يُعد الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين نموذجاً فريداً للعالم الرباني الذي جمع بين سعة العلم والتواضع الجم، حيث عُرف بمنهجه اليسير في تقريب مسائل الدين للعامة وحلمه الكبير مع الشباب. وقد تركت كلماته وتوجيهاته أثراً عميقاً في نفوس طلابه، إذ كان يركز دائماً على تعليق القلوب بالله وحده واللجوء إليه في المحن والشدائد.
ولد الفقيد في ليلة السابع والعشرين من رمضان عام 1347هـ بمدينة عنيزة في منطقة القصيم، ونشأ في بيئة علمية بدأت بحفظ القرآن الكريم على يد جده الشيخ عبد الرحمن الدامغ. ولم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره حتى كان قد أتم حفظ كتاب الله، ليبدأ بعدها رحلته في طلب العلوم الشرعية بالتحاقه بحلقات العلم في الجامع الكبير.
تأثر الشيخ ابن عثيمين بشكل جوهري بشيخه الأول عبد الرحمن بن ناصر السعدي، حيث استقى منه المنهج التأصيلي وطريقة التدريس والاهتمام بالدليل الشرعي. كما ارتبط بعلاقة علمية وطيدة بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، الذي اعتبره شيخه الثاني، حيث قرأ عليه في صحيح البخاري ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية.
اتسمت حياة الشيخ المعيشية ببساطة نادرة وزهد حقيقي في مظاهر الدنيا، حيث قضى معظم سنوات عمره في بيت من طين بعيداً عن التكلف والترف. وبالرغم من مكانته المرموقة، إلا أنه كان يرفض المظاهر الفارهة في الملبس أو المركب، مفضلاً التواضع الذي جعله قريباً من قلوب الفقراء والأغنياء على حد سواء.
تجلت رعاية الشيخ لطلابه في مواقف عملية عديدة، لعل أبرزها تحويل العمارة التي أهداها له الملك خالد بن عبد العزيز إلى وقف سكني مجاني لطلاب العلم. ولم يكتفِ بذلك، بل افتتح لهم مطعماً خاصاً وهيأ مكتبة شاملة، ليخلق بيئة تعليمية متكاملة تجمع بين التحصيل العلمي وتوفير احتياجات الحياة الأساسية.
بدأت مسيرة الشيخ في التدريس مبكراً بتشجيع من شيخه السعدي الذي توسم فيه النجابة، حيث شرع في إلقاء الدروس عام 1370هـ وهو لا يزال طالباً. وبعد وفاة شيخه، تسلم إمامة الجامع الكبير في عنيزة، لتصبح حلقاته مقصداً لمئات الطلاب الوافدين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي طلباً للعلم الراسخ.
لم يقتصر نشاط الشيخ العلمي على مدينة عنيزة، بل امتد ليشمل الحرمين الشريفين، حيث كان يعقد حلقات علمية في مواسم الحج ورمضان منذ عام 1402هـ. وكانت دروسه في المسجد الحرام تمتد لمد البصر، حيث يجيب على أسئلة الناس بصدر رحب وعلم غزير، مما ساهم في نشر الوعي الديني الصحيح.
ادعُ لنفسك، وما الذي يمنعك أن تُلحّ على الله في دعائك؟
ترك الشيخ ابن عثيمين إرثاً علمياً ضخماً تجاوز الخمسين عاماً من العطاء، شمل عشرات الكتب والرسائل المحققة في التفسير والحديث والفقه. كما خلّف آلاف الساعات الصوتية المسجلة التي تتناول شرح المتون العلمية، والتي تتولى مؤسسته الخيرية حالياً جمعها وتحقيقها ونشرها عبر الوسائط الحديثة.
شغل الشيخ مناصب رسمية وعلمية رفيعة، كان أبرزها عضويته في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية منذ عام 1407هـ. كما ساهم بفعالية في وضع المناهج الدراسية للمعاهد العلمية، وكان ركناً أساسياً في برامج التوعية الإسلامية خلال مواسم الحج لسنوات طويلة.
اشتهر الشيخ بمشاركته الفاعلة في برنامج 'نور على الدرب' عبر إذاعة القرآن الكريم، حيث كان يجيب على تساؤلات المستفتين بأسلوب فقهي رصين ومبسط. وقد نذر نفسه لخدمة السائلين عبر الهاتف والمكاتبة، مخصصاً أوقاتاً محددة للقاءات العلمية الأسبوعية والشهرية التي لا تنقطع.
كان للشيخ حضور بارز في العمل الخيري والاجتماعي، حيث ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم في عنيزة منذ تأسيسها، وسعى في حوائج الناس وإصلاح ذات البين. وقد حظيت اختياراته الفقهية بقبول واسع لدى جمهور المسلمين نظراً لالتزامه بالدليل الشرعي ووسطية المنهج التي كان يدعو إليها.
تقديراً لجهوده العظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين، مُنح الشيخ جائزة الملك فيصل العالمية عام 1414هـ، وهو تكريم جاء ليتوج مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والتربوي. وقد ظل الشيخ على عهده في نشر العلم حتى الأيام الأخيرة من حياته، رغم انشغالاته الكثيرة ومسؤولياته المتعددة.
انتقل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين إلى رحمة الله في مدينة جدة قبيل مغرب يوم الأربعاء 15 شوال 1421هـ، الموافق العاشر من يناير لعام 2001م. وقد شيعت جنازته في موكب مهيب من الحرم المكي، حيث ووري جثمانه الثرى في مقبرة العدل بمكة المكرمة وسط حزن عميق لف العالم الإسلامي.
يبقى تراث الشيخ ابن عثيمين سراجاً منيراً للأجيال القادمة، حيث استطاع بمؤلفاته وتسجيلاته أن يكسر الحواجز الجغرافية ويصل بعلمه إلى كل بيت. إن سيرته تمثل نموذجاً للمزاوجة الناجحة بين العلم والعمل، وبين التمسك بالأصالة الشرعية والانفتاح على وسائل العصر في تبليغ رسالة الإسلام.





شارك برأيك
الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين.. مسيرة عالم رباني سخر حياته لخدمة العلم والتربية