أقلام وأراء

الثّلاثاء 21 يوليو 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

أيزنكوت ينقل "إسرائيل الثانية" من الهامش إلى المركز: قراءة فلسطينية في التحولات البنيوية للمجتمع الإسرائيلي


تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية الراهنة حدود المنافسة التقليدية بين اليمين واليسار، لتعيد إلى الواجهة أحد أكثر الانقسامات عمقًا في البنية الاجتماعية والسياسية الإسرائيلية؛ وهو الانقسام بين ما يُعرف بـ"إسرائيل الأولى"، التي تمثل النخب الأشكنازية المؤسسة للدولة، و"إسرائيل الثانية"، التي تضم بصورة أساسية اليهود الشرقيين (المزراحيم)، الذين شكّلوا لعقود طويلة قاعدة اجتماعية واسعة دون أن يحظوا بتمثيل يتناسب مع وزنهم الديموغرافي.
في هذا السياق، يبرز رئيس الأركان الأسبق غادي أيزنكوت بوصفه شخصية مختلفة عن التجارب الشرقية السابقة. فالرجل لا يخوض معركته من موقع الاحتجاج على التهميش، بل من موقع السعي إلى قيادة الدولة ذاتها. ومن منظور فلسطيني، لا يمكن قراءة هذا التحول باعتباره مجرد إعادة توزيع لمراكز القوة داخل النظام السياسي الإسرائيلي، بل باعتباره مؤشرًا على تغيرات أعمق تمس البنية الاجتماعية للدولة وحدود قدرتها على احتواء تناقضاتها التاريخية.
يصعب فهم صعود أيزنكوت من دون العودة إلى تجربة اليهود القادمين من البلدان العربية والإسلامية خلال العقود الأولى من قيام إسرائيل. فقد استُوعبت موجات الهجرة الشرقية ضمن مشروع الدولة الناشئة، لكن عملية الاستيعاب لم تكن متكافئة مع تلك التي حظي بها القادمون من أوروبا.
أُسكن عشرات الآلاف في مخيمات العبور (المعبروت)، ثم نُقل كثير منهم إلى بلدات التطوير في الأطراف، حيث تولوا أدوارًا أمنية واقتصادية بعيدة عن مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي. كما تعرضت الثقافة الشرقية لضغوط متواصلة في إطار سياسة "بوتقة الصهر"، التي هدفت إلى إنتاج هوية إسرائيلية جديدة يغلب عليها الطابع الأوروبي، وهو ما انعكس على فرص التعليم، والتمثيل السياسي، والمكانة الاجتماعية لأبناء هذه الفئة.
ورغم التحسن التدريجي الذي شهدته أوضاع المزراحيم خلال العقود اللاحقة، فإن دراسات وتقارير إسرائيلية صادرة عن مؤسسات بحثية ورسمية، من بينها معهد الديمقراطية الإسرائيلي ومكتب الإحصاء المركزي، ما تزال تشير إلى استمرار فجوات في مستويات الدخل، والتعليم، والتمثيل داخل عدد من مؤسسات الدولة، وإن كانت هذه الفجوات قد تقلصت مقارنة بالعقود الأولى لقيام إسرائيل.
شهد التاريخ السياسي الإسرائيلي عدة محاولات لتمثيل المزراحيم سياسيًا، إلا أن معظمها بقي أسير المطالب الفئوية أو لم ينجح في اختراق مراكز القرار العليا.
حاول أهرون أبو حتصيرة عبر حركة "تامي" تحويل المظلومية الاجتماعية إلى مشروع سياسي، لكنه بقي محدود التأثير. أما ديفيد ليفي، فرغم شعبيته الواسعة داخل الليكود، ظل يُنظر إليه بوصفه ممثلًا للطبقات المهمشة أكثر من كونه مرشحًا طبيعيًا لقيادة الدولة. وحتى شاؤول موفاز، الذي بلغ أعلى المناصب العسكرية، لم يتمكن من تحويل مكانته الأمنية إلى زعامة سياسية جامعة.
كشفت هذه التجارب أن الوصول إلى المؤسسة العسكرية لا يعني بالضرورة الوصول إلى قمة الهرم السياسي، وأن "السقف الزجاجي" الذي واجهه السياسيون الشرقيون ظل حاضرًا، وإن بدرجات متفاوتة، في بنية النظام السياسي الإسرائيلي.
يمثل غادي أيزنكوت تطورًا نوعيًا في هذا المسار.
فهو لا يقدم نفسه ممثلًا لطائفة أو جماعة إثنية، ولا يعتمد على خطاب المظلومية، بل يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه رجل دولة يمتلك خبرة أمنية ومؤسساتية تؤهله لقيادة إسرائيل في مرحلة تتسم بأزمات داخلية وخارجية متشابكة.
كما أن انحداره من عائلة مغربية، ووصوله إلى رئاسة هيئة الأركان ثم إلى صدارة المشهد السياسي، يمنحان ترشحه بعدًا رمزيًا يتجاوز شخصه، إذ يعكس تحولًا تدريجيًا في موقع "إسرائيل الثانية" داخل بنية الدولة. ويعكس هذا المسار أيضًا نضجًا متزايدًا في اندماج النخب المزراحية داخل مؤسسات الدولة، بحيث لم يعد الانتماء الشرقي يُنظر إليه بوصفه عائقًا بنيويًا أمام الوصول إلى أعلى مواقع القيادة كما كان في العقود السابقة.
