لطالما ارتبط نجاح السياسيين الأمريكيين بمدى قربهم من اللوبي الصهيوني، إلا أن المشهد الحالي يشير إلى تحول جذري مع تدخل الإدارة الأمريكية المباشر في التوازنات الإسرائيلية الداخلية. ويبدو أن الرئيس دونالد ترامب، الذي دعم نتنياهو سابقاً في أزماته القضائية، قد بدأ يغير بوصلته السياسية تجاه حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب.
تؤكد مصادر مطلعة أن الدعم الأمريكي لنتنياهو لم يعد شيكاً على بياض، بل أصبح مشروطاً بمدى انصياع الأخير لورقة التفاهمات بين واشنطن وطهران. هذا التحول يأتي بعد مرحلة من التصعيد العسكري الذي بلغ ذروته في حزيران 2025، حين منحت واشنطن الضوء الأخضر لضرب المفاعلات النووية الإيرانية، بما فيها منشأة فوردو الحصينة.
وعلى الرغم من العمليات العسكرية الخاطفة، إلا أن العقل السياسي الأمريكي أدرك عدم جدوى التورط في حرب مفتوحة طويلة الأمد على غرار تجارب أفغانستان والعراق. وقد حاول نتنياهو جر الإدارة الأمريكية لمواجهة شاملة تهدف لإسقاط النظام الإيراني، مستخدماً وثائق استخباراتية وصفتها مصادر بأنها كانت تهدف لتضليل البيت الأبيض.
لقد أثبتت 'استراتيجية الصبر' الإيرانية فعاليتها في الميدان، خاصة بعد قرار طهران إغلاق مضيق هرمز، وهو ما وضع الاقتصاد العالمي والإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي. هذا الضغط دفع واشنطن للبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، بعيداً عن رغبة نتنياهو في استمرار النزاع لضمان بقاء ائتلافه الحكومي في السلطة.
في أروقة البيت الأبيض، برز انقسام واضح بين تيارين؛ أحدهما يقوده نائب الرئيس جي دي فانس الذي يطمح للرئاسة في 2028، ويؤيد التفاوض لإنهاء الأزمة. فانس، مدعوماً بجاريد كوشنير، يرى ضرورة الانفكاك عن الانحياز الأعمى لسياسات اليمين الإسرائيلي التي تضر بالمصالح الأمريكية العليا وتؤجج التضخم الداخلي.
تحول دعم ترامب لنتنياهو من تأييد تلقائي إلى شرط مرهون بمدى الالتزام بالتفاهمات الأمريكية مع طهران.
وقد قاد جي دي فانس جهوداً دبلوماسية مكثفة، وصلت إلى حد سفره إلى إسلام أباد للتفاوض المباشر مع الجانب الإيراني عبر الوسيط الباكستاني. هذه التحركات تهدف إلى تثبيت اتفاق إطار ينهي حالة التوتر، وهو ما قوبل بمعارضة شرسة من أقطاب الإدارة الأكثر تشدداً مثل مارك روبيو وبيت هيغسيث.
ومع تسريب بنود مذكرة التفاهم، شنت حكومة نتنياهو عبر 'طابورها الخامس' حملة إعلامية وميدانية لإفشال الاتفاق، شملت تصعيداً عسكرياً في الضاحية الجنوبية لبيروت. هذه المحاولات وضعت ترامب في موقف حرج، مما دفعه للإسراع في إجراءات التوقيع الإلكتروني على الاتفاق لقطع الطريق أمام أي تعطيل إسرائيلي إضافي.
ردود الفعل الإسرائيلية لم تتأخر، حيث شن الوزيران إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش هجوماً لاذعاً على ترامب، مستخدمين لغة غير مسبوقة في التخاطب بين الحلفاء. وقد تولى جي دي فانس مهمة الرد على هذه التجاوزات، مما يعكس عمق الفجوة التي بدأت تتسع بين الإدارة الأمريكية الحالية وأقطاب اليمين المتطرف في إسرائيل.
ختاماً، يبدو أن الأيام القادمة ستشهد مزيداً من التوتر في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث يحاول كل طرف فرض رؤيته لمستقبل المنطقة. وبينما يسعى ترامب لتسويق الاتفاق كإنجاز سياسي قبل الانتخابات، يرى نتنياهو في هذا المسار تهديداً مباشراً لمستقبله السياسي واستقرار حكومته القائمة على استمرار حالة الحرب.





شارك برأيك
صدام المصالح: فانس في مواجهة اليمين الإسرائيلي المتطرف وتداعيات الاتفاق مع إيران