تحليل

الأحد 05 يوليو 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

اللوبيات في فلسطين: شبكات النفوذ غير المرئية وصناعة القرار بين السياسة والاقتصاد والمجتمع



في الحالة الفلسطينية، لا يبدو المشهد السياسي كما يظهر في الخطاب الرسمي أو البيانات الحكومية أو التصريحات المتبادلة بين الفصائل. خلف هذا السطح المعلن، تعمل منظومة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، والمجتمع مع العائلة، والتمويل الخارجي مع القرار الداخلي، في شبكة نفوذ يصعب الإمساك بها بشكل مباشر، لكنها حاضرة في تفاصيل الحياة السياسية اليومية. هذه الشبكة، التي يمكن وصفها مجازًا بـ“اللوبيات”، ليست كيانًا واحدًا أو تنظيمًا محددًا، بل هي منظومة علاقات غير رسمية تعيد إنتاج السلطة وتوجيه القرار خارج الأطر المؤسسية التقليدية.

في هذا التحقيق، لا يتعلق الأمر بادعاء وجود “مؤامرة” أو مركز واحد يوجه القرار، بل بفهم آليات النفوذ غير المرئي التي تتشكل في بيئة سياسية تتسم بالانقسام، وتعدد مراكز السلطة، وضعف المؤسسات الموحدة، واستمرار الاعتماد على التمويل الخارجي. وهي بيئة تجعل من الطبيعي أن تتقدم العلاقات الشخصية والشبكات الاجتماعية والولاءات التنظيمية على القواعد المؤسسية الصارمة.

تشير دراسات منشورة لدى Cambridge University Press حول الحوكمة ودور المنظمات غير الحكومية في فلسطين، إلى أن تدفق التمويل الخارجي نحو مؤسسات المجتمع المدني لم يكن مجرد دعم تنموي أو إنساني، بل أسهم في إعادة تشكيل بنية الفاعلين داخل المجتمع. بعض هذه المؤسسات، وفق التحليل الأكاديمي، لم يعد يتحرك فقط وفق أولويات محلية نابعة من القاعدة الاجتماعية، بل وفق شروط تمويل ومعايير مانحين خارجيين، ما أدى إلى نشوء طبقة من الوسطاء بين الداخل والخارج، تتحكم في تدفق الموارد وتعيد تعريف الأولويات العامة.

هذا التحول أنتج ما يشبه “لوبيًا مدنيًا” غير معلن، لا يمارس نفوذًا سياسيًا مباشرًا، لكنه يؤثر في صياغة الخطاب العام، وتوجيه المشاريع، وتحديد من يحصل على التمويل ومن يتم تهميشه. ومع مرور الوقت، أصبحت بعض مؤسسات المجتمع المدني جزءًا من شبكة أوسع من النفوذ تتقاطع فيها السياسة بالتمويل الدولي، وتختلط فيها الأجندات المحلية مع أولويات الممولين.

في موازاة ذلك، تقدم دراسات منشورة في Journal of Palestine Studies، إلى جانب أعمال الباحث Rex Brynen، صورة أكثر عمقًا عن بنية النخب السياسية الفلسطينية بعد أوسلو. إذ تشير هذه الأدبيات إلى أن عملية بناء السلطة لم تؤدِ إلى فصل واضح بين الدولة والمجتمع، بل أعادت إنتاج شبكات نخبوية تعتمد على الولاء والعلاقات الداخلية بقدر اعتمادها على المؤسسات الرسمية. هذه النخب لا تتحرك فقط داخل أطر حزبية، بل داخل دوائر متداخلة من العلاقات الشخصية والتنظيمية والمصلحية، ما يجعل عملية اتخاذ القرار نتاج توازنات داخلية أكثر من كونها تطبيقًا لسياسات مؤسسية واضحة.

في هذا السياق، يصبح الوصول إلى القرار السياسي نفسه عملية تفاوض معقدة بين مراكز نفوذ متعددة داخل الفصائل والمؤسسات، حيث تتقاطع الاعتبارات التنظيمية مع الحسابات الشخصية، ويُعاد توزيع السلطة بشكل مستمر وفق موازين غير مكتوبة.

الاقتصاد، بدوره، لا يقف خارج هذه المعادلة. فوفق تحليلات الاقتصاد السياسي المنشورة في أعمال مثل Profit over Palestine عبر OpenEdition Books، يتضح أن العلاقة بين رأس المال والسلطة في الحالة الفلسطينية ليست علاقة فصل بين قطاعين، بل علاقة تداخل عميق. تتشكل شبكات مصالح بين رجال أعمال ودوائر سياسية، ما ينتج نمطًا يمكن وصفه برأسمالية المحسوبية، حيث لا تعمل السوق بمعزل عن النفوذ السياسي، بل ضمنه وفي ظله.

