رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 5/4/2026
في تصريح يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "يعرف من هو صاحب القرار"، وذلك قبيل لقاء محتمل بين الرجلين في البيت الأبيض خلال الأسبوع المقبل أو الذي يليه، في أول اجتماع منذ اللقاء المثير للجدل الذي جمعهما في غرفة العمليات بالبيت الأبيض في 11 شباط الماضي.
وأوضح ترمب، في مقابلة هاتفية مقتضبة مع موقع "أكسيوس"، أن نتنياهو طلب عقد اجتماع في واشنطن، مضيفاً: "نحن نتفاهم جيداً… إنه يعرف من هو صاحب القرار"، في إشارة بدت موجهة لإبراز موقعه القيادي في إدارة العلاقة مع إسرائيل، بعد أشهر شهدت تباينات واضحة بين الطرفين بشأن ملفات إقليمية حساسة.
وبحسب مسؤول إسرائيلي، فإن انعقاد اللقاء الأسبوع المقبل قد يكون صعباً بسبب ارتباطات ترمب بقمة حلف شمال الأطلسي في تركيا يومي 7 و8 تموز ، مرجحاً أن يؤجل الاجتماع إلى الأسبوع الذي يليه.
من جانبه، أعلن مكتب رئيس وزراء إسرائيل أن نتنياهو اتصل بترمب لتهنئته بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، مؤكداً أن الزعيمين اتفقا على عقد لقاء قريب في الولايات المتحدة. وأضاف البيان أن نتنياهو شدد خلال الاتصال على أن الولايات المتحدة "ضامن للحرية العالمية"، وأن إسرائيل تقدر عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالإعلان عن اللقاء، فإن مصادر أميركية تؤكد أن العلاقات الشخصية والسياسية بين ترمب ونتنياهو لم تعد بالمتانة التي كانت عليها في السابق. فقد نقل "أكسيوس" عن مسؤول أميركي قوله إن عدداً من أقرب مستشاري ترمب باتوا مقتنعين بأن "نتنياهو كان مخطئاً في جميع تقديراته"، في تحول لافت داخل الدائرة المقربة من الرئيس الأميركي.
وتعود جذور هذا التباعد إلى ما أعقب اجتماعهما في شباط ، عندما عرض نتنياهو خطة لشن حرب مشتركة ضد إيران. إلا أن الأشهر التالية شهدت اختلافاً في الأولويات، بعدما فضّل ترمب تثبيت وقف إطلاق النار مع طهران، ووقّع مذكرة تفاهم لتمديد الهدنة وإطلاق جولة جديدة من المفاوضات النووية، رغم التحفظات الإسرائيلية.
وبحسب "آكسيوس"، مارس ترمب ضغوطاً على الحكومة الإسرائيلية لتقليص عملياتها العسكرية في لبنان، معتبراً أن استمرار التصعيد يعرقل المسار التفاوضي مع إيران، ودافع عن اتفاق إطار يقضي بانسحاب أولي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وهو ما لم يكن يحظى بحماس حكومة نتنياهو.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع الفجوة بين الحسابات الأميركية والإسرائيلية. ففي حين يركز ترمب على تحقيق اختراق دبلوماسي مع إيران يمكن تسويقه باعتباره إنجازاً في السياسة الخارجية، يرى نتنياهو أن استمرار الضغط العسكري هو الوسيلة الأكثر فعالية لإضعاف طهران وحلفائها.
وتزداد أهمية اللقاء المرتقب بالنسبة لنتنياهو في ظل استعداده لخوض الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول المقبل، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبيته. ومن شأن صورة تجمعه بالرئيس الأميركي داخل البيت الأبيض أن تمنحه زخماً سياسياً ورسالة إلى الناخب الإسرائيلي بأنه لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الإدارة الأميركية.
وفي سياق متصل، قال ترمب إنه يتابع مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من الحرب، وفق الرواية التي أوردها "أكسيوس". وأضاف أن المفاوضات مع إيران ستتوقف مؤقتاً لمدة أسبوع حتى انتهاء مراسم التشييع، مؤكداً أن الطرفين اتفقا خلال هذه الفترة على الامتناع عن أي أعمال عسكرية.
وادعى الرئيس الأميركي أن الإيرانيين "يتوسلون لإبرام اتفاق"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة لن تستغل تجمع كبار المسؤولين الإيرانيين خلال مراسم التشييع لتنفيذ هجوم جديد، قائلاً إن القضاء عليهم "سيحرم واشنطن من شركاء للتفاوض". كما أبدى استغرابه من مشاهد الحزن التي رافقت التشييع، متسائلاً إن كانت "دموعاً حقيقية أم مصطنعة".
ويعكس الخطاب الأخير لترمب محاولته الجمع بين سياسة الردع العسكري والانفتاح على التسوية السياسية، في وقت تبدو فيه العلاقة مع نتنياهو أكثر تعقيداً مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، مع تزايد اختلاف الأولويات بين الحليفين بشأن مستقبل الحرب، والملف النووي الإيراني، وترتيبات الأمن الإقليمي.
وتكشف عبارة ترمب "إنه يعرف من هو صاحب القرار" عن تحول في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، إذ لم يعد الرئيس الأميركي يتعامل مع نتنياهو بوصفه شريكاً يحدد الإيقاع، بل باعتباره حليفاً مطالباً بالتكيف مع الأولويات الأميركية. فالرسالة موجهة إلى الداخل الأميركي بقدر ما هي موجهة إلى إسرائيل، ومضمونها أن البيت الأبيض هو من يرسم حدود الحركة السياسية والعسكرية، وأن الدعم لإسرائيل لم يعد يعني منح حكومتها حرية مطلقة في رسم السياسات الإقليمية بما يتعارض مع المصالح الأميركية.
ويأتي اللقاء المحتمل في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لنتنياهو، الذي يواجه انتخابات صعبة وتراجعاً في شعبيته، ما يجعل أي صورة تجمعه بالرئيس الأميركي ذات قيمة انتخابية كبيرة. غير أن المكسب الرمزي قد يخفي واقعاً مختلفاً، فالإدارة الأميركية تبدو أكثر إصراراً على فرض أجندتها، سواء في ما يتعلق بإيران أو لبنان. ومن ثم فإن الزيارة، إذا تمت، قد تكون مناسبة لتأكيد استمرار التحالف، لكنها لن تعني بالضرورة توافقاً كاملاً في الرؤى أو عودة العلاقة إلى سابق عهدها.
وتشير المعطيات إلى أن الخلاف بين ترمب ونتنياهو لم يعد خلافاً تكتيكياً، بل أصبح مرتبطاً باختلاف في تصور كل طرف لشكل النظام الإقليمي بعد الحرب. فبينما يسعى ترمب إلى توظيف الهدنة والمفاوضات مع إيران في بناء ترتيبات أمنية جديدة تمنحه إنجازاً دبلوماسياً، يفضل نتنياهو استمرار الضغوط العسكرية لمنع طهران من استعادة نفوذها. وهذا التباين قد يجعل العلاقة بين الرجلين قائمة على المصالح المشتركة، لكنها أقل انسجاماً وأكثر عرضة للتوتر كلما تعارضت الحسابات السياسية والاستراتيجية للطرفين.





شارك برأيك
ترمب قبل لقاء مرتقب مع نتنياهو: “إنه يعرف من هو صاحب القرار”