رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 6/7/2026
أعلنت مجموعة أوبك بلس، الأحد، رفع إنتاجها النفطي بمقدار 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من آب المقبل، في خطوة تعكس استمرار سياسة الزيادات التدريجية التي انتهجها التحالف خلال الأشهر الماضية، وسط محاولات لاستعادة التوازن إلى أسواق الطاقة العالمية بعد أشهر من الاضطرابات الحادة التي صاحبت الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، وذلك بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز يوم الأحد.
وشمل القرار كلاً من السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عُمان، فيما أكد التحالف في بيان رسمي أن الدول الأعضاء ستواصل مراقبة أوضاع السوق بصورة مستمرة، مع التشديد على أهمية اتباع نهج حذر يضمن استقرار الأسعار وتوازن العرض والطلب.
وجاء الإعلان بعد أسابيع من توقيع الولايات المتحدة وإيران، في 17 حزيران، اتفاقاً إطارياً أعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، منهياً إغلاقاً استمر قرابة أربعة أشهر وأدى إلى اضطراب واسع في إمدادات النفط العالمية، ورفع أسعار الخام إلى مستويات غير مسبوقة قبل أن تبدأ بالتراجع تدريجياً.
وكانت أسعار خام برنت قد قفزت خلال الأسابيع الأولى من الحرب إلى نحو 118 دولاراً للبرميل، قبل أن تنخفض إلى قرابة 72 دولاراً مع عودة حركة الملاحة وبدء تصدير النفط الخليجي بوتيرة طبيعية، الأمر الذي حدّ من تأثير قرار أوبك بلس الأخير، إذ يرى محللون أن الأسواق كانت قد استوعبت بالفعل زيادة الإمدادات قبل الإعلان الرسمي عنها.
وتأتي الزيادة الجديدة امتداداً لسلسلة قرارات مماثلة، بعدما رفع التحالف الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً خلال شهري مايو ويونيو، وقبلها أعلن زيادة بلغت 206 آلاف برميل يومياً، في إطار مراجعة شهرية لأوضاع السوق، على أن يعقد اجتماعه المقبل في الثاني من آب.
ورغم الطابع الاقتصادي للقرار، فإن خلفياته ترتبط بصورة وثيقة بالتطورات الجيوسياسية التي أعادت رسم موازين القوى في سوق الطاقة العالمية. فقد أدت الحرب على إيران إلى تقلبات حادة في الأسعار، كما فرضت تحديات غير مسبوقة على التحالف النفطي الذي وجد نفسه أمام اختبار مزدوج يتمثل في الحفاظ على تماسكه الداخلي ومنع الأسواق من الانزلاق إلى موجة اضطرابات جديدة.
وزادت الضغوط على التحالف بعد انسحاب الإمارات من أوبك بلس في أواخر نيسان، إثر خلافات مع السعودية بشأن مستويات الإنتاج، وهو تطور اعتبره مراقبون مؤشراً على تصاعد التباينات داخل المنظمة، في وقت تحاول فيه الرياض الإبقاء على دورها القيادي في إدارة سوق النفط العالمية بالتنسيق مع روسيا.
ويرى خبراء الطاقة أن عودة الملاحة عبر مضيق هرمز أعادت جزءاً كبيراً من الثقة إلى الأسواق، بعدما كانت الزيادات التي أقرتها أوبك بلس خلال فترة الحرب ذات أثر محدود بسبب تعطل طرق الشحن. ومع استئناف الصادرات الخليجية، باتت الزيادات الإنتاجية أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية، وإن بقي تأثيرها السعري محدوداً في ظل وفرة الإمدادات وتراجع المخاوف من نقص المعروض.
ويعكس القرار انتقال أوبك بلس من إدارة الأزمة إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ولا تبدو زيادة الإنتاج الجديدة محاولة لخفض الأسعار بقدر ما تمثل إعلاناً بأن التحالف بدأ الانتقال من إدارة أزمة جيوسياسية إلى إدارة مرحلة التعافي. فخلال فترة إغلاق مضيق هرمز لم تكن المشكلة نقص الإنتاج، بل تعذر وصول النفط إلى الأسواق. أما اليوم، وبعد استئناف الملاحة، أصبح الهدف إرسال رسالة طمأنة للمستهلكين بأن الإمدادات ستكون كافية إذا استمرت التهدئة. ومن هنا فإن القرار يحمل بعداً سياسياً بقدر ما يحمل بعداً اقتصادياً، ويؤكد أن أوبك بلس لا تزال ترى في الاستقرار السعري أولوية تتقدم على تعظيم العائدات قصيرة الأجل.
وأعادت الحرب إبراز هشاشة سوق الطاقة العالمية، حيث أثبتت الأشهر الماضية أن سوق النفط لا تتأثر فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً بأمن الممرات البحرية والاستقرار السياسي. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من التجارة النفطية العالمية، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع رغم عدم حدوث تراجع كبير في الطاقة الإنتاجية للدول المصدرة. وهذا يعني أن أمن النقل البحري بات عاملاً مساوياً للإنتاج نفسه في تحديد الأسعار، الأمر الذي سيدفع الدول المستهلكة إلى تعزيز استثماراتها في تنويع مصادر الطاقة، كما سيدفع المنتجين إلى البحث عن مسارات تصدير بديلة تقلل الاعتماد على المضائق الاستراتيجية.
ورغم نجاح التحالف في الحفاظ على سياسة إنتاج موحدة، فإن التحديات الداخلية لم تختفِ. فالخلافات التي أدت إلى خروج الإمارات كشفت أن المصالح الوطنية للدول المنتجة قد تتقدم أحياناً على الاعتبارات الجماعية، خاصة في ظل اختلاف الاحتياجات المالية والطموحات الإنتاجية. كما أن استمرار التنسيق بين السعودية وروسيا سيبقى عاملاً حاسماً في بقاء التحالف مؤثراً في الأسواق. وإذا استقرت الأوضاع الإقليمية وتراجعت المخاطر الجيوسياسية، فقد تصبح إدارة الخلافات الداخلية أكثر تعقيداً من إدارة تقلبات السوق نفسها، وهو ما سيختبر قدرة أوبك بلس على الحفاظ على وحدتها ودورها القيادي خلال السنوات المقبلة.





شارك برأيك
"أوبك بلس" تواصل زيادة الإنتاج بحذر بعد انحسار أزمة مضيق هرمز… والأسواق تترقب اختبار الاستقرار