رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 20/7/2026
وجّهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضربة جديدة لمساعي السلطة الفلسطينية لإثبات التزامها بإصلاح نظام مخصّصات الأسرى، بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الأحد، أن رام الله تحاول "خداع" المجتمع الدولي عبر الإيحاء بأنها أنهت برنامج المدفوعات الذي تعتبره واشنطن حافزاً على تنفيذ هجمات ضد الإسرائيليين. وبذلك رفضت الإدارة الأميركية نتائج تدقيق خارجي كانت السلطة تعوّل عليها لإثبات نجاح الإصلاحات، في موقف يُكرّس استمرار القطيعة السياسية ويُبقي على تجميد المساعدات الأميركية بموجب "قانون تايلور فورس".
وتعود جذور هذا الملف إلى شباط 2025، عندما وقّع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً ألغى البرنامج السابق الذي كان يربط مخصّصات الأسرى الفلسطينيين بمدة الأحكام الصادرة بحقهم، واستعاض عنه بمنظومة جديدة تُخضع جميع مساعدات الرعاية الاجتماعية لمعايير الحاجة والوضع المالي للمستفيدين. غير أن هذه الخطوة لم تُقنع واشنطن، بعدما كشفت تقارير في تشرين الثاني من العام نفسه عن صرف دفعة مالية وفق الآلية القديمة، وهو ما دفع عباس إلى إقالة وزير المالية في محاولة لاحتواء الأزمة واستعادة ثقة الإدارة الأميركية، من دون أن ينجح في ذلك.
وفي محاولة لتأكيد جدية الإصلاح، كلّفت السلطة الفلسطينية شركة الاستشارات العالمية "ألفاريز ومارسال" بإجراء تدقيق مستقل في النظام الجديد الذي تديره المؤسسة الفلسطينية للتمكين الاقتصادي "تمكين". وأعلنت السلطة خلال الشهر الجاري أن نتائج المراجعة أثبتت الالتزام الكامل بالإصلاحات وعدم استمرار البرنامج السابق. إلا أن واشنطن طالبت أولاً بنشر التقرير كاملاً، ثم سارعت، بعد نشر ملخصه، إلى رفض نتائجه، معتبرة أن التدقيق اقتصر على مراجعة أعمال مؤسسة "تمكين" ولم يتناول، بحسب زعمها، قنوات مالية أخرى يمكن استخدامها للالتفاف على الإصلاحات.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن المراجعة "لا يمكن اعتبارها دليلاً على توقف مدفوعات الدفع مقابل القتل"، متهماً السلطة الفلسطينية بمواصلة تحويل أموال إلى عائلات الأسرى والشهداء عبر رواتب أو معاشات أو مدفوعات نقدية، من دون أن يقدّم أدلة علنية تدعم هذه الاتهامات. كما دعا المتحدث الأميركي الاتحاد الأوروبي والدول المانحة إلى عدم "الانخداع" بما وصفه بـ"الخداع"، مطالباً السلطة بإنهاء ما اعتبره جميع أشكال التشجيع أو التمجيد أو المكافآت المرتبطة ب"أعمال الإرهاب" (بحسب قوله) بصورة نهائية ولا رجعة فيها.
وكانت السلطة الفلسطينية تأمل أن يمنحها التدقيق الذي أجرته شركة دولية ذات سمعة مهنية مرموقة أساساً لإقناع واشنطن بإجراء مراجعة رسمية تنتهي إلى إعلان امتثالها لقانون تايلور فورس، الذي يحظر تقديم معظم المساعدات الأميركية ما دامت المدفوعات المرتبطة بمدة الأحكام القضائية مستمرة. غير أن التقرير السنوي الصادر عن الإدارة الأميركية في نيسان الماضي خلص إلى أن البرنامج القديم لا يزال قائماً، مستنداً بصورة رئيسية إلى معلومات مفتوحة المصدر وفّرتها إسرائيل ومنظمات تنتقد أداء السلطة الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، كثّفت إسرائيل ضغوطها على العواصم الغربية لإقناعها بأن الإصلاحات الفلسطينية شكلية ولا تعكس تغييراً حقيقياً. ونقل دبلوماسي أوروبي أن مسؤولين إسرائيليين يعقدون لقاءات مع شركائهم الأوروبيين لتقديم ما يقولون إنها أدلة على استمرار المدفوعات بطرق مختلفة. كما قال مسؤول إسرائيلي إن إثبات استمرار هذه المدفوعات يتطلب معلومات استخباراتية أكثر منه مراجعات محاسبية، مشيراً إلى أن عدداً من الأسرى السابقين يحصلون على وظائف حكومية بعد الإفراج عنهم باعتبارها امتداداً لنظام المكافآت السابق. في المقابل، رفض مسؤول فلسطيني هذه الاتهامات، معتبراً أنها تندرج ضمن حملة إسرائيلية أوسع تستهدف تقويض السلطة الفلسطينية وإضعافها، في وقت يواصل فيه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش احتجاز مليارات الدولارات من أموال المقاصّة، الأمر الذي يفاقم الأزمة المالية ويشلّ جانباً مهماً من عمل القطاع المصرفي الفلسطيني.
ولا يبدو الخلاف بين واشنطن والسلطة الفلسطينية مقتصراً على آلية صرف مخصصات الأسرى، بل يعكس أزمة ثقة سياسية عميقة تراكمت على مدى سنوات. فإدارة ترمب لا تنظر إلى الإصلاحات من زاوية قانونية أو محاسبية فحسب، بل من منظور سياسي وأمني يجعل أي خطوة فلسطينية موضع شك مسبق. لذلك، فإن رفض نتائج التدقيق الدولي يشير إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بإثبات الامتثال، وإنما بغياب الإرادة السياسية الأميركية للاعتراف به، ما يجعل أي إصلاح مستقبلي عاجزاً عن تغيير الموقف ما لم تتغير الحسابات السياسية الأوسع.
وتكشف هذه القضية حدود التدقيق المالي عندما يتحول إلى أداة لإثبات وقائع ذات طبيعة أمنية واستخباراتية. فالشركات الدولية تستطيع مراجعة السجلات الرسمية والتأكد من سلامة الإجراءات المحاسبية، لكنها لا تملك صلاحية التحقق من ادعاءات تتعلق بقنوات تمويل سرية أو تحويلات غير موثقة. وفي المقابل، تستند واشنطن وإسرائيل إلى معلومات استخباراتية لا تُنشر للرأي العام ولا تخضع للتدقيق المستقل، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام روايتين متناقضتين يصعب التحقق من أي منهما بصورة موضوعية وحاسمة.
ويتجاوز استمرار الجدل حول مخصصات الأسرى مسألة المساعدات الأميركية، ليصبح جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل السلطة الفلسطينية نفسها. فبالتوازي مع احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة وتشديد القيود الاقتصادية، يؤدي التشكيك الأميركي بالإصلاحات إلى إضعاف قدرة السلطة على استعادة ثقة المانحين الدوليين. وإذا استمر هذا المسار، فقد تجد رام الله نفسها أمام أزمة مالية وسياسية متفاقمة، لا تهدد مؤسساتها فحسب، بل تفتح المجال أمام مزيد من عدم الاستقرار الأمني والسياسي في الضفة الغربية، بما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية.





شارك برأيك
واشنطن تصف إصلاح السلطة لمخصّصات الأسرى بـ"الخداع" وتُسقط ورقة التدقيق الدولية