فقدت الساحة الفنية العربية والمصرية، اليوم الأربعاء، واحداً من أبرز أعمدتها المثقفة برحيل الفنان القدير عبدالعزيز مخيون. وقد فارق الفنان الحياة في مطلع الثمانينيات من عمره إثر تدهور حالته الصحية نتيجة متاعب حادة في الجهاز التنفسي، وذلك بعد أشهر قليلة من خضوعه لجراحة دقيقة في المخ.
واختار أبناء الراحل تشييع جثمانه من مسقط رأسه في مدينة أبو حمص بمحافظة البحيرة، في خطوة تعكس ارتباطه الوثيق بجذوره الريفية. وكان مخيون قد آثر في سنواته الأخيرة الابتعاد عن صخب العاصمة القاهرة، مكتفياً بالتواجد فيها خلال فترات التصوير فقط، ليعود سريعاً إلى بيئته التي استمد منها هدوءه وثقافته.
تمتد المسيرة المهنية للراحل لأكثر من 60 عاماً، قدم خلالها ما يقارب 200 عمل توزعت بين السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون. ولم يكن مخيون مجرد ممثل يؤدي أدواراً عابرة، بل كان فناناً صاحب موقف، يختار أعماله بعناية فائقة لتعبر عن قضايا المجتمع وهموم المواطن البسيط.
في الدراما التلفزيونية، حفر مخيون اسمه بأحرف من ذهب من خلال شخصيات أيقونية مثل 'طه السماحي' في ملحمة 'ليالي الحلمية'. كما تألق في التعاون مع الكاتب أسامة أنور عكاشة في أعمال خالدة مثل 'الشهد والدموع' و'زيزينيا' و'أنا وأنت وبابا في المشمش' الذي جسد فيه دور الصحافي المحارب للفساد.
وعلى شاشة السينما، كان مخيون جزءاً من كلاسيكيات السينما المصرية، حيث شارك في فيلم 'الكرنك' الذي انتقد الحقبة الأمنية بجرأة. كما تعاون مع المخرج العالمي يوسف شاهين في فيلمي 'إسكندرية ليه' و'حدوتة مصرية'، مما عزز مكانته كفنان يمتلك أدوات عالمية وقدرة على تجسيد الشخصيات المركبة.
لم ينفصل النشاط الفني لمخيون عن اهتماماته السياسية، إذ كان عضواً بارزاً في حزب التجمع اليساري وأحد مؤسسي حركة 'كفاية' المعارضة. وقد دفع ضريبة مواقفه السياسية في مراحل مختلفة من حياته، مؤكداً دائماً أن دور الفنان يتجاوز حدود الشاشة ليصل إلى المشاركة الفاعلة في التغيير المجتمعي.
تميز الراحل بقدرة استثنائية على التقمص، وهو ما ظهر جلياً في تجسيده لشخصية الموسيقار محمد عبدالوهاب في ثلاثة أعمال درامية مختلفة دون تكرار. كما برع في تقديم الشخصيات التاريخية والدينية بفضل إتقانه الشديد للغة العربية ومخارج الحروف، كما في مسلسلي 'عمر' و'سقوط الخلافة'.
الفنان يجب ألا يكون بوقاً لأحد، وعليه دائماً أن يدافع عن قناعاته الشخصية والوطنية.
وفي سنواته الأخيرة، أثبت مخيون قدرته على التلون الدرامي بتجسيد شخصيات متناقضة تماماً، مثل دور المرشد في مسلسل 'الجماعة' و'الاختيار 3'. ورغم دقة وضعه الصحي مطلع هذا العام، إلا أنه أصر على التواجد في موسم رمضان الماضي عبر مسلسلي 'سوا سوا' و'أفراح'، مقدماً أداءً رفيعاً كعادته.
تعرض الفنان الراحل خلال مسيرته لأزمات إنسانية وشخصية قاسية، كان أبرزها محاولة اغتياله في عام 2005 التي ربطها بنشاطه السياسي المعارض. كما واجه اختباراً عائلياً صعباً في العام الماضي، لكنه ظل محتفظاً بوقاره ونزاهته التي جعلت الجمهور يتعاطف معه في كل المحن التي ألمت به.
كان مخيون يؤمن بضرورة المراجعة الفكرية، حيث صرح في لقاءات سابقة بندمه على الاعتذار عن بعض الأعمال الهامة مثل مسلسل 'العائلة'. هذا النقد الذاتي عكس عقلية المثقف الذي لا يتوقف عن التعلم وتقييم مساره المهني والإنساني، مما جعله نموذجاً يحتذى به للأجيال الشابة في الوسط الفني.
تنوعت أدوار مخيون لتشمل عوالم مختلفة، من الصعيد في 'شيخ العرب همام' إلى عوالم الميتافيزيقا في 'المداح' و'الكبريت الأحمر'. هذا التنوع لم يكن عشوائياً، بل كان نتاج عقل مطلع يبحث دائماً عن الجديد والمختلف، ويرفض سجن موهبته في نمط واحد من الأدوار الإيجابية أو المثالية.
يترك عبدالعزيز مخيون خلفه فيلماً سينمائياً لم يعرض بعد بعنوان 'الغربان'، ليكون آخر بصماته على شاشة السينما التي أحبها وأخلص لها. وبرحيله، تنطوي صفحة من صفحات الفن الملتزم الذي يجمع بين الموهبة الفطرية والوعي الثقافي العميق، تاركاً إرثاً سيظل حياً في ذاكرة المشاهد العربي.
ستظل سيرة عبدالعزيز مخيون مرتبطة بالنزاهة والترفع عن الصغائر، حيث عاش زاهداً في الأضواء الزائفة، مخلصاً لفنه وقضايا وطنه. إن غيابه اليوم يشكل خسارة فادحة للمشهد الثقافي، لكن أعماله التي حملت حساً وطنياً وعمقاً إنسانياً ستظل منارة لكل باحث عن الفن الحقيقي.





شارك برأيك
رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومناضلها