بقلم: بن إميرسون (مستشار الملك، قائد وسام الإمبراطورية البريطانية) ودانيفريدمان (مستشار الملك)
في التاسع عشر من يوليو/تموز 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا تاريخيًا خَلُصَ إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن سياسات الاستيطان تنتهك القانون الدولي، بما في ذلك الحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما أكدت المحكمة أن على الدول الأخرى الامتناع عن الاعتراف بهذا الوضع غير المشروع أو تقديم أي دعم أو مساعدة تسهم في استمراره.
ورغم مرور نحو عامين على هذا القرار، لم تتجاوز استجابة المملكة المتحدة حدود التصريح بأنها "تحترم" قرار المحكمة، وأنه ينبغي لإسرائيل إنهاء وجودها في الأراضي المحتلة "بأسرع وقت ممكن". إلا أن رئيس لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني حذّر من أن هذا الموقف " لم يعد من الممكن الاستمرار فيه".
غير أن هذا التهرب يعكس إخفاقًا أعمق. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، تلقت الحكومة البريطانية عريضة قانونية تقدم بها 14 فلسطينيًا تضرروا بشكل مباشر من السياسات البريطانية، يتهمون فيها المملكة المتحدة بارتكاب سلسلة من الأفعال غير المشروعة دوليًا، من بينها: إعادة تشكيل فلسطين إبان الحكم العثماني بصورة غير قانونية بصفتها قوة احتلال؛ وإنشاء نظام الانتداب بما يخالف المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم؛ وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الثورة العربية الكبرى بين عامي 1936 و1939،ثم ترك الفلسطينيين يواجهون مصيرهم عام 1948، في وقت كانت فيه المجازر وعمليات التهجير القسري التي نفذتها القوات العسكرية اليهودية قد بدأت بالفعل.
والصلة بين تلك السياسات والاحتلال القائم اليوم ليست مجرد رابط تاريخي، بل علاقة مباشرة. فقد أشارت محكمة العدل الدولية إلى أن إسرائيل استندت في تبرير سياسة هدم المنازل العقابية في الضفة الغربية إلى أنظمة الدفاع (الطوارئ) البريطانية في فلسطين لعام 1945، وهي تشريعات وضعتها السلطات البريطانية، واستندت بدورها إلى سلسلة من الأوامر التي شرّعت سياسة "العقاب الجماعي" ورسخت التمييز المنهجي ضد الفلسطينيين. وقد فرضت بريطانيا هذه الأنظمة دون أي رقابة ديمقراطية، وبما يتعارض مع ما وصفه فقهاء القانون الدولي في فترة ما بين الحربين العالميتين بـ “الاعتبارات الإنسانية الأساسية". وعليه، فإن الاحتلال الذي باتت بريطانيا ملزمة اليوم بالمساعدة في إنهائه، قد شُيِّد في الأصل على ركائز وبنية قانونية بريطانية.
ووفقًا للمبادئ التي وضعتها لجنة القانون الدولي، فإن ثبوت مسؤولية دولة عن فعل غير مشروع دوليًا يترتب عليه التزامها بجبر الضرر الذي تسبب به ذلك الفعل. ورغم مطالبة 45 عضوًا في البرلمان البريطاني بالرد على هذه العريضة، فإنها لم تقدم أي رد حتى الآن.
كما أن اعتراف الحكومة البريطانية العام الماضي بدولة فلسطين، وفرضها عقوبات على عدد محدود من الأفراد، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإقرار بهذه الانتهاكات المحددة وتحمل المسؤولية القانونية عنها. فاستنتاجات محكمة العدل الدولية جاءت واضحة، والحجج القانونية الواردة في العريضة مفصلة ومدعمة، إلا أن الحكومة البريطانية تجاهلت كليهما. وقد آن الأوان للتحرك الفعلي.





شارك برأيك
على بريطانيا مواجهة دورها في صناعة الاحتلال القائم في فلسطين