رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-28/6/2026
تحليل إخباري
تكشف مسودة القرار المتعلقة بما يُعرف بـ"مجلس السلام" عن أكثر من مجرد ترتيبات إدارية لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة؛ فهي تفتح الباب أمام سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السلطة التي يُراد فرضها، وحدود السيادة الفلسطينية، ومستقبل فكرة المحاسبة ذاتها في واحدة من أكثر البيئات تدميراً وتعقيداً في العالم.
ففي الوقت الذي يُقدَّم فيه المشروع باعتباره إطاراً لإعادة الإعمار وإعادة الاستقرار ونزع السلاح، تُظهر الوثيقة اتجاهاً موازياً أقل وضوحاً لكنه أكثر حساسية: إنشاء بنية حكم انتقالية تتمتع بحصانات قانونية واسعة، تمتد من القيادات السياسية إلى المتعاقدين والقوات الدولية، وصولاً إلى خبراء محليين فلسطينيين سيشاركون في الإدارة المدنية. هذا التوسع في مفهوم الحصانة لا يتعلق فقط بحماية الأفراد، بل بإعادة تعريف من يملك حق المساءلة ومن يُستثنى منها.
من الناحية العملية، فإن منح حصانة شاملة لأي كيان يدير شؤون قطاع منكوب مثل غزة يضعف فوراً أحد أهم مبادئ القانون العام: أن السلطة تقترن بالمساءلة. وعندما تُنقل هذه الصلاحيات إلى كيان غير خاضع لرقابة قضائية مستقلة داخل الإقليم، ولا لآلية دولية واضحة خارجها، يصبح السؤال ليس فقط كيف ستُدار غزة، بل تحت أي قانون ستُدار، ومن يملك حق الاعتراض عند وقوع الانتهاكات أو الأخطاء.
الأخطر في المسودة ليس فقط اتساع نطاق الحصانة، بل غياب الجهة التي يمكن للفلسطينيين اللجوء إليها للطعن أو المحاسبة. فالنصوص التي تجعل المجلس نفسه جهة التحقيق في المطالبات المتعلقة بالأضرار أو الخسائر تعني عملياً دمج موقع "الخصم" و"القاضي” في مؤسسة واحدة. وهذه ليست مجرد ثغرة تقنية، بل خلل بنيوي في مفهوم العدالة الانتقالية، الذي يفترض عادة وجود طرف ثالث محايد.
في هذا السياق، يصبح مستقبل الفلسطينيين في غزة مرتبطاً بنموذج إدارة لا يقوم على التوازن بين السلطة والمساءلة، بل على تفويض واسع النطاق لهيئة انتقالية تمتلك صلاحيات تنفيذية وأمنية وقضائية في آن واحد. وهذا النوع من التراكم السلطوي، حتى لو كان مؤقتاً، يخلق واقعاً سياسياً جديداً يصعب التراجع عنه لاحقاً، خصوصاً في ظل هشاشة البنية السياسية الفلسطينية والانقسام الداخلي المستمر.
سياسياً، تطرح هذه الصيغة سؤالاً حساساً حول معنى “الانتقال” ذاته. هل نحن أمام مرحلة تمهيدية لعودة الفلسطينيين إلى حكم ذاتي فعلي، أم أمام نموذج إدارة دولية طويلة الأمد تُدار من الخارج وتُضبط أولوياتها خارج السياق الفلسطيني الداخلي؟ فكلما اتسعت صلاحيات مجلس السلام وتعمقت حصاناته، تقلصت مساحة القرار الفلسطيني، حتى داخل الشؤون اليومية المدنية.
الأكثر دلالة أن الوثيقة، كما تكشفها التقارير، لم تُعرض بشكل كامل على الأطراف الفلسطينية المشاركة في الإدارة المدنية. وهذا التفصيل، على أهميته، يعكس خللاً في بنية المشاركة نفسها: إذ يبدو أن الفلسطينيين يُستدعون لتطبيق نموذج لم يشاركوا فعلياً في صياغته، بل أُعدّ في دوائر ضيقة خارجية، ثم عُرض عليهم كأمر واقع.
اقتصادياً وإدارياً، يضيف بند استخدام الممتلكات العامة مجاناً لإدارة المجلس طبقة أخرى من الإشكاليات. فغياب آليات واضحة للتعويض أو التنظيم القانوني يضع مستقبل الموارد العامة في غزة في منطقة رمادية، قد تتحول فيها المرافق إلى أدوات تشغيل بيد إدارة خارجية دون ضمانات سيادية أو محلية حقيقية. وهذا يعيد إنتاج نمط معروف في تجارب دولية سابقة، حيث تختلط إعادة الإعمار بإعادة توزيع النفوذ أكثر من كونها عملية تنمية متوازنة.
أما أمنياً، فإن ربط المشروع بنزع سلاح الفصائل وتهيئة بيئة لانتشار قوة دولية يضع غزة أمام مرحلة إعادة تشكيل عميقة للبنية الأمنية، لكنها تتم خارج إطار اتفاق سياسي شامل مع الفلسطينيين أنفسهم. وهنا يكمن أحد أهم التناقضات: لا يمكن فرض استقرار دائم عبر ترتيبات أمنية مفروضة من الخارج دون عقد سياسي واضح يحدد الحقوق والواجبات والضمانات المتبادلة.
من زاوية القانون الدولي، تثير المسودة إشكالية إضافية تتعلق بطبيعة الكيان نفسه: هل هو منظمة دولية؟ أم هيئة سياسية خاصة؟ أم نموذج هجين خارج التصنيفات التقليدية؟ هذا الغموض ليس تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر حاسم في تحديد ما إذا كانت الحصانات المقترحة قانونية أصلاً أم مجرد امتيازات سياسية غير مستقرة.
في المحصلة، يبدو أن ما يُطرح في غزة لا يتعلق فقط بإعادة الإعمار، بل بإعادة هندسة نموذج الحكم نفسه. غير أن أي نموذج لا يقوم على المساءلة الشفافة، ولا يضمن حق الفلسطينيين في الرقابة والمحاسبة والاعتراض، يحمل في داخله بذور أزمة مستقبلية، حتى لو بدا في لحظته أداة للاستقرار.
إن مستقبل الفلسطينيين في غزة، في ضوء هذه المسودة، لا يتحدد فقط بمدى نجاح مشاريع البناء أو نزع السلاح، بل بقدرة أي إطار حاكم جديد على الإجابة عن سؤال بسيط لكنه جوهري: من يحاسب السلطة عندما تخطئ؟ ومن يضمن ألا تتحول "المرحلة الانتقالية" إلى نظام دائم بلا مساءلة؟
فمن دون إجابات واضحة على هذه الأسئلة، قد تتحول الحصانات من أداة حماية إدارية إلى حاجز سياسي يفصل السكان عن حقوقهم، ويجعل من غزة ساحة إدارة خارجية أكثر منها مساحة سيادة فلسطينية قابلة للحياة.





شارك برأيك
حصانات فوق غزة: هل يُعاد تشكيل مستقبل الفلسطينيين خارج المساءلة؟