رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 4/7/2026
في مشهد نادر يجمع بين الرمزية التاريخية والمواجهة الإيديولوجية المباشرة، ألقى عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الجمعة خطاباً بمناسبة الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، من خلف مكتب يعود إلى جورج واشنطن، أول رئيس أميركي. الخطاب، الذي احتشد حوله مواطنون مجنّسون حديثاً، شكّل رداً استباقياً على ما يُنتظر أن يعلنه الرئيس دونالد ترمب لاحقاً من "جبل رشمور"، في وقت يواصل فيه ترمب سياسة ترحيل المهاجرين بأعداد كبيرة خلال ولايته الثانية.
استعاد ممداني، المولود في أوغندا والذي حصل على جنسيته الأميركية عام 2018، موجات المهاجرين المتعاقبة التي صنعت المدينة، متحدثاً عن الإيرلنديين الفارّين من مجاعة صنعها الاستعمار، والبحارة الصينيين الذين أسسوا الحي الصيني، واليهود الهاربين من المذابح، والإيطاليين والسوريين الباحثين عن فرصة. وقال إنهم "صنعوا منازلهم هنا، وساعدوا في صنع نيويورك"، رغم القوانين الفيدرالية التي سعت إلى إقصائهم. وجاء الخطاب بعد أيام من رفض المحكمة العليا الأميركية مسعى ترمب لإنهاء حق المواطنة بالميلاد، في إشارة واضحة إلى أن إرث الحقوق ليس من مخلفات الماضي.
ومضى ممداني في رسم صورة لأميركا لا تشبه خطاب "العظمة" الذي يروّج له ترمب، قائلاً إن الأقوياء لطالما رأوا في البلاد "ساحة تفوّق لا يُسمح فيها بالحرية إلا لقلة مختارة، وحيث لا يُخلق الجميع متساوين". وبدلاً من الاحتفاء بكريستوفر كولومبوس، أشاد بالمستكشفين فيرازانو وهدسون، في إعادة تشكيل مدروسة للرواية الوطنية. ودعا المجتمعين إلى استخدام "قوتهم الخاصة في تحديد ما تعنيه أميركا"، محذراً من سياسة التفرّق والتشرذم التي وصفها بأنها "أرخص حيلة في السياسة".
واختتم العمدة خطابه بتقديم تعريف بديل للوطنية يتناقض جذرياً مع القومية الاستبعادية، مؤكداً أن "الوطنية لم تكن يوماً ادعاءً بأن أمتنا بلا عيوب. الوطنية هي كل احتجاج عادل، وكل مسيرة تحت الشمس الثقيلة، وكل فعل اعتراض صالح قبل أوانه بعقد". ويأتي هذا التصريح فيما يستعد ترمب لإلقاء كلمة في احتفال ضخم بجبل رشمور يتضمن ألعاباً نارية وتحليقاً جوياً وتحية لأفرع القوات المسلحة الستة، في مشهد سيبقى علامة فارقة في الانقسام العميق حول معنى الذكرى الـ250.
ولم يكن اختيار العمدة ممداني لمكتب جورج واشنطن مجرد تفصيل أثري عابر، بل كان تأثيثاً لشرعية مضادة. فالجلوس خلف مكتب الرئيس الأول، المحاط بمواطنين حصلوا لتوهم على الجنسية، يخلق مشهدية تقول إن جوهر الجمهورية يكمن في تجدّدها الدائم عبر الوافدين، لا في نقائها المتخيل. إنها عملية استملاك للرمزية المؤسِّسة من قبل شخص ينتمي إلى الخلفيات التي لطالما اعتُبرت دخيلة على السردية القومية. بهذا الفعل، حوّل ممداني واشنطن نفسه من أيقونة للنخبة البيضاء إلى شاهد على تحوّل أميركي تعددي، وأسس لخطابه أرضية تاريخية يصعب على الخطاب الشعبوي اجتثاثها دون الاصطدام بإرث الآباء المؤسسين ذاته.
ويحمل توقيت الخطاب أبعاداً تتجاوز الصدفة التقويمية، إذ يأتي بعد أيام قليلة من فوز مرشحين مدعومين من التيار الاشتراكي الديمقراطي الذي ينتمي إليه ممداني في انتخابات محلية داخل نيويورك، وفي مدن ليبرالية كبرى مثل فيلادلفيا ودنفر وواشنطن. هذه الانتصارات لا تعكس مجرد استياء من الوسط الديمقراطي، بل تشير إلى تعطش قاعدة حضرية شابة ومتنوعة لخطاب يجمع بين العدالة الاقتصادية وحقوق المهاجرين في مواجهة سياسة ترمب. يبدو أن ممداني يستثمر الزخم الانتخابي لتقديم نفسه كنموذج لمعارضة وطنية لا تكتفي بالدفاع عن المكتسبات، بل تسعى لانتزاع مبادرة تعريف الهوية الأميركية من قبضة اليمين القومي، وهو رهان لم يكتمل اختباره بعد.
إن إعادة تعريف الوطنية بوصفها "احتجاجاً عادلاً" و"مسيرة تحت الشمس الثقيلة" تمثل انزياحاً عميقاً في الاستراتيجية الخطابية التقدمية، التي لطالما اتُهمت بالتردد في تملك لغة الفخر القومي. هنا لا يتخلى ممداني عن مفهوم حب الوطن، بل يعيد تأطيره بحيث يصبح النقد الجذري هو أسمى صور الولاء. هذه الصياغة تستهدف شريحة من الأميركيين المنهكين من ثنائية "الحب الأعمى" أو "العداء المعلن" للبلاد، وتؤسس لمشروع سياسي يرى في التعددية والمساءلة جوهر القوة الوطنية لا تهديداً لها. وإذا كان خطاب ترمب في جبل رشمور سيعلي من صخور الأجداد، فإن خطاب ممداني يذكّر بأن النهر هو الذي نحت تلك الصخور.





شارك برأيك
من وراء مكتب واشنطن ...ممداني يرسم وجه أميركا المتجددة : "نحن من نحدد معنى الحرية"