رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-30/6/2026
تعتزم النائبة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان، رشيدة طليب، فرض تصويت جديد في مجلس النواب، الثلاثاء، لإلزام الإدارة الأميركية بإنهاء أي مشاركة عسكرية أميركية في العمليات الإسرائيلية الجارية في لبنان، في خطوة تعكس تصاعد المعارضة داخل الكونغرس لاستمرار انخراط واشنطن في الحرب، وتزايد الانتقادات لما يصفه معارضون بأنه دعم أميركي غير مشروط للسياسات العسكرية الإسرائيلية.
وقالت طليب، في منشور على منصة "إكس" مساء الاثنين، إنها ستفرض تصويتاً جديداً لإنهاء مشاركة الولايات المتحدة في ما وصفته بـ"حملة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي للتطهير العرقي والتوسع الإقليمي في لبنان". وأضافت أن أكثر من 4250 شخصاً قتلوا، بينما يُقتل أو يُصاب اثنا عشر طفلاً يومياً، معتبرة أن استمرار الدعم العسكري والسياسي الأميركي يجعل واشنطن شريكاً مباشراً في استمرار الحرب وما تخلّفه من خسائر إنسانية واسعة.
ويأتي هذا التحرك بعد أسابيع من رفض مجلس النواب، مطلع حزيران/يونيو، مشروع القرار رقم H.Con.Res.84، الذي استند إلى قانون صلاحيات الحرب، وكان يهدف إلى إنهاء أي مشاركة للقوات المسلحة الأميركية في الأعمال القتالية المرتبطة بالحرب في لبنان، ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً صريحاً بذلك.
وكان المجلس قد أسقط المشروع بأغلبية 324 نائباً مقابل تأييد 92 نائباً فقط، في تصويت عكس استمرار الإجماع التقليدي داخل المؤسسة السياسية الأميركية على حماية العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، رغم تصاعد الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وتزايد الأسئلة داخل الولايات المتحدة بشأن مدى التزام الإدارة الأميركية بالدستور، الذي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب ومراقبة استخدام القوة العسكرية.
وعقب فشل المشروع الأول، أعاد مؤيدوه صياغته في نسخة جديدة حملت الرقم H.Con.Res.108، بعد معالجة بعض الملاحظات القانونية التي أثيرت خلال المناقشات السابقة، مع الإبقاء على الهدف الأساسي، وهو إنهاء أي انخراط عسكري أميركي غير مفوض في الحرب، وإعادة تأكيد صلاحيات الكونغرس في الرقابة على القرارات العسكرية للإدارة.
وبالتوازي مع ذلك، يدفع عدد من أعضاء الكونغرس نحو اعتماد تعديل على مشروع موازنة وزارة الخارجية والعمليات الخارجية للسنة المالية 2027، يقضي بإلغاء نحو 3.3 مليارات دولار من المساعدات العسكرية المخصصة لإسرائيل، في محاولة غير مسبوقة لربط التمويل الأميركي باحترام القانون الدولي، ووضع حد لسياسة الدعم المالي والعسكري التي استمرت لعقود دون مساءلة حقيقية.
ويرى مراقبون أن فرص إقرار المشروع الجديد لا تزال محدودة في ظل التوازنات الحالية داخل مجلس النواب، غير أن مجرد إعادة طرحه يعكس تحولاً سياسياً متنامياً داخل الولايات المتحدة، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على حجم المساعدات المقدمة لإسرائيل، بل امتد إلى مساءلة الدور الأميركي نفسه، وإلى تحميل الإدارات المتعاقبة مسؤولية توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي والعسكري لاستمرار العمليات الإسرائيلية في المنطقة.
وتكشف إعادة طرح مشروع القرار أن جوهر المعركة لم يعد يقتصر على الحرب في لبنان، بل يتعلق بطبيعة النظام السياسي الأميركي نفسه، وحدود قدرة الكونغرس على كبح السلطة التنفيذية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. فمنذ سنوات، تواصل الإدارات الأميركية تقديم الدعم العسكري والاستخباراتي والسياسي لتل أبيب، حتى في ظل اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. ويقول منتقدون إن هذا النهج حوّل مبدأ “الدفاع عن إسرائيل” إلى سياسة شبه مطلقة، تتقدم على الاعتبارات الدستورية والإنسانية، وتحد من قدرة المؤسسات الرقابية على محاسبة السلطة التنفيذية.
ويعكس التصويت الذي أسقط المشروع استمرار النفوذ القوي للوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل الكونغرس، حيث لا يزال غالبية النواب من الحزبين ينظرون إلى أي محاولة لتقييد المساعدات العسكرية أو فرض رقابة على استخدام القوة باعتبارها تهديداً للتحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. إلا أن اتساع دائرة الأصوات المعارضة، وإن بقيت أقلية، يشير إلى بداية تحول تدريجي في المزاج السياسي الأميركي، مدفوعاً بتنامي الانتقادات الشعبية، وبتزايد التقارير الحقوقية التي تشكك في قانونية العمليات العسكرية الإسرائيلية وتداعياتها الإنسانية.
ورغم أن فرص نجاح المشروع في المدى القريب تبدو ضئيلة، فإن أهميته تكمن في أنه يفرض على المؤسسة السياسية الأميركية مواجهة أسئلة لم يعد بالإمكان تجاهلها: إلى أي مدى يمكن لواشنطن أن تستمر في تمويل وتسليح إسرائيل دون أن تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن نتائج استخدام تلك الأسلحة؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في تقديم نفسها باعتبارها مدافعاً عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، بينما تستخدم حق النقض، وتوفر الغطاء الدبلوماسي والعسكري لحليف يواجه اتهامات متزايدة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين؟ هذه الأسئلة باتت تشكل محوراً متقدماً في الجدل السياسي داخل الولايات المتحدة، ومن المرجح أن تزداد حضوراً مع اقتراب الانتخابات النصفية.





شارك برأيك
طليب تعيد معركة الكونغرس لوقف الدعم العسكري لإسرائيل في لبنان وسط انقسام حاد داخل مجلس النواب