في هذا النموذج، لا يُستخدم المال فقط للإنتاج أو الاستثمار، بل أيضًا كأداة تأثير سياسي، سواء عبر التمويل أو الشراكات أو السيطرة على قطاعات اقتصادية حيوية. وهذا التداخل يجعل من الصعب التمييز بين القرار الاقتصادي والقرار السياسي، إذ يتحول كل منهما إلى امتداد للآخر داخل شبكة واحدة من المصالح.

أما المجتمع المدني، فقد شهد تحولًا بنيويًا عميقًا خلال العقود الأخيرة، كما توضح دراسات “NGOization” المنشورة عبر منصات أكاديمية مثل ULiège ORBi. إذ تم تحويل جزء كبير من العمل الأهلي والحراكي إلى مؤسسات مهنية تعتمد على التمويل الخارجي، وتعمل وفق برامج محددة ومعايير مانحين. هذا التحول، رغم أنه عزز قدرات تنظيمية في بعض المجالات، إلا أنه ساهم أيضًا في خلق فجوة بين المؤسسات والقاعدة الشعبية، وأعاد تشكيل المجتمع المدني بوصفه جزءًا من شبكة إدارة تمويلية أكثر منه حركة ضغط اجتماعي مستقلة.

في هذا الإطار، يصبح المجتمع المدني نفسه جزءًا من منظومة نفوذ غير مباشر، تتداخل فيها السياسة بالتمويل وبناء السمعة المؤسسية، وتتحول فيها بعض المنظمات إلى فاعلين وسيطين بين الداخل الفلسطيني والعالم الخارجي.

ولا يمكن فصل هذه البنية عن الدور الاجتماعي التقليدي، حيث ما تزال العائلة والعشيرة والروابط المحلية تلعب دورًا فعّالًا في تشكيل النفوذ، خصوصًا على المستوى المحلي. في الانتخابات، وفي التوظيف، وفي إدارة النزاعات، تبقى هذه الروابط عنصرًا مؤثرًا، لا يعمل خارج الدولة، بل داخلها وبالتوازي معها. هذا التداخل يضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث لا تكون السلطة محصورة في المؤسسات الرسمية، بل موزعة عبر شبكة اجتماعية واسعة.

في الخلفية، يظل البعد الدولي عنصرًا حاسمًا. فالقضية الفلسطينية ليست قضية داخلية مغلقة، بل مساحة مفتوحة لتأثيرات دولية وإقليمية متعددة، عبر الدعم السياسي والمالي، أو عبر الضغط الدبلوماسي، أو عبر التأثير غير المباشر في أولويات الفاعلين المحليين. هذا الارتباط يجعل القرار الفلسطيني جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات الدولية، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.

عند جمع هذه العناصر—النخب السياسية، الاقتصاد، المجتمع المدني، البنية الاجتماعية، والبعد الدولي—يتضح أن ما يُطلق عليه “اللوبيات” في الحالة الفلسطينية ليس كيانًا منفصلًا أو ظاهرة عرضية، بل هو توصيف لشبكة بنيوية من النفوذ تعمل داخل النظام السياسي نفسه. هذه الشبكة لا تلغي المؤسسات، لكنها تعيد تعريف دورها وحدودها، وتجعل من القرار السياسي نتيجة تفاعل دائم بين الرسمي وغير الرسمي.

الإشكالية الأساسية التي تكشفها هذه البنية لا تتعلق بوجود النفوذ بحد ذاته، بل بغياب الحدود الواضحة بين المؤسسات والشبكات، بين القانون والعلاقات، بين الدولة والمجتمع، وبين الداخل والخارج. هذا الغياب يخلق حالة من السيولة السياسية، حيث تتغير مراكز القوة باستمرار، وتظل الثقة العامة بالمؤسسات عرضة للاهتزاز، ويصعب بناء نظام سياسي قائم على قواعد مستقرة وواضحة.

في النهاية، لا يمكن فهم السياسة في فلسطين باعتبارها منظومة مؤسسات فقط، بل باعتبارها بنية مركبة من طبقات النفوذ والتأثير، تتحرك فيها القوى الرسمية وغير الرسمية في مساحة رمادية واسعة، تُصنع فيها القرارات بعيدًا عن الضوء أحيانًا، لكنها تحدد شكل الواقع السياسي بالكامل في كل الأحوال.

دلالات

شارك برأيك

اللوبيات في فلسطين: شبكات النفوذ غير المرئية وصناعة القرار بين السياسة والاقتصاد والمجتمع

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.