أقلام وأراء

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

المقاصة ليست المشكلة... المقاصة كشفت المشكلة



كلما اشتدت الأزمة المالية الفلسطينية، ارتفعت الأصوات المطالبة بالإفراج عن أموال المقاصة، وكأن هذه الأموال هي مفتاح الخلاص الوحيد للاقتصاد الفلسطيني. والحقيقة أن المقاصة مهمة، بل وحيوية، لكن اختزال الأزمة الفلسطينية كلها في الأموال المحتجزة يشبه معالجة الحمى وترك المرض يتفشى في الجسد.
المقاصة ليست المشكلة. المقاصة كشفت المشكلة.
لقد كشفت هشاشة نموذج اقتصادي كامل بُني خلال العقود الماضية على افتراض خطير مفاده أن الأموال ستستمر بالتدفق دائمًا، وأن الرواتب ستُدفع دائمًا، وأن المساعدات الخارجية ستصل دائمًا، وأن الاحتلال سيبقى ملتزمًا بالقواعد الاقتصادية حتى وهو يواصل تقويض كل شيء آخر.
اليوم ندفع ثمن هذا الوهم.
عندما تستطيع حكومة الاحتلال أن تحتجز أكثر من عشرة مليارات شيكل من أموال الفلسطينيين، وأن تُدخل السلطة في أزمة رواتب، وتُربك القطاع المصرفي، وتُعطل سداد مستحقات القطاع الخاص، فهذا لا يعني فقط أن هناك أزمة مالية، بل يعني أن هناك أزمة سيادة اقتصادية.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام مفهوم السيادة الاقتصادية. السيادة الاقتصادية لا تعني امتلاك المال فقط، بل امتلاك القدرة على الاستمرار عندما يتوقف المال. لا توجد دولة حقيقية تضع 65% من إيراداتها في يد جهة تستطيع حجبها متى تشاء. ولا توجد شركة ناجحة في العالم تقبل أن يعتمد ثلثا دخلها على مصدر واحد يمكن أن يتوقف بقرار سياسي أو إداري مفاجئ. ومع ذلك، هذا بالضبط ما حدث للاقتصاد الفلسطيني.
نعم، الاحتلال يتحمل المسؤولية الأساسية عن خنق الاقتصاد الفلسطيني واستخدام المال كسلاح سياسي. لكن السؤال الذي يجب أن نمتلك الجرأة لطرحه على أنفسنا هو: ماذا فعلنا خلال العقود الثلاثة الماضية لتقليل هذه التبعية؟
لماذا تراجعت الزراعة؟ لماذا بقيت الصناعة محدودة؟ ولماذا تحولت الأسواق الفلسطينية إلى أسواق استهلاكية تستورد أكثر مما تنتج؟ ولماذا لم تتحول مليارات الفلسطينيين في الشتات إلى مشاريع إنتاجية استراتيجية داخل الوطن؟
الحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها هي أن فلسطين لا تعاني من أزمة مال فقط، بل من أزمة نموذج اقتصادي كامل.
ولو وصلت المقاصة غدًا كاملة، وعادت المساعدات الخارجية كما كانت، فلن تختفي الأزمة. سنكون فقط قد اشترينا بعض الوقت. لأن أصل المشكلة سيبقى قائمًا.
 وهنا تظهر أهمية مفهوم "اقتصاد المقاومة". اقتصاد المقاومة ليس شعارًا سياسيًا ولا خطبة حماسية تُلقى في مناسبة وطنية. اقتصاد المقاومة هو أن تمتلك القدرة على الصمود عندما تُغلق المعابر. وأن تنتج غذاءك عندما تُمنع الواردات. وأن توفر جزءًا من احتياجاتك الأساسية عندما تتعرض للابتزاز السياسي.
اقتصاد المقاومة يبدأ من المزرعة قبل أن يبدأ من البنك. ويبدأ من المصنع قبل أن يبدأ من الموازنة. ويبدأ من المعرفة قبل أن يبدأ من القروض.
عندما تنتج فلسطين جزءًا أكبر من احتياجاتها الزراعية، فهذا شكل من أشكال المقاومة. وعندما يُنشأ صندوق استثماري وطني يشارك فيه الفلسطينيون في الداخل والشتات لتمويل المشاريع الإنتاجية، فهذا شكل من أشكال المقاومة. وعندما تتحول الجامعات الفلسطينية إلى حاضنات للشركات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والبرمجيات القادرة على التصدير للعالم، فهذا شكل من أشكال المقاومة. وعندما تُستثمر أسطح المباني في الطاقة الشمسية لتقليل فاتورة الطاقة المستوردة، فهذا شكل من أشكال المقاومة أيضًا.
المطلوب اليوم ليس فقط إنقاذ الخزينة، بل إعادة بناء فلسفة الاقتصاد الفلسطيني. اقتصاد يقوم على الإنتاج لا على الاستهلاك. وعلى الاستثمار لا على الانتظار. وعلى خلق الثروة لا على توزيع ما يتبقى منها. وعلى المبادرة لا على إدارة الأزمات.
لقد تحولت إدارة الأزمة في السنوات الأخيرة إلى إنجاز بحد ذاته، بينما يفترض أن يكون الإنجاز الحقيقي هو الخروج من الأزمة. وأصبح النجاح يُقاس بقدرتنا على تأجيل الانهيار شهرًا إضافيًا، لا بقدرتنا على بناء اقتصاد يمنع الانهيار أصلًا.
لهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين اليوم ليس فقط استعادة أموال المقاصة، بل استعادة القدرة على إنتاج القيمة والثروة والعمل.
فالدول لا تُبنى بالرواتب وحدها. ولا تنهض بالقروض وحدها. ولا تعيش على المساعدات إلى الأبد. الدول تُبنى عندما يتحول المواطن من مستهلك ينتظر إلى منتج يبادر. وعندما تتحول الحكومة من مدير للأزمة إلى قائد لمشروع اقتصادي وطني. وعندما يصبح الأمن الاقتصادي جزءًا من الأمن الوطني.
المقاصة ليست المشكلة.
المقاصة كشفت المشكلة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد اقتصادًا ينتظر التحويلات كل شهر؟ أم اقتصادًا يستطيع الوقوف على قدميه حتى عندما تتوقف التحويلات؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد شكل فلسطين في العقد القادم. وكل ما عداه تفاصيل.

دلالات

شارك برأيك

المقاصة ليست المشكلة... المقاصة كشفت المشكلة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.