في قلب شارع الساقية بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية، تنبعث أصوات الطرق المنتظم على صفائح الصاج من مشغل 'سمكرة الإخلاص'، حيث يواصل الشقيقان يوسف وسعيد سليم الترتير الحفاظ على مهنة يدوية نادرة. هذا المكان ليس مجرد ورشة عمل، بل هو مستودع لتاريخ ممتد من صناعة أهلة المساجد ومآذنها وقبابها التي تزين سماء فلسطين.
يقترب الشقيقان من إنهاء عقدهما الرابع في هذه الحرفة التي ورثاها عن والدهما وجدهما، ويشعران بفخر كبير لكونهما الوحيدين في فلسطين اللذين لا يزالان يمارسان هذا العمل يدوياً بالكامل. وتتجلى براعتهما في تحويل صفائح المعدن الصماء إلى قطع فنية تعلو بيوت الله، محملة بالزخارف والنقوش الدقيقة.
يستذكر يوسف الترتير بداياته في المهنة، حيث تعلم أصول الصنعة من والده مباشرة بعد إنهاء تعليمه المدرسي، مؤكداً أن رؤية إنجازات عائلته فوق مآذن المساجد تمنحه شعوراً لا يوصف بالرضا. ويشير إلى أن العمل يتطلب حسابات هندسية دقيقة جداً، خاصة عند تصميم الهلال الذي لا يقبل الخطأ ولو بسنتيمتر واحد.
تعتمد الورشة على ماكينات وآلات يدوية قديمة توارثتها الأجيال، ويرى الشقيقان أن هذه الآلات تتفوق على التكنولوجيا الحديثة في منح الحرفي قدرة أكبر على التحكم. فالتصنيع اليدوي يسمح بإضافة لمسات فنية ونقوش خاصة لا يمكن للآلات المبرمجة تنفيذها بذات الروح والدقة الجمالية.
يعود تاريخ تأسيس مشغل 'سمكرة الإخلاص' إلى عام 1968، حين افتتحه والدهما سليم الترتير بعد عشر سنوات من تهجيره القسري من أرضه عام 1948. وقد اختار هذا الاسم تيمناً بابنته الكبرى، ليصبح المشغل لاحقاً ركيزة أساسية لمستقبل عائلته في مدينة نابلس التي استقبلته لاجئاً.
أجد بصمتي أو بصمة والدي في كثير من المساجد التي أمر بها، فأقول: رحم الله أبي، هذا إنجازه.
لا يقتصر إنتاج المعمل على مستلزمات المساجد فحسب، بل يمتد ليشمل صناعة مداخن المدافئ 'البواري' وكل ما يمكن تشكيله من الصاج. ويصف سعيد الترتير المهنة بأنها ممتعة وشاقة في آن واحد، مؤكداً اعتزازه بهذا الإرث الذي يربطه بجذوره وعائلته بشكل وثيق.
وحول تفاصيل صناعة المئذنة، يوضح سعيد أنها تتكون من عدة أجزاء تبدأ بالماسورة المركزية، مروراً بالأطباق الدائرية والرمانات البيضاوية، وصولاً إلى الهلال الذي يتوجها. ويتم تزيين الهلال عادة بكلمة التوحيد، مع استخدام تقنيات خاصة في اللحام والثني لضمان صمودها أمام العوامل الجوية.
ويشدد الشقيقان على أن المنتج المحلي اليدوي يتفوق بمراحل على نظيره المستورد الذي يعتمد غالباً على التجميع بالبراغي، مما يجعله عرضة للكسر أو التلف السريع. فالصناعة اليدوية الفلسطينية تضمن متانة عالية وشكلاً جمالياً يتناسب مع قدسية ومكانة المساجد في الوجدان الشعبي.
ورغم الإبداع، تواجه هذه الحرفة تحديات جسيمة بفعل الاحتلال الإسرائيلي، حيث تعيق الحواجز العسكرية وإغلاق الطرق وصول المنتجات إلى الزبائن في مختلف المحافظات. وقد أثرت هذه القيود بشكل مباشر على وتيرة الإنتاج وقدرة الشقيقين على تلبية الطلبات القادمة من مناطق بعيدة أو من داخل الخط الأخضر.
ويبقى التحدي الأكبر الذي يؤرق يوسف وسعيد هو مستقبل المهنة، في ظل عزوف الأبناء عن تعلمها وتفضيلهم للمهن الأكاديمية أو الأعمال الأخرى. ومع ذلك، يوجه الشقيقان نصيحة للشباب بضرورة إتقان المهن اليدوية بجانب التعليم، معتبرين أن 'الصنعة' هي السلاح الأقوى لمواجهة تقلبات الحياة ومصاعبها.





شارك برأيك
شقيقان من نابلس يحرسان إرث صناعة أهلة المساجد ومآذنها في فلسطين