ويختلف هذا النموذج عن تجربة حركة "شاس"، التي بنت نفوذها على الهوية الدينية للمزراحيم. فأيزنكوت يسعى إلى مخاطبة المجتمع الإسرائيلي بأكمله، وليس جمهورًا شرقيًا بعينه، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على اختراق الحواجز التقليدية بين المكونات الاجتماعية المختلفة.
تكمن أهمية صعود أيزنكوت، من منظور فلسطيني، ليس في شخصه بقدر ما تكمن في ما يكشفه عن طبيعة التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي.
فالانتقال التدريجي لليهود الشرقيين من هامش النظام السياسي إلى مركزه يعكس تغيرًا في موازين القوى الاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج أسئلة الهوية، والنخبة، وطبيعة الدولة.
كما أن استمرار الجدل حول العلاقة بين النخب الأشكنازية والشرقية يشير إلى أن مشروع "بوتقة الصهر" لم ينجح بصورة كاملة في تجاوز الفوارق الثقافية والاجتماعية التي رافقت تأسيس الدولة.
وفي الوقت نفسه، تتقاطع هذه التحولات مع انقسامات أخرى تتعلق بالدين والعلمانية، وبالعلاقة بين المركز والأطراف، وبين القضاء والسلطة التنفيذية، الأمر الذي يجعل المشهد الإسرائيلي أكثر تعقيدًا مما توحي به المنافسة الحزبية التقليدية.
تحليل إلى الأرقام: ماذا تقول استطلاعات الرأي؟
لا يقتصر صعود غادي أيزنكوت على رمزيته بوصفه أحد أبرز أبناء "إسرائيل الثانية"، بل بدأ ينعكس بصورة ملموسة في استطلاعات الرأي الإسرائيلية. فقد أظهرت استطلاعات نُشرت خلال شهر تموز/يوليو 2026 أن الحزب الذي يقوده ينافس حزب الليكود على صدارة المشهد السياسي، إذ تراوح تمثيله بين 21 و24 مقعدًا، مقابل 21 إلى 23 مقعدًا لليكود، مع اختلاف النتائج بين مؤسسات الاستطلاع. كما أظهرت بعض الاستطلاعات تقدم أيزنكوت على بنيامين نتنياهو في سؤال "الشخص الأنسب لرئاسة الحكومة"، وهو مؤشر يعكس تحولًا في المزاج العام لدى شريحة من الناخبين الإسرائيليين في ظل تداعيات الحرب والأزمة السياسية المستمرة.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن الطريق إلى رئاسة الحكومة أصبح معبدًا أمام أيزنكوت؛ فطبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي تجعل تشكيل الحكومة مرتبطًا بقدرة أي مرشح على بناء ائتلاف يحظى بدعم 61 عضوًا على الأقل في الكنيست. ولذلك، قد يبقى التحدي الحقيقي أمامه في هندسة التحالفات السياسية أكثر من الفوز بعدد المقاعد.
ومن هذه الزاوية، تكتسب الاستطلاعات أهمية تتجاوز بعدها الانتخابي، إذ توحي بأن جزءًا متزايدًا من المجتمع الإسرائيلي بات أكثر استعدادًا لتقبل شخصية تنتمي إلى "إسرائيل الثانية" في موقع قيادة الدولة، وهو تحول يحمل دلالات اجتماعية وسياسية تتجاوز المنافسة الحزبية الآنية.
خاتمة
لا يمثل صعود غادي أيزنكوت مجرد حدث انتخابي عابر، بل يعكس تحولًا في بنية المجتمع الإسرائيلي وتوازناته الداخلية. وإذا كان نجاحه المحتمل يعبر عن تقدم "إسرائيل الثانية" نحو مركز القرار، فإنه يكشف أيضًا استمرار التوترات البنيوية التي صاحبت المشروع الصهيوني منذ نشأته، والتي لم تستطع سياسات الدمج والصهر إنهاءها بصورة كاملة.
ومن منظور فلسطيني، فإن أهمية هذه التحولات لا تكمن في تغيير الوجوه داخل القيادة الإسرائيلية فحسب، بل في فهم كيفية إعادة تشكل النخب وموازين القوى داخل الدولة، وانعكاس ذلك على صناعة القرار في ملفات الصراع والأمن والسياسة الخارجية. لذلك، فإن متابعة هذه التحولات تمثل ضرورة تحليلية لفهم المجتمع الإسرائيلي واتجاهاته المستقبلية، أكثر من كونها متابعة لمنافسة انتخابية عابرة.

دلالات

شارك برأيك

أيزنكوت ينقل "إسرائيل الثانية" من الهامش إلى المركز: قراءة فلسطينية في التحولات البنيوية للمجتمع الإسرائيلي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.