تجمع الكاتبة لنا عبد الرحمن في عملها الروائي الأحدث "ليالي سان دوني"، الصادر عن دار العين، مجموعة من المهاجرين الذين قذفت بهم رياح الشتات من جغرافيات متباعدة إلى قصر "لو شاتو". يمثل هذا المكان فضاءً سردياً يتقاطع فيه الناجون من ويلات الحروب والقصف، حيث تنهار الجدران وتتبعثر الأرواح في رحلة بحث مضنية عن طمأنينة مفقودة.
لا يظهر قصر "لو شاتو" في الرواية كبناء من حجارة صماء، بل تعمد الكاتبة إلى أنسنته ليكون بطلاً يراقب ويحتفظ بذكريات ساكنيه. هو مزيج موجع بين الحقيقة والخيال، مستلهم من الأبنية القديمة المهجورة في فرنسا التي تتحول غالباً إلى ملاذات مؤقتة للمقتلعين من جذورهم، ليصبح القصر مرآة تعكس هشاشة الشخوص وانكساراتهم النفسية.
تعتمد الرواية تقنية تعدد الأصوات، حيث تمنح الشخصيات مثل يوسف ودرصاف وكامي وعبير فرصة سرد تجارب الاقتلاع والتشظي بلسانها. وبينما تبرز هذه الشخوص كشظايا متناثرة، يتدخل الراوي العليم لربط الحكايات المتفرقة في نسيج واحد، مما يضفي على العمل شمولية في الرؤية وموضوعية في طرح قضايا الاغتراب.
تبدأ الرحلة السردية بنظرات متلصصة تراقب القصر من بين ظلال أشجار السرو، مما يبث حالة من التوجس والترقب منذ الصفحات الأولى. هذا الاستهلال يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع أسئلة الهوية والانتظار، حيث تجمع الوحدة الخبيثة والخوف المظلم بين شخصيات تتباين خلفياتها الثقافية والاجتماعية لكن يجمعها ألم الفقد.
يبرز الوصف الكثيف في الرواية القصر كلوحة سوريالية تحمل ندوب الزمن، بنوافذ مكسورة تطل على عالم تخلى عنها. هذا التوظيف الجمالي يحول المكان إلى "ميكروكوزم" أو عالم مصغر يجسد تناقضات الواقع الفرنسي وأزماته، ويمهد لتجاور المتنافرات بين سكان لا يربطهم سوى قدرهم المشترك في الشتات.
تمتد عين الكاتبة لترصد تفاصيل الحياة الفرنسية القلقة، حيث يشعر المهاجر بأنه هدف دائم للسرقة أو التهميش. كما ترسم ببراعة البنية الجسدية والنفسية لأبطالها، مثل ضخامة جسد كريم وهشاشة عبير المختبئة خلف قناع القوة، مما يعمق من واقعية الشخصيات وتأثيرها في مسار الأحداث.
تستدعي لنا عبد الرحمن حمولات معرفية متنوعة تضيء ملامح الواقع الفرنسي، متطرقة إلى قضايا مثل غجر المانوش والقديس سان دوني وظاهرة "الزواج الأبيض". هذا الخطاب المعرفي ينساب بسلاسة داخل البنية السردية، مما يوسع الأفق الدلالي للنص ويفتحه على أبعاد تاريخية واجتماعية تلامس سياسات الهجرة المعاصرة.
خارج حدود الصواب والخطأ، هناك حقل، سألقاك هناك، كأنني أهدئ روحي الثائرة.
تتجلى الثقافات المحلية بوضوح عبر الشخصيات، حيث تحضر ملامح الثقافة الأفغانية من خلال شخصية "درصاف" وتفاصيل طعامها وموسيقاها ولغتها الدارية. هذا الاستحضار الثقافي لا يهدف للزينة فقط، بل يعزز من طرح قضايا الهوية ويحقق نوعاً من الإيهام بالواقعية الذي يدفع القارئ للتماهي مع النص ومعاناة أبطاله.
تضع الرواية المجتمع الإنساني تحت المجهر، مساءلة الحروب التي لا تتوقف ومحاولات طمس ذاكرة الشعوب. كما تدين الكاتبة القسوة التي تحول الأوطان إلى قبور، وتنتقد الفوقية الذكورية والسلطة الأبوية التي تشوه أرواح النساء وأجسادهن، راصدة القاع السحيق الذي يخطو نحو الناس مدفوعين باليأس.
رغم المناخ القاتم، تخلخل الكاتبة ثقل اليأس بنزوع صوفي يستلهم حكم جلال الدين الرومي لتهدئة الأرواح الثائرة. تسعى الرواية عبر لغتها الحكمية إلى تحفيز الأمل، مؤكدة أن جوهر الحياة يكمن في ملاحقة الأحلام رغم انكسارات الواقع، وأن الدنيا لا تعطي ظهرها للإنسان بل هو من يجلس في الاتجاه المعاكس.
تُبنى العوالم السردية على شبكة من التقابلات الحادة بين الثراء والفقر، والوطن والمنفى، والشرق والغرب. تفكك الكاتبة الصور الزائفة، مثل الابتسامات التي تلتقطها الكاميرات بينما يختبئ خلفها حزن جاثم، وترصد انهيار أحلام الأبطال عند اصطدامهم بالواقع الشاق للهجرة واللجوء في المدن الكبرى.
يظهر الصراع في الرواية بمستويات متعددة، منها الخارجي الذي يواجه فيه اللاجئون نظاماً يراهم عبئاً ثقيلاً. كما يتجلى صراع الأجيال بين الآباء والأبناء، وصراعات أخرى داخلية تعصف بضمائر الشخوص، مثل انقسام يوسف بين الاستقرار والحرية، وصراع درصاف بين الحب والأمان المادي.
تستخدم الكاتبة الغموض كأداة تشويق، حيث تترك بعض النهايات مفتوحة والجرائم بلا تفسير كامل، مثل ملابسات مقتل خديجة. هذا الأسلوب يضمن إشراك القارئ في لعبة السرد، ويدفعه لملء الفجوات السردية بوعيه الخاص، مما يجعل من القراءة عملية تفاعلية تتجاوز مجرد تلقي الحكاية.
في الختام، تقدم "ليالي سان دوني" تشريحاً أدبياً عميقاً لظاهرة الشتات الإنساني في العصر الحديث. إنها رواية عن الأرواح التي تضل طريقها في بلاد الغربة، وعن الفن الذي يظل السبيل الوحيد للمقاومة والنجاة في عالم يزداد قسوة واغتراباً يوماً بعد يوم.





شارك برأيك
"ليالي سان دوني".. رواية ترصد تشظي الأرواح في متاهات الشتات الفرنسي