GENERAL

الخميس 28 مايو 2026 2:49 مساءً - بتوقيت القدس

جدل قانون الأحوال الشخصية في مصر: حضور كنسي وتهميش لدور الأزهر الدستوري

شهد المجال العام في مصر خلال الأسبوعين الماضيين حالة من الحراك والجدل المتصاعد حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد. وقد رصدت مصادر متابعة تبايناً في تعامل السلطة مع المؤسسات الدينية، حيث سُمح للكنيسة بصياغة قانونها الخاص بينما غاب التنسيق مع مؤسسة الأزهر الشريف.

أعلنت الكنيسة المصرية عن تقديم مشروع قانون موحد لكافة المذاهب المسيحية، مؤكدة حدوث توافق داخلي حول بنوده التي تراعي الاختلافات المذهبية. وقد سلك هذا المشروع مساره القانوني من وزارة العدل إلى مجلس النواب وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، في عملية اتسمت بالوضوح المؤسسي.

في المقابل، أثار غياب الأزهر عن المشهد تساؤلات شعبية واسعة حول مصير المواد المتعلقة بالشريعة الإسلامية في القانون المرتقب. وأوضحت مصادر أن السلطة لم تشرك المؤسسة الدينية الرسمية في صياغة المسودات المسربة، مما يعد تجاوزاً للدور المنوط بها قانوناً.

ينص الدستور المصري في مادته السابعة على أن الأزهر الشريف هو المرجع الأساسي والوحيد في الشؤون الإسلامية والعلوم الدينية. وبالرغم من هذا النص الصريح، إلا أن التعامل مع قانون يمس صميم حياة المسلمين اتسم بنوع من الإقصاء المتعمد للمؤسسة العريقة.

أكد الأزهر في تصريحات رسمية رداً على استفسارات الجمهور أنه لم يتسلم أي مسودات رسمية للقانون لمراجعتها حتى الآن. هذا التصريح وضع الجهات التنفيذية في حرج، خاصة مع تزايد التسريبات التي تتحدث عن تعديلات جوهرية في بنود الأسرة والمواريث.

تشير القراءات التحليلية إلى أن القوانين الخاصة بالمسيحيين في مصر كانت الأكثر احتياجاً للتعديل نظراً لقدم اللائحة المعمول بها منذ عام 1938. ومع ذلك، فإن التركيز السلطوي انصب على تعديل قوانين المسلمين بشكل متكرر، وهو ما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذه التعديلات.

يرى مراقبون أن هناك ضغوطاً أو مطالب دولية، لا سيما من جهات أوروبية، تدفع باتجاه تغيير بنية قوانين الأسرة في المنطقة العربية. وتخشى أوساط دينية أن تكون هذه التعديلات محاولة للالتفاف على النصوص الشرعية الثابتة تحت مسميات التحديث والمعاصرة.

تاريخ العلاقة بين الأزهر والسلطة في ملف الأحوال الشخصية حافل بالصدامات، حيث كان شيوخ الأزهر يقفون دائماً حائط صد أمام أي مساس بالثوابت. ويستذكر التاريخ موقف الشيخ محمد الخضر حسين والشيخ عبد الحليم محمود في مواجهة محاولات تغيير أحكام المواريث والطلاق.

انتقد محللون موقف النخبة التي تصف نفسها بالمدنية، حيث اتهموهم بازدواجية المعايير في التعامل مع المؤسسات الدينية. فهم يدعمون استقلالية الكنيسة في تشريعها الخاص، بينما يهاجمون الأزهر عندما يتمسك بحقه الدستوري في مراجعة القوانين التي تخص المسلمين.

إن الدولة المدنية تقتضي احترام الدستور وفصل السلطات مع إحالة الملفات التخصصية لأهلها، وهو ما لم يتحقق في التعامل مع ملف الأزهر. فبينما تُركت المساحة كاملة للكنيسة لتنظيم شؤون رعاياها، تعرض الأزهر لهجوم إعلامي لمجرد توضيحه الحقائق للجمهور.

يعتبر قانون الأحوال الشخصية من أخطر المساحات التشريعية لأنه يمس الركن الأساسي في المجتمع وهو الأسرة واستقرارها. لذا فإن التلاعب بنصوصه بعيداً عن الرقابة الشرعية المتخصصة قد يؤدي إلى خلل اجتماعي وقانوني بعيد المدى يصعب تداركه مستقبلاً.

لقد كان موقف شيخ الأزهر الحالي في قضايا سابقة، مثل الطلاق الشفوي، مؤشراً على تمسك المؤسسة بالاجتهاد الفقهي الرصين بعيداً عن الإملاءات السياسية. وينتظر الشارع المصري من الأزهر وقفة مماثلة تجاه المسودات المسربة التي قد تمس ثوابت الأسرة المسلمة.

إن الصمت أو الانتظار لم يعد خياراً مقبولاً أمام مؤسسة الأزهر في ظل تسارع الخطوات لتمرير القانون عبر القنوات البرلمانية. فالدور التاريخي للأزهر يحتم عليه الذود عن المقدسات وحماية النسيج المجتمعي من أي اختراقات تشريعية غريبة عن قيم المجتمع.

ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة المؤسسات التشريعية على الموازنة بين متطلبات التحديث وبين الحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع. إن استبعاد الأزهر من هذه العملية لا يضعف القانون فحسب، بل يزعزع الثقة في المنظومة التشريعية برمتها.

دلالات

شارك برأيك

جدل قانون الأحوال الشخصية في مصر: حضور كنسي وتهميش لدور الأزهر الدستوري

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.