'القرن الأمريكي'، حيث تحولت الولايات المتحدة إلى قوة عالمية مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الصعود لم يكن عسكرياً فحسب، بل استند إلى مثلث القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية، في مواجهة ما كان يوصف بـ 'إمبراطورية الشر' الشيوعية.

في الداخل الأمريكي، تركت 'المكارية' جرحاً غائراً في جسد الديمقراطية خلال الخمسينيات، حيث قاد السناتور جوزيف مكارثي حملات ترهيب ضد المثقفين والفنانين. اتهمت هذه الحملة مئات الموظفين والمبدعين في هوليوود بمناصرة الاتحاد السوفياتي، مما خلق مناخاً من الخوف والارتياب استمر لسنوات قبل تدخل المحكمة العليا.

لم تقتصر آثار المكارية على الداخل، بل امتدت لتشمل 'الحديقة الخلفية' في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا عبر سلسلة من الانقلابات والحروب. وتورمت الذاكرة الأمريكية بآلام التدخلات العسكرية في فيتنام وأفغانستان والعراق، وهي الحروب التي واجهت معارضة شرسة من داخل المجتمع الأمريكي نفسه.

شهدت الجامعات الأمريكية صدامات دموية، مثل مجزرة جامعة كينت عام 1970، تعبيراً عن رفض الانخراط في حرب فيتنام. هذا الحراك الشعبي أكد وجود فجوة عميقة بين توجهات الإدارة في واشنطن وبين ضمير فئات واسعة من الشعب الأمريكي التي رفضت أن تُشن الحروب باسمها.

خلال حربي أفغانستان والعراق، برزت حملة 'ليس باسمنا' كصوت أخلاقي يرفض منطق 'من ليس معنا فهو ضدنا' الذي روجت له إدارة بوش. حشدت هذه الحملة مئات الآلاف من النخب والمواطنين العاديين، مؤكدة على رفض السياسات التي تستخدم القوة العسكرية لفرض النفوذ تحت غطاء الأمن القومي.

تظل أمريكا ذلك 'الحلم المخاتل' الذي يراود الأجيال في الشرق والغرب، حيث يختلط فيها بريق هوليوود بسموم التلاعب بالعقول. إنها الدولة التي علمت مريديها الحب بطريقتين متناقضتين؛ فمنهم من استلهم منها القسوة والتعالي، ومنهم من استمد القدرة على المقاومة والبقاء.

في عالم الفن، فتح مبدعون مثل لويس أرمسترونغ ومايكل موور ذاكرة الجرح الأمريكي على مصراعيها، منتقدين جلافة المؤسسة السياسية. هؤلاء الهجّاءون والسينمائيون لم يسفهوا التجربة الأمريكية، بل حاولوا حماية 'الحلم' من المصادرة من قبل مجتمعات الاستهلاك والسيطرة.

إن التناقض الأمريكي يظهر بوضوح في تقديم 'أنجع الأدوية وأفتك الأسلحة' للعالم، وهو تناقض يعكس صراع الهوية بين الدولة كقوة إمبراطورية وبين المجتمع كحاضنة للإبداع. هذا الالتباس المدوخ يجعل العالم في حالة تردد دائم بين الانجذاب للنموذج الأمريكي وبين النفور من ممارساته السياسية.

يبقى نشيد بوب مارلي 'انهض وقاوم' ونحيب بوب ديلان 'أنا فقط أنزف' تعبيراً عن الحالة الإنسانية التي تصارع داخل الماكينة الأمريكية. إنها رحلة مستمرة للبحث عن العدالة التي وعد بها الدستور الأول، والتي لا تزال تواجه تحديات 'سياسات حافة الهاوية' في أروقة واشنطن.

في الختام، يظل الاحتفال بذكرى التأسيس فرصة لمراجعة هذا الإرث الثقيل، حيث تتداخل كشوفات العلم مع انكشافات الأخلاق. أمريكا اليوم ليست مجرد جغرافيا، بل هي مختبر دائم للصراع بين قيم الحرية وبين نزعات الهيمنة التي لم تتوقف منذ رحلة كولومبوس الأولى.

دلالات

شارك برأيك

أمريكا في ذكرى تأسيسها: صراع الحلم الإنساني وسطوة الإمبراطورية